أبولودور الدمشقي اعظم معمار في تاريخ البشرية

أبولودور الدمشقي اعظم معمار في تاريخ البشرية

أبولودور الدمشقي اعظم معمار في تاريخ البشرية
أحد أعظم المعماريين في التاريخ القديم وكبير مهندسي روما، حمل اسم دمشق معه دائماً.

كلمة لابد منها

للأسف لا يذكر السوريون لا جهات رسمية ولا علمية ولا أكاديمية ولا مراكز ابحاث وحتى كليات الهندسة، ولا مسؤولون ولا افراد اسم هذا العلَم الدمشقي العظيم الذي عطَّر اسمَ دمشق في ارجاء الامبراطورية الرومانية، وللمفارقة المقيتة تتسارع الجهات المذكورة وتتسابق لتسمي شارع او مدرسة او… باسم قاتل في تاريخنا نعتبره فاتحاً ومحرراً وفق الميل والهوى الشخصي بعيداً عن منهجية كتابة التاريخ وسير أربابه… وليس اكثر منهم في ناريخنا ممن تعلمناهم في مدارسنا وهم عكس واقعهم، وكانوا ونحن نعرف كموغلين في دراسة تاريخنا انه كذب ونفاق…

لكن والحمد لله بدأت المصداقية تغزو اصحاب الفكر الحروالتوضيح عن هؤلاء هم من عتاة القتلة والمجرمبن والتكفيريين للغير، وكانوا في وقتهم كدواعش وتكفيريي اليوم…كم قتلوا وكم سبوا واسترقوا باسم الله من وطننا سورية حين فتحوها كما في فتح دمشق السنة 634 دمويا بيد خالد بن الوليد بحق سكانها ولم يكن فيها اي جندي رومي او حين تسميتهم ذلك”تحريراً” من الغزاة بالحديد والنار وذبحوا السكان وساقوهم بتهجير ديموغرافي … كما فعل مثلاً الظاهر بيبرس المملوكي عام ضد الفرنج1268 حين دمر مدينة انطاكية وذبح وسبى سكانها السوريين البالغ عددهم مائة الف لأن الفرنجة كانوا قد اخلوها ولم يبق فيها الا سكانها، وأحل سواهم بدلاً عنهم وساق من ابقاه حياً الى مصر وكانت هذه الكارثة سبباً مباشراً في تهجير الكرسي الانطاكي وإحلاله في دمشق بعد 80 سنة من التيه، وكذلك فعل في سكان بلدات القلمون بتطهير ديموغرافي ديني…وأحل غيرهم عنهم…

وكثيرون على مثاله، ومع ذلك لهم الصدارة في تاريخنا ونحن في القرن 21 الذي صار مزيفاً ويوجب على كل مواطن سوري إعادة كتابته وتغيير هذه الشوائب بكل شفافية ومصداقية ولكن هيهات…

حول علمنا الدمشقي المهندس العظيم ابولودور لا شيء عنه… ولا أثر له في المشهد الثقافي والتعليمي والأكاديمي في سورية، لم تسمى باسمه كلية عمارة او حتى مجرد صف جامعي، او مجرد مدرج من كلية العمارة في جامعة دمشق وهي جامعته كتسمية مجازية، اواطلاق اسمه على مدرسة أوحتى حديقة أو شارع…

بينما تقام له النصب التذكارية على أبواب الجامعات الأوربية وهو الذي حمل إسم دمشق طيلة حياته، حمل اسم دمشق معه اينما حل وارتحل، ورفع اسم دمشق وسورية في اوربة والدولة الرومانية والمسكونة كلها هكذا فعلنا مع أعلام كبار من تاريخ سورية أمثال : زينون الرواقي وبابنيان الحمصي واليسار الحمصية وزنوبيا وكركلا وفيليب العربي ويوحنا الدمشقي

ومن حق الأجيال السورية القديمة كالمعاصرة في زمن العلم أن تعلم أنها تعيش في وطن تمتدّ جذوره لآلاف السنين وأن لأجدادهم مساهمات عظيمة في الحضارة الإنسانية…

بكل أسف لا يعرف أكثر السوريين هذا الاسم الشهير في اوربة… و السوريون الذين سمعوا به لا يذكرونه… فالتاريخ السوري لدى غالبيتهم ابتدأ منذ 1400 سنة فقط… وكما اسلفنا فقد نسيت/ إن احجمنا عن القول انها تناست/ وزارة التربية وزارة التعليم العالي ووزارة الثقافة والمحافظات السورية والبلديات تسمية مجرد مدرسة او كلية هندسة معمارية او مدنية باسمه أو باسم غيره من عظماء سورية الكثر عبر التاريخ الممتد لآلاف السنين لكي يتعرف الشعب السوري إليهم… فيعرف أن جذور حضارته تمتد آلاف السنين في عمق التاريخ، وليس 1400 سنة…!
من هو أبولودور؟؟؟
هو مهندس سوري ولد في دمشق حوالي عام 60 م، ربطته مع امبراطور روما تراجان علاقة قوية ـ وكانت سورية في تلك الحقبة جزء من الأمبراطورية الرومانية ـ بنى عدة أعمال خلدت اسمه مثل الجسر العظيم على نهر الدانوب 
ويذكر تاريخ كمبردج أن بعض العلماء يعتقدون بـ “أنّ سورية في مجال العمارة كانت متقدمة على رومة بل كانت بالنسبة لها النموذج الذي يحتذى… وأن سورية تفوقت على روما في عبقريتها المبدعة وفي معارفها التقنية وفي مهارة عمالها، ويفترض أن “أبولودور الدمشقي” قد اقتبس تصميمات المباني في سفح الكوريناليس عن موطنه الأصلي سورية… 
يقول الشاعر اللاتيني جوفينال: “إن العاصي السوري أخذ يصب مياهه منذ وقت طويل في نهر التيبر حاملاً معه لغته وعاداته…”

السوق التراجانية من انجازات ابولودور المعمارية
السوق التراجانية من انجازات ابولودور المعمارية

السيرة الذاتية
قيل إن العمارة هي بمثابة الشعر في البناء، و”أبولودور الدمشقي” شاعر في العمارة ونسّاج في العمران، وبنّاء للسلم والحرب، ذلك وفق الكتابات والدراسات العديدة التي تؤكد أن أصل المعمار العالمي “ابولودور” “دمشقي ولنفتخر…

لّما تذكر كتب التاريخ المهندسين المعماريين الذين أشادوا الأبنية الحضارية، وعند ذكر مبنىً أو قصرٍ أو بوابةٍ أو حمامٍ أو قلعةٍ أو جسرٍ أو معبدٍ، نرى في النقش المؤرخ للمبنى أو للترميمات التي أحدثت على المبنى اسم الإمبراطور أو الملك أو الحاكم أو الوالي الخ.. وحيث كان الأمر كذلك، فإنّه لمن الصعوبة بمكان أن نتعرف على المُخطِط أو المنُفذ للمنشآت التاريخية، وبالرغم من تلك الصعوبات، فقد لمع اسم المعماري الدمشقي “أبولودور” لكونه شخصية فذّة في هندسة العمارة، وفي فلسفتها، ما حدا بالإمبراطور تراجان للاهتمام به، ومن ثم الإمبراطور “هادريان” ولكن الظّلم اودى في النهاية به، فكان مقتله على يديه.
ولد أبولودور (هبة الإله أبولو) “Apollodorus” ” Ἀπολλόδωρος” في دمشق حوالي عام 60 ميلادية تقريباً، وكان صديقاً للإمبراطور “تراجان”، وذلك عندما كان والده “ماركوس ألبيوس” والياً على دمشق بين

ابولودور الدمشقي
ابولودور الدمشقي

عامي 77-79م، وعندما أصبح إمبراطوراً استقدم صديقه المعماري “أبولودور” إلى روما، ذلك المعماري الذي ربما خبره وعرفه ليس فقط لأنّه التقاه في دمشق بمحض الصدفة، بل لأنّ “أبولودور” ربما هو من بنى معبد الإله جوبيتر والذي ما تزال بعض من أجزائه ظاهرةً جلية مكان جامع دمشق الكبير، حيث عثر على نقش كتابي أثناء بعض الترميمات في الجامع يذكر اسم “أبولودور”، إذاً الإمبراطور تراجان تعرّف إلى صديقه من خلال عمل عظيم قام به وخير ما يمكن أن يكون هو بناء معبد جوبيتر، وبعد أن استقدم تراجان صديقه المعماري إلى روما أوكل إليه مهمة إنشاء الأبنية والصروح المعمارية العسكرية منها والمدنية، كما أنّه اصطحبه معه إلى داسيا (رومانيا) خلال حملته العسكرية الثانية عليها، فبنى “أبولودور” جسراً على نهر الدانوب من الحجر وهو الجسر الأول في أوربة، وذلك خلال عامي 104-105م، والذي يقع بالقرب من مدينة “دبريسين” في المجر، وقد تطلب بناؤه وضع عشرين ركيزة، حيث إنّ الجسر بطول 1097م، وعرض يراوح بين 13-29م، ولكن الإمبراطور “هادريان” قام بإزالة سطحه حتى لا يستطيع الأعداء استخدامه، وقد أمر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الكبير بإصلاحه عام 328م، وكذلك قام “أبولودور” بتصميم مجمع أسواق تراجان وساحة كبيرة (الفوروم) وعمود “تراجان” الذي يتوسطها وحمامات “تراجان” والحوض السداسي في أوستيا Ostia وأقواس النصر في مدينتي أنكونا Ancona وبينفينتوم Beneventun والأوديوم (Odeum) وهو مسرح الشعر والموسيقى في روما، كما أنجز تجفيف مستنقع البونتيه، وأصلح قناة من النيل إلى البحر، إضافة لتشييده معبد البانثيون Pantheo

مسرح موسيقي (أوديون) في مونتي جوردانو
مسرح موسيقي (أوديون) في مونتي جوردانو

أمّا عمود تراجان فهو بارتفاع 33م، وجسدت على العمود مشاهد، تروي قصة الحرب مع داسيا، ويرمز ذلك العمل أي؛ العمود لقوة الإمبراطورية الرومانية حيث تُرى قاعدته مزخرفة بمنحوتاتٍ تمثّل مشاهد واقعية من الحرب، ومن أهمّ سمات ذلك العمل الفني الرائع أنّه اختصر بشكل شيقٍ ما حققه “تراجان” من انتصارات على الأعداء في داسيا، حيث تقديم القربان للآلهة من قبل الإمبراطور أمام جسر الدانوب أي الجسر الذي بناه “أبولودور”، كما أنّ بعض المشاهد مثّلت المعدات التي استخدمها الرومان في تنزيل المؤن من السفن الحربية وتحميلها، وصعود “تراجان” إليها، وكذلك مشهد يمثل خطبة له أمام جنوده في إحدى القلاع ومشهد لأسرى الجنود الداسيين، إضافة لعمليات تشييد المباني داخل الغابات كما أنّ أحد المشاهد مثّل عمليات الانتحار الجماعي للداسيين في منازلهم وحرقها كي لا يتسنى للرومان الاستفادة منها أو تجرع الداسيين للسم

وفاته
لقد توفي”أبولودور” حوالي عام 130 ميلادية تقريباً، وإحدى الروايات تقول بأن الإمبراطور “هادريان” قتله بعد أن أهداه كتاباً في آلات الحرب، ولكن ذكره بقي وسيبقى ما دامت أعماله باقية، ومادام هناك من يذكر أعماله أو يقرأ كتب التاريخ التي تحدثت عنه، وعن عظمة هندسته المستمدة من عمق هندسي عظيم لدى السوريين الأوائل.

ماقيل عنه

للبحث في شخصية هذا المعمار الدمشقي العالمي، رصدنا مجموعة من الآراءحول حياته وإنجازاته
يقول الدكتور “عدنان البني” في كتابه الخاص عن “أبولودور الدمشقي”: “إن اسم أبولودور” في اليونانية يعني عطاء “أبولو” أو هبة “أبولو”، والرب اليوناني “أبولو” دخل بلاد الشام مع “الإسكندر”، ووُحِّد مع الرب “نبو” الذي كان أكثر الأرباب شعبية في بلادنا منذ أيام الكلدانيين، ولم يكن السوريون فيما نعرف يرون “أبولو” إلا من خلال الرب “نبو” الفائق الشعبية، حتى إن صفاتهما أخذت تتمازج، وهذا الأمر واضح مثلاً في الفن التدمري وأسماء الأعلام التدمرية، إن أسماء مثل “نبوزبد” أو “زبدنبو” أو “برنبو” يقابلها في النصوص اليونانية في “تدمر” أحياناً اسم “أبولودوروس” أو “أبولونيوس” وغير ذلك، وقد يقابل اسم “وهب اللات” اسم “اثينودوروس” على اعتبار أن الربة “أثينا” موحّدة مع الربة “اللات”، وانطلاقاً من هذه المطابقة أرى أن من المحتمل جداً أن يكون لأبولودور الدمشقي اسم محلي باللهجة العربية أو الآرامية، وقد يكون “أبولودور” اتخذ له أهله اسماً على السُنة المتبعة في أوساط النخبة التي كانت متأثرة بالثقافة اليونانية في أمهات المدن الشامية، ولدينا أمثلة على ذلك لدى الأنباط والتدمريين”.

ميناء تراجان من هندسة ابولودور الدمشقي
ميناء تراجان من هندسة ابولودور الدمشقي

-عن ولادته وصفاته يقول الدكتور “البني”: “في “دمشق” وُلِد “أبولودور”، وعاش تحت سمائها وتنشق عبيرها وغب ماءها وتغذى بخيراتها، وُلِد “أبولودور” في “دمشق” حوالي 60 م ومات منفياً حوالي 125م في قمة نضوج عبقريته وكمال شخصيته، ورغم عدم انتمائه للطبقة الأرستوقراطية فقد فرض الاحترام لنفسه والتقدير لمواهبه على المجمتع الروماني، وعاش في أعلى مستوى الحكم مديناً للامبراطور “ترايانوس” أو “تراجان” وبلغ منصب وزير الاشغال العامة في لغة اليوم، كان جسوراً في عمله يتصدى لأصعب المعضلات التقنية والفنية، كما كان جسوراً في حياته أيضاً، يوقف ولي العهد المتنبي “هدريانوس” عند حده ويسخر منه ولا يتردد في نقده وهو في سدة الامبراطورية الأمر الذي كلفه حياته.
عن صفاته البدنية وبنيته القوية يقول: “من تمثاله النصفي الموجود حالياً في متحف “ميونيخ” وكذلك من المشهد الذي يمثله مع “ترايانوس” “تراجان” على العمود الذي أنشأه له يتضح أنه كان متين البنية، قوي الشكيمة، متوازن الشخصية، نبيل القسمات وجميل الرجولة، وفيه مهابة ووجهه يضم سمات شرقية لا شك فيها، وعلى الرغم من بعض المعلومات المتناثرة هنا وهناك عن حياته العملية أو الرسمية فإننا نجهل الكثير الكثير عن حياته الشخصية.
هنا وفي هذا المجال يقول “مورتمرويلر“: “إن “أبولودور الدمشقي” الذي يكمن اسمه خلف أعظم المنجزات المعمارية في عهد “ترايانوس” “تراجان” يظل لغزاً من الألغاز.
ويذكر تاريخ “كمبردج“:” إن بعض العلماء يعتقدون بأن سورية في مجال العمارة كانت متقدمة على “روما” بل كانت بالنسبة لها النموذج الذي احتذته، وأن سورية تفوقت على “روما” في عبقريتها المبدعة وفي معارفها التقنية وفي مهارة عمالها ويفترض أن “أبولودور الدمشقي” قد اقتبس تصميمات المباني من سفح “الكوريناليس” عن موطنه الأصلي.”

منحونة تمثل الامبراطور تراجان على عمود تراجان
منحونة تمثل الامبراطور تراجان على عمود تراجان

يتابع الدكتور “عدنان البني” فيقول: “هنا يحضرني حتماً قول الشاعر اللاتيني الهجَّاء الشهير “جوفينال” الذي يقول بمرارة،” إن العاصي السوري أخذ يصب مياهه منذ وقت طويل في نهر “التيبر” حاملاً معه لغته وعاداته”. وبذلك يؤكد على طريقته حضور السوريين ونفوذهم في “روما”.
يتابع الدكتور “عدنان: “لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن عدد هذه المنجزات التي أقامها “أبولودور” خمسة عشر على الأقل وهي “السوق على سفح رابية الكوريرنيالس، الميدان “الفوروم” التراجاني، دار العدل الأولبية، المكتبتان، عمود تراجان، الجسر العملاق على الدانوب، قوس النصر في مدينة “بنيفانتوم”، قوس النصر في مدينة “أنكونا”، حمامات وجمنازيوم، توسيع مرفأ أوستيا، تجفيف المستنقعات البونتية، إصلاح قناة من النيل للبحر ومؤلَّف في آلات الحصار أهداه لهدريانوس.”
يقول المؤرخ الشهير “ليون هومو“: ” كان الميدان التراجاني ملبياً لتصميم شمولي طلبه الامبراطور وحققته عبقرية “أبولودور الدمشقي” وهو واحد من المعماريين الكبار الذين عرفهم التاريخ القديم، ويندر أن وَجَد فنان نفسه أمام مهمة في مثل هذا الاتساع والتعقيد، لم تكن القضية تشييد بناء من أفخم المباني فحسب، بل كانت قضية خلق مجموعة متكاملة ومنسجمة في قلب عاصمة فخمة ومكتظة بالمباني، كان عليه أن يؤمن الفراغ اللازم ثم أن يستخدم أرضاً فيها سويات مختلفة، وعليه في المرحلة الثالثة أن يبني الفوروم ومنشآته، وقد حل تلك المعضلات على أفضل وجه، الأمر الذي خلَّد هذا المعمار الفذ.”

قوس نصر تراجان
قوس نصر تراجان

-يقول “بيانكي باندنيللي“: “من الممكن أن “أبولودور” استوحى فكرة “الفوروم التراجاني” من الساحة الرحيبة المرَّوقة الموجودة حول معبد “جوبيتر” في “دمشق”، وعلى كل حال إن فكرته شرقية أكثرر ما هي رومانية.” يقصد فيها الساحة الامامية للجامع الاموي المعروفة بالمسكية (اليوم).
يذكر المؤرخ الروماني “ديو كاسيوس“: «أن “تراجان” عمل على أن يقيم في الميدان عموداً شاهقاً ليكون له قبراً وشاهداً على المنشآت المنفذة لهذه الساحة، ولما كان هذا المكان مرتفعاً اجتثه بارتفاع العمود وجعله سهلاً، وكلف بالمهمة كما نعرف “أبولودور الدمشقي” فأنجز هذا العمود في عام 113م في حياة الامبراطور، وهو قائم حتى الآن ويرى النقاد أن هذا العمود العملاق مزين بإفريز منحوت ملتف حول جذعه كفيلم تسجيلي، هو صيغة جديدة استنبطها “أبولودور” الذي ولد في “دمشق”، الأمر الذي جعل بعض الآثاريين يستنتجون من ذلك أنه عرف في موطنه النماذج السابقة لإبداعه هذا حتى أنهم أكدوا أن “الإفريز” والأسلوب المتتابع استوحاه من المنحوتات الآشورية التي كانت قد ماتت ولم يعد لها أثر في الفن الهيلينستي.

عمود نراجان
عمود نراجان

عن منجزاته الأخرى يحدثنا الدكتور “عدنان البني” بقوله: «كما ينسب له “قوس النصر” في مدينة “بينيقا نتوم” في مقاطعة “السامنيوم” وكذلك إفريز ضخم منحوت كان معداً ليقام في مكان ما من “الفوروم”، ومن منجزاته أيضاً مسرح موسيقا “أوديون” في “مونتي جورديانو”، ويظن البعض أنه تجديد للأوديون من عهد “دوميتيانوس” 86-91م، أما في مجال السباقات

فقد أنشأ “أبولودور” ميداناً “سيركاً” بطول مرحلتين إلى الشمال من موقع مدفن “هدريانوس” على ضفة “التيبر” في “روما”، وكان مخصصاً لتمثيل المعارك البحرية “نوماكيا”، وتنسب الدراسات الحديثه لأبولودور تعديل مرفأ “أوستيا” وإنشاء حوضه المضلع المسدس الذي يشبه من حيث الشكل النماذج (الهيلينستية- السورية) وكذلك مرفأ “كنتوم كيللي” بأرصفته المقوّسة الرحيبة وهو مرتبط بفيلا تراجان.”
قول الروائية البلجيكية الشهيرة عضو مجمع الآداب في “فرنسا” “مارغريت يورسنار” في كتابها الشهير “عن حياة هدريانوس على لسان ذلك الامبراطور”: “إن العمارة هي اتحاد مع الأرض، هي وضع سمة إنسانية على منظور ما تغيره إلى الأبد، الاستثناء الوحيد للقاعدة كان “أبولودور” العظيم مدير ومستودع أسرار أبي، هذا الرجل الموهوب، كان المعمار المفضل لسلفي الذي حرك بفن الكتل الضخمة عمود تراجان.”

جاء في موسوعة الفن القديم الإيطالية عن أبولودور الدمشقي ما يلي “أبولودور الدمشقي معماري من دمشق في سورية، عمل في روما في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، خصوصاً في عهد تراجان. كان المعماري الرسمي لهذا الإمبراطور في مجالي الإنشاءات المدنية والعسكرية. وهو الشخصية الفنّية الكبرى الوحيدة التي يمكن تمييزها في خضمّ جهلنا لأسماء مبدعي الفن في العصر الروماني.”
والشاهد على أنه كان ملتقى طرق متعددة، ما تذكره هذه الموسوعة من اختلافات المدارس النقدية عن خصائص إبداعاته المعمارية “وليس هناك حتى الآن دراسة منهجية ونقدية لعمله الذي يرى بعضهم فيه (خصائص رومانية) خالصة بينما يرى آخرون في عمله (خصائص هيلنيستية سورية)، وهناك من يعتقد أن (خصائص عمله رومانية ولكنها تكتسي بعناصر زخرفية هيلينستية)

مشروع ميادين تراجان في روما تصميم ابولودور لدمشقي
مشروع ميادين تراجان في روما تصميم ابولودور لدمشقي

الخاتمة
الدراسات المنهجية والنقدية التي لن ترى في أبولودور الدمشقي
طريق حرير لا يعول عليها، في اللحظة التي ستحسم فيها هذه الدراسات الطريق الذي كان يبدع من خلاله هذا الدمشقي، ستقضي على أسطورته، فأسطورة أبولودور قائمة على أنه مجموعة طرق، لا طريقاً واحداً. إنه مفخرة الطرق. ويعظم الفرد بقدر ما يجمع من طرق في طريقه
والدليل على هذه العظمة المبدعة أن المؤرخين يعرفون بشكل حاسم أن طريق روما كان عسكرياً متفوقاً على الطرق كلها، لكنهم – بسبب ما جمعه أبولودور الدمشقي في طرق في معماره – لا يستطيعون أن يحسموا تفوق روما المعماري، والمعمار هو ما يبقى بعد نسيان كل شيء.
كما أن القوافل تشكل الطرق التجارية والثقافية، كذلك الأنهر تشق طرقها في الجغرافيا والتاريخ وتنشئ على ضفافها حضارات متمازجة، فالأنهار والقوافل يشكلان خرائط التقاء الحضارات
لقد شق أبولودور الدمشقي طريقه إلى روما، أو إلى نهر التيبر على حد مجاز “جوفينال”: عبر منجزاته المعمارية، وقد بلغ عدد هذه المنجزات خمسة عشر على الأقل.
وكان الطريق الذي تشكلت فيه هذه المنجزات هو علاقته الفريدة بالإمبراطور “تراجان” فقد مكنته هذه العلاقة من احتلال مناصب عالية في الإمبراطورية الرومانية. بدأت الصداقة الحميمة بينهما منذ أن كان “تراجان” يخدم كمحام عسكري في سورية عندما كان أبوه والياً عليها. ويعتبر الرومان الإمبراطور تراجان، الذي حكم من العام 98 ميلادية إلى العام 117 ميلادية، أفضل الأمراء ويسمون عهده “الأزمنة السعيدة” فكانت حروبه مظفرة في بلاد الداك (رومانيا حالياً) وأرمينيا وبلاد فارس، وكان أبولودور المعماري الرسمي للأمبراطور الروماني ورافقه في جميع حروبه.
الأزمنة السعيدة هي وليدة الطرق السعيدة، فحين تتعايش طرق عدة في الجغرافيا والتاريخ، من خلال شخصيات عظيمة، ينفتح الناس على طرق عيش جديدة وسعيدة
كان قويا يتصدى لأصعب المعضلات التقنية والفنية، واشتهر بأنه كان جسورا في حياته لايهاب اي مسؤول…
وعلى رغم أن أبولودور الدمشقي من أبناء دمشق ومواليدها، إلا أن تمثاله النصفي في متحف ميونيخ، وليس في دمشق، ويكاد لا يوجد له ذكر في الكتب والموسوعات العربية.

حيث يوجد بمتحف الحجريات بمدينة ميونخ الألمانيه حاليا تمثال نصفي لرجل يبلغ ارتفاعه 55سم. نقش على قاعدته اسم أبللودور ويعتقد على انه يعود لأبولودور الدمشقي لما يتسم به وجه هذا التمثال من سمات شرقية.

هكذا هو وفاؤنا لعظمائنا…!

وهذا هو وفاء الشعوب والدول التي ترفع أسماء وتقيم الساحات والنصب لمن اسهموا بحضارتها لعل اعظمهم هذا الدمشقي ابولودور الذي نماسيناه بكل اقتدار…

فهل نتعظ ونفيه وبقية عظماء سورية الحد الادنى من حقوقهم على الوطن الذي مجدوا اسمه في الكون المعمور.