الملك والجارية...

– “احفظوا أسرار بيوتكم…”

قصة وعبرة

– “احفظوا أسرار بيوتكم…”

حُكي أن ملكاً طلع يوماً إلى أعلى قصره يتفرج…
فلاحت منه إلتفاتة فرأى إمرأة على سطح دار إلى جانب قصره لم ير الراؤون أجمل منها.
فإلتفت إلى إحدى جواريه فقال لها: لمن هذه؟
فقالت: يا مولاي هذه زوجة غلامك فيروز.

فنزل الملك وقد خامره حبها وشغف بها…
فإستدعى فيروز…

وقال له: يا فيروز…
قال: لبيك يا مولاي…
“خذ هذا الكتاب وامضِ به إلى البلد الفلانية وائتني بالجواب.”

فأخذ فيروز الكتاب وتوجه إلى منزله…
فوضع الكتاب تحت رأسه، وجهز أمره وبات ليلته، فلما أصبح ودع أهله
وسار طالبا تنفيذ حاجة الملك ولم يعلم بما قد دبره له الملك…

أما الملك فإنه لما عرف بذهاب فيروز قام مسرعاً وتوجه متخفياً إلى داره، فقرع الباب قرعاً خفيفاً…
صرخت إمرأة فيروز من خلف الباب: من بالباب؟
قال: أنا الملك سيد زوجك…ففتحت له…فدخل وجلس.

فقالت له: أرى مولانا اليوم عندنا.
فقال: زائر…
فقالت: أعوذ بالله من هذه الزيارة، وما أظن فيها خيراً
فأجابها محتداً:

ويحك إنني الملك سيد زوجك، وما أظنك عرفتيني…
فقالت: بل عرفتك يا مولاي ولقد علمت أنك الملك
وتابعت بالقول:
أيها الملك تأتي إلى موضع شرب كلبك تشرب منه
فخرج الملك من كلامها وخرج من البيت، ونسي نعليه في البيت.
هذا ما كان من الملك…

وأما ما كان من فيروز
فإنه لما خرج وسارلتنفيذ مهمته، تفقد الكتاب فلم يجده معه في رأسه
وتذكر أنه نسيه تحت فراشه… فرجع إلى داره فوافق وصوله عقب خروج الملك من داره فوجد نعل الملك في الدار…
فطاش عقله
وعلم أن الملك لم يرسله في هذه السفرة إلا لأمر يفعله
فسكت ولم يبد كلاماً، وأخذ الكتاب وسار إلى حاجة الملك فقضاها. ثم عاد إليه فأنعم عليه بمائة دينار.

فمضى فيروز إلى السوق وإشترى ما يليق بالنساء، وهيأ هدية حسنة .. وأتى بها إلى زوجته وسلم عليها قائلاً: قومي إلى زيارة بيت أبيك…!
قالت: وما ذاك ؟
قال: إن الملك أنعم علينا وأريد أن تظهري لأهلك ذلك.
قالت: حباً وكرامة

ثم قامت من ساعتها وتوجهت إلى بيت أبيها ففرحوا بها وبما جاءت به معها.
أقامت عند أهلها شهراً،فلم يذكرها زوجها ولم يتصل بها مما اقلق اخيها، سألها ان كان ثمة خلاف بينها وزوجها، فنفت علمها بشيء، وانها هي قلقة بالتالي من تجاهله لها كل هذه المدة.

فأتى إليه أخوها وقال له:
يا فيروز إما أن تخبرنا بسبب غضبك، وإما أن نحتكم إلى الملك
فقال: إن شئتم الاحتكام فافعلوا فما تركت لها علي حقاً

فطلبوه إلى الحكم فأتى معهم…
وكان القاضي إذ ذاك عند الملك جالساً إلى جانبه.

فقال شقيق الصبية
– أيد الله مولانا قاضي القضاة…إني أجرت هذا الغلام بستاناً سالم الحيطان ببئر ماء معين عامرة وأشجار مثمرة فأكل ثمره وهدم حيطانه وأخرب بئره…!

فإلتفت القاضي إلى فيروز وقال له: ما تقول يا غلام ؟
اجابه فيروز: أيها القاضي العادل، صحيح اني قد تسلمت هذا البستان ولكني سلمته إليه أحسن مما كان.
فسأل القاضي الشاكي: هل سلم إليك البستان كما كان؟
قال: نعم ولكن أريد منه ان تفتكر بالسبب لردي البستان اليه.

قال القاضي: ما قولك أنت؟
قال: والله يا مولاي ما رددت البستان كرهاً فيه.
ولكني جئت اليه ذات يوم من الأيام فوجدت فيه أثر الأسد فخفت أن يغتالني… فحرمت دخول البستان إكراما للأسد…!

كان الملك متكئاً في جلسة التحكيم…فاستوى جالساً وقال لفيروز:
يا فيروز إرجع إلى بستانك آمناً مطمئناً، فوالله إن الأسد دخل البستان، ولم يؤثر فيه أثراً، ولا إلتمس منه ورقاً ولا ثمراً ولا شيئاً، ولم يلبث فيه غير لحظة يسيرة وخرج من غير بأس أو إضرار به.

ووالله ما رأيتُ مثل بستانك ولا أشد إحترازاً من حيطانه على شجره. وتابع الملك:”
فرجع فيروز إلى داره ورد زوجته، ولم يعلم القاضي ولا غيره بشيء من ذلك…

ما أجمل كتمان سر أهلك
فلا يعلم الناس عنه فيعيبوك مابقي من العمر، حتى لو لم تكن أنت المخطئ فالناس سيقولون ﻻبد أنه بفعله كان سبباً
فاحفظوا أسرار بيوتكم…