رموز سورية العلم الوطني وجواز السفر

قصة واقعية عودة المغترب…

قصة واقعية…

عودة المغترب…

إحدى طائرات شركة “بان أميركان” الضخمة تخترق أجواء الفضاء متجهة نحو سورية، وقد جلس فيها عدد كبير من المغتربين العائدين الى أرض الوطن بعد أعوام عديدة قضوها في العالم الجديد.

كان الصمت سائداً بينهم إلا من همسات من هنا وهناك، وأسئلة تتردد بين الفينة والفينة:

– متى تصل الطائرة؟ متى؟

جلس السيد نديم أحد هؤلاء المغتربين يجاذب زوجته اطراف الحديث ويذكرها بسورية تلك التي احتضنته طفلاً وغذته صبياً، وأثارت فيه الذكريات الى ربوعها وبساتينها وغوطتها حينما كان بعيداً عنها يجاهد ويجالد في سبيل العيش.

وتّذكر من جملة ما تّذكر أنه نشأ نشأة القرويين في إحدى قرى حمص، يُعنى بأرض الآباء والأجداد، فيقلم أشجار التين والخوخ والتفاح، وينهض ليلاً ليسقي الأرض العطشى، ويتعهد كروم العنب المترامية الأطراف، ويعب مع صبيان القرية في أيام الأعياد ويشترك معهم في أعراسهم البهيجة وأغانيهم الحبيبة.

وبعدما اندلعت نيران الحرب العالمية الاولى، جف الكرم ، وأمحلت الأرض، وأصاب البلاد جوع قاتل مرير جوع أتى على الأخضر واليابس قضى على الأغصان البشرية اليانعة وحطم كثيراً من قلوب الأهل والأصدقاء…

شركة الطيران السورية
شركة الطيران السورية

كان له عم تربى في العالم الجديد، فلما انتشرت أخبار هذه المجاعة البشرية، وعرف ما يلاقيه أهله وأقرباؤه، ساعد منهم من ساعد، وأخذ عنده من أخذ، ومن بينهم نديم ابن اخيه، وابنته الوحيدة عزيزة.

وفي ديترويت ميشيغان، شمر نديم عن ساعد الجد، وخاض معركة الحياة، وجاهد في سبيل العيش جهاد الأبطال وأخلص لعمه كل الاخلاص، فكافأه بأن زوجه ابنته عزيزة وعهد اليه بإدارة معامله وأراضيه وثروته.

وكان كلما نزلت في البلاد نازلة أو ألمت بأهله ملمة أو طلب أهل الاحسان مساعدة، بادر إلى ذلك بكل طيبة خاطر، فأثلج القلوب الكسيرة، وربأ الصدع المثلوم وقدم لأبناء أمته كل ماتجود به نفسه الكريمة.

أفاق على صوت زوجته تسأله:”متى سنصل؟”

– لم يبق الا القليل…

– ليت لي أجنحة أطير حتى أصل إلى ارض الوطن العزيز…

وماهي الا دقائق معدودات ثم نصل بعدها.

– دقائق معدودات؟ بل قل أنها أطول من العمر كله…

– هي كذلك ياعزيزتي.

– والأهل والاصدقاء هل نعرفهم؟

– سنتعرف اليهم بعد هذا الفراق الطويل.

وساد بينهما صمت طويل عاد بعدها نديم يفكر في طفولته القاسية…

سورية...
سورية…

– ترى كيف تكون القرية اليوم؟ بل كيف يكون أهلها؟ هل تحرروا من نير الجهل وتقدموا تقدماً محسوساً في الحياة؟

واقتربت الطائرة من مطار المزة المدني وأخذت تتلوى ذات اليمين وذات الشمال، ثم تهبط ببطء متناه. وهاهي ذي تقف وينزل منها المغتربون فيهرع نديم وزوجته مع جملة من هرعوا.

هناك في غرفة لاستقبال التقى بمئات من أقاربه وأصدقائه وأهل قريته الذين وفدوا ليستقبلوا ابنهم البار ومحسنهم الكبير.

ولم يسعه وهو الرجل الذي قاسى حلو الحياة ومرها، واختبر الكثير من اسرارها إلا ان يسكب دمعة تجمعت فيها معاني الغبطة والهناءة والشوق والحنين، انها دمعة المغترب العائد الى وطنه.

ونام ليلتها في دمشق نوماً قلقاً متقلباً تراوده أحلام هنية وتمر أمام ناظريه أطياف الماضي البعيد، وينهض في قلبه حنين الى القرية ومن في القرية، ويتوق أن يجلس تحت ظلال أشجارها، ويعب يديه من نبع مائها، ويقطف عناقيد عنبها ويستمع الى أغانيها البهيجة ذات المعنى العميق.

وانطلقت السيارات مع الفجر نحو القرية، ونديم جالس قرب زوجته، غارق في تأملاته، ينتظر بفارغ الصبر، ساعة أن تطل عليه الضيعة بأشجارها وبساتينها، بمئذنة جامعها وقبة كنيستها.

لقد هب نسيم عليل من أطراف القرية، فتفتح قلبه، وأشرقت أسارير وجهه، وعلت على ثغره بسمات حلوات وامتلأ الصامت الهادىء نشاطاً وحيوية.

هذه بيوت القرية تطل برؤوسها على المغترب وزوجته كأنها تقول لهما “أهلاً وسهلاً ومرحباً” من جماهير غفيرة من أبناء القرية وبناتها قد التفوا حلقات حلقات يرقصون رقصات الدبكة ويهزجون، وهذه حنجرة أحد الشبان تخترق أجواء الفضاء مرددة.

أهلا وسهلا فيكم يوم جيتو ……………شرفتوا المحلات يوم جيتو

أسعدتم روحنا يوم جيتو……………….أنت يا أسد ياسبع الفلا…

وما نزل المغترب من السيارة حتى أخذت أجراس الكنيسة تقرع قرعاً متواصلاً أنغام الفرح والهناءة كما ارتفع صوت المؤذن الحنون يشكر الله سبحانه وتعالى إذ عاد إبناً باراً إلى قريته وأهله ومحبيه وأسبغ على الضيعة نعيماً مابعده نعيم، وفرحة مابعدها فرحة. ومرت أيام ذلك المغترب هادئة كنسيم البحر، حلوة كأيام الربيع، وقرارة كنهر جار هادىء، ندبة كليالي العشاق الوامقين.

واقترب يوم الرحيل يوم رجوعه الى العالم الجديد. فهل يعود؟

هناك مصانعه وثروته وأصدقاؤه، هناك مستقبل أبنائه وبناته. فهل يترك حياة الجهاد والكفاح والنشاط ويأوي الى قريته الوادعة البسيطة.

دمشق...
دمشق…

وفاتح زوجته بما يجول في أفكاره فقالت:

” إني أُفضل أن أمضي بقية حياتي هنا وأنا أفضل ذلك. ولكن لماذا؟ ولماذا؟

أيترك ناطحات السحاب، والألات الضخمة، والحركة الدائمة، والارباح الوفيرة والجهاد المستمر ليعي الوداعة والسكون.

ماذا يربطه بهذه القرية؟

لقد وجدها متأخرة عن ركب الحضارة في العالم الجديد، فلا مدارس ثانوية للبنين والبنات، ولا فنادق ضخمة تضم الزائرات والزائرين، ومشاريع القرية جمة تحتاج الى رأسمال يسندها ويؤازرها، فلماذا لا يساهم بكل هذه، والأموال لديه وفيرة.

لقد توصل في العالم الجديد إلى كل ماتصبو إليه نفسه من عظمة وثراء وسيارات وناطحات سحاب ومعامل وعمل مثمر وأبناء مخلصين أوفياء، إلا أنه كان يتوق إلى شيء واحد إلى عواطف جياشة وقلوب رحيمة بسيطة لم تفسدها المدنية الحديثة.

ولا يزال الزائر الى هذه القرية القريبة من حمص، يشاهد لوحة جميلة مكتوب عليها بالخط الرقعي الفني “مدرسة نديم الثانوية”

(بقلم الاستاذ نصري الجوزي- مجلة الايمان الدمشقية 1961)