اسبيرو عاشق انطاكية

الشماس اسبيرو جبور عاشق انطاكية

الشماس اسبيرو جبور عاشق انطاكية

رقد على رجاء القيامة الشماس اسبيرو جبور في المستشفى يوم الثلاثاء الواقع في 26/3/2018.

أُقيمت مراسم الجناز في الثامن والعشرين من شهر آذار، في دير القديس جاورجيوس ، دير الحرف، برئاسة سيادة المعتمد البطريركي المتروبوليت أفرام (كرياكوس)، وعاونه السادة المطران انطونيوس( الصوري) متروبوليت ابرشية زحلة والبقاع وتوابعهما، والأسقف أثناسيوس (فهد) معاون متروبوليت ابرشية عكار وتوابعها/ مطران طرطوس، والاسقف ثيوذور(الغندور) المعاون البطريركي بحضور عدد من الكهنة والشمامسة والرهبان والأصدقاء.

ألقى سيادة المتروبوليت أفرام عظة أشاد فيها بمزايا الراحل ومما جاء فيها:

” الشماس اسبيرو آية فريدة من نوعها، لاهوتي كبير، يعرف الكتاب المقدس، وتاريخ العقائد باليوم والشهر والسنة والاسم، بالمكان والزمان.

عشق كنيسة أنطاكية، وارتاح الى هذا الدير العريق وإلى صلوات الرهبان وركعاتهم. هذا أعطاه تواضعاً سحيقاً وفقراً وبساطة عيش، موسوعة نقالة، وفي الوقت عينه عاش غريباً على الارض على مثال سيده، ولم يعرف طعم الرفاهية… مايُعزّي قلوبنا أن الشماس اسبيرو وغيره من القامات الروحية، يتركون كنوزاً وافرة من كتاباتهم ومواعظهم وفكرهم…”

من هو الشماس اسبيرو (جبور) هذا الفقير الى المسيح وهذا المعّلِّم الواعظ الذي يتغذى من الكلمة الالهية؟.

السيرة الذاتية

ولد إسبيرو جرجي (جبور) في المزيرعة، اللاذقية صباح الثلاثاء 12 كانون الثاني 1923، أسمته والدته عزيزة الخوري إسبيرو لوقوع ولادته يوم عيد القديس اسبيريدون العجائبي.

درس في مدرسة المزيرعة الرسمية حتى عام 1935.

استوطن اللاذقية في 27 ايلول 1935، ودخل مدرسة الفرير. حصل على البكالوريا السورية الأولى العام 1942.

انتقل الى طرطوس والتحق بالمدرسة الفرنسية وحصل على البكالوريا القسم الثاني.

الشماس اسبيرو جبور عاشق أنطاكية
الشماس اسبيرو جبور عاشق أنطاكية

أتى الى دمشق وانتمى الى كلية الحقوق 1943، كما انتسب الى حركة الشبيبة الأرثوذكسية العام 1942.

تصدى للحركات البروتستانتية واللاتينية بين 1944 و1946 في اللاذقية.

مارس المحاماة لأول مرة في 2/10/ 1947. سافر الى باريس لدراسة اللاهوت العام 1956، فلم يجد ضالته في معهد القديس سرجيوس اللاهوتي ( للروس البيض) وتوغل بمفرده في الدراسات الكتابية والآبائية، وترك باريس العام 1961.

شموسيته

رُسم شماساً في دير القديس جاورجيوس – الحميراء البطريركي في 3/11/1972 على يدي مثلثي الرحمات المطران الياس (قربان) طرابلس، والمطران الياس (يوسف) حلب وبحضور المطران اليكسي (عبد الكريم) حمص.

التحق كشماس بطريركي تابع لمثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع حتى شباط 1973، وكان كاتباً في في المحكمة الروحية الابتدائية في ابرشية دمشق.

التحق بالبلمند أيام مثلث الرحمات المطران يوحنا(منصور) اللاذقية، ثم عمل في مطرانية جبل لبنان في محكمتها الروحية مدة سنتين.

ذهب الى دير القديس جاورجيوس الحرف، كان آنذاك برئاسة الارشمندريت جورج (شلهوب)، وبقي فيه من خريف 1974 1974 وحتى 16 تشرين الثاني 1975. رافق مثلث الرحمات البطريرك ثيوذوسيوس السادس وجاهد باذلاً نفسه في خدمة الكنيسة الانطاكية المقدسة…

نُفي أكثر من عشرين مرة من سورية وسجن أكثر من سبع مرات. وهذا كله لم يُثنه عن قول الحق والدفاع عن كنيسته…برز في ايام بطريركية المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع، وخاض معه الانتخابات لملء الكراسي الشاغرة.

ذهب إلى حمص وبقي فيها فترة طويلة في كنف مثلث الرحمات مطرانها الكسي (عبد الكريم) وبقي حتى عام 1995 تقريباً وله فيها تلاميذ كثر ، وفيها أنتج معظم نتاجه اللاهوتي والكنسي، ثم عاد الى دير الحرف ونسك مع رفيق دربه الارشمندريت المغبوط الياس (مرقص) المتوفي في 22شباط 2011.

ثم لظرف خاص انتقل الى دير بكفتين مدة سنتين العام 2005 برعاية مثلث الرحمات مطران طرابلس الياس (قربان)، ثم عاد الى دير القديس جاورجيوس الحرف الى يوم رقاده.

ترك مؤلفات عديدة منها ومن أهمها: الاعتراف والتحليل النفسي، وستعرفون الحق والحق يحرركم

غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية مع المعلم اسبيرو عاشق انطاكية
غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية مع المعلم اسبيرو عاشق انطاكية

(يوحنا23:8)، سر التدبير الالهي: التجسد، يهوه أم يسوع، سيرة القديس اسبيريدون العجائبي، من أسقف تريميثوس وخدمته ، الانجيل بحسب يوحنا، الدعاء باسم يسوع، نصف إنسان: قصة، يايسوعاه، الاعتراف الرهباني، المزيفون، قرد أم انسان، قديسون من حمص، طريق النسّاك، قلق وجودي، التجليات في دستورالايمان، الله في اللاهوت المسيحي، المرأة في نظر الكنيسة ، دمشق ولاهوت الايقونة، فادي وذيسبينا، هرطقات معاصرة، ضلالات شهود يهوه والسبتيين، المغالطات اللاهوتية لدى شهود يهوه في التوبة، أنطاكية صنعت اللاهوت الارثوذكسي والكاثوليكي، الشعب ينتخب أساقفته، كنائس الشرق الأوسط، شرح صلاة الأبانا، شهود يهوه معلمون كذبة، سمعان العمودي والقديسون العموديونن سيرة القديس جاورجيوس ، الخليفة العادل عمر بن عبد العزيزويوحنا الدمشقي، القديس مارون الناسك.

وغيرها الكثير من الحالات والدراسات والكراسات والابحاث بعضها منشور وبعضها مسجل، يتقن العربية والفرنسية والانكليزية واليونانية القديمة ونقل منها انجيل متى ويوحنا ولكن ضعف بصره أثناه عن تكملة العمل على بقية العهد الجديد. وبرقاده اليوم تطوي الكنيسة الانطاكية صفحة بيضاء ناصعة، أغنت الفكر اللاهوتي الأكاديمي على مدى نصف قرن من التعب والجهاد وبذل الذات والفقر الاختياري، والعفة والتواضع والمحبة والصلاة المستمرة بشخص الشماس اسبيرو جبور

– خاطبه المتروبوليت سابا ( اسبر) راعي ابرشية بصرى حوران وتوابعهما  على صفحته في 2 نيسان 2018 مؤبناً بقوله

“+أبونا سبيرو
منحك الله ذاكرة تفوق الطبيعة، ودرّبت نفسك على المطالعة ليلاً ونهاراً، ونهضةُ الكنيسة الأنطاكية كان هاجسَك الدائم، فكرّست ذاتك للتعليم وبثّ الروح النهضويّة في الأجيال التي لحقت بك، وبقيت على هذه الرسالة حتى النَفَس الأخير، وقد تجاوزت الخامسة والتسعين.
إلى العلم واللاهوت والأدب والتاريخ، جمعت في شخصك التواضع والزهد والتجرّد الأقصى وحبَّ الصلاة، فحُقَّ لك أن تتكلّم عن الله، وكنت تقول إنّ اللاهوت علم تشريح الله. ولاهوتنا المشرقي يقول بأنّ اللاهوتي هو الذي يصلّي، أي الذي يعاين الله، يعرفه، يعاشره، يأتي كلامه عنه كلام شهادة شخصيّة ناجمة من عشرته. كنت بيننا لاهوتيّاً بامتياز، وحفظت الأرثوذكسيّة باستقامة إيمانها، مدعوماً، إلى خبرتك الشخصيّة وعلمك الغزير، بآباء الكنيسة الذين حفظتهم غيباً.
كنت تتهلّل حينما توصل المعرفة لغيرك. حبّك للإنسان أخرجك من قوقعة اللاهوتيين، لتلاقي البشر على دروب حياتهم. كتبت في العقيدة بأرفع ما يكتب اللاهوتي، “يهوه أم يسوع وسرّ التدبير الإلهي”، ولم تهمل انعكاسه في الحياة “في التوبة، طريق النساك، المرأة في نظر الكنيسة، الاعتراف والتحليل النفسي”، ووصلت مواهبك الكثيرة إلى تأليف الروايات، سبيلاً إلى شرح أسرار الكنيسة كالمعمودية والزواج في “المزيفون، و، فادي وذيسبنا؟”. وما هذه العناوين إلا غيض من فيض مؤلّفاتك.

الشماس اسبيرو جبور عاشق الكنيسة
الشماس اسبيرو جبور عاشق الكنيسة

غيرك كان ليعيش من كتبه، أما أنت، فكنت تكتب وتصرف على كتبك. سألتك مرّة كيف تؤمّن احتياجاتك؟ فأجبتني: “أكتب مذكّرات قانونيّة لبعض المحامين، وأتقاضى أجراً زهيداً مقابلها!”.
ما سألتَ مرّة كيف أعيش؟ فكنت كعصافير الإنجيل التي قال الربّ عنها إنّها:”لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن، وأبوكم السماوي يرزقها” (مت6/26)، ثم توجّه إلينا ليقول: “لا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة” (مت10/31). ما أعوزك شيء من الضروريات، وكنت قانعاً بأيّ شيء مهما كان يسيراً. قضيت عمرك فقير الحال، سعيد البال، مفتقراً إلى وجه ربّك فقط. ما كنزت شيئاً من هذه الدنيا، وكنت تستطيع اكتناز الكثير لو رغبت، ما اهتممت لشيء من مظاهرها. عرفت الحقّ وحرّرك بدوره من كلّ العبوديات. فكنت طائراً من مكان إلى آخر، غير مهتمّ بمكان إقامتك أو نومك أو طعامك أو استطبابك.
عرفتُك وجيلي ونحن طلّاب في المدرسة، وما كنّا، آنذاك، ندرك سبب انعتاقك الكليّ من المظاهر والشكليّات وانشغالك الدائم بالقضايا الكنسيّة. عندما كبرنا وسمعنا بالذين يتبالهون لأجل المسيح، قدّرناك أكثر وصرت عندنا أيقونة حيّة لهم. كما ازدادت ثقتنا بأنّك كان من الممكن لك أن تصير منهم بالكليّة لولا أنّ الله كلّفك برعاية نهضة كنيسته؛ وقد حملت الرسالة طيلة حياتك باندفاع الشباب وحماسته. لم تَهِن ولم تضعف ولم تتوقف لتأخذ استراحة ولا حتى نَفَسَاً، حتّى الرمق الأخير.
تكرّسك لرفع السويّة الروحيّة واللاهوتيّة والتربويّة عند شعب الله في كنيسة أنطاكية، رماك في الوعظ والتعليم والتأليف. فعالجت في كتبك القضايا اللاهوتيّة والأخلاقيّة والتربويّة والنسكيّة. هذه المحاور ما كانت منفصلة عن بعضها بعضاً في قناعتك. فالإنجيل ما فصل بين النظريّ والعمليّ. كنت تأتي من يسوع المسيح الإله – الإنسان، ركيزة العقيدة المسيحية، لترفع بشريّة المؤمنين إلى ألوهيّة سيّدهم، وتجعلهم بشراً متألهين، عملاً بتراثنا القائل بتجسّد الإله لكي يصير الإنسان إلهاً.
في اللاهوت ما أتيت من عنديّاتك قطّ. كنت تتكئ على التراث الكتابي والآبائي بخاصّة، وصرت ضليعاً به حتّى حفظته غيباً. وضعت في خدمة البشر، نعمة الذاكرة التي أوتيتها، حتّى لقبّناك بالكومبيوتر الذي أعطيتَ أيّ إنسان حق تشغيله، لكنك تركت مفتاح التوقف بيدك دوماً. لم تستند إلى المنطق والفلسفة في تعليمك اللاهوتي، بل إلى تقليد الكنيسة الحيّ الذي عشته بكلّ جوارحك. لذلك أُعطيتَ أن تكون قدوة تقويميّة للكثيرين، على طريقة التعاطي مع التراث.
رضيتَ بأقلّ المتطلّبات البشريّة، وظللتَ شاهداً لحبّك الوحيد وشهيداً له، أعني المسيح وكنيسته: استقامتها، نهضتها، نقاوتها. قرأتَ من خلاله كلّ شيء، حتّى السياسة، وكنتَ نافذاً في أمور كثيرة. خاصمك كثيرون واختلفت مع كثيرين في سبيل أن يكون رعاتنا ملائكة أبرشيّاتهم، بحسب تسمية تراثنا للمطران. أيّ هيام بالمسيح وكنيسته هذا الذي ملكك حتّى كنت على بسالة لا تعرف اليأس، واستعداد دائم للانخراط في أيّ معركة تُفرَض عليك دفاعاً عن طهارة الكنيسة وإخلاصها لسيّدها؟!
هل كنت هكذا لأنّك لم تفهم مرّة إمكانية حدوث فتور للمسيحي أو إظهار لا مبالاته؟ أم لأنّك لم تقدر على أن تبقى بارداً وحبّ المسيح يعتمل فيك حتى الوجد، وناره تزداد اضطراماً على اضطرام في داخلك؟ كيف جمعت إلى ذكائك النادر بساطة قلب الطفل؟ كيف لعقلك النقّاد المحلَّل بسويّةٍ رفيعة أن يجتمع مع قلب كالذي لك، فيه المحبّة التي تصدّق كلّ أحد، من دون تمحيص في كلامه؟
تبقى فرادتك عندي في أنّك حييت شاهداً لمقولة “الله وحده يكفيك”. اكتفيت به وأغناك عن كلّ شيء. سجدت أمامه ولم تحنِ رأسك أمام أحد. عاندت كباراً ووقفت صلباً كالصوان أمامهم، لكنّك بقيت عجينة طرية بين يدي ربّك. قبلت من أجله ومن أجل كنيسته الإذلال والنفي والسجن، ولم تقبل بالتنازل قيد أنملة عن أمانتك، وما رضيت لغيرك إلا الرفعة والكرامة والحريّة. وكم أعطيت هذا وذاك من إعوازك، ممّا أتى إليك، ولم تسمح له بدخول جيبك والاستقرار فيه. ما وصلك، على قلّته، كنتَ تصرفه على الفقراء ونشر الكتب.
أبونا سبيرو … بولسَ جديداً كنتَ لأنطاكية، وحُقَّ فيك ما قاله بولس الرسول عن نفسه، في (2كو6/310) “لا نريد أن نكون عائقاً لأحد في شيء لئلا ينال خدمتنا لوم، بل نُظهِر أنفسنا، في كلّ شيء، أنّنا خدّام الله، بصبرنا في الشدائد والحاجات والمشقّات والضرب والسجون والاضطراب والتعب والسهر والصوم، بالنزاهة والمعرفة وطول البال والرفق وروح القداسة والمحبّة الخالصة، بالكلام الصادق وقدرة الله وسلاح الحقّ في الهجوم وفي الدفاع، بالكرامة والمهانة، بسوء السمعة وحسنها. يحسبنا الناس كاذبين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، معاقَبين ولا نُقْتَل، محزونين ونحن دائما فرحون، فقراء ونغني كثيراً من الناس، لا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء”.
بعد أن أتممتَ السعي وحفظت الإيمان تغادرنا إلى أحضان من قدّمت له كلّ ما أعطاك ممّا له.
… وأنت في الكنيسة الظافرة، صلّ للكنيسة المجاهدة ولنا.”

– في مايلي حوار اجراه الشماس نكتاريوس (ابراهيم) والأخ طوني عبده العام 2006، بطلب من الارشمندريت انطونيوس الصوري متروبوليت زحلة حالياً لم ينشر من قبل، (وتنفرد مجلة النور بنشره في هذا العدد 3 لعام 2018 ونحن ندرجه في موقعنا هنا ليتعرف اصدقاؤنا الى هذه القامة الأنطاكية الروحية والعلمية في آن.

س1: كيف كان وضع الكنيسة في الكرسي الانطاكي قبيل نشوء حركة الشبيبة الارثوذكسية؟

الشماس اسبيرو جبور عاشق انطاكية
الشماس اسبيرو جبور عاشق انطاكية

– حطم العهد العثماني الكنيسة الأرثوذكسية ايما تحطيم. في تركيا أسلم بعض الأرثوذكس جوراًوبسبب الاضطهاد، اما الكرسي الأنطاكي فبقي صامداً، الا ان المرسلين الغربيين شقوا الكرسي الأنطاكي بسبب ظروف الامبراطورية العثمانية

“المريضة” وبداعي الفقر، فاشتروا من اشترواوحل الانتداب الفرنسي محل العثمانيين فهجّر هو والانتداب الانكليزي الارثوذكس والسريان والارمن وسواهم.

الانتداب الفرنسي صنع دويلة على الساحل السوري فجعلها دائرة انتخابية واحدة فانشق الارثوذكس آنذاك بينما كانوا يؤلفون أكثرية بين المسيحيين في سوريةولبنان، ثم أخضعت فرنسا مطران اللاذقية ارسانيوس فوعدته بتأييده إن رشّح نفسه للبطريركية ولكنها دعمت الكسندروس مطران طرابلس الذي لم يحصل الا على ثلاثة اصوات مقابل ثمانية أصوات. تقول القوانين المسكونية إن الأكثرية المجمعية هي التي تنتخب البطريرك، فانشق الكرسي الأنطاكي الى فئتين، ثم كانت أزمة حمص المعقدة، فحل ارسانيوس في اللاذقية مطران لفئة ضدالفئة التي تمالىء المطران تريفن غريب.

زادت فرنسا على الانقسام السياسي انقساماً دينياً وخلت الساحة من الكهنة. وفي اللاذقية انقلب حماس الارثوذكس الى حماس فئوي وهكذا تراجعت أحوال الارثوذكس كثيراً.

س2: كيف انتسبت الى حركة الشبيبة لارثوذكسية، وماكان دورك في مسيرتها؟

– في الخامس عشر من تموز 1941كتب مارسيل مرقص، الارشمندريت الياس مرقص لاحقاً رئيس دير الحرف رسالة الى صديقه المرحوم جبرائيل سعادة يعرض فيها عليه مشروع نهضة ارثوذكسية.

فلما تأسست الحركة في بيروت، كان جبرائيل سعادة أحد المؤسسين وحين أتى الى اللاذقية لحضور الفصح أعلم مارسيل بالأمرفاجتمع خمسة هم: مارسيل مرقص، جبرائيل سعادة، جبور عطا الله، جورج صالح، وتوفيق زائد، ثم أخذوا يدعون الناس الى الانضمام الى حركة النهضة.

كان جورج صالح زميلي في مدرسة الفرير، وكانوا في صف البكالوريا الاولى. ولما دعاني، لبيت الدعوة فوراً.

كانت الجلسة الثانية في 10 ايار 1944، فجمعت نخبة من الطلاب.

انقسمنا الى فرق حركية. فصار يوجد مركز يترأسه الياس مرقص، وكنا نعقد اجتماعات عامة شهرية.

الارشمندريت الياس مرقص رفيق الدرب في تأسيس الحركة
الارشمندريت الياس مرقص رفيق الدرب في تأسيس الحركة

كنا ايضاً، نلقي الخطابات ونقيم العيد السنوي لتأسيس الحركة. منذ البدء كنت عضوا نشيطاً في الحركة لأنني كنت متضلعاً بالعهد الجديد والصلوات. بصراحة مطلقة، إن صرت شماساً لدى البطريرك الياس الرابع في 3/11/1972، فلأن نضالي الحركي أدى بي الى ذلك. فميلي الأساس، منذ البدء، هو ميل رهباني، لذلك سرنا في التيار الرهبان منذ مطلع العام 1946، الا أن التطورات في الكرسي الأنطاكي كانت لاتشجع لا على الرهبنة ولا على الإكليريكية. لهذا، صرت محامياً في 2/10/1947، ومارست المحاماة باستقامة وصدقٍ في بلد صغير جداً. هذا يعني أن المكسب المادي كان محدوداً، إلا ان مهنة المحاماة مهنة (زعبرة) صبرتُ صبر ايوب في العمل. مع الوقت ترسخت الحركة ترسخاً كبيراً في اللاذقية، فدربنا الشباب على مطالعة الكتاب المقدس والصلوات والخشوع والتقوى.

س3: ماكان دور الحركة خلال الأزمات التي مر بها الكرسي الانطاكي في القرن المنصرم؟

– في العام 1962، تعرض الكرسي الانطاكي لهزة قوية جداً، فانبرى للمعركة الى جانب البطريرك ثيوذوسيوس أربعة رجال هم: المرحوم جورج نقولا خوري الدمشقي، والمرحوم موريس مخايل حداد اللاذقي، البير لحام البيروتي، واسبيرو جبور اللاذقي. وأسلم البطريرك أمره اليهم.

وكان المطران الياس معوض مرتبطاً بصداقة متينة بثلاثة منهم، ثم صار موريس نفسه صديقاً كبيراً لهم جميعاً، كان الكرسي الأنطاكي آنذاك يمر في مرحلة اختناق ولا مبالاة وكانت الكنيسة في اللاذقية مرهقة حركياً سياسياً وطائفياً، إلا ان الله وفقنا في استنفار أرثوذكس اللاذقية، فسارت نساء وبنات وراءنا كديش .

رُشح الأسقف أغناطيوس هزيم والأب جورج خضر والأب كوستا لمطرنة اللاذقية وذلك في 9/5/ 1960

كان هذا الأمر نصراً لخط المنهضة في الكنيسة، وكان لهذا النصر دوي كبير في الكرسي الأنطاكي، فاستيقظ من الموت الى النضال الكبير ضد محاولات السياسة الدولية في التدخل في شأننا الأنطاكي، لكن، تعذر الانتخاب، فانسحب البطريرك ثيوذوسيوس السادس الى دير النبي الياس شويا البطريركي في ضهور الشوير في لبنان، فدعمه الرئيس شارل الحلو. أخيراً نجحنا في انتخاب هزيم على اللاذقية.

ثم قضت مصلحة الكنيسة بمعارضة البطريرك الكسندروس الثالث والمطران ابيفانيوس زائدن وقد عارضناهما بعد صداقة. وعارضنا انتخاب المطران باسيليوس سماحة لطرابلس وسواها رغم الأكثرية المجمعية التي كان يتمنع بها.

وعندما اشتد الصراع بين البطريرك ثيوذوسيوس وباسيليوس سماحة في السنة 1962، انبرى الأربعة الآنف ذكرهم الى مساندة البطريرك والمطران الياس معوض. وفي اللاذقية انتمى مطرانها جبرائيل دميان الى فريق باسيليوس سماحة فعارضناه بقوة معارضة جمعت تسعين بالمائة من الشعب الى جانبنا. وفي انتخابات المطارنة في العام 1969، كان للحركة دور قاطع في مساندة البطريرك والمطران معوض. وكان لدلال حداد زوجة الدكتور جوزيف صايغن وهي حركية قديمة، مع زوجها دور مهم بين 1971 الى 1977، والتفاصيل قد تملأ مجلدات.

س 4: هل كان عملكم سهلاً أم لقيتم صعوبات؟

المعلمان الانطاكيان المتروبوليت جورج خضر، والشماس اسبيرو جبور في دير القديس جاورجيوس الحرف
المعلمان الانطاكيان المتروبوليت جورج خضر، والشماس اسبيرو جبور في دير القديس جاورجيوس الحرف

– المسألة أكبر من صعوبات، فقد تعرضنا للاضطهاد وخطر الموت، وهذه قصة يطول شرحها. ولكن، هناك أمر خطير جداً وهو استفحال استخدام الشتائم ضدنا. كان خصومي يعلمون أنني محامٍ طُهريّ لاتغره مليارات الأطنان من الذهب. ولو جمعت شتائمهم ضدي لصارت أطناناً من الورق. في شباط 1968 بدأ التشرد بالنسبة إلي وما زال قائماً حتى اليوم وخلاله تعرضت لمحن لاتحصى.

س 5: ما رأيك بين مانسمعه بين الفينة والأخرى حول عدم الحاجة الى الحركة اليوم بعد أن عمت النهضة الكرسي الانطاكي؟ وماهو جوهر عمل الحركة ؟

– بعد عمر مديد جداً في الحركة وخارجها، لا أرى في إكليروس اليوم مايبرر الاستغناء عن الحركة. نشأنا في الربعينات كجماعة روحانية رهبانية، وقد قلت في 7 /11/2008 لسيادة المطران جورج خضر والبير لحام منشأنا في الاربعينيات روحانيين لا علاقة لنا بالاكليريكية. فوافق على ذلك البير، وقال نحن جماعة روحانيين رهبانيين كما يشهد الصرح الذي نحن فيه ( اي دير القديس جاورجيوس، دير الحرف). واتفقنا على العودة الى الأصول، فالحركة نهضة إلهية روحية، غير موجودة في الاكليريكية، فيها توثب وانطلاق. بينما الإكليريكية تعرف، في الحياة الواقعية التراتبية والخضوع للبطريرك والمطارنة.

لست ضد النشاط الاجتماعي للحركة، ولكن بشرط أن تبقى لَهَبَات الحركة روحية، والا يبعدنا العمل الاجتماعي أبداً عن اللهيب الروحي. نحن جماعة روحانية تسبح في غمار العهد الجديد وآباء الكنيسة. الخروج من هذا المحيط سيميتنا كما تموت السمكة إن خرجت من البحر.

س 6: مارأيك في الحركة اليوم؟

– الحركة اليوم ليس فيها لهيب أربعينات القرن الماضي. عليها أن تعود إلى ذلك اللهيب، ولكن بنضوج الرجال، وبخاصة بعد أن تجاوز الرعيل الأول الخامسة والثمانين من العمر.

الحركة تمر اليوم في مرحلة حساسة ودقيقة. إنها تريد أن تساير الزمن والتطور المزعوم. هذا سيذهب بها مع الرياح. الحق لهيب روحي غير قابل لأن يدخل الأقنية والتعليب أبداً. إن سقطنا من هذا البرج العالي صرنا جمعية كباقي الجمعيات، نحن لسنا جمعية ولا مؤسسة بل تيار روحي نهضوي آبائي لاهوتي رهباني يتجاوز كل المفاهيم التي تجعل منا أناساً ضمن علب ونظام اجتماعي معين. فلا الفلسفات المعاصرة ولا التيارات السياسيةوالاجتماعية المعاصرة صالحة لأن تأخذ بمجامع قلوبنا. لست ضد التنظيم، ولكني ضده إن قتل روحنا الوثابة ، في الأساس نحن صواريخ روحية . الحركة اليوم تمرّ في شيء من الفتور الروحي. يخطىء من يظن أننا مدرسة للتعليم المسيحي. نحن تيار جارف يخطف الروح إلى السماء، فالنظام جيد إن احترم انطلاقتنا الصاروخية.

س 7: مانصيحتك للحركيين اليوم؟

من أجل استمرار الحركة بعد الرعيل الأول، يجب أن يغرف الحركيون من العهد الجديد ومن الصلوات وآباء الكنيسة بحرارة لا تفتر أبداً، وأن يسلكوا بروح الوداد التي كنا نتمتع بها وكانت تجمعنا. الرسميات والشكليات واللياقات وما اليها هي ضد الحركة .

الحركة هي حركة وداد وصراحة وصون واستقامة ولهفة عميقة من دون أن تتحول الحركة الى حزب او جمعية. يجب أن تبقى علاقاتنا روحانية، إذ لايجوز ان تخضع هذه العلاقات للاعتبارات الاجتماعية إن كانت هذه الأخيرة ضد ثوابتنا الروحية. أكرر لست ضد النظام والأصول، لكنني اعرف ان الشكليات تقتل الروحانيات.

استفدنا كثيراً من الاعتبارات الاجتماعية والنظام، ولكننا تجازناهما وانطلقنا…”

(انتهى النص المنشور في مجلة النور لسان حركة الشبيبة الارثوذكسية العدد الثالث السنة الرابعة والسبعون 2018)

وانا أقول

المسيح قام ايها القامة الانطاكية الروحانية الارثوذكسية الرفيعة وقد جاورت عنان السماء…

الشماس إسبيرو جبور نم قرير العين فانطاكية بخير، وكما ازهرت بجهودكم مع رفقة دربك بارغم من جدب الارض ومحلها، هي اثمرت مجدداً وتعيد ازهارها وإثمارها بوجود براعم وأغصان طرية صامدة بالرغم من الاعاصير العاتية التي ضربت الفكر عند بعض الانطاكيين بأنانيتهم ما أثر على موقف الكنيسة الجامع.

مع مساهمة للرياح العاتية التي تضرب سورية طيلة سبع سنوات عجاف رائدها الذبح والدم والدمار ولبنان في عين العاصفة وسائر المشرق، ولكن الله في وسط انطاكية والحركة ستستمر لمجد الارثوذكسية الانطاكية.