ايقونة المجمع الارثوذكسي

المجامع الأرثوذكسيّة ما بعد المجامع المسكونية السبعة

المجامع الأرثوذكسيّة ما بعد المجامع المسكونية السبعة
تمهيد

تعترف الكنيسة الأرثوذكسيّة بسبعة مجامع مسكونيّة، انعقدت في القرون الثمانية الأولى لتاريخها. لكنّ مجامع عديدة أخرى حصلت لمواجهة تحدّيات الإيمان الأرثوذكسيّ.

واحد منها مسكونيّ انعقد في القسطنطينيّة سنة 879-880، زمن القدّيس فوتيوس الكبير، اشتركت فيه الكنيسة جمعاء، بما فيها كنيسة روما، قبل الإنشقاق، والبطريركيّات الشرقيّة كلّها.

– عقدت مجامع أخرى محلّيّة أو مناطقيّة عديدة، واحد منها نال قبولاً أرثوذكسيًّا شاملاً، وهو الّذي انعقد سنة 1351، زمن القدّيس غريغوريوس بالاماس.

– قرارات مجمع 879-880

كانت لهذا المجمع القسطنطيني مكانة هامّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة، فعمله يرتكز على أنّ وحدة الكنيسة تكمن أوّلاً في جامعيّة الإيمان الواحد.

أَدان هذا المجمع عقيدة انبثاق الروح القدس من الابن، وإضافتها الى قانون الايمان.

وكانت قد بدأت تنتشر في الغرب.

– وقد اعتبر هذا المجمع في قراره، أنّ الّذي يتبنّاها “سيُعتبر عدواً لله وللحقيقة”.

وقد وقّع نوّاب البابا أنفسهم على منع أيّ “حذف أو زيادة أو تغيير أو تحوير” في قانون الإيمان.

بعد انتهاء المجمع، كتب البابا يوحنا الثامن رسالة إلى القدّيس فوتيوس يشدّد له فيها على أنّ كنيسة روما تحفظ قانون الإيمان كما هو بدون زيادة ولا نقصان حيث قال بالحرف: “…نحن نحفظ دستور الإيمان كما تسلّمناه في الأصل، بدون أن نزيد أو نحذف شيئًا منه. لأنّنا نعلم أنّ من يتجرّأ على التلاعب به يستحقّ عقاباً قاسياً”. وينعت البابا هؤلاء: “بالمغتصبين للكلمة الإلهيّة، ومحرّفي تعليم المسيح الربّ“.

القديس فوتيوس الكبير بطريرك القسطنطينية
القديس فوتيوس الكبير بطريرك القسطنطينية

لكنّ وبكل أسف تنكرلاحقاً خلفاء هذا البابا لهذه الحقيقة، وغيّروا في دستور الإيمان.
القدّيس فوتيوس الكبير كان أوّل أب ناقش بعمق لاهوتيّ كلّ ما أدخلته الكنيسة في الغرب من تغييرات في الإيمان، وفي تقليد الكنيسة، كالصوم في السبوت، واستخدام الفطير بدل الخمير، منع زواج المقبلين على الكهنوت، تأجيل إعطاء سرّ الميرون إلى سنّ متأخّرة، وخاصّة موضوع انبثاق الروح القدس من الابن. واعتبر فوتيوس هذه الزيادة ضلالاً عقائدياً يمسّ إيمان الكنيسة ويقوّض وحدة الله. وقد قدّم الحجج الرئيسة الّتي تُشكّل أوّل ردّ على الفكر الأوغسطينيّ من وجهة نظر أرثوذكسيّة. ويعتبر قدّيسنا أنّه في مسألة انبثاق الروح القدس من الإبن تتجمّع كلّ الأخطاء اللاهوتيّة المختصّة بالثالوث.

تاياًا، ليست هي مجرّد مسألة كلمات وتعابير، كما يقول اللاهوتيّون الغربيّون اليوم محاولين تبرير خطورتها العقيديّة.

في إحدى الرسائل التي كتبها قدّيسنا، يقول عن هذه الزيادة على دستور الإيمان: “لكن أيضاً هذا التجديف بما يختصّ بالروح القدس، أو بالأحرى بالثالوث القدّوس ككلّ، الّذي لم يتجاوزه شيء، يمكن أن يكفي بذاته، وبدون الإتّهامات الأخرى، لرشقهم بألف حُرم.”

مجمع 1351
– انعقد في القسطنطينيّة، واشترك فيه القدّيس غريغوريوس بالاماس، وضع المجمع ستّ نقاط عقائديّة أساسيّة، كان أهمّها التمييز في الله بين جوهره وقواه، وأنّ هذه القوى هي غير مخلوقة. إضافة إلى تأكيد عدم إمكان الشركة في الجوهر الإلهيّ، إذ الاشتراك الحقيقيّ هو في الحياة الإلهيّة أو القوى الإلهيّة.
جاهد القدّيس بالاماس في حياته على صعيدين

– صعيد عقائد الإيمان الأرثوذكسيّ.

 القديس غريغوريوس بالاماس
القديس غريغوريوس بالاماس

– صعيد خبرة الحياة الهدوئيّة، ضدّ الّذين أسماهم “أصحاب الفكر اللاتينيّ”.

فعقيدة التمييز بين الجوهر والقوى، كانت أساسيّة في لاهوت تألّه الإنسان عند بالاماس، وشكّلت دحضاً للتيّار الفلسفيّ العقلانيّ، المتأثّر بعصر النهضة الغربيّ، الّذي شكّك بطريقة الحياة الرهبانيّة الهدوئيّة الأرثوذكسيّة. فكان صراعاً ضدّ عقلنة الإيمان وتحويله إلى إيديولوجيا فلسفيّة.

تعليم القدّيس بالاماس أتى ليعطي للتقليد الهدوئيّ الأرثوذكسيّ بُعدًا عقيدياً، إذ أثبت أنّ الإنسان قادر على أن يعاين الله غير المخلوق ويتألّه، وذلك عبر اشتراكه في قواه الإلهيّة غير المخلوقة، فيما يبقى جوهر الله في بساطته الكلّيّة غير مقترب منه.
هذا التألّه، في الفكر الأرثوذكسيّ، هو شركة شخصيّة مباشرة للإنسان مع الله، إنّه امتلاء الكائن البشريّ من قوى الله، أو من نعمة الله غير المخلوقة. وبعمل النعمة في النفس البشريّة، كما يصف بالاماس “الله كلّه يأتي فيسكن في كيان المؤهّلين كلّه، والقدّيسون بكلّيّتهم يسكنون بكلّ كيانهم في الله كلّه، ممسكين بالله كلّه.”
مجمع 1351 كان هامًّا جدًّا من الناحية العقائديّة، تبنّت فيه الكنيسة رسمياً عقيدة التمييز بين الجوهر والقوى، حتّى أنها أبسلت (حَرَمَتْ) من يُنكر هذا التمييز. وقد دخلت حرومه (أناثيما) في خدمة أحد الأرثوذكسيّة.