ساحة السبع بحرات…

ساحة السبع بحرات…

تقع هذه الساحة في وسط المدينة اليوم في ساحة تدعى بهذه التسمية، وكانت تقع وسط مدينة دمشق آنذاك، عند توسعها وخروجها خارج دمشق القديمة اواخر القرن 19…

نبذة تاريخية

كان هذا المكان بالأمس في اواخر القرن 19 والربع الاول من القرن 20 ، ملاذاً صيفياً وللترويح عن النفس لأهل الشام، وخاصة سكان محلة سوق ساروجا القريبة حيث يلجأون الى مصيفهم القريب هرباً من الحر الشديد في فصل الصيف.

 كان سكان محلة سوق ساروجة (صاروجة- اسطنبول الصغيرة) حيث القصور وسكن علية القوم من عثمانيين ووطنيين، كانوا يقصدون هذه المنطقة الخضراء لطيب هوائها وكثافة أشجارها، خاصة بستان “عين الكرش” الذي نسب إلى نبع “عين الكرش” ذي المياه الصافية، الذي غذت مياهه العديد من البحيرات التي وجدت في تلك المنطقة، قبل الغزو العمراني الذي أصابها، لتستبدل اليوم بمضخات آلية لتغذية حديقة وبحرة “السبع بحرات”.

النصب الاول للسبع البحرات عام 1925ساحة الكابتن ديكار بانتري
النصب الاول للسبع البحرات عام 1925ساحة الكابتن ديكار بانتري

تعود البدايات الأولى لنشأة ساحة السبع بحرات إلى عهد الانتداب الفرنسي وتحديداً إلى عام 1925، فمع دخول القوات الفرنسية الى دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 وسلطات الانتداب سعت لتوسيع الطرق القديمة وفتح طرق جديدة، لتسهيل نقل العتاد وحركة فرقها العسكرية، وبنفس الوقت للحد من نشاط الثوار، ومن أبرز تلك الشوارع كان شارع بغداد الذي شق عام 1922م، ولتوصيل الجرحى من القوات الفرنسية الى المستشفى الافرنسي في القصاع الذي احدث بموافقة خطية من السلطان عبد الحميد وفيه سمح لراهبات القديس لويس الفرنسيات لانشاء هذا المستشفى العام 1904).

وأنشئت هذه الساحة التي تعرف اليوم شعبياً “بساحة السبع بحرات” إبان الثورة السورية عام 1925م، وأطلق عليها اسم الضابط الفرنسي الكابتن “ديكار بانتري” قائد فرقة الهجانة الفرنسية  (حرس البادية)  الذي قتله الثوار في المكان ذاته عام 1921.

حيث أمر المفوض السامي الفرنسي الثالث على سورية ولبنان الجنرال “موريس بول ساراي” ، ببناء نصب تذكاري تخليداً لذكرى الكابتن “بانتري”، عبارة عن قبة محمولة على أربعة أعمدة تنتهي بأقواس، على شكل محراب من الحجارة الأبلقية (تناوب الحجارة بين اللون الأبيض والأسود).

توسط الساحة هذا النصب التذكاري وأحاطت به بحراتٍ سبع متضائلة الحجم وصولاً إلى البحرة الرئيسة، وقد صُممت على طراز عمائر إسلامية، ووضع على النصب لوحة رخامية كتب عليها باللغتين العربية والفرنسية “ذكرى الكابتن ديكار بانتري ورجال فرقته الهجانة”.

وبعد جلاء المحتلون الفرنسيون عن سورية في 16 نيسان 1946 أصدر  رئيس الجمهورية آنئذاك المغفور له “شكري القوتلي” تعليمات لإزالة النصب الفرنسية من الشوارع، وبناءاً عليه أصدر المجلس البلدي في دمشق القرار رقم (5/1) الذي تضمن “إلغاء الأسماء الفرنسية لشوارع دمشق وتبديلها بأسماء عربية، وإزالة كل نصب تذكاري إفرنسي من شوارع وساحات المدينة. وقام الجماهير الدمشقية الفرحة بتحطيم هذا النصب تجاوباً مع هذه التعليمات وهي غاية في الخطأ.

سميت الساحة عام 1946م “ساحة 17 نيسان” تخليداً لذكرى الجلاء، وصارت رمزاً لانتصار الوطن على المحتل الافرنسي.

وفي عام 1973م  سميت باسم “ساحة التجريدة المغربية” تيمناً باسم الكتيبة العسكرية المغربية التي شاركت في حرب تشرين التحررية ضد العدو الصهيوني، وكانت قد أبلت بلاء رائعاً في قتالها في الجولان منطقة القنيطرة ودحرت العدو الصهيوني في هذا القطاع وقد استشهد معظم جنود هذه القوة المغربية، ولكن ظل الاسم المتعارف عليه بين الدمشقيين  “ساحة السبع بحرات”.

نبذة واقعية

وطرأ على محيط الساحة منذ نشأتها، وحتى اليوم، العديد من التغييرات، وشيد على جنباتها العديد من المباني آخذة مكان البساتين والبساط الأخضر الذي كان يزين دمشق، من هذه المشيدات جامع “بعيرة” الذي أنشأه الحاج أبو راشد بعيرة عام 1938م، وسمي الجامع باسمه ودفن فيه، وأيضاً شيد مبنى عند بداية شارع 29 أيار (اتحاد الحرفيين السوريين) زمن الرئيس القوتلي، وتوجد بطبقاته الأربع مكاتب المسؤولين عن الجمعيات التي تعنى بأصحاب الحرف (اليوم)، وهو بناء جميل مكسو بالحجر الابيض والزخارف المنحوتة، وداخله فسيح ومكاتبه من الفنون الخشبية الدمشقية الشهيرة، وكان بداية هو “ديوان المحاسبات” او”الجهاز المركزي للرقابة المالية”، ومبنى إذاعة دمشق الذي كان المقر الأول لها منذ احداثها، وقبل انتقالها إلى مقرها الشهير في شارع النصر، ومنه إلى ساحة الأمويين، ومبنى “الطابو” الذي ظل يشغله حتى أواخر القرن الماضي قبل أن ينتقل إلى شارع الثورة، وطبعاً بناء “مصرف سورية المركزي”، الذي أنشئ بموجب المرسوم التشريعي رقم (87) تاريخ 28 آذار عام 1953م، الذي استغرق بناؤه ثلاث سنوات نفذ التصاميم المهندس “خليل الفرا”، ليباشر المصرف نشاطه في الأول من آب 1956م.

ساحة السبع بحرات ومحيطها والشوارع المتفرعة عنها اليوم                             

أما أهمية تلك الساحة غير مقتصرة على توسطها أربع ساحات دمشقية هي: “يوسف العظمة، وساحة عرنوس، وساحة الشهبندر، وساحة التحرير”.

بل تتعدى ذلك إلى الشوارع الستة المركزية التي تتفرع منها الذي يعود  تواريخ تأسيسها إلى أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، أولها شارع 29 أيار الذي شقفي عام 1925، سمي بذلك نسبة إلى العدوان الفرنسي على دمشق في 29 أيار 1945، واستشهاد حامية البرلمان من الشرطة والدرك وهذا اليوم 29 ايار حدد لذلك عيداً للشرطة.

 وشارع بغداد الذي يصل هذه الساحة بساحة التحرير، وأيضاً شارع العابد الذي فتح في ثلاثينات القرن العشرين وينتهي بساحة البرلمان، سمي نسبة إلى  أول رئيس للجمهورية السورية في عهد الانتداب الفرنسي “محمد علي بك العابد”  رئيس سورية بين عام 1932 وعام 1936.

ويتفرع عن الساحة شارع الباكستان الذي ينتهي بساحة عرنوس، الذي تأسس في بدايات القرن العشرين وكان يطلق عليه اسم “شارع المصدراني”.

وشارع الشهبندر الذي شق إبان الحرب العالمية الثانية، وسمي باسم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر أحد الشخصيات البارزة في تاريخ سورية الحديث.

واخيراً شارع جول جمال وهو الطالب البحري الشهيد جول جمال ابن بلدة المشتاية في وادي النصارى واستشهد في قناة السويس بعدما فجر زورق الطوربيد الذي كان يقوده في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، هذا الشارع الذي شُق في خمسينات القرن الماضي ويلتقي مع شارع مرشد خاطر عند مبنى وزارة المالية الذي أقيم فوق ساحة كان يشغلها مدينة ملاه فرنسية في فترة الانتداب الفرنسي.

اذن كانت هذه المنطقة هي التي يحلو لسكان سوق ساروجة وكلهم من كبار العائلات والموظفين المدنيين الاتراك وكبار الضباط في القوات العثمانية.