بعض المعاهد اللاهوتية الأرثوذكسية الأنطاكية

بعض المعاهد اللاهوتية الأرثوذكسية الأنطاكية

قال الرب يسوع:” من عمل وعلم دعي عظيماً في ملكوت السموات”

مقدمة

ان المدارس والمعاهد العلمية واللاهوتية الأرثوذكسية لم تخل منها كنيسة منذ نشأتها، انما كانت تلك المعاهد في اول تأسيسها بسيطة المنهج تعلم تحت رعاية الاكليروس اضافة الى العلوم والمعارف، اصول الايمان المسيحي القويم (الارثوذكسي) والدفاع عنه في وجه الهرطقات التي ضربت الكنيسة على ممر العصور وشرح الكتاب المقدس. على انها في اواخر القرن المسيحي الثاني اخذت ترتقي في مدارج الكمال، ولاسيما في انطاكية والاسكندرية ثم في اورشليم فالقسطنطينية وغيرها.

هذا في الأجيال الأولى للمسيحية. أما فيما بعد ولاسيما في الأجيال المتأخرة، المتاخمة لعصرنا هذا ، فلقد نشأت فيما بعد في دور الكنائس واحضانها برعاية الكهنة والاساقفة والبطاركة مدارس علمية وأدبية كالمدرسة الأرثوذكسية الدمشقية المعروفة بمدارس الآسية الدمشقية…

– المدرسة الوطنية الارثوذكسية الدمشقية (الآسية)

هي اقدم واعرق مدرسة علمية عامة مع جانب جامعي وقسم اكليريكي اضافة الى مدرسة عليا للموسيقى الرومية…

هي مغرقة في القدم وترافقت مع نقل المقر البطريركي الانطاكي الى دمشق الشام 1344 حيث تشير بعض المخطوطات الى وجود مدرسة ابتدائية في حضن المقر البطريركي برعاية الكهنة كان يتلقى فيها التلاميذ مبادىء العربية والحساب والعلوم

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

الدينية مع الترتيل…

في عام 1634 تولى السدة البطريركية السيد افتموس كرمة وكان عالماً من علماء عصره (انظر سيرته في موقعنا هنا باب أعلام ارثوذكسيون) وقد نقل مكتبته الشهيرة من حلب حيث كان مطراناً لحلب وتوابعها وقام بتأسيس مدرسة علمية واكليريكية في المقر البطريركي عام 1635 واستمرت متعثرة وان كانت قد ازدهرت في عهد خليفته البطريرك العلامة مكاريوس ابن الزعيم1635- 1672 بسبب المظالم العثمانية واستتار التعليم عن اعين السلطات التي كانت تريد ان يكون التعليم فقط في الكتاتيب المحصورة بالجانب الاسلامي وفي احضان المساجد

ولا تزال مدارس الآسية الأرثوذكسية حتى الآن بعد ان حدثها القديس الدمشقي الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ثم دمرها الرعاع الفتنويون في مذبحة دمشق الطائفية وقتلوا بوحشية قديسنا الخوري يوسف مهنا الحداد وخمسة كهنة ودمروا المقر البطريركي والمريمية وبقية مدارس وكنائس الطوائف الشقيقة اضافة الى سائر الحي المسيحي واستشهاد حوالي ثلاثة ارباع المسيحيين الارثوذكسيين حيث ان احياءهم السكنية كانت هي خط الصدم وتقع على خط الجبهة الفاصل بين احياء المهاجمين واحياء المسيحيين الآمنين وهي مئذنة الشحم والشاغور والشارع المستقيم والمريمية والقيمرية وهذه هي التي تلقت الضربات الاولى تبعاً لعدد الارثوذكسيين وهو اكبر

شعار مدارس الآسية وهو من وضعنا عندما كتبنا كتاب تاريخ الآسية
شعار مدارس الآسية وهو من وضعنا عندما كتبنا كتاب تاريخ الآسية

بأضعاف من كل الطوائف المسيحية مجتمعة وكانت احياؤهم متراجعة وتمكن الكثيرون منهم من الهرب باتجاه صيدنايا والاحتماء بديرها الشهير وفقاً للكثير من المؤرخين المعاصرين، والكثيرون منهم تمكنوا من الاحتماء في الاقبية الحصينة في بيوتهم وحتى في الآبار المنزلية، ولكن الدمار كان شاملاً لكل الحي المسيحي بكنائسه ومؤسساته وبيوته ومنه مدارس الآسية وسواها…

ثم اعيد بناؤها ولاتزال تمارس نشاطها وفي تصاعد مستمر وتخدم القضية الوطنية والروحية واستحقت شكر مدحت باشا والي دمشق العثماني في العقد الثامن من القرن19 والسفاح جمال باشا على قيامها برسالتها الوطنية عام 1915 والأمير فيصل بن الحسين عام 1918 عندما زارها بمعية البطريرك غريغوريوس مهنئاً وشاكراً على دعم البطريرك وكنيسته له في تحرير البلاد من النير التركي… ثم زارها مجددا لما اعتلى عرش سورية وقد لها معونة مالية واستقبلته فرقتها الكشفية بموسيقاها النحاسية عام 1920.

وسنفرد لها بحثاً خاصاً باذن الله مستمداً من كتابنا الذي كتبناه عنها، واصدرناه عام 1991 وكان بعنوان:” الآسية مسيرة قرن ونصف 1840 – 1990″ تم توزيعه في احتفال خاص بها برئاسة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع وذلك بمناسبة مرور 150 سنة على اعادة تأسيسها اي الى عام 1840 بهمة القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي… وشمل الاحتفال حفلاً خطابياً اضافة الى فعاليات علمية ومعارض وحفلاً فنياً…

– مدرسة البلمند الاكليريكية عبر تاريخها

منذ طفولتنا، ونحن نسمع بمدرسة البلمند، ونشاهد خريجيها من الأحبار الأفاضل والقادة الرعاة في كنيستنا الأنطاكية المقدسة. ومدرسة البلمند هذه تبقى رمزاً لأنها أصبحت عبارة عن صرح تعليمي، يبدأ التعليم فيه من نعومة الأظفار إلى الجامعي وما فوق الجامعي بشقيه اللاهوتي والعام.
مما لاشك فيه ان هذا المعهد اللاهوتي اليوم والذي هو على اسم القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي من المعاهد التي يجب ان تذكر للتاريخ بالفخر…والذي وضع حجر اساسه مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع عام 1974 بمنحة من مثلث الرحمات انطونيوس بشير متروبوليت نيويورك واميركا الشمالية وتابع مثلث الرحمات

تكريم الطلبة المتفوقين خريجي الآسية العام 2014 من قبل غبطة البطريرك يوحنا العاشر في قاعة الصليب المقدس والصورة عامة امام واجهة كنيسة الصليب المقدس
تكريم الطلبة المتفوقين خريجي الآسية العام 2014 من قبل غبطة البطريرك يوحنا العاشر في قاعة الصليب المقدس والصورة عامة امام واجهة كنيسة الصليب المقدس

البطريرك اغناطيوس الرابع اهتمامه المطلق بهذا المعهد مع مساعدات قيمة من ابرشية اميركا برعاية مثلث الرحمات المتروبوليت فيليبس صليبا متروبوليت ابرشية اميركا الشمالية وتابع غبطة المثلث الرحمات ابينا البطريرك اغناطيوس الرابع وبعد ان كان قد أنشأ الثانوية حينما كان رئيساً للدير حقق حلمه بإقامة جامعة البلمند التي صارت اليوم من اهم واول الجامعات الخاصة في لبنان وسورية…

لما نزل نحن ابناء انطاكية العظمى ” ننظر الى هذا المعهد الديني كمنارة ترشد سفن أبناء كنيستنا الى موانىء امينة بعد ان تجتاز تيارات دينية متعددة من اخوان لنا في المسيحية” (نجيب ميخائيل ساعاتي مدير معهد الدراسات اليونانية في الاسكندرية مجلة النعمة العدد 64 السنة 1966)

مرّت على هذه المدرسة عهود مختلفة، كانت تفتح وتغلق تبعاً للأهواء الشخصية وللظروف العامة!!

المدرسة الأولى مدرسة الارشمندريت اثناسيوس قصير الدمشقي

وكانت أول مدرسة إكليريكية قد فتحت في البلمند في النصف الأول من القرن 19 وبالتحديد عام 1833 بهمة رئيس الدير وقتئذ العلاّمة الارشمندريت أثناسيوس قصير الدمشقي (زمن البطريرك الانطاكي متوديوس من ناكسوس في اليونان {1832ــ 1850})، وكان من الذين تشبعوا بروح الإصلاح في الحياة الإكليريكية والرهبانية في الكرسي الأنطاكي المقدس والذي يهدف إلى إعادة تعريب السدة الانطاكية، وكانت هذه الروح الوطنية قد سادت بقوة بين عدد من الإكليريكيين والعلمانيين، لعل أبرزهم قديس دمشق وشهيدها الخوري يوسف الحداد الذي قام بنهضة مماثلة في دمشق، وكان أيضاً طيب الذكر تلميذه السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي الذي حتى الآن لا يزال مجهولاً (وربما احقق امنيتي قبل الموت بأن تعلنه كنيستنا قديساً وهو القديس المنسي او المجهول وصاحب الفضل في كرسينا الأنطاكي )، والسيد جرجي مرقص الدمشقي ( انظره في موقعنا هنا)  اما قديسنا الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي فهو الذي كان وراء كل النهضة الروحية الوطنية في الكرسي الانطاكي المقدس منذ الثلث الأول من القرن ال19 عبر تلاميذه وتلاميذهم…

دير البلمند من الجهة الشرقية
دير البلمند من الجهة الشرقية

وكان من الضروري جداً افتتاح هذه المدرسة لمواجهة الحملات التبشيرية المتعاظمة والمنتظمة من كاثوليكية وبروتستانتية والتي كانت تنتزع النابغين من الفتيان لإرسالهم إلى مدارس رومة، والمدارس البروتستانتية لذلك قام الارشمندريت قصير بفتح المدرسة وضمَّ إليها 30 تلميذاً من الرهبان، وأحضر لها أساتذة مرموقين آنذاك، منهم الخوري اسبريدون صروف الدمشقي( انظره في موقعنا هنا) والخوري جراسيموس فرح الدمشقي
الذي أصبح فيما بعد مطراناً على باياس ثم على صور بعدما كانت ابرشية بيروت قد رفضته مطراناً عليها رغم اعترافها بأهليته فقط لكونه دمشقي!!! ( الوثائق البطريركية) .
والأستاذ اليوناني ديمتري فيليبدس لليونانية والموسيقا البيزنطية، بينما تولّى الارشمندريت قصير تعليم قواعد اللاهوت الأرثوذكسي والآباء

ولإنجاح هذه الخطوة الرائدة سعى الأرشمندريت قصير إلى زيادة أوقاف دير البلمند ووارداته، وجهّزه بالمخطوطات والملابس الكهنوتية والأواني الكنسية ورمّمَ بعض مبانيه بالإضافة إلى بنائه للقاعات الغربية التي تُعرف حالياً باسم الجناح البطريركي، وفيها نشأت هذه المدرسة وقد بادر أيضاً إلى استصدار قرارين من إبراهيم باشا ابن خديوي مصر، يقضي أولهما بإعفاء الدير من بعض الضرائب الأميرية، ويحول ثانيهما دون أن يضع الأمير بشير الشهابي (حليف ابراهيم باشا خاصة في فتحه لبلاد الشام) يده على مطاحن الدير.

 

إغلاق المدرسة الأولى او مدرسة الارشمندريت قصير
لم يطل الأمر على هذه المدرسة، وهي الومضة الأولى في الحياة الإكليريكية الانطاكية، حتى أُغلقت بأمر من البطريرك الانطاكي متوديوس، وقد تمَّ ذلك في عام 1840 عقب زيارة دير البلمند، وبمعيته مطران عكار زخريا، وقد جرى له في هذه الزيارة استقبال حافل من الرهبان والطلبة، فكان سروره عظيماً، لكن ما أزعجه، وجعله يبطّن القرار بإغلاق هذه المدرسة، جملة كان قد لفظها المطران زخريا تتحدث عن الآمال المعقودة على خريجي هذه المدرسة في قيادة الرعية وفي مستقبل الكرسي (وهذا كان يزعج البطاركة اليونان الذين تعاقبوا على السدة الانطاكية من 1724 مع البطريرك سلفستروس القبرصي، وحتى اسبريدون من رهبنة القبر المقدس عام 1898) ومن نافلة القول أن خريجي هذه المدرسة كانوا قد لعبوا دوراً نضالياً بارزاً في تعريب السدة الانطاكية وإقصاء اسبريدون عنها، وانتخاب ملاتيوس الدوماني كأول عربي عليها، ومن هؤلاء غفرئيل شاتيلا وأغابيوس صليبا والدوماني….

شعار جامعة البلمند
شعار جامعة البلمند

ولم يطل الأمر على تدبير الأمر بإغلاق المدرسة، فحال عودة البطريرك إلى دمشق، أنذر رئيس الدير الارشمندريت أثناسيوس بإغلاقها، فرفض الأخير، وتقدّمَ باستقالته من رئاسة الدير، فقبلها البطريرك فوراً، ونقله واعظاً إلى القدس لمصلحة بطريركيتها، وأغلق المدرسة، فتفرّقَ الطلاّب، منهم من ذهبَ إلى مدرسة ديرالقديس جاورجيوس الحميراء البطريركي، ومنهم من ذهب إلى أديار جبل آثوس، بينما بقي اثنان وعشرون راهباً في البلمند، يعيشون الحياة الرهبانية منتظرين إعادة افتتاح مدرستهم الاكليريكية. واستمر هذا الوضع المؤلم حتى العهد العربي.

وكان في ذلك الوقت وكما اسلفنا في حديثنا عن مدرسة دمشق الآسية ان بادر الخوري يوسف مهنا الحداد الدمشقي ( الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي) ان حول جانباً من المدرسة الى كلية لاهوتية، اضافة الى مدرسة عليا للموسيقى الرومية، اضافة الى انه كان قد طور مناهج المدرسة في مرحلتها التي تقاس اليوم بالثانوية ومافوقها الى مناهج لست كليات جامعية…وكان ذلك قد تم في العام الدراسي 1851- 1852 واستمرت في اضطراد مستمر ومتعاظم وارتقاء حتى كانت مجزرة دمشق الطائفية عام 1860فاستشهد معظم كادرها التدريسي والاداري واولهم الخوري يوسف ودمار المدرسة…

المحاولة الثانية لفتح مدرسة لاهوتية اكليريكية

في زمن البطريرك الأنطاكي اليوناني جراسيموس 1886- 1891
فكر البطريرك في إحداث مدرسة لاهوتية في المقر البطريركي بدمشق، وحاول اسناد ادارتها الى المحسن الكبير والعلامة المغترب الدمشقي في القسطنطينية ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي تلميذ الخوري يوسف الحداد ( القديس يوسف الدمشقي) راجياً منه العودة الى دمشق ليساعده في ادارة وتدبير هذه المدرسة بعد ان يصيره ارشمندريتا، ويكون مقر المدرسة اما في الدار البطريركية او في الآسية او في دير سيدة صيدنايا البطريركي وكانت الكفة راجحة الى هذا الدير…وكان هذا الترشيح والمتابع الدقيق لهذا المشروع التربوي الشماس جراسيموس مسرة اللاذقي شماس البطريرك (مطران بيروت لاحقاً) الذي يعتبر ديمتري معلماً له فيبادره بالكتابة دوما مستهلا رسائله بعبارة ” بعد التبرك بلثم يمينكم…” وهو اللاهوتي الأول في كرسينا الانطاكي وخريج خالكي المتميز… وكذلك كان الشماس روفائيل هواويني الدمشقي ( مطران اميركا الشمالية والمطوب قديساً ارثوذكسيا من قبل الكنيسة الروسية العام 2010) كان يكاتبه بالوصف ذاته مقبلاً يمينه…

وفي الوقت عينه كان الحلبيون قد اجمعوا على انتخابه مطراناً عليهم بالرغم من كونه علماني ووسطوا البطريرك القسطنطيني ليقنعه بالقبول… لكنه اعتذر عن القبول في الترشيحين وقد زعل منه البطريرك جراسيموس لعدم قبوله ادارة المدرسة لأنه كان قد وضع خاتمة لحياته بعد عودته من مغتربه كمتوحد فقير قدم كل مايملك للمريمية وللكهنة الانطاكيين الفقراء ولدير سيدة حماطورة، عاش متوحداً بثيابه المدنية في دير سيدة حماطورة الرهباني خادماً له وهذا ماتم الى حين وفاته بالرب… وبذا لم يفلح مشروع المدرسة…

صورة للمشاركين في المؤتمر الأنطاكي مع غبطة البطريرك يوحنا العاشر ومطارنة الأبرشيات والوفد الأنطاكية امام قاعة الزاخم في البلمند 2014
صورة للمشاركين في المؤتمر الأنطاكي مع غبطة البطريرك يوحنا العاشر ومطارنة الأبرشيات والوفد الأنطاكية امام قاعة الزاخم في البلمند 2014

المدرسة الاكليريكية في زمن البطريرك ملاتيوس الدوماني
مع بداية هذا العهد عادت المدرسة الإكليريكية للحياة بقرار مجمعي اتُخِذَ في 13 تشرين الثاني 1899، وافتتحها البطريرك ملاتيوس في 3 كانون الثاني 1900، وأُوكل أمر الإشراف عليها لمطران طرابلس غريغوريوس حداد، وعيّن الأستاذ غطّاس قندلفت الدمشقي مديراً لها، وضمت أيضاً أساتذة كباراً أمثال جرجس همام الشويري، ونجيب مشرق، وجرجي شاهين عطية، وضاهر خير الله الشويري، وكان عدد الطلاب في هذه المرحلة الثانية أيضاً ثلاثين طالباً، وكان رئيس الدير هو الارشمندريت ايوانيكوس حايك، ووضع الأستاذ قندلفت نظام المدرسة، وكان مستوحى من نظام مدرسة خالكي ويقع في تسع وعشرين صفحة من كراسة غير مجلدة، وهو يحتوي على سبعة عشر فصلاً وخاتمة، ويتضمن فصولاً تتناول مسؤوليات لجنة المدرسة، والمدير، والأساتذة، والخدّام، والدروس، والمكتبة، ووسائل الإيضاح، ووجود ناظر، وطبيب يأتي أسبوعياً من طرابلس أو غيرها للسهر على صحة الطلاب، وعلى وجوب تعيين البطريرك ثلاثة كهنة، للقيام بالصلوات والقداديس ولتأمين اعتراف الطلبة، وقد وافق البطريرك على هذا النظام، وأرسل رسالة لرئيس الدير ايوانيكوس، حدد فيها المتوجبات اللازمة لهذه العملية التي أضافت نفقات كثيرة، كان يفترض أن يقدمها الدير وتعتبر ديوناً يتوجب تسديدها على البطريركية إضافةً إلى أن هذه الرسالة كرّست فصلاً من الدير والمدرسة، فقد حددت واجبات وحقوق كل منهما.

أما المواد التي دُرِّست وقتئذ فكانت العربية بفروعها وآدابها، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، والطبيعيات، واللغات التركية، واليونانية، والروسية، ومطالعة الكتاب المقدس، وتفسيره، والخطابة، والوعظ، والإرشاد والموسيقا الكنسية.

وفي سنة 1905 تخرّج أول فوج من المدرسة بعدما حضر البطريرك ملاتيوس امتحانات السنة الأخيرة، وقدّم مديرها الأستاذ غطاس قندلفت تقريره بإنجازات العام، وعَقَبَهُ خطباء عدة أثنوا على المدرسة.

ومن خريجيها كان الشماس أبو رجيلي (البطريرك ثيوذوسيوس 1958ــ 1969)، الشماس غفرئيل كردوس، الشماس أثناسيوس كليلة (مطران حوران)، الشماس روفائيل نمر (مطران حلب)، الشماس ايصائيا عبود (تسلّم مناصب عدة) الشماس باسيليوس شاهين، الشماس فوتيوس صعب، الشماس فوتيوس خبّاز، الشماس يوسف أبو طبر، والمبتدئان اسكندر يارد وجرجي ديبو.

في عهد البطريرك غريغوريوس الرابع (1906ــ 1928)
في عام 1907 كانت مدرسة البلمند تعد ثلاثين تلميذاً، وسبعة أساتذة، هم:
ــ الأستاذ غطاس قندلفت مديرها، وأستاذ اللاهوت، والمدخل إلى الكتاب المقدس.
ــ الشمّاس جبرائيل كردوس أستاذ الرياضيات والعلوم الطبيعية.
ــ الأستاذ الياس اسطفان أستاذ اليونانية والتاريخ وتفسير الكتاب المقدس.
ــ الأستاذ جبران حبيب أستاذ الروسية والقانون الكنسي وناظر المدرسة.
ــ الأستاذ نجيب مشرق أستاذ الروسية والجغرافيا.
ــ الأستاذ متري المر أستاذ الموسيقا البيزنطية.
في عام 1908 أُغلقت المدرسة لأسباب غير معروفة، ربما لأسباب إدارية، أو لمصاعب مالية، لكن البطريرك غريغوريوس الرابع، أعاد فتحها عام 1909، وعيّن الارشمندريت العالم إغناطيوس أبو الروس لإدارتها، وكانت تعد 36 طالباً.
وفي عام 1911 عيّن الأستاذ غطاس قندلفت مجدداً لإدارتها، واستمرت المدرسة حتى إغلاقها بسبب الحرب العالمية الأولى عام 1914.
ثم أُعيد افتتاحها مجدداً في الفترة ما بين 1921ــ 1924 لكن بمضمون جديد إذ اتخذت طابعاً علمانياً بخلاف ما كانت عليه في الفترات السابقة من طابع إكليريكي، فانضمَّ إليها طلاّب مسلمون ورئسها وقتئذ الأب إغناطيوس حريكة (مطران حماة لاحقاً).
وفي ذلك الوقت، كان لبنان قد دخل في دائرة الانتداب الفرنسي واعلن كياناً سياسياً مستلاً من سورية ومستقلاً عنها باسم دولة لبنان الكبير، ثم الجمهورية اللبنانية، فتغيّرت المناهج التعليمية في مدرسة البلمند، وحلّت الفرنسية محل اليونانية والتركية، ودُرسَت جغرافية فرنسا وتاريخها. وزادت أهمية الدروس العلمية على الدينية، فتحوّلت مدرسة البلمند من إكليريكية إلى مدرسة وطنية محلية، وكان مديرها الأستاذ نقولا شاهين.

لافتة توثق وضع حجر الأساس لمركز البلمند الطبي في 2014 في المؤتمر الأنطاكي
لافتة توثق وضع حجر الأساس لمركز البلمند الطبي في 2014 في المؤتمر الأنطاكي

أما المدرّسون، فكان معظمهم من خريجي معهد المعلمين في الناصرة التابع للجمعية الامبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية، ومن خريجي مدارس الجمعية المنتشرة في كل البقاع الشامية إضافة إلى معلمين من الروس البيض الذين كانوا قد هربوا من روسيا حال قيام الثورة الشيوعية فيها عام 1917، وتم استخدامهم بقرار من البطريرك غريغوريوس الرابع.
وقد طبّقت بشأن البرامج التعليمية، وأنظمة الامتحانات، الأسسس المعتمدة في مدارس الفرير والجامعة الاميركية. وفي الأخيرة تابع عدد من الطلبة الإكليريكيين دراساتهم بنجاح بعد تخرجهم من مدرسة البلمند.

 

ثم بعد ذلك توقفت لانعدام التمويل ثم بسبب المجاعة في حرب سفر برلك1914 وتم ارسال التلاميذ الى بيوتهم والبعض منهم ذهب الى دير القديس جاورجيوس الحميراء امثال الراهب الفقير ايوب سميا ( الخوري المؤرخ والعلامة ايوب نجم سميا من قب الياس انظر سيرته في موقعنا (اعلام ارثوذكسيون) وبقيت في الدير مدرسة اكليريكية يتعلم بها الرهبان اللاهوت والموسيقى الرومية… وصار يتم ايفاد الطلبة المتميزين الى كليات خالكي وبطرسبرج وموسكو واثينا…لتلقي التعليم اللاهوتي العالي…

في عهد البطريرك ألكسندروس الثالث (1931ــ 1958)

بعد اجتياز الأزمة البطريركية في الكرسي الانطاكي عام 1931 بالقرار الذي صدر عن ممثلي البطريركيات الأرثوذكسية (القسطنطينيةــ الاسكندريةــ القدس)، والذي قضى بشرعية انتخاب ألكسندروس بطريركاً، قام البطريرك ألكسندروس بجهود كبيرة لوفاء الديون الباهظة وفوائدها والتي كانت على الكرسي الانطاكي من زمن البطريرك غريغوريوس، لذلك لم يتمكن من إعادة فتح مدرسة البلمند إلا في عام 1936 حيث استمرت حتى عام 1940، فالبطريرك الكسندروس كان موصوفاً ب( العلامة) ودوما هذا الوصف يسبق اسمه لذا كان محباً للعلم ورعى وقتها فتح وتطوير مدرسة دير القديس جاورجيوس الحميراء في عهده وكان هدفه في مدرسة البلمند هذه المرة تنشئة إكليريكيين متعلمين ومثقفين، أي إن مدرسة البلمند عادت في هذه المرحلة إلى منهاجها الأول، وهو الدراسة الإكليريكية، وقد أُجريت تعديلات جديدة على وضع المدرسة، فالنفقات كانت على عاتق البطريرك والأساقفة والمتبرعين، أما الدروس فكانت دينية وعلمية موزّعة على سبع سنوات وشملت اللغات العربية والفرنسية واليونانية. ولتدريب الإكليريكيين على الحياة الرعائية، كان يتوجّب على طلاّب السنة الأخيرة أن يتنقلوا في القرى المجاورة لإلقاء العظات في الكنائس. والخطب في المدارس بعد الحصول على إذن من مطران الأبرشية، ويرافقهم في عملهم أحد أساتذتهم. أما الامتحانات فكانت خطية وشفهية، تناولت الخطية مواد اللاهوت والآباء والآثار المسيحية وقوانين المحاكم الروحية، بينما تناولت الشفهية تفسير الكتاب المقدس، واللاهوت العقائدي، وتاريخ الكنيسة، والقانون الكنسي …

وكرمت ادارة اكاديمية خالكي اللاهوتية البطريرك الكسندروس كأقدم خريجيها الأحياء.

في عهد البطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958ــ 1969)

في السنة 1960 اسندت ادارة الدير الى الارشمندريت سرجيوس عبد ( مطران تشيلي حالياً) وهو خريج معهد خالكي اللاهوتي يعاونه الارشمندريت كوستا او قسطنطين من خريجي جامعة أثينا وهو من اليونان الدمشقيين ( متروبوليت ابرشية الكويت وبغداد السابق والمستقيل وقد انتقل الى رحمة الله عام 2015 بعد استقالته) ومنذ ذاك الحين وضع البطريرك ثيوذوسيوس السادس( 1985- 1970) تصميماً لرفع معهد هذا الدير الاكليريكي الى درجة سيمينار حتى يتسنى للمتخرجين منه ان يتابعوا دروسهم اللاهوتية العالية في الجامعات الارثوذكسية كما انه كان ترميم الدير واصلاحه واضافة ابنية جديدة فيه اضحت مزدهرة.

وفي سنة 1961 اناط البطريرك ادارة المدرسة الاكليريكية البلمندية بالأسقف سرجيوس سمنة الدمشقي اسقف سلفكية وهو المعروف عنه خبراته في ادارة وتنظيم المدارس الاكليريكية اضافة الى علمه الغزير وتضلعه باليونانية القديمة والحديثة والعربية ويعد كتاب الميناون بأجزائه الثلاثة الذي عربه عن اليونانية وضبطه في العام 1958 من ادق المعربات واكثرها جزالة وشعراً.


بقرار مجمعي عهد البطريرك ثيوذوسيوس إلى أسقف” بالميرا” إغناطيوس “هزيم” الوكيل البطريركي برئاستها وإدارتها في أيار1962.( من الوثائق البطريركية)
في ذلك الوقت لم يكن الاهتمام بالدير والمدرسة سهلاً على رئيسهما بسبب الأوضاع المالية الصعبة التي كان يصادفها في المؤسستين بشهادة العديد من تلاميذه (بعض أساقفة الكرسي حالياً) وقد أعلن عن حاجته لمبلغ إسعافي قدره 5000 ليرة لتحقيق الحد الأدنى من المصاريف الضرورية، كما أبان حاجته إلى ناظر للمدرسة، وكاهن للكنيسة، ليكون أباً روحياً لتلامذة مراهقين، إضافة إلى حاجته لأشخاص يهتمون بالتعليم الديني.
ثم رفعَ الأسقف إغناطيوس
تقريراً مهماً إلى البطريرك ثيوذوسيوس بتاريخ 20 تشرين الأول 1962، تضمنَ معلومات وافية عن المدرسة، وأساتذتها، وطلاّبها، ومشروع موازنة الدير والمدرسة للسنة 1962ــ 1963 بالإضافة إلى بعض الملاحظات منها: أن بناء المدرسة داخل الدير غير صالح، ويقترح التفكير بإيجاد بناء مستقل عن بناء الدير، يصمم ليكون مدرسة، ويحوي ما يلزم لمدرسة ذات مظهر رصين في جو تربوي صحيح.
أما اقتراحاته الإجمالية، فكانت تهم الدير والمدرسة:
بالنسبة للدير، اقترحَ فرز الدير، ليبقى بناء أثرياً ومحوراً لنشاط روحي، وإيجاد مكان لائق للمدرسة، تستعمل فيه وسائل التعليم الحديثة، ومكتبة، وغرفة، مطالعة….الخ
وبالنسبة لسير المدرسة نحو مستوى علمي أرفع، فإنه اقترح اختيار تلاميذ أصلح علمياً، لتكون نخبة خلقية علمية، ولا تعتبر المدرسة محض مدرسة إصلاحية للعاصين، وميتماً لمن لا معيل له، (وهذا لا يعني التخلّي عن الفئتين المذكورتين).
وبالنسبة للمشكلة المالية التي تُعاني منها المدرسة، فقد اقترح الاقتراحات التالية:
1ــ اشتراك الأبرشيات في تمويل المدرسة إذا كان ذلك ممكناً.
2ــ السماح بتأليف “أصدقاء دير البلمند”، وسيكونون من المهتمين بالدير، والذين يكتتبون له بمبلغ ما كل سنة على أن يطّلعوا فيما بعد على مصير تبرعاتهم.
وبرسالته الثانية المؤرخة في 9/5/1963
أوضح الأسقف هزيم للبطريرك ثيوذوسيوس مجدداً الضائقة المالية التي يعيشها الدير والمدرسة لأن البطريركية لم تدفع في تلك السنة للمدرسة فلساً واحداً، في حين أنها كانت تدفع في السنوات الماضية لا أقل عن 20000 ليرة سنوياً.

وفوق ذلك فإن البطريركية ألقت على عاتق الدير إعاشة الأولاد المبتدئين. ويضيف المدير: “وكان يمكن لهذه المشاكل المالية أن تُحَل، فيما لو تحركت قضية وقفية وتبرعات المطران بشير”. ويؤكد أنه استنفذ كل صداقاته ليقوم بأود المدرسة الإكليريكية وبقي بلا راتب، معطياً رخاء المدرسة أفضلية، ثم يرجو من غبطته الإبراق إلى المطران بشير، لإرسال مبلغ مؤقت للبلمند لتسيير هذه الأحوال الاستثنائية على الدير والمدرسة.
وقد أمرَ غبطته خطياً في حاشيته المسطّرة على كتاب الرئيس الأسقف هزيم بصرف مبلغ 5000 ليرة لتسديد رواتب الأسقف، وغير ذلك من النفقات.

ومع كل هذه الضيقات، فإن مدرسة البلمند حققت في عهد الأسقف هزيم قفزة نوعية عظيمة، فقد بلغت مستوى القسم الثاني من البكالوريا اللبنانية، وتضاعف عدد طلابها بفضل سهره الدؤوب وحكمته وصلابة موقفه وحجة رأيه ونجاحه في التعليم وبخاصة في إدارة كلية البشارة في بيروت التي أُطلق عليها اصطلاحاً “مدرسة الأب هزيم”.

كل هذه الضيقات، فإن مدرسة البلمند حققت في عهد الأسقف هزيم قفزة نوعية عظيمة، فقد بلغت مستوى القسم الثاني من البكالوريا اللبنانية، وتضاعف عدد طلابها بفضل سهره الدؤوب وحكمته وصلابة موقفه وحجة رأيه ونجاحه في التعليم وبخاصة في إدارة كلية البشارة في بيروت التي أُطلق عليها اصطلاحاً “مدرسة الأب هزيم.”

المدرسة الحديثة
وبفضل هذه الاقتراحات المُلحة، واندفاع الأسقف إغناطيوس لتحقيقها، فقد طلب البطريرك ثيوذوسيوس من مجلس الكنائس العالمي المساعدة في إنشاء المدرسة الثانوية، وإدراج مشروعها في جملة مشاريعه، وأَرفق بطلبه هذا تصميم المدرسة.

ونُفّذَ المشروع بوساطة مجلس الكنائس العالمي كما سلف القول إضافة إلى تبرعات من الكنائس الأرثوذكسية، بينما غطت ما تبقى من التكاليف حَملةُ تبرعات محلية. ونشأت المدرسة الحديثة بجوار الدير التاريخي.

إن المدرسة الحديثة لم تعد إكليريكية بحتاً بل فُتحت أمام الجميع، أما بناؤها فمؤلف من أربع طبقات، تحتوي الطبقتان الأوليان سبع غرف للدراسة ومُختبراً، وغرفة معلمين، وغرفة مطالعة، وجناح إدارة، وقاعة استقبال، وبهواً، وغرفة طعام، ومطبخاً أما الطبقتان العلويتان فتتسعان لمئة طالب داخلي.

وقد توزع العمل الدراسي في هذه المدرسة الجديدة على أربعة أقسام المتوسط والثانوي والابتدائي والتحضيري، وتمَّ ربط هذه المدرسة بسائر أنحاء لبنان بوسائط نقل خاصة لنقل التلاميذ من المدرسة وإليها.
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي الأرثوذكسي
على اسم هذا القديس العظيم المعلم والرائد في الدفاع عن اللاهوت الأرثوذكسي والأيقونة، ويقول التقليد إن يده قطعت دفاعاً عن العقيدة الأرثوذكسية وباع كل شيء والتحقَ بدير القديس سابا الرهباني، وهناك كتب كل مصنفاته اللاهوتية.
على اسمه بني هذا المشروع الرائد، عندما تبرّع مثلث الرحمات المطران انطونيوس بشير متروبوليت أميركا الشمالية بمبلغ 250000 دولاراً من جيبه الخاص، ومبلغ 44000 دولاراً من مطرانية أميركا. ففي عام 1965 كان المؤتمر العام لأبرشية أميركا الشمالية فاتخذ قراراً نهائياً بإنشاء المعهد اللاهوتي في البلمند، وقام البطريرك ثيوذوسيوس بوضع حجر الأساس للمعهد في 15 آب 1966 في احتفال شعبي كبير، وتعهّدَ المطران فيليبس مطران أميركا الشمالية حالياً بتنفيذ وصية سلفه مثلث الرحمات المطران بشير لإكمال بناء المعهد، وانطلقت ورشة البناء بإشراف المطران إغناطيوس (مطران اللاذقية وقتئذ)، ورئيس الدير، ومدير إكليريكيته، ودشَّنه مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع رسمياً الأحد 7 تشرين الثاني 1971 بحضور جمع غفير تقدمهم المتروبوليت فيليبس صليبا، وبقية مطارنة الكرسي الأنطاكي، والمطران هزيم، ومسؤولون في الجمهورية اللبنانية.
وفتح المعهد أبوابه أمام الطلبة للعام الدراسي 1970ــ 1971، وتولّى المطران هزيم منصب العميد، ووفاء منه لذكرى الخالد المتروبوليت بشير الذي قدّم كل ما يملك في سبيل البلمند (ثانوية ومعهد اللاهوت) وأقام تِمثالاً نصفياً له في صدر ردهة المعهد اعترافاً بفضله.
وفي الفترة (1976ــ 1978) فترة الحرب الأهلية اللبنانية الشاملة، توقفت الدراسة في المعهد، وسُرِقت محتويات الدير والمعهد من المخطوطات التاريخية، وغيرها من نفائس الكتب، وانتقل الطلاّب الإكليريكيون إلى جامعات اليونان (أثينا، سالونيك) لمتابعة الدراسة اللاهوتية، والتحصيل العالي فيها، ومنهم حالياً أصحاب السيادة المطارنة: دامسكينوس منصور متروبوليت ابرشية البرازيل، جورج ابوزخم متروبوليت ابرشية حمص ، وموسى الخوري المعاون البطريركي بدمشق، والآباء الارشمندريت جورج جيلو…وغيرهم.
ثم تابع المعهد دوره مجدداً على الرغم من الصعوبات الحياتية، ومضايقات الحرب، فكانت رسالته التي عبَّرَ عنها تقرير قدَّمه قدس الأب جورج عطية أحد أساتذة المعهد حيث قال فيه:
يعمل المعهد على تربية أجيال من رعاة ومعلمين حاملين رسالة مصالحة وسلام ومشتركين في بناء الوطن وإنسانه، لذلك اعتمد نهجاً تعليمياً، يعطيه هويته، ويظهر معنى وجوده، لأنه يرمي إلى بناء شخصية الطالب وتثقيفه، وهذا النهج يوسِّع المعرفة، ويساعد على اكتساب أسس البحث والكتابة…”
وفي لقاء مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع مع وفد كنيسة كورهاس فالدك الألمانية في البطريركية بدمشق الثلاثاء 24/5/94، نوّه بدور هذا المعهد اللاهوتي حالياً حيث قال:
“المعهد ليس مكاناً للدراسة اللاهوتية فقط، هناك محاولة لتحويله إلى بيت للرعاية…” وحول طلاب المعهد قال غبطته: “”…هم طلابٌ جامعيون يشعرون بالمسؤولية، ونحاول تطوير الروحانية النوعية لديهم، فالإنسان هو الأساس. المعهد مؤسسة جامعية، وتأكيدنا ينصب أولاً على نوعية الشخص في مرحلة قبوله.”

وأضاف: “…أعتقد أننا خطونا خطوة جيدة إلى الأمام، وآمل أن نصل إلى تنمية أبنائنا ليس فقط بالتعليم بل بالرعاية، وبتنمية الحس الرعوي لديهم. والبلمند معهد من أهم المؤسسات في كنيستنا الأنطاكية، وهو اليوم مكان للقيادة الروحية. نحن نعاني من نقص في رجال الإكليروس. والبلمند هو الذي يقوم بتهيئة الإكليروس الأنطاكي من أجل الرعاية والقيادة الروحية…”.
لقد تحد‍ّثَ غبطته عن مؤسسة رعاها منذ نشأتها بعرقه وقلبه ووجدانه وجيبه، بالرغم من صعوبة الأحوال المالية والإدارية والفنية. فكانت اليوم هذه الصروح المتنوعة والمتميزة في مجال التعليم كما أرادها. أما برنامج دروس المعهد، فيتناول مواد اللاهوت، والفلسفة، والتاريخ، والكتاب المقدس، والآباء والرعائيات، والليتورجيا، وعلم الاجتماع، واللغات القديمة، والحديثة وتوزّع هذه المواد على أربع سنوات يحصل الطالب في نهايتها على إجازة في اللاهوت. أما الذي كان يُحيي الدروس وينعشها فهو حياة الصلاة المشتركة على أرض المعهد وفي كنيسته صلاة بين المرشدين الروحيين والأساتذة من جهة والطلاّب من جهة ثانية. وقد طبّقت لفترة من الوقت تجربة إعداد الكهنة ومدة الإعداد سنتان. لكن النظام السائد حالياً هو الإجازة الجامعية في اللاهوت.
جامعة البلمند
هو القسم الأهم في البلمند وأهم حدث في تاريخ الكرسي الانطاكي المقدس منذ تأسيسه على أيدي الرسولين بطرس وبولس. انطلقت هذه الجامعة الحديثة في مسيرتها عام 1988 بعد أن كانت حلماً جميلاً داعبَ خيال مثلث الرحمات غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع فسعى لتحقيقه وكم مرّ به معوقات وآلام وشجون لأن الكرسي الانطاكي عبر تاريخه كان مدرسة للفكر واللاهوت ومنه نُقِلَ هذا الإبداع إلى كل العالم

تحقق حلم إغناطيوس الذي حلمه مذ تسنّم رئاسة الدير والمدرسة عام 1962 لا بل وهو لا يزال على مقعد الدراسة في الجامعة الاميركية ببيروت ثم وهو يدرّس اللاهوت والفلسفة في معهد القديس سرجيوس في باريس، ودخلت الجامعة معترك التدريس تنافس شقيقات لهنَّ باعٌ طويل في هذا المضمار الحيوي كالجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية.
وُلدت هذه الجامعة التي أنعشت عروق الشمال اللبناني في الحرب اللبنانية وكملت نفسها مع إطلالة السلام وحملت على عاتقها الأرثوذكسية العربية ابنة المشرق العربي وهي الآن قد انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التركيز.
وكانت قد انطلقت ولم تكن قد حصلت بعد على رخصة رسمية من وزارة التربية اللبنانية والجهات الرسمية الأخرى ووقتها لم تكن هذه الأبنية الضخمة التي تشكّل اليوم كليات الجامعة ومعاهدها إلا عبارة عن مخططات هندسية ومجسّمات مصغّرة.
ثم صدر ترخيصها بالمرسوم رقم 4885 تاريخ 4 حزيران 1988 الذي أجاز لها العمل رسمياً وجاء في قانونها الأساسي أن جامعة البلمند ترمي إلى التعليم والبحث في آن واحد وهي مؤسسة لا تتوخّى الربح وتتطلع دوماً إلى المستوى العلمي وأخلاقية المعرفة وتواكب التطورات العلمية المعاصرة وترشد طلابها إلى القيم الإنسانية والروحية والمحبة والعطاء.

تمارس الجامعة سياسة الانفتاح على الجميع ولا تميّز بين فرد وآخر بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو العرق أو اللون.

تسعى الجامعة إلى إنشاء علاقات ثقافية وتعاون أكاديمي مع أفضل مؤسسات التعليم العالي في لبنان وخارجه.

أقسام الجامعة
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي سالف الذكر، الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، كلية إدارة الأعمال، كلية العلوم، كلية الهندسة، كلية العلوم الصحية. ومعاهد ومراكز أبحاث مختلفة منها معهد الدراسات الإسلامية المسيحية، مركز الدراسات الانطاكي الأرثوذكسي. ولاتزال كل يوم تتوسع بهمة خلفه غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر اضافة الى تدشينه المركز الاعلامي الأنطاكي، ووضع حجر الاساس لمجمع البلمند الطبي مع عدد من الكليات الجامعية، وتدشين المباني التابعة للمقر البطريركي حيث افتتحها البطريرك يوحنا العاشر وكرسها، واطلق خدمة البث الاذاعي لراديو البلمند، وتم ذلك في احتفالات الكرسي الانطاكي بمناسبة عيده في 28 حزيران 2014 والمؤتمر الانطاكي الشامل اذي ضم ممثلين لكل الابرشيات واستضاف بطاركة الكنائس الأنطاكية الشقيقة وكان تتويجه بالقداس الالهي غير المسبوق في استاد البلمند في 29 حزيران 2014.
السياسة التربوية في الجامعة
تعتمد الجامعة البرامج التي تطوّر العلوم وتخدم مصلحة المجتمع وتطوراته المستقبلية ومصلحة لبنان ومصلحة المشرق العربي وحاجاته.
كما أن الجامعة ملتزمة بالدراسة والتعليم فهي أيضاً ملتزمة بمعرفة الحقيقة في كل شيء وذلك من خلال البحث العلمي والحوار المسؤول والكتابة والنشر والنقد والجو الحر المنفتح الذي تتطلبه الدراسات العليا وتهدف الجامعة إلى تحويل المعرفة إلى وسائل ومنهجيات عملية تخدم مصالح الشعب وتدفعه نحو التقدم الحضاري والازدهار الاقتصادي.
لكل جامعة في العالم خصائصها ورسالتها التي تماشي الحقائق العلمية… وجامعة البلمند التي تنطلق من التراث الأرثوذكسي الانطاكي تجد نفسها مجذرة خلقياً في هذا التراث الفني ومنفتحة كلياً على المجتمع الحديث والعلم الحديث، وتسهم بشكل فعال في مسيرة العلوم العليا في لبنان والمشرق العربي مضفية على المسارات العلمية الحديثة في المنطقة روحية خلقية متحررة تؤمن المواطَنة الحقة.
فجامعة البلمند هي جامعة لكل لبنان ورسالتها العلمية والخلقية رسالة عالمية وأبوابها مفتوحة لكل باحث وأستاذ وطالب وموظف دون تمييز.
وكجامعة في جوار الدير التاريخي لا بد لها من أن تشدد على الروحانيات وعلى معرفة الغير من خلال الحوار المنفتح وبالأخص الحوار المسيحي الإسلامي الذي للبلمند تاريخ حافل فيه. والولاء للبنان المتفاعل حضارياً وتاريخياً مع محيطه العربي والمنفتح دوماً على العالم.
وتقدّم الجامعة برامجها التربوية باللغتين الانكليزية والفرنسية وتتطلب معرفة جيدة باللغة العربية وأخيراً فإنه لا بد من الإشارة إلى المتبرعين الذين بحق يتوجّب علينا أن نشكرهم نيابة عن الأسرة الانطاكية الأرثوذكسية منهم من هو من أبنائها ومنهم من هو من أديان شقيقة أخرى وتجمعنا معهم وحدة الدم والتاريخ والأرض وإن اختلفنا في العقيدة إلا أننا ننشد معاً وجه الله على الأرض وفي رحاب البلمند.
مجلس الكنائس العالمي، أبرشية نيويورك وسائر أميركا الشمالية ممثلة بمثلث الرحمات المطران انطونيوس بشير والمطران فيليبس صليبا وآخر التبرعات منهم القرية الانطاكية التي ستجمع الطلاب الداخليين والأساتذة (مدينة جامعية)، د. عثمان العائدي، صائب نحّاس، الأستاذ رفيق الحريري، الأستاذ عصام فارس، آل بولس، آل زاخم، أبرشية باريس (تبرعت بكنيسة) وآخرون بمنح دراسية بما يفوق مئة ألف دولار، وغيرهم ممن لم يسعفنا الوقت لاضافتهم وخاصة من الجنود المجهولين.
ختاماً
نقول في رحاب التاريخ المجيد الذي عاش فيه البلمند ببخوره ورهبنته، في رحاب مدرسته اللاهوتية المتألمة التي كبرت على الجراح فأصبحت معهداً على اسم أعظم قديسي المشرق والمغرب يوحنا الدمشقي الكوكب الثاني من كواكب دمشق الخالدة التي زهت بمسيحيتها على مر العصور، العصفور الغَرِدْ الذي كتب الشعر فأبدع ونظم الموسيقا فحلّق، كنارة الروح والناي الرعائي.

مصادر البحث

– الوثائق البطريركية ( دمشق- دير البلمند…)

– د. رستم كنيسة انطاكية

– مقالي في النشرة البطريركية 1994 بعنوان دير سيدة البلمند البطريركي

– مقالي عينه في موقعي هنا…