سقوط القسطنطينية ( 6 نيسان 1453- 29 ايار1453)

توطئة

يمكن تقسيم العصور التاريخية الى ثلاثة عصور هي القديم والوسيط والحديث على النحو التالي:

العصر القديم

النسر البيزنطي شعار الدولة البيزنطية
النسر البيزنطي شعار الدولة البيزنطية

بدء العمل بالتقويم الميلادي بمولد السيد المسيح وحتى سقوط رومة بيد البرابرة الجرمان عام 476 م.

العصر الوسيط

من سقوط رومة الى سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد الأتراك العثمانيين…

العصر الحديث

بدوره يقسم الى قسمين:العصر الحديث وعصر النهضة

فتح القسطنطينية

هو انتصار العثمانيين على الامبراطورية البيزنطية واسقاطهم عاصمتها  يوم الثلاثاء 29 ايار عام 1453 بقيادة السلطان العثماني محمد الذي اسمي بالفاتح لأنه فتح القسطنطينية واسوارها وتعد من اعظم الحصون العسكرية واقواها واسقط ماتبقى من الامبراطورية البيزنطية أي عاصمتها القسطنطينية التي كان قد بناها قسطنطين الكبير ودشنها عام 320 مسيحية وجعلها عاصمة الايمان المسيحي القويم، وبفتحه لها يكون قد اسقط عشرة قرون من المجد الرومي الزاهي في الروح والايمان والعلوم والمعارف والاهوت والموسيقى الكنسية…. وقد كان من آثار هذا الفتح هجرة ماتبقى من علماء بيزنطيين إلى أوربة الغربية مما أدى لبدء الدراسات الإغريقية الكلاسيكية والتمهيد لعصر النهضة الأوربية لاحقاً. وساعد الفتح على استقرار السلطنة العثمانية وتوسعها في شرق المتوسط ففتحوا سورية وبلاد الرافدين والجزيرة العربية برمتها، ووصلوامصر والسودان ومنها الى شمال افريقيا، وفي شرق اوربة فاجتاحوا البلقان ووصلوا الى ابواب فيينا وحاصروها وانكفأوا عنهابعدما اتحد ملوك اوربة بقيادةالكرسي البابوي الذين شعروا بخطر العثمانيين جدياً بعدسقوط القسطنطينية والمجازر

القسطنطينية عاصمة امبراطورية الروم
القسطنطينية عاصمة امبراطورية الروم

التي ارتكبت بحق سكانها وماقتل وسبي نسائها وغلمانها من كل الطبقات وبيعهن إماء وجواري وغلمان للمتعة، وتحويل كاتدرائية آجيا صوفيا ومعظم القسطنطينية الى جوامع، ويقول بعض المؤرخين المعاصرين عن ندم اوربة حكومات وشعوب واولهم الصرح البابوي لعدم دعم الأمبراطورية البيزنطية بشكل يكفي لدحر العثمانيين لأنها بوابة اوربة.

وقد بدأت محاولات المسلمين الجادة لفتح القسطنطينية في عهد الأمويين زمن الخليفة الأموي الأول ومؤسس السلالة الأموية معاوية بن أبي سفيان وبلغ من إصراره على فتح القسطنطينية أن بعث بحملتين الأولى سنة 49 هـ = 666 م والأخرى كانت طلائعها في سنة 54 هـ = 673 م، وظلت سبع سنوات وهي تقوم بعمليات حربية ضد أساطيل الروم في مياه القسطنطينية، لكنها لم تتمكن من فتح المدينة العتيدة، وكان صمود المدينة يزيد المسلمين رغبة وتصميما في معاودة الفتح، فنهض الخليفة الأموي “سليمان بن عبد الملك” بحملة جديدة سنة (99 هـ = 719م) ادخر لها زهرة جنده وخيرة فرسانه، وزودهم بأمضى الأسلحة وأشدها فتكا، لكن ذلك لم يعن على فتحها فقد صمدت المدينة الواثقة من خلف أسوارها العالية وابتسمت ابتسامة كلها ثقة واعتداد أنها في مأمن من عوادي الزمن وغوائل الدهر، ونامت ملء جفونها رضى وطمأنينة. ثم تجدد الأمل في فتح القسطنطينية في مطلع عهود العثمانيين، وملك على سلاطينهم حلم الفتح، وكانوا من أشد الناس حباً بالفتوحات واهراق الدماء وأطبعهم على حياة القتال فحاصر المدينة العتيدة كل من السلطان بايزيد الأول ومراد الثاني، ولكن لم تكلل جهودهما بالنجاح والظفر، الى ان اعتلى محمد الثاني
بن مراد الثاني الاريكة العثمانية.

نبذة تاريخية في بناء المدينة

موقع القسطنطينية
موقع القسطنطينية

في عام 413 مسيحية ومن مدينة ميلانو الايطالية سمح قسطنطين الكبير للمسيحيين باظهار دينهم وامر بوقف كل اللاضطهادات المريعة التي سادت طيلة القرون الثلاثة المنصرمة، عندما اطلق براءته الشهيرة المسماة براءة ميلان التي غيرت وجه التاريخ بإطلاق الحرية للمسيحية المضطهدة، واوقف حمامات الدم بحق اتباعها خلال 313 سنة قضى فيها مئات الأوف حرقاً في النار وفي الزيت المغلي والذبح وطعاماً للوحوشالمفترسة…

وقد جاءت مبادرته هذه بدافعين اثنين

الاول تربيته المسيحية الصافية التي تلقاها على يد والدته القديسة هيلانة وبدفع شديد منها، وعندما اعلن براءته لم يكن قد اعلن مسيحيته بعد.

الثاني كان صراعه وهو قيصر الشرق الروماني ( شرق الأمبراطورية) مع قيصر الغرب ليكيانوس (غرب الأمبراطورية) للاستئثار بجناحي الأمبراطورية وانتصاره الحاسم والمدوي على خصمه باعجوبة ظهور الصليب له ولكل قواته وضاءً في رابعة النهار، ومعه العبارة التالية باليونانية:” بهذه تنتصر” عندها امر برسم اشارة الصليب على أعتدة وسلاح ولباس الجيش وامر باتلاف الرايات الوثنية ومنها النسر الروماني علامة الوثنية واستبدلها برايات الصليب المقدس.وانتصر فعلاً.

الأمبراطور قسطنطين الكبير مؤسس القسطنطينية
الأمبراطور قسطنطين الكبير مؤسس القسطنطينية

ولما كانت رومة عاصمة الأمبراطورية فهي عاصمة الوثنية لأن الوثنية كانت دعامة الامبراطورية الرومانية ( لذلك شنت مجازر مخيفة بحق المسيحيين لأنهم هددوا كيان الدولة)، وكانت معابد الوثن منتشرة بشكل غير مسبوق فيها، وكلها لها اوقاف ضخمة تنفق على هذه المعابد الكثيرة لكثرة الآلهة، لذا اراد بناء عاصمة ملكه اي عاصمة جديدة خالية من اي معبد وثني،مخصصة فقط لعبادة الله الحي والحقيقي.

اختار موقعها في موقع مدينة اغريقية قديمة مندثرة، كان اسمها “بيزنطة” وامر ببنائها لتكون عاصمة امبراطورية الايمان المسيحي، واسماها على اسمه القسطنطينية. وقد تسمت الأمبراطورية الرومانية الشرقية او امبراطورية الروم بلسانها اليوناني او الأمبراطورية الرومية التي ضمت كل الأقوام الخاضعة في شرق الأمبراطورية اي في معظم املاك الدولة الهلسنتية ( اليونانية الشرقي) وورثتها الأمبراطورية السلوقية في انطاكية وشرق سورية والأمبراطورية البطلسية في مصر وشمال افريقيا. وصارت تدعى امبراطوريته بالأمبراطورية البيزنطية كناية للمدينة الاغريقية التي بنيت القسطنطينية على انقاضها وفي موقعها.

موقع القسطنطينية
موقع القسطنطينية

ودشنها الأمبراطور قسطنطين الأول عام 320م ولم يكن فيها اي معبد وثني فيها وحرم إقامة اي طقس وثني فيها، كانت كما ارادها عاصمة المسيحية، وقد حباها الله بأبدع ما تحبى به المدن العظيمة، تحدها من الشرق مياه البوسفور، ويحدها من الغرب والجنوب بحر مرمرة، ويمتد على طول كل منها سور واحد. أما الجانب الغربي فهو الذي يتصل بالقارة الأوروبية ويحميه سوران طولهما أربعة أميال يمتدان من شاطئ بحر مرمرة إلى شاطئ القرن الذهبي، ويبلغ ارتفاع السور الداخلي منهما نحو أربعين قدمًا ومدعماَ بأبراج يبلغ ارتفاعها ستين قدما، وتبلغ المسافة بين كل برج وآخر نحو مائة وثمانين قدما.

أما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه خمسة وعشرين قدماً، ومحصن أيضا بأبراج شبيهة بأبراج السور الأول، وبين السورين فضاء يبلغ عرضه ما بين خمسين وستين قدما، وكانت مياه القرن الذهبي الذي يحمي ضلع المدينة الشمالي الشرقي يغلق بسلسلة حديدية هائلة يمتد طرفاها عند مدخله بين سور غلطة وسور القسطنطينية، ويذكر المؤرخون العثمانيون وحدهم أن عدد المدافعين عن المدينة المحاصرة بلغ أربعين ألف مقاتل!!!

هذه المدينة الجميلة والعاصمة المنيعة وبوابة اوربة كانت ملهمة لكبار القادة والأقوام لفتحها، مهما كلفهم امر فتحها من تضحيات. ويذكر التاريخ ذاك الصراع الدموي بين الآمبراطورية الرومانية ووريثتها الأمبراطورية الرومية او البيزنطية مع الأمبراطورية الفارسية وكانتا اكبر قوتين عظميين في ذاك الوقت ومحاولة الفرس المستميتة لفتحهاوانكسارهم المدوي وخاصة في مستهل القرن السابع المسيحي.

ثم الصراع مع الفرنج الفاتحين الذين غزوا سورية ومصر مابين القرنين 12 و14 وكيف دخلت احدى الحملات القسطنطينية ومكثت فيها محتلة المدينة سبعين سنة متصلة باستعمار بغيض مارسوا فيه قهراً لايوصف بحق سكانها واكليروسها الأرثوذكس كما فلوا في الكرسيين الأنطاكي والاروشليمي من قتل للبطاركة والمطارنة والرهبان وكبار المثقفين اللاهوتيين، مايدحض ادعاءات بعض المؤرخين المتعصبين بأن حملات الفرنجة التي يحلو لهم تسميتها بالحملات الصليبية مع كل ماتحمل هذه التسمية من اذى معنوي للمسيحيين الشرقيين بمن فيهم ابناء الأمبراطورية البيزنطية اي المسيحية الأرثوذكسية، فالقسطنطينية هي العاصمة الأرثوذكسية، ورومة هي العاصمة الغربية الكاثوليكية وكان هدف الحملات الاساس كثلكة ارثوذكس الشرق، وليس جعل المسلمين مسيحيين… كما يتشدق بعض كبار المغرضين من من يدعون انفسهم مؤرخين او كتاب التاريخ.

الحصار البحري للمدينة في كل محاولات فتحها
الحصار البحري للمدينة في كل محاولات فتحها

ويجمع الكثير من مؤرخي اوربة ان هذه الحملة اضعفت بشكل مدمر الدولة البيزنطية وبديلتها امبراطورية ايقونية البيزنطية في آسيا الصغرى التي قامت كبديل عن القسطنطينية ريثما تم تحرير القسطنطينية من رجس الفرنجة بعد 70 سنة، مما مكن العثمانيين من فتحها بعد هذا الصمود الاسطوري سيما وانه لم يبق من الأمبراطورية الرومية الخالدة الا عاصمتها ومحيطها امام تكالب الغرب عليها من جهة اوربة، وحملات الشرق على الغرب وبالعكس (بما يسمى المسألة الشرقية) الفرس ثم المسلمين المستمرة طيلة سبعة قرون وكانت آخرها سقوطها بيد العثماني محمد الثاني الذي سمي الفاتح، لأنه فتح أكبر موقع عسكري حصين في التاريخ القديم والحديث..

كيف بدأ العثماني محمد الثاني استعداداته؟

كان السلطان بايزيد الأول قد أنشأ على ضفة البوسفور الآسيوية في أثناء حصاره للقسطنطينية حصنا تجاه أسوارها عُرف باسم قلعة الأناضول ” كوزل حصار” على الشاطىء الآسيوي وفي آذار السنة 1452 بدأ ابنه السلطان محمد الثاني بانشاء قلعة بالقرب من القسطنطينية اي على الجانب الأوربي اطلق عليها اسم “روم ايلي حصار” ليهدد بها الابحار من مرفأ القسطنطينية، وكانت تقوم على أضيق نقطة من مضيق البوسفور، وقد جلب لها مواد البناء وآلاف العمال، واشترك هو بنفسه مع رجال دولته في أعمال البناء، وهو ما ألهب القلوب وأشعل الحمية في النفوس، وبدأ البناء في الارتفاع شامخ الرأس في الوقت الذي كان فيه الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر لا يملك وقف هذا البناء، وكان قلقاً وهو يرى أن الخطر الداهم يحدق به دون أن يملك من دفعه شيئا. فحاول مفاوضاً بأن أرسل الى محمد الثاني العثماني وفداً يحتج على ذلك. لكن السلطان أمر بهم فقطعت رؤوسهم.!

وبالمقابل قام الأمبراطور قسطنطين الحادي عشر بترميم الأسوار وذخر المؤون وراسل يوحنا هونيادي والفونس الخامس ولوح بامتيازات هامة لكل من البندقية وجنوا وكتب الى البابا نيقولاوس الخامس، ولكنه لم يتلق من الغرب شيئاً سوى شخص ايسيدورس الذي كان قد اصبح كاردينالاً، فإنه جاء من رومة موجباً اعلان اتحاد الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية في كاتدرائية الحكمة الالهية وذكر البابا في الذبتيخة (تسلسل البطاركة) وكان الانشقاق الكبير قد وقع عام1053 فانفصلت الكنيستان منذ تاريخه.

محمد الثاني على رأس قواته استعداداً لاقتحام القسطنطينية
محمد الثاني على رأس قواته استعداداً لاقتحام القسطنطينية

وضغط الأمبراطور على بعض رجال الاكليروس القسطنطيني واقام في 12 كانون الأول 1452 قداساً حافلاً في كنيسة الحكمة الالهية بموجب الطقس اللاتيني. وما ان فعل حتى ضجت المدينة بالاحتجاج وتزعم سكولاريوس هذه المعرضة وقال نوثاراس الدوق الكبير قوله المشهور:” عمائم الشيوخ ولا تيجان الكرادلة”.

لكن الأمبراطور قسطنطين الحادي عشر كان يسعى لاستدرار معونات رومة واوربة الغربية عسكريا، لكنه لم يتلق الا وصول سبع مائة محارب جنوي بقيادة الأميرال يوحنا الجنوي، والح سفير البندقية والكاردينال ايسيدورس على الأميرال تريفيزانو الذي كان قد واكب الكاردينال ان يبقى في مياه القسطنطينية لكن ربابنة البوارج آثروا الخروج على البقاء وحذا حذوهم أهل الحل والربط من رجال الجالية الجنوية فقالوا بأن بقاءهم على الحياد يكون في صالح الروم!

ويستدل من افضل المراجع المعاصرة على ان عدد المحاربين الروم لم يتجاوز ال4973 رجلاً وان عدد الأجانب المقاتلين معهم تراوح بين الألفين والثلاثة آلافن وان سلاح هؤلاء كان ابيض، وانه لم يكن لديهم سوى بعض المدافع المتوسطة الحجم وان القوة البحرية كانت مؤلفة من سبع بوارج وان الذخيرة لم تكن كافية وان الأمبراطور اضطر ان يسك النقود من فضة الكنائس.

وعلى الجانب العثماني لم تمض ثلاثة شهور حتى تم بناء القلعة على هيئة مثلث سميك الجدران، في كل زاوية منها برج ضخم مغطى بالرصاص، وأمر السلطان بأن ينصب على الشاطئ مجانيق ومدافع ضخمة، وأن تصوب أفواهها إلى الشاطئ، لكي تمنع السفن الرومية والأوروبية من المرور في مضيق البوسفور، وقد عرفت هذه القلعة باسم “روم ايلي حصار”، أي قلعة الروم.

موقع المدينة واغلاق المضيق بالسلسلة الضخمة
موقع المدينة واغلاق المضيق بالسلسلة الضخمة

وبدأ البيزنطيون يحاولون هدم القلعة والإغارة على عمال البناء، وتطورت الأحداث في مناوشات، ثم لم يلبث أن أعلن السلطان العثماني الحرب رسميا على الدولة الرومية،وفي 2نيسان 1453 مد الروم السلسلة العظيمة فأقفلوا بها مدخل القرن الذهبي أمام السفن القادمة، وتبدأ من طرف المدينة الشمالي وتنتهي عند حي غلطة سراي(حالياً)

وما كان من الإمبراطور الرومي قسطنطين الحادي عشر إلا أن أغلق أبواب مدينته الحصينة، واعتقل جميع العثمانيين الموجودين داخل المدينة، وبعث إلى السلطان محمد رسالة يخبره أنه سيدافع عن المدينة لآخر قطرة من دمه.

وفي يوم الجمعة 5 نيسان 1453 وصل محمد الثاني بستين الف مقاتل انكشاري (الانكشارية تعني الجيش الحديث) مع اضعافهم من “الدراويش” الذين كانوا يرافقون الجيش الانكشاري وهم مقاتلون غير مدربين مهمتهم كانت الاقتحام ومكافأتهم السلب والنهب والسبي، اضافة الى التجار الطامعين بتجارة المنهوبات وتجار الرقيق الأبيض، والفلاحين ايضاً الذين استهواهم النهب والسلب وكل العصابات المسلحة… وصل بجيشه الضخم أمام الأسوار الغربية للقسطنطينية المتصلة بقارة أوربة ونصب معسكر جيشه ومركز قيادته أمام باب القديس “رومانوس”، كما نصب المدافع القوية البعيدة المدى، ثم اتجه إلى القبلة وصلى ركعتين وصلى معه الجيش كله، وبدأ الحصار الفعلي وتوزيع قواته، ووضع الفرق الأناضولية وهي أكثر الفرق عددًا عن يمينه إلى ناحية بحر مرمرة، ووضع الفرق الأوروبية عن يساره حتى القرن الذهبي، ووضع الحرس السلطاني الذي يضم نخبة الجنود الانكشارية وعددهم نحو 15 ألفًا في الوسط . اضافة الى اكثر من 800 مدفع ضخم ومئات المنجنيقات التي تلقي بأحجارها المدمرة وكرات القش المغطسة بالقار والمشتعلة…

وأخذ الفريقان يتأهب كل منهما للقاء المرتقب، في مقابل ذلك بدأ الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر في تحصين المدينة وإصلاح أسوارها المتهدمة وإعداد وسائل الدفاع الممكنة (بما في ذلك النار الاغريقية وبعض المنجنيقات الصغيرة، كان سلاح الروم هو الأبيض فقط ولم يكون لديهم اي مدفع)، وتجميع المؤن والغلال.

وانذر السلطان الأمبراطور بوجوب تسليم المدينة فرفض فبدأ الحصار، وفي 8 نيسان امر السلطان بهجوم عام ولكنه نكص على اعقابه، وحاول اقتحام مداخل القرن الذهبي باسطوله الكبير فلم يفلح…

السلطان محمد الثاني على صهوة فرسه
السلطان محمد الثاني على صهوة فرسه

وبدأت ترد على المدينة بعض النجدات التي خففت من روح الفزع التي سيطرت على الأفئدة، وراسل يوحنا هونيادي وكانت المدينة المحاصرة تتلقى بعض الإمدادات الخارجية من بلاد المورة وصقلية، وكان الأسطول العثماني مرابطا في مياه البوسفور الجنوبية منذ 15 نيسان1453 لمنع وصول اي امدادات للروم المحاصرين، ووقفت قطع الاسطول العثماني على هيئة هلال لتحول دون وصول أي مدد. ولكن لم يكد يمضي 5 أيام على الحصار البحري اي في 20 نيسان حتى اطل اسطول غربي مؤلف من أربع بوارج وثلاث ناقلات كبيرة، فأمر السلطان بصدهم عن الوصول الى القسطنطينية، ونشب القتال بين الطرفين وانتصر الأسطول الجنوبي بقيادة القائد الجنوبي يوحنا الجنوي مع 700 مقاتل بفضل تمرسه بالقتال بحرياً اكثر من العثمانيين، ووصل الى القرن الذهبي ناقلاً حبوباً من صقلية الى المدينة المحاصرة الخالدة فاستقبله الإمبراطور قسطنطين استقبالا حسنًا وعينه قائدًا عامًا لقواته، فنظم الجيش وأحسن توزيعهم ودرب الرهبان الذي يجهلون فن الحرب تمامًا.)


(سبطانة المدفع الضخم الذي استخدمه السلطان محمد في دك القسطنطينية واسوارها وهو موجود في متحف لندن)

استعدادات السلطان محمد الثاني

كان السلطان محمد الثاني يستميت في التفكير لفتح القسطنطينية مهما كلفه ذلك، وقد حرم من النوم الهادئ. ولكن ساقت له الأقدار مهندس مدفعية مجري طامع بالذهب الرنان يدعى “أوربان”، فعرض على السلطان أن يصنع له مدفعا ضخما يقذف قذائف هائلة تكفي لثلم أسوار القسطنطينية، فرحب به السلطان وأمر بتزويده بكل ما يحتاجه من معدات، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى تمكن أوربان من صنع مدفع عظيم لم يُر مثله قط، فقد كان يزن 700 طن، ويرمي بقذائف زنة الواحدة منها 12 ألف رطل، ويحتاج جره إلى 100 ثور يساعدها مائة من الرجال، وعند تجربته سقطت قذيفته على بعد ميل، وسمع دويه على بعد 13 ميلا، وقد قطع هذا المدفع الذي سُمي بالمدفع السلطاني الطريق من أدرنة إلى موضعه أمام أسوار القسطنطينية في شهرين.


(رسم معاصر للسلطان محمد الثاني والجيش الانكشاري يصلون الى القسطنطينية ناقلين المدفع الضخم الذي صنعه اوربان رسم فوستو زورانو 1854-1929)

وتحرك الأسطول العثماني الذي يضم 350 سفينة في مدينة “كاليوبولي” قاعدة العثمانيين البحرية في ذلك الوقت، وعبر بحر مرمرة إلى البوسفور وألقى مراسيه هناك، وهكذا طوقت القسطنطينية من البر والبحر بقوات كثيفة تبلغ 265 ألف مقاتل عثماني مدرب وفق الأصول العسكرية الحديثة ، لم يسبق أن طُوقت بمثلها عدة وعتادًا، وبدأ الحصار الفعلي في السبت 6 نيسان 1453وطلب السلطان مجدداً من الإمبراطور “قسطنطين” أن يسلم المدينة إليه وتعهد باحترام سكانها وتأمينهم على أرواحهم ومعتقداتهم وممتلكاتهم، ولكن الإمبراطور رفض معتمدًا على حصون المدينة المنيعة ومساعدة الدول المسيحية له.

اشتعال القتال

بعدما أحسن السلطان ترتيب وضع قواته أمام أسوار القسطنطينية بدأت المدافع العثمانية الثمانمائة تطلق قذائفها الهائلة على السور ليل نهاربدون انقطاع، وكان دوي اصطدام القذائف بالأسوار يملأ قلوب أهل المدينة فزعا ورعبا، وكان كلما انهدم جزء من الأسوار بادر المدافعون عن المدينة إلى إصلاحه على الفور، واستمر الحال على هذا الوضع.. هجوم جامح من قبل العثمانيين، ودفاع رائع مستميت يبديه المدافعون الخمسة آلاف، وعلى رأسهم يوحنا يوستنيانوس، والإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر. عدا عن سقوط الأحجار الضخمة وكرات النار المشتعلة على كل المدينة فتدمرت الكثير من بيوتها وقصورها والتجأ السكان غير المقاتلين مع الاكليروس الى الكنائس والأديرة فيها للصلاة والاحتماء.

وفي الوقت الذي كانت تشتد فيه هجمات العثمانيين من ناحية البر حاولت بعض

المراكب العثمانية تحطيم السلسلة على مدخل ميناء القرن الذهبي واقتحامه، لكن المراكب الرومية والجنوية المكلفة بالحراسة والتي تقف خلف السلسلة نجحت في رد هجمات مراكب العثمانيين وصبت عليها قذائفها وأجبرتها على الفرار. 

السفن العثمانية تبحر على اليابسة


(صورة زيتية للرسام الشعبي اليوناني ثيوفيلوس حاجي ميخائيليدس يصور القتال داخل المدينة، ويظهر امبراطور القسطنطينية على حصان أبيض)


(محمد الثاني يدخل القسطنطينية، تصوير فوستو زونارو)

كان لنجاح السفن التي تحمل الامدادات والارزاق في المرور أثره في نفوس أهالي المدينة المحاصرة؛ فانتعشت آمالهم وغمرتهم موجة من الفرح بما أحرزوه من نصر، وقويت عزائمهم على الثبات والصمود، وفي الوقت نفسه أخذ السلطان محمد الثاني يفكِّر في وسيلة لدخوله القرن الذهبي بنفسه وحصار القسطنطينية من أضعف جوانبها وتشتيت قوى المدينة المدافعة.

واهتدى السلطان إلى خطة موفقة اقتضت أن ينقل جزءاً من أسطوله بطريق البر من منطقة غلطة إلى داخل الخليج، متفاديا السلسلة الضخمة، ووضع المهندسون الخطة في الحال وبُدئ بالعمل تحت جنح الظلام وحُشدت جماعات غفيرة من العمال في تمهيد الطريق الوعر الذي تتخلله بعض المرتفعات، وغُطي بألواح من الخشب المطلي بالدهن والشحم، وفي ليلة واحدة تمكن العثمانيون من نقل سبعين سفينة طُويت أشرعتها تجرها البغال والرجال الأشداء، وذلك في ليلة 22 نيسان1453م

وكانت المدافع العثمانية تواصل القاء قذائفها حتى تشغل الروم عن عملية نقل السفن، وما كاد الصبح يسفر حتى نشرت المراكب العثمانية قلوعها ودقت الطبول وكانت مفاجأة مروعة لأهل المدينة المحاصرة. وبعد نقل المراكب أمر السلطان محمد بإنشاء جسر ضخم داخل الميناء، عرضه خمسون قدما، وطوله مائة، وصُفَّت عليه المدافع، وزودت السفن المنقولة بالمقاتلين والسلالم، وتقدمت إلى أقرب مكان من الأسوار، وحاول المقاتلون الروم إحراق المراكب العثمانية في الليل، ولكن العثمانيين علموا بهذه الخطة فأحبطوها، وتكررت المحاولة وفي كل مرة يكون نصيبها الفشل والإخفاق.

الهجوم الكاسح وسقوط المدينة

استمر الحصار بطيئا مرهقا والعثمانيون مستمرون في ضرب الأسوار دون هوادة، وأهل المدينة المحاصرة يعانون نقص المؤن ويتوقعون سقوط مدينتهم بين يوم وآخر، خاصة وأن العثمانيين لا يفتئون في تكرار محاولاتهم المستميتة في اقتحام المدينة التي أبدت أروع الأمثلة في الاستبسال والدفاع والثبات، وكان السلطان العثماني يفاجئ خصمه في كل مرة بخطة جديدة لعله يحمله على الاستسلام أو طلب الصلح، لكن الأمبراطور آثر الاستشهاد مع قومه في الدفاع عن المدينة على تسليمها. وفي 23 أيار 1354 أوفد السلطان امير سينوب ليفاوض الامبراطور قسطنطين مجدداً في تسليم المدينة مقابل خروجه منها ومعه من يرغب في ذلك، فلم ير الأمبراطور في ذلك الا فخاً منصوباً له فرفض. ولم يعد أمام السلطان سوى معاودة القتال بكل ما يملك من قوة.

السلسلة الحديدية الضخمة التي كانت تغلق الممر
السلسلة الحديدية الضخمة التي كانت تغلق الممر

بالمقابل فإن الأمبراطور قسطنطين وكل قادته وجيشه الصغيربكامل عتادهم، وعموم سكان المدينة اجتمعوا للصلاة الجامعة وتناولوا جميعهم القربان المقدس، وكانوا موقنون بالانكسار واجتياح مدينتهم، ولكنهم ايضاً كانوا باقون على الرجاء بأن العذراء مريم لن تترك مدينتهم مدينة المجد الرومي الزاهي وحامية الايمان القويم طيلة عشرة قرون زاهية لمصير يرونه مدمراً، وكانوا يهتفون للعذراء المنقذة بأن تحمي مدينتهم بهذه الترتيلة الرائعة التي رتلها اجدادهم في القرن السابع بعدما انتصرت المدينة على حصار الفرس بفضل العذراء وبدون اي قتال ، حيث كان هرقل بجيشه يقاتل في غرب الأمبراطورية فأغرقت المراكب وتشتت القوات البرية بعواصف مدمرة وكانت هذه الترتيلة الرائعة: ” اني انا مدينتك ياوالدة الاله ارفع لك رايات الغلبة ياقائدة محامية وأقدم لك الشكر كمُنفذة من الشدائد لكن بما ان لك العزة التي لاتحارب انقذيني من صنوف الشدائد حتى اصخ اليك افرحي ياعروساً لا عروس لها.” وهي التي رتلوها للعذراء باسم المدينة بعدما نقذتها من جحافل الغزاة الفرس في القرن السادس وهي من نظم القديس رومانوس الحمصي المرنم… وهي صلاة المديح الذي لايجلس فيه في ايام الجمعة الخمسة الأولى مساء الصوم الكبير المقدس

ان بيزنطة أو القسطنطينية، عاصمة دولة الروم الشرقية، التى صارت استانبول بعد فتحها، لم تكن مجرد مدينة تطل على خليج البوسفور شرقا وبحر مرمرة جنوبا، بل كانت حصنا مرتفعا منيعا محاطا بأسوار عالية حولها أسوار أعلى، حاصرتها جحافل جيش السلطان محمد الثانى…

في الواحدة صباحا من يوم 29 ايار 1453، وعندما أعطى السلطان إشارة الهجوم، انقض مائة ألف من البشر بالأسلحة والسلالم والحبال والكلاليب على الأسوار الخارجية للمدينة الحصن، واتحدت أصوات الطبول الكبيرة والصنوج والمزامير بدويها الحاد مع الصرخات البشرية ورعود المدافع لتشكل إعصارا واحدا يتهيأ للاجتياح. وفى البداية كان يُزَج في المقدمة بالقوات غير المدربة، وهى قوات الباش بزق المسماة الدراويش والتي كان عددها يزيد عن 150 الفاً ( واضافة الى مثيلها من القوات الانكشارية النظامية…) الدراويش او الباش بزق الذين كانت أجسادهم نصف العارية لا تفيد في خطة هجوم السلطان إلا من حيث كونها مصدات إعاقة، يُقصَد بها إرهاق العدو الرومي وإضعافه قبل هجوم نواة القوة العاصفة في جيش السلطان العثمانى محمد الثانى

ايقونة العذراء المنقذة  للقسطنطينية في مستهل القرن السابع من الفرس الغزاة وترتل لها خدمة المديح الذي لايجلس فيه في ايام الجمعة الخمسة الأولى من الصوم
ايقونة العذراء المنقذة للقسطنطينية في مستهل القرن السابع من الفرس الغزاة وترتل لها خدمة المديح الذي لايجلس فيه في ايام الجمعة الخمسة الأولى من الصوم

يصف الكاتب شتفان تسبايك في كتابه ” ساعات القدر في تاريخ البشرية”

ماكان يجرى للباش بوزق في هذه المعركة قائلا: “بمائة سلم يعدو في الظلام اندفع أولئك الذين يُقذَف بهم إلى الأمام نحو الأسوار، يتسلقون نحو السور المسنن، فيُطرَحون نحو الأسفل، ويعودون إلى الاقتحام العاصف من جديد، ومن جديد دائما، إذ لا يوجد لديهم طريق عودة للوراء، وهم المادة البشرية غير ذات القيمة، والمخصصة لمجرد التضحية، وكانت وراءهم توجد نواة القوة، التى ما تفتأ تدفع بهم إلى الأمام، مرة بعد مرة، إلى الموت المحقق تقريبا، فعتادهم الذى لم يكن يزيد في معظمه عن السهام والحجارة، لم يكن ينال من الدروع والشباك المعدنية للمحاربين الروم المدافعين عن الأسوار، لكن خطر الباش بوزق الحقيقى كما قدره السلطان، أن يستنفدوا طاقة المدافعين الروم الأبطال وهم يتقافزون بعتادهم الثقيل من مكان إلى مكان لصد هجوم موجات الباش بوزق المنذورين لموت محقق، تمهيدا لأن تتقدم فوق جثامينهم النازفة قوة الزحف الصاعق للأناضوليين المحاربين المنظَّمين ذوى التدريب والعتاد الجيدين.”

كيركو پورتة

بعد 53 يوما من قصف أسوار القسطنطينية بمدافع جيش محمد الثانى من البر والبحر، ومئات الأطنان من حجارة المنجانيق وكرات النار المشتعلة المدمرة وقد قضى بسببها المدنيون في داخل المدينة، وتعاقب موجات مئات آلاف المهاجمين من ذلك الجيش على المدافعين الروم القلة فوق الأسوار وانسحاب المراكب الجنوية ببحارتها السبعمائة من المعركة.

وبالرغم كل الحيل العثمانية الفذة من نقل أسطول كامل عبر الجبال إلى البحر لمباغتة القسطنطينيين المدافعين عن مدينتهم، ودفع الأبراج الخشبية المنيعة المتنقلة نحو الأسوار للقتال المتلاحم والتسلل داخل الحصن، إلا أن ذلك لم يحسم المعركة، فقد صمدت ذروة المحنة البيزنطية بالرغم من ندرة عتادها والجوع والتعب المضني أمام أشد أشكال الهجوم العثمانى بالجيش الانكشاري الأحدث في العالم والأشد تدريباً وتسليحاً عدا عن الدراويش وغيرهم… وكاد محمد الثاني أن يزهد في هجومه على القسطنطينية، وقد جمع قادة جيشه ومستشاريه وشيوخه للتشاور، فأشار أغلبهم عليه بالكف عن الهجوم والمعاودة في وقت لاحق، لكن قلة أبت عليه الانسحاب، وهو ما قرره.

وكان السلطان العثماني قد أعد أهبته الأخيرة، ووزَّع قواته وحشدهم ومنهم اكثر من مائة وخمسين الف مقاتل امام ميناء الباب الذهبي وحده وحشد في الميسرة 50 ألفًا، ورابط هو في القلب مع الجند الإنكشارية، واحتشدت في الميناء وحده 70 سفينة، بدأ الهجوم برًا وبحرًا، واشتد لهيب المعركة وقذائف المدافع يشق دويها عنان السماء ويثير الفزع في النفوس، وتكبيرات الجند ترج المكان فيُسمع صداها من أميال بعيدة، والمدافعون عن المدينة يبذلون كل ما يملكون دفاعا عن المدينة، وما هي إلا ساعة حتى امتلأ الخندق الكبير الذي يقع أمام السور الخارجي بآلاف القتلى

الحمم النارية التي ضربت القسطنطينية
الحمم النارية التي ضربت القسطنطينية

وفي أثناء هذا الهجوم المحموم جرح “يوستنيانوس” في ذراعه وفخذه، وسالت دماؤه بغزارة فانسحب للعلاج رغم توسلات الإمبراطور له بالبقاء لشجاعته ومهارته الفائقة في الدفاع عن المدينة، وضاعف العثمانيون جهدهم واندفعوا بسلالمهم نحو الأسوار غير مبالين بالموت الذي يحصدهم حصدا، حتى وثب جماعة من الانكشارية إلى أعلى السور، وتبعهم المقاتلون وسهام المدافعين تنفذ إليهم وتحصدهم.

اقتحام القسطنطينية

فى لحظة موجزة من لحظات ذلك القَدَر الذى لا يسبر البشر أغواره، وفي 29 ايار 1354 كان بعض جنود محمد الثانى المُنهَكين قد تسللوا من إحدى الثغرات المهدمة في الأسوار الخارجية للمدينة الحصن بالقرب من باب ادرنة، وأخذوا تائهين يترنحون بين الأسوار الخارجية العالية ومثيلتها الداخلية التى لايقوون عليها، وبينما هم ضائعون على غير هدى وقد استولت عليهم الحيرة، وكانوا قد علموا من اعوان وجواسيس لهم من داخل المدينة عن باب سري كان يتسلل منه المقاتلون الروم المدافعون ويقومون بترميم ماتهدم من الأسوار واحراق المنصات والابراج والسلالم الخشبية الضخمة ليلاً ثم يعودون من هذا الباب السري الخفي وغير المعروف، إذ بأحد الأبواب الصغرى في سور المدينة الداخلى يسمى ” كيركا بورتة” هو المقصود وكان يطل على الخندق المحيط في هذا القاع وكان مهملاً، وكان قد تُرك مفتوحا بسهو غير مفهوم للبشر، وهو لم يكن الا باب صغير مخصص للعابرين في أوقات السلم ولا ينطوى على أية أهمية عسكرية، ولعله لذلك كان مما غفل عنه الروم المدافعون وهم يولون اهتمامهم لما ظنوه أكبر وأخطر. ولم يكن هناك أكبر ولا أخطر في هذه اللحظة من هذا الباب الصغير المفتوح الذى يفضى مباشرة إلى قلب المدينة، فاقتحموه ونفذوا منه الى داخل المدينة في ذهول ودون مقاومة ولا اعتراض تلك الثلة التائهة والمتعبة من الانكشارية الذين لا يذكر التاريخ أسماءهم…!

أفاقت الثلة العابرة لباب “كيركا بورتا” على المفاجأة المذهلة لوجودهم في قلب الحصن وهو قلب الحدث عند ظهور المحاربين الروم البيزنطيين المدافعين عن الأسوارالذين أخذتهم البغتة، وتصايح أفراد هذه الثلة طالبين العون من جحافلهم خارج الأسوار المتراكمة خارج الأسوار، ففاض طوفانهم مهللا كاسحا من باب “كيركا بورتا”، وسقطت المدينة بالصيحة المدمرة والقاتلة من حناجر العثمانيين:” سقطت القسطنطينية” وذلك قبل سقوطها الفعلى “سقطت القسطنطينية”، كان هلع الروم المدافعين المنهكين هو من أطلق الصيحة، وتلقفها الانكشاريون مهللين للنصر الذى ظل عصيا على سلطانهم وجيشه الجرار طوال ثلاثة وخمسين يوما من الدفاع الضارى.

السلطان محمد الثاني يقتحم المدينة بعد سقوطها
السلطان محمد الثاني يقتحم المدينة بعد سقوطها

استطاع العثمانيون أن يتدفقوا نحو المدينة، ونجح الأسطول العثماني في رفع السلاسل الحديدية التي وُضعت في مدخل الخليج، وتدفق العثمانيون إلى المدينة التي سادها الذعر، واستبسل من بفي حياً من المدافعين وعلى رأسهم الأمبراطور على حصانه الأبيض متابعين الجهاد مافتىء قسططين يحارب حتى خر شهيداً واستشهد معه كل من بقي حياً من الروم المدافعين في ميدان الشرف، واباح السلطان محمد المدينة بسكانها ثلاثة ايام بلياليها.

وما هي إلا ثلاث ساعات من بدء الهجوم حتى اصبحت المدينة برمتها مستباحة، واباح السلطان محمد المدينة بسكانها لجيشه والقوات الرديفة والدراويش واللصوص المرافقين من تجار وفلاحين ثلاثة ايام بلياليها…

ثم دخلها وذهب تواً الى كنيسة الحكمة الالهية (آجيا صوفيا) فعلا الأمبون اي العرش الأمبراطوري وهو الكائن في اليمين بمواجهة الايقونسطاس وصلى وجعل الكنيسة مسجداً ثم استقر في القصر الأمبراطوري.

يشير المؤرخ ويل ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) ان قسطنطين قال كلمته الشهيرة:” ليقطع مسيحي رقبتي” ثم نزع بدلته الملكية وذهب ليقاتل كجندي بكل شجاعة.

نهب المدينة

ولما استباح محمد الثاني المدينة بسكانها لجيشه ودراويشه ثلاثة ايام بلياليها، امرهم بعدم المساس بكاتدرائية آجيا صوفيا (كلمة يونانية مركبة تعني الحكمة الالهية) لأنها له، الا انه لما شاهد احد الانكشاريين يحاول اقتلاع قطعة من المرمر منها ضربه بظاهر سيفه قائلا:” أنا قلت الا هذه” ويقصد الكنيسة

داخل آيا صوفيا وتبدو تحت الآيات الاسلامية الايقونات
داخل آيا صوفيا وتبدو تحت الآيات الاسلامية الايقونات

وكان قد احتشد فيها الكثير من الرهبان واكليروس المدينة وابنائها، حيث تورد بعض المصادر انه منحهم الأمان، بينما كانت تجري الأعمال الوحشية المريعة من القتل والذبح للرجال والاغتصاب والسبي للنساء والغلمان…! في سائر المدينة المستباحة للوحوش البشرية. وبعدما صلى فيها امر على الفور بتحويلها الى جامع فطليت الايقونات الجدارية والسقفية(الفريسك) بالكلس والدهان وتم تهديم الايقونسطاس والهيكل، واقام المحراب فيها واسماها ايا صوفيا، ووتقول مصادرمرافقة من العثمانيين انه أمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي “أبي أيوب الأنصاري”، الذي كان ضمن صفوف الحملة الأولى لفتح القسطنطينية التي امر بها معاوية في مستهل الدولة الأموية، وقد عثر الانكشاريون على قبره فاستبشروا بذلك.

وقرر الفاتح الذي لُقِّب بهذا اللقب بعد الفتح اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم “إسلام بول” أي “دار الإسلام”، ثم حُرفت واشتهرت بـ “إستانبول”.وتسمى “سلطان الروم”

جامع آيا صوفيا بديلاً عن كاتدرائية آجيا صوفيا
جامع آيا صوفيا بديلاً عن كاتدرائية آجيا صوفيا

وانتهج سياسة سمحة مع سكان المدينة، وكفل لهم حرية ممارسة عبادتهم، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار والرجوع إلى منازلهم، وكان البطريرك القسطنطيني غريغوريوس الثالث قد استشهد في المعركة فرأى السلطان محمد الذي سمي بالفاتح ان يوصل الى السدة البطريركية شخصاً معارضاً للاتحاد مع رومة اذ رأى ان من الحكمة ان يظل الشقاق قائماً بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية اي بين الكنيستين اليونانية واللاتينية كما اتبع والده مراد الثاني الخطة نفسها فلم يرض عن مفاوضات فراري فلورنسة الاتحادية بين الكنيستين لخشيته من حرب صليبية جديدة ،وكان ذلك الشخص المعارض للاتحاد هو جاورجيوس سكولاريوس فأعلنه بطريركاً مسكونياً باسم جناديوس الثاني (1453-1457) وحل السلطان العثماني المسلم محل الامبراطورالرومي المسيحي في تنصيب البطريرك المسكوني فاعترف به بطريركاً مسكونياً:” كن بطريركاً حرسك الله وسأوليك عطفي، وتمتع بجميع الحقوق التي مارسها سلفاؤك” والبسه التاج والأموفوري الكبير واعطاه عكاز الرعاية اي فعل تماماً مافعله اباطرة الروم، ومن هنا اعتبر نفسه سلطاناً للروم وكان الأمبراطورية الرومية لاتزال مستمرة انما بسلطانها.

ثم زار البطريرك جناديوس في دير الباما كريستوس وحدثه في الدين المسيحي، ثم اعد له البطريرك بياناً في الدين المسيحي جاء في 20 فصلاً وقدمه له فسر السلطان به وعطف على ” الأمة المسيحية” وأمر بحمايتها وفق المؤرخين العثمانيين.

ويرى رجال الاختصاص ان السلطان منح البطريرك لقب ” بطريرك ملي باشي” اي رئيس الملة ومن هنا يأتي القول الشعبي ان البطريرك هو ملك او رئيس جمهورية وذلك اعتماداً على الصلاحيات التي حازها البطريرك المسكوني من الفاتح وتسميته بطريرك ملة باشي، ثم اصدر براءة ضمن فيها احترام شخص البطريرك وعدم

محمد الثاني سلطان الروم والبطريرك المسكوني جناديوس الثاني وبراءة بطريرك ملة باشي
محمد الثاني سلطان الروم والبطريرك المسكوني جناديوس الثاني وبراءة بطريرك ملة باشي

التعدي عليه واعفاءه من جميع الضرائب واستقراره في كرسيه، وحريته وانتقال امتيازاته الى خلفائه من بعده وامتداد سلطاته لتشمل الرؤساء الروحيين الخاضعين.

وعلى هذا فقد اعتبرت السلطات العثمانية البطريرك المسكوني مسؤولا عن الملة المسيحية فخولته سلطة زمنية على المسيحيين هلاوة على سلطته الروحية فأصبح من حقه النظر في الخصومات التي قد تنشأ بين الروم من رعايا السلطنة وان يستمع الى الشهود ويجري الأقسام وينهي المشاكل” وامسى من واجبه جمع الضرائب المفروضة على الروم وكنائسهم ومن واجب الموظفين المدنيين تسهيل امورهوقول بعض رجال البحث ان صلاحيات البطريرك قد انحصرت في امور الاكليروس الأرثوذكسي قول ضعيف لا يتفق وصراحة النصوص.

وعاد عدد كبير من الروم الى القسطنطينية واستقروا حول مركز البطريركية وكان لهم من ثروتهم القائمة على التجارة ومن براعتهم في السياسة ماضمن لهم مركزاً رفيعاً في مختلف العهود.

لكن من الجدير ذكره ان هذه الكاسب والمناصب التي منحها محمد الغاتح للبطريرك بصفته بطريرك الملة ورئيسها… لم تجعل من البطريرك المسكوني مابعد محمد الفاتح متمتعاً بهذه الميزات والتاريخ يشهد كيف تم اعدام ثلاثة بطاركة مسكونيين غرقاً في البوسفور والكثير من الاكليروس والعلمانيين كذلك… وكيف صادر الأتراك الكنائس تدريجياً وقاموا بتحويلها الى جوامع ومنهم دار البطريركية…

ومنذ فتحها صارت إستانبول عاصمة للبلاد حتى سقطت الخلافة العثمانية في 1 آذار 1924 وقامت دولة تركيا التي اتخذت من أنقرة عاصمة لها. يقول المؤرخ البيزنطي جورج سفرانتزيس الذي كان في المدينة وشهد سقوطها في وصف ما حدث في نهاية اليوم الثالث لفتح القسطنطينية:

“في اليوم الثالث بعد سقوط مدينتنا، احتفل السلطان بنصره الكبير. وأصدر إعلانًا: كل من هرب من المواطنين من جميع الأعمار يمكنهم الخروج من مخابئهم، حيث إنهم سيبقون أحرارًا دون أي سؤال. ثم أعلن عن إعادة المنازل والأملاك لمن ترك مدينتنا قبل الحصار إذا هم عادوا إليها، وأنهم سيعاملون باعتبار مكانتهم ودينهم وكأن شيئًا لم يحدث”

القسطنطينية من حال الى أحوال
القسطنطينية من حال الى أحوا

ومن وجهة نظر أخرى يقول المؤرخ ويل ديورانت ” قصة الحضارة”

“وقتل المنتصرون الألوف، حتى توقفت كل محاولة للدفاع. ثم بدءوا النهب والسلب الذي يجنح إليه الظافرون والذي طال تعطشهم إليه، وأخذ كل بالغ ينتفع به في العمل غنيمة، واغتصبت الراهبات كغيرهن من النسوة في ثورة من الشهوة لا تعرف التمييز، ووجد السادة والخدم من المسيحيين بعد أن زال عنهم الكساء الذي يدل على مكانتهم، أنفسهم متساوين فجأة في العبودية التي لا تمييز فيها وكبح جماح النهب والسلب هوناً ما، فعندما رأى محمد الثاني رجلاً مسلحاً تدفعه عاطفته الدينية يتلف الممر الرخامي لكنيسة القديسة صوفيا، ضربه بسيفه الملكي الأحدب، وأعلن أن كل المباني يجب أن تصان لتكون غنيمة ينظمها السلطان”.

بطريرك القسطنطينية والبطريرك المسكوني هو اليوم بطريرك المدينة المتملكة التي صارت مجرد رمز خاصة ومع القيود التي لاتحتمل ومنها ان يكون المنتخب للبطريركية تركي الجنسية…

مصادر البحث

مجلة المعرفة “سقوط القسطنطينية”…

الدكتور اسد رستم :”كنيسة مدينة الله اتطاكية العظمى”

ويل ديورانت: “قصة الحضلرة”

بابا دوبولس:” تاريخ كنيسة انطاكية” تعريب الأسقف استفانوس حداد

سميرنوف: “تاريخ الكنيسة المسيحية”، تعريب المطران الكسندروس جحى