الصوم الكبير المقدس

الصوم الكبير المقدس

للصوم في ايماننا المسيحي، وخاصة الصوم الكبير المقدس، معنى اعمق مما نتصوره نحن البشر، نعرف عنه شعبياً انه الانقطاع عن المآكل الشهية والاكتفاء بالشيء القليل من الأطعمة، ولكن ذلك سبيل الى شيء اسمى وطريق الى التحرر وغاية لنقاوة الجسد والروح للوصول الى القداسة.

للجسد في المسيحية كما للروح وزنه وقيمته. لم يُخلق الجسد لينحل في التراب من بعد ان يبلى وينتن ويصبح مأكلاً للدود، خلقه الله الخالق أزلياً لأزلية النفس، “احتفظوا بأجسادكم فإنها هياكل الله المقدسة”.

هكذا خلق الله آدم بنفخ روحه القدوس في حفنة من تراب الجنة المجبول، واستل من جنبه ضلعاً من اضلاعه وجعله امرأة لأنها من امرىء أُخِذت.

الجهاد الروحي
الجهاد الروحي

جعل الله الجسد هيكلاً لصورته، وجعله ليكون سكنى له. وكل اساءة تنال هذا الجسد تنال الساكن فيه اي الله القدوس.

الله لايسكن الا في النقاوة والقداسة، فما دام الجسد نقياً يكون الله فيه، أما اذا اتسخ فيصبح بيتاً مهجوراً فارغاً وميداناً لضباب الأوهام والخيالات المريضة. فهل جعلنا اجسادنا نقية؟

لايتحقق احتفاظنا بأجسادنا كهياكل مقدسة لسكنى الله بالأطعمة اللذيذة والألبسة الغاخرة،الاحتفاظ بأجسادنا هياكل للروح القدس يعني إخراس الشهوات التي للموت، يعني جعلها فوق الجوع والعطش والحر والبرد، نميت فيه ما للموت لنبقى للنقاوة، هذا هو المقصود من الاحتفاظ بأجسادنا نقية طاهرة مقدسة، أي ان ننقل جسدنا من حالة الموت البشري الى ديمومة الحياة الالهية، أن يتحول الفناء الذي في الموت الى خلود أي ان نحافظ على ولادتنا الجديدة في المعمودية، أن يبقى كل منا مولوداً لا تحت الناموس بل تحت نعمة التبنى.وكما يقول الرسول بولس لننال التبني.

وفي الصيام الحقيقي تقوم فكرة التحدي، تحدي شهوات، تحدي الضعف البشري.

“إن اكلنا لانزيد وإن لم نأكل لا ننقص”. الأكل شيء ثانوي بالنسبة لحقيقة وجودنا. إذا استعبدنا الطعام دمَّرتنا الشهوة، الصيام هو التحدي لهذا الاستعباد وارادة الغلبة فينا.

الأكل حاجة طبيعية كي نعيش وننمو ولكن يجب الاتتعدى هذه الحدود. إذا تمكنا أن نتحكم بالجوع والعطش والحر والبرد، وبامكاننا أن نفعل ذلك، تمكنا أن نضع اقدامنا في الطريق الموصلة الى الخلاص. لقد فعل ذلك كثير من القديسين، وكان النساك والرهبان ابطالاً بهذا التحدي، عرفوا كيف يروضون الجوع والعطش، ويخمدوا الشهوات، ويغيرون معناها ويحولونها الى دوافع نبيلة تضع الجسد في المرتبة التي تليق به اي ان يعود كما اراده الخالق هيكلاً لصورته ومسكناً له.

ارادة التحدي لشهوات الجسد تنبع لا من الجسد فقط، بل من ارادة الروح الساعية الى أزليتها وخلودها، وهي التي تكسب إرادة الجسد قوة تقاوم الشرير، وكلما شعرت النفس بمصدرها الالهي، وكلما تفاعلت معه، كلما قويت واكسبت الارادة الجسدية مناعة وصلابة، وكلما تنقت من مرض الكبرياء والأنانية والطمع وحب الامتلاك والحرص والرياء، كلما ازداد ارتباطها بالله وشّعَّت انوارها لتنعكس على ارادة الجسد ضياءً تخلعه ليشع ويشف. النعمة هي التي تحرر النفس، وكلما تفاعلت الروح مع النعمة، كلما ازدادت حرية. وازدياد حرية النفس يعني ازدياد نقاوتها وضيائها، وبالتالي تصبح هيمنة الروح على الجسد لا هيمنة استعباد بل هيمنة تلاقٍ في الغاية والقصد الالهيين.

هذا التلاقي الخصيب بين الروح والجسد هو السبيل الوحيد للحفاظ على اجسادنا كهياكل للروح القدس ولكي تبقى اجسادنا مسكناً للرب يجب ان نصوم الصوم الروحي والمادي، أن نأكل ونشرب ما يكفي فقط للقوت، لتبقى اهتماماتنا روحية، لا تتأثر بلذة ولاتخضع لهوى، بل لما تفرضه عليها النعمة الالهية، وبما يقودنا الى ازلية الحياة.

عندما نأكل ونشرب مايكفي للقوت، نلتفت الى اخوة في الانسانية جَّوّْعا…نشعر بهم ونطعمه، عندها تبقى اهتماماتنا روحية…

ويأخذ الموت في الصيام عمقه وأبعاده، الصوم دعوة الى الموت، موت كل مايشوه الجسد والروح ونقاوتهما، ان لم تمت حبة الحنطة فلن نحصد ثماراً، وان لم تمت شهواتنا وأهواؤنا، فلن نرى النقاوة في اجسادنا وأرواحنا، موت الشهوات يفترض صليباً، يفترض ألماً عميقاً، يفترض تضحية حتى الصليب، والصوم او الترفع عن شهوات الدنيا ومطامح النفس المريضة، هو صليب يشد المؤمن روحه وجسده اليه، ليقطف بالألم نشوة الخلاص والانعتاق، كل هذا لايتم ولا يثمر الا اذا كانت النعمة الالهية وراء ارادتنا وأتعابنا وجهاداتنا.

الصلوات الحارة تترافق يومياً مع الصوم
الصلوات الحارة تترافق يومياً مع الصوم

لذلك خصصت الكنيسة المقدسة الصيامات المباركة لتكون سبيلاً للحفاظ على استمرارنا في الحياة الجديدة وعلى بنوتنا في المسيح، ولكن يبقى الانسان فيها، والولادة الجديدة التي اكتسبها بالمعمودية، عليه ان يشعر بأن موتاً يجب ان يستمر فيه. بدون الشعور الدائم بالموت، لايمكن ان تضيء نيران الفضائل، ولا ان يشع نورها، الصيام صورة جميلة من صور الارادة البشرية المحبة للحياة الأزلية. النعمة الإلهية هي الدواء الشافي لكل أمراضنا الروحية والجسدية لأنها هي الحياة، ابتعادنا عن النعمة يميتنا، والحياة فيها يزيد ارادتنا قوة للبقاء في درب الحياة الازلية.

الصوم الكبير المقدس مقبل علينا برجاء وشوق، وهو يفتح أمام النفس والجسد ميدان الجهاد المقدس، فلنجتازساحة الجهاد بقدم راسخة لننال اكليل التبني. مرافقين الانقطاع عن الطعام بالصلوات اليومية عبر الاربعين المقدسة لنصل الى تاج جهادنا القيامة المقدسة عبرو الأسبوع العظيم المقدس وصولاً الى الآلام والصلب والجلدات والجناز والدفن …فالقيامة

رب اجعلنا اهلاً لميدان صومك الكبير، واقبله منا، وقوِّ نفوسنا واجسادنا، واجعلها مسكناً مقدساً لنعمتك القدوسة ياسيد، وسهل خطواتنا للسير في درب آلامك الى الجلجلة والصلب وموتك وقيامتك لنشع بالنور البازغ من قبرك يوم قيامتك المجيدة والذي تبرزه لمختاريك وقديسيك… اعلاناً لشعبك المؤمن المسمى على اسمك.