أضواء على الأوقاف الأرثوذكسية في ابرشية دمشق…

أضواء على الأوقاف الأرثوذكسية في ابرشية دمشق…

بحث تاريخي يسلط الضوء على بعض اوقاف ابرشية دمشق الأرثوذكسية وسواها

مقدمة

لابد بداية من الاضاءة يسيراً على تاريخ وواقع الكرسي الأنطاكي المقدس

– يتجذر الكرسي الأنطاكي المقدس في بلاد الشام، وقد شكل ابناؤه عبر التاريخ أديم أرضها منذ فجر المسيحية، إذ يعود الوجود المسيحي في دمشق الى عام 35 مسيحية حين معموية شاول المضطهد في بيت يهوذا الدمشقي في شارع دمشق المستقيم، على يد حنانيا الرسول اول اسقف دمشق (1)، وتصييره بولس الرسول، رسول الجهاد الأمين، رسول الأمم ومشرع المسيحية.

الكاتدرائية المريمية بدمشق كاتدرائية البطريرك منذ عام 1344 وكاتدرائية مطران دمشق منذ 705 حتى 1344 واقدم كنيسة في دمشق وكل بلاد الشام
الكاتدرائية المريمية بدمشق كاتدرائية البطريرك منذ عام 1344 وكاتدرائية مطران دمشق منذ 705 حتى 1344 واقدم كنيسة في دمشق وكل بلاد الشام

– أُسس الكرسي الأنطاكي، او المقر البطريركي في مدينة أنطاكية “عاصمة الشرق الروماني” السنة 42 مسيحية، بيد هامتي الرسل بطرس وبولس، وكان بطرس الرسول اول بطاركته منذ السنة 45 الى السنة 53 مسيحية، قبل ان يترك السدة الأنطاكية الى خليفته أفوديوس (ثاني البطاركة الأنطاكيين)، ويتابع بطرس الرسول الكرازة بالرب يسوع منطلقاً، وليصل الى رومة عاصمة الدولة الرومانية عام 64 مسيحية، ويقوم وبولس رسول الأمم، الذي التقاه فيها مجدداً، باقامة كرسي اسقف رومية، أي اسقف العاصمة ويكون بطرس اول اساقفته، ويستشهد كما بولس في رومة السنة 66 مسيحية بأمر الطاغية نيرون الذي احرق رومية، واتهم المسيحيين بذلك، واعدم بطرس على الصليب مقلوباً، حيث رفض ان يتم اعدامه على غرار معلمه لعدم استحقاقه فصُلبَ مقلوباً، ومن الجدير ذكره ان معظم تلاميذ الرب يسوع ورسله قضوا صلباً على غرار السيد له المجد.

– حملت انطاكية شرف تسمية (مسيحيون) ” في انطاكية دُعي المسيحيون اولاً” ، كما يخبرنا الكتاب المقدس/ سفر أعمال الرسل. وكان لقبهم قبل ذلك (ناصريون) ومن انطاكية انتشرت هذه التسمية الشريفة الى كل العالم.

– تفرد البطريرك الأنطاكي بحمل لقب البطريرك او (شيخ العشيرة) قبل أي كرسي رسولي في المسكونة بقرار المجامع المسكونية.

ايقونة قبلة المحبة بين هامتي الرسل بطرس وبولس مؤسسي الكرسي الأنطاكي المقدس
ايقونة قبلة المحبة بين هامتي الرسل بطرس وبولس مؤسسي الكرسي الأنطاكي المقدس

ولاية الكرسي الأنطاكي قديما ومعاصراً…

شملت ولاية الكرسي الأنطاكي كل الشرق (آسية برمتها وصولاً الى الهند). أما اليوم فتشمل الوطن التوأم سورية ولبنان حيث يوجد في كل منها خمس ابرشيات اضافة الى ابرشيات: الكويت والعراق، ومعتمديات البحرين، قطر، والامارات وعُمان…(الجزيرة العربية)

وابرشيات الانتشار الاغترابي في1- اوستراية ونبوزيلندة وجنوب شرق آسيا، و2- ابرشية نيويورك وسائر اميركا الشمالية، و3- ابرشية المكسيك في اميركا الشمالية،، وفي اميركا الجنوبية ابرشيات:1- سان باولو وسائر البرازيل،2- ابرشية بيونس ايرس وسائر الأرجنتين، و3- ابرشية تشيلي، و4- معتمدية الريو دو جانيرو.

وفي اوروبة ثلاث ابرشيات انطاكية هي:1- ابرشيةا وربة الغربية ومقرها باريس، 2- ابرشية اوروبة الوسطى والشمالية ومقرها المانيا، و3- ابرشية الجزر البريطانية وايرلندا ومقرها لندن.

اضافة الى معتمدية روسيا، و امطوش قبرص، واليونان وإعادة إحياء الوجود البطريركي الأنطاكي في بطريركية الاسكندرية الأرثوذكسية بممثل بطريركي أنطاكي…

– يقَّدَّرْ عدد ابناء الكرسي الانطاكي المقدس بحوالي 20 مليوناً في ابرشيات سورية ولبنان والمشرق وكل العالم، وشمل الوجود الأسقفي المعاون لمطارنة الابرشيات، اضافة الى المعتمديات البطريركية، وذلك لتسهيل الرعاية حتى في اصغر الرعايا في ابرشيات نيويورك والمكسيك والبرازيل واوربة وعكار.

تعرض مسيحييو سورية عبر تاريخهم الى حالات مكثفة من الاضطهادات والابادة والتهجيرعبر كل العصور، لا مجال هنا لذكرها افرغت الكثير جداً من كل ارجاء الجغرافيا السورية اي المشرق ككل، وليس غريباً ان نجد وجوداً لهم متناثراً في مناطق او من محددة كان احدثها مذبحتا 1850 في حلب وجبل لبنان والقلمون… و1860 في دمشق وجبل لبنان وجنوبه والقلمون وجبل الدروز..

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

مع الجدير ذكره حالات التهجير والافراغ لأبرشيات سورية كانت الى ماقبل مأساة سورية منذ خمس سنوات عامرة تماماً بكل شيء، ما استدعى بطريركياً ومجمعياً مواكبة الانطاكيين المهجرين والمهاجرين واللاجئين في كل العالم. ودعم الباقين لتجذيرهم في سورية ارض انطاكية العظمى عبر برامج تنموية لكل ابناء الكنيسة والوطن ،حتى، من خلال مكتب التنمية البطريركي والعلاقات المسكونية الأنطاكية التي قدمت للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب. ويجب الا يغيب عن الأذهان ما تعرض له المسيحيون عموماً في دائرة الكرسي الأنطاكي من ذبح وقتل وتشريد طال الاكليروس والشعب وتدمير للكنائس والأديار والمؤسسات/ واختطاف الكهنة والمطارنة ويعد جُرحاً نازفاً استمرار تغييب مطران حلب والاسكندرون الأنطاكي بولس يازجي منذ 3 سنوات ومعه مطران حلب للسريان الأرثوذكس يوحنا ابراهيم وعدد من الكهنة والرهبان المختطفين غدراً بصمت مريب من العالم كله…

في حزيران 2014 ولتفعيل التواصل بين غبطة البطريرك الأنطاكي، ومطارنة الأبرشيات، واساقفة المناطق في ظل المتغيرات المؤلمة على الأرض، وبتخطيط واستراتيجية وضعها غبطة البطريرك يوحنا العاشر، عُقد المؤتمر الأنطاكي في جامعة البلمند، وضم السادة مطارنة الأبرشيات والأساقفة المساعدين في كل العالم مع وفود ابرشية من كل انحاء وابرشيات الكرسي الأنطاكي في العالم، وكلفت لجان متخصصة واستشارية في مجالات الاعلام والأوقاف والرعاية الخ… وضعت توصيات تم رفعها الى المجمع المقدس…

صورة ختامية لأعضاء المؤتمر الأنطاكي  غبطته والمطارنة ووفود البشياتفي البلمند حزيران 2014
صورة ختامية لأعضاء المؤتمر الأنطاكي غبطته والمطارنة ووفود البشياتفي البلمند حزيران 2014

ويُعمل مجمعياً على توظيفها للوصول الى التطلعات الأنطاكية المنشودة للوصول الى الوَحدة الشاملة على مستوى كرسينا الأنطاكي المقدس… (مع تطلعات نحو تفعيل الوحدة مع الكنائس المنضوية تحت مظلة انطاكية العظمى يوجبها الواقع المؤلم بحق مسيحيي الشرق)، مع الاشارة الى عقد جلسة تشاورية شهرية للمجمع المقدس والاساقفة اضافة الى دورات المجمع العادية مرتين في السنة…

كيف اصبحت دمشق عاصمة الكرسي الأنطاكي؟

كانت مدينة أنطاكية عاصمة الكرسي الأنطاكي الأساس منذ عام 42 مسيحية وحتى عام 1268مسيحية حين دمرها الظاهر بيبرس المملوكي في حربه ضد الفرنج الصليبيين، وبعد جلاء قوات الفرنج عنها قبيل حصاره لها بعدة ايام، إلا انه وبكل أسف قام بالتنكيل بشعبها المسيحي ( الذين عانوا كبقية رعايا الكرسيين الأنطاكي والاورشليمي من اضطهاد الفرنج الصليبيين لهم منذ وصول اول حملة افرنجية عام الى بلاد الشام 1092 وطيلة قرنين و14 حملة، أولئك الذين كان همهم الأساس جعل ارثوذكس الشرق العربي لاتينيين. بعد الانفصال الكبير الذي تم عام 1054 بين الشرق والغرب المسيحيين، وكان ذلك يتم بالاضطهاد والقتل وخاصة للبطاركة

مدينة انطاكية مغارة القديس بطرس اول كنيسة في مدينة انطاكية
مدينة انطاكية مغارة القديس بطرس اول كنيسة في مدينة انطاكية

والمطارنة والاكليروس الأنطاكي المشرقي، وماعانوه من تنكيل مما ملأ ادبيات هذه الحملات الباغية، التي سرقت كل ذخائر القديسين من بلاد الشام وآسيا الصغرى والقسطنطينية الى الكرسي البابوي، في حين أن المؤرخين المسلمين المعاصرين الذين لم يسموها ب “الحروب الصليبيية” بل “حروب الفرنجة” نسبة الى الموطن الأصل لقبائل الفرنك في فرنسا…). ومن الجانب الآخر كانت هذه الحملات بقيادة ملوك اوروبة تحمل هدفاً استعمارياً لبلاد الشام بصفتها قلب العالم القديم وطريق الحرير مع الشرق الأقصى.

وكان عدد ابناء انطاكية المدينةً الرمز والكرسي الرسولي، الذين طالهم القتل والسبي حوالي مائة الف من مدينة انطاكية، اضافة الى دمار المدينة تماماً وتخريب اسوارها (كما حالها اليوم) وتشريد كرسيها الأنطاكي، الذي ظل هائماً في ارجاء آسية الصغرى وقبرص، والقسطنطينية حتى عام 1344مسيحية- اي حوالي 76 سنة الى أن استقر في دمشق زاهية مدن الشام سياسياً، وفي مقر اسقفية دمشق / مقر البطريركية الحالي/ والسبب في ذلك قدسية دمشق مسيحياً، ومن تاريخه توحدت سلسلة أساقفة دمشق ببطاركة أنطاكية.

الصرح البطريركي في دمشق وهو دار اسقفية دمشق منذ السنة 705 الى 1344 ليصبح مقراً لبطريرك انطاكية واسقف دمشق وحتى الآن
الصرح البطريركي في دمشق وهو دار اسقفية دمشق منذ السنة 705 الى 1344 ليصبح مقراً لبطريرك انطاكية واسقف دمشق وحتى الآن

هذه الدار البطريركية اليوم، والتي كاتدرائيتها مريمية الشام، كانت منذ عام 705 مسيحية وحتى عام 1344 مسيحية مقراً لأسقفية دمشق، ولكن قبل ذلك ومنذ عام 378مسيحية كانت بجوار كاتدرائية دمشق/ التي حولها الوليد بن عبد الملك السنة 705 مسيحية الى جامع بني أمية الكبير/ مع بقاء رأس النبي يوحنا المعمدان فيها.(2)

في عام 1724 ونتيجة للتبشير البابوي من قبل البعثات التبشيرية، انحاز فريق عزيز من ابناء الكرسي الأنطاكي الى رومة، وتأسست بطريركية للروم الكاثوليك المتحدين بروما والخاضعين لرئاسة بابا رومية، نالت اعترافاً من الدولة العثمانية عام 1835 مسيحية.

تولى السدة الأنطاكية الأرثوذكسية منذ 1724مسيحية وحتى 1899 مسيحية بطاركة يونان الى ان تولى البطريرك الدمشقي ملاتيوس الدوماني 1899مسيحية السدة البطريركية،

البطريرك ملاتيوس الدوماني اول بطريرك عربي منذ 1898-1906
البطريرك ملاتيوس الدوماني اول بطريرك عربي منذ 1898-1906

وقد اعتبر أرباب عصر النهضة العربية، وفي مقدمهم المفكر السوري القومي الكبير أبو خلدون ساطع الحصري، هذا الحدث بداية لعصر التحرر والوحدة العربية (3) إذ كانت خطوة هامة في تحرر بلاد الشام من الاحتلال العثماني.

مبدأئية انطاكية العظمى

لعبت بطريركية انطاكية منذ عام 1899 بتعريب سدتها، وحتى الآن، دوراً رئيساً في مقارعة الاحتلالين العثماني والفرنسي والوجود الصهيوني، وحمل البطاركة الأنطاكيون الهم العربي ساندهم مطارنة الأبرشيات والكهنة والرعايا حتى في أبرشيات الاغتراب.

وتشهد الوثائق البطريركية على مانورد من التجليات الوطنية والقومية منذ البطريرك ملاتيوس قائد التعريب، مروراً ببطريرك الرحمة غريغوريوس الذي قاد
الصف المسيحي مع ملك الحجاز شريف مكة حسين الهاشمي وابنه ملك سورية فيصل الأول وقد انتزع مه قراراً بتساوي المسيحيين والمسلمين وكل أطياف واديان ومذاهب الشعب السوري في الحقوق والواجبات، هذا البطريرك المسمى بطريرك الرحمة وقد اطعم كل السوريين واللبنانيين من مائدة البطريركية الفقيرة والجمعيات الخيرية الدمشقية بغض النظر عن الدين والمذهبب، منذ 1914 – 1918 فلقبه المسلمون ب “محمد غريغوريوس”، و”بطريرك انصارى وإمام المسلمين”.

البطريرك غريغوريوس الرابع 1906- 1928 بطريرك الرحمة
البطريرك غريغوريوس الرابع 1906- 1928 بطريرك الرحمة

وساعد ثوار الغوطة ضد الاحتلال الفرنسي، ونهج نهجه الوطني المساند للثوار خليفته البطريرك العلامة الكسندروس طحان وتأييده لحرب الانقاذ لفلسطين عام 1948، ونظراً لمواقفهما الوطنية والقومية حمل البطريركان الياس معوض واغناطيوس هزيم لقب بطريرك العرب من المؤتمرات الاسلامية وباجماع عربي واسلامي…

واستمرت البطريركية تحمل الوهج الوطني والانساني منذ نكبة العراقيين عام 2003 وصولاً الى مأساة سورية منذ خمس سنوات في آذار 2011 وحتى الآن بالمساعدات الشاملة…للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب…

ويفخر الكرسي الانطاكي بتراثه المشرقي والوطني، ويفتخر اساساً بأن عاصمته هي دمشق المقدسة، وهي قلب العروبة النابض والكرسي الأنطاكي هو في قلب هذا القلب المشرقي والعروبي…

كارثة 1860 المدمرة

ولكن بكل أسف فان الحادثة الطائفية المدمرة التي ضربت جبل لبنان وزحلة والبقاع وجنوب لبنان ودمشق عام 1860 وتداعياتها التي دمرت دمشق المسيحيية برمتها (وكل البلدات والقرى المسيحية في محيط دمشق وجبل الشيخ وجبل الدروزوالقلمون…) دمرت المقر البطريركي وكنائسه وكل الوثائق البطريركية، كما فعلت فتنة 1850 في حلب ومحيطها بكارثة مماثلة امتدت الى معلولا والقلمون…

الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي 1860
الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي 1860

ولابد هنا من أن نضيء على الوثائق البطريركية في مكتبة المقر البطريركي بدمشق وعلى بعض مما وجد من محفوظات تخص الأوقاف الأرثوذكسية وهي تعود الى مابعد 1860م.

الوثائق البطريركية

تشكل مرجعاً رئيساً واساسياً للباحثين في تاريخ الكنيسة الأنطاكية، وفي تاريخ بلاد الشام، على اساس ان البطريركية ورعاياها هم جذر ابناء بلاد الشام منذ نيف والفي سنة وحتى من قبل مسيحيتهم … هم سوريون بدون ريب.

تضم الوثائق المشار اليها / والتي تم توصيف وتكشيف كمها الأكبر من قبلنا خلال نيف وعقدين من الزمن/ اضافة الى المخطوطات التاريخية في المعارف والعلوم من روحية ولغوية… بما في ذلك الاسلامية مع مجموعة ضخمة من المراسلات باللغات العربية واليونانية والعثمانية والفرنسية والانكليزية والروسية والكرجية… تبلغ نيف ومائة الف وثيقة مع مراسلات وشهادات وسجلات، وهي غنية بالمعلومات الكنسية والاجتماعية سواء في دمشق أو بقية الأبرشيات على اساس المرجعية الرئاسية الكائنة في دمشق /بيت البطريرك/ للأبرشيات في الوطن المشرقي والانتشار، ولكن مع بالغ الأسف فقدان كل الوثائق التي تعود الى ماقبل 1860 بما فيها الحجج الشرعية للأوقاف.

أما ماهو قد توفر حالياً من هذه الوثائق، قبل وقوع هذا الحدث المدمر للبشر والحجر، فهو ورد الى مكتبة المقر البطريركي اهداءً أُهدي من اشخاص كانوا خارج الوطن كالمغفور له والقديس المنسي ” ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي” الذي كان

المحسن الكبير والقديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي
المحسن الكبير والقديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي

مقيماً في اسطنبول، وقد وقف وثائقه كافة ( مراسلات متبادلة – كتب – ومخطوطات تاريخية) لدار البطريركية، مع ايقوناته الشخصية والثمينة جداً الى الكاتدرائية المريمية، والى دير سيدة حماطورا في لبنان حيث أمضى بقية عمره هناك وتوفي عام 1905 ودفن على الأغلب.

وتعد هذه الوقفية من أهم الموجودات الوثائقية التي تغطي المرحلة الممتدة من عام 1846 موعد سفره الى القسطنطينية الى عام 1890 موعد عودته واستقراره ببيروت، وزيارته دمشق ثم عيشه كالرهبان في دير سيدة حماطورا حتى وفاته منتصف العقد الأول من القرن العشرين.

أهمية الوثائق الوقفية

أتت أهمية الوثائق المحفوظة في مديرية الوثائق التاريخية بدمشق (وثائق المحاكم الشرعية) كونها ضمت بعضاً من الحجج الوقفية للمسيحيين في دمشق، ويوجد بعضاً منها في دائرة الوثائق البطريركية – مكتبة المقر البطريركي، إن هذه الوثائق الشرعية الصادرة عن “محكمة البزورية بدمشق” لصكوك أوقاف للبطريركية ورعاياها، والتي يمكن أن توظف من زاوية العيش المسيحي- الاسلامي المشترك في دمشق، فقضايا الأوقاف المسيحية وحتى تأخذ الصفة التنفيذية وحجية الصك، كانت تُنظر من قبل المحاكم الشرعية في دمشق بالرغم من الاستقلالية التي نص عليها ” الخط الهمايوني” الصادر سنة 1856 وبراءات تثبيت البطاركة الصادرة بفرمانات سلطانية، والتي كانت تتمتع بها المؤسسات المسيحية لإدارة شؤونها في كل معاملات الوقف من بيع وشراء ورهن وايجار ودفع الضرائب والرسوم…

صورة وقفية عن المحكمة الشرعية
صورة وقفية عن المحكمة الشرعية

إن جميع هذه المعاملات كانت تتم، أو تصَّدق في المحكمة الشرعية الموكلة بذلك، وجميعها كانت تتم في “محكمة البزورية” على ناحية “الاختصاص المكاني”، وكان يجري تسجيل بيع العقارات والأراضي في محاكم دمشق الشرعية ايضاً، ولكن بعد اعلان “نظام الطابو” في سنة 1861 نُقلت صلاحية تسجيل بيع الأراضي الى (دائرة الطابو) مع احتفاظ المحاكم الشرعية بحق إجراء بيع الغراس، فمثلاً إذا حدثت عملية بيع غراس وفراغ أراضي في وقت واحد تجري المحكمة الشرعية عملية بيع الغراس، وتحَّول عملية فراغ الأراضي لدائرة الطابو.

ولم تكن المحاكم الشرعية وقفاً على المسلمين فقط، بل كان المسيحيون يجرون مبايعاتهم فيها، فكان يشترط على المسيحي أن يحضر إشعاراً “علم وخبر” من بطريركيته بأنه من رعايا الدولة مسيحي ارثوذكسي، ثم يختم هذا الاشعار من البطريرك أو وكيله. (مديرية الوثائق التاريخية بدمشق/ سجل الوثائق الشرعية رقم 573 ص11 السنة 1282 ه وسجل رقم 80 ص 179 السنة 1278ه).

وكانت محكمة البزورية بدمشق تنظر في هذه البيوع ( مديرية الوثائق مصنف رقم 54) وفي هذا الاطار كانت البطريركية او الدير أو المطرانية تحتفظ بالصك أو الحجة الأصلية، وأما النسخ فكانت تُنسخ عن سجلات المحكمة الشرعية، وتدلنا نصوص الوقفيات على ان الشروط الموضوعة في الشرع الاسلامي (4) كانت تُطبق في معنى واسلوب النص على الأوقاف المسيحية، كي يكون الوقف مقبولاً وساري المفعول.

وتضم سجلات المحاكم الشرعية سجلات مدن دمشق وحلب وحمص وحماه ويبلغ عدد سجلات محاكم دمشق الشرعية العائدة للفترة الممتدة من سنة 1853 الى 1915 حوالي 1554 سجلاً منها1040 سجلاً لمرحلة ولاية سورية 1864 – 1915.

جميعها أُدخلت في في مركز الوثائق التاريخية بدمشق وقام المشرفون عليها بجمع الأوامر السلطانية وتصنيفها في 13 مجلداً.

بعض الأوقاف الأرثوذكسية

صورة وقفية صادرة عن المحكمة الشرعية
صورة وقفية صادرة عن المحكمة الشرعية

وقد شهد القرن التاسع عشر وخاصة بعد فتنة 1860 توسعاً لدى الشارع المسيحي فيوقف الأوقاف للأديرة مع تخصيص اوقاف كثيرة لدير سيدة صيدنايا البطريركي سواء في دمشق تحت اسم ” وقف صعاليك ير سيدة صيدنايا” اي لمنفعة الفقراء( صعاليك) وأوقاف تحت اسم “وقف دير سيدة صيدنايا البطريركي” وهاتان التسميتان لا تزالان معتمدتين حتى الان، وسجلت أصولاً مع أوقاف مماثلة في كل المدن في بلاد الشام وبالأخص بيروت وحلب وأنطاكية لصالح دير سيدة صيدنايا مع اوقاف مماثلة لدير القديس جاورجيوس الحميراء في حلب والاسكندرونة وأنطاكية مع اوقاف أُخرى وقفها المؤمنون للمطرانيات مع العلم بأن كل الأديرة في بلاد الشام لها أوقاف حولها تشمل الأراضي الزراعية والزيتون والتوت من أجل الحرير، والتبغ، ويقوم على حرثها والاعتناء بها شركاء يتقاضون ربع ربحها، كما كان الحال في قرى وادي النصارى، وتحديداً ما كان يثعرف بقرى دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي.

اوقاف ارثوذكسية خارجية

ونشير الى انه كانت قد وُقفت اوقاف للكرسي الأنطاكي المقدس في منطقة صربيا كما تشير كتب التاريخ وبالأخص العلامة د. اسد رستم مؤرخ الكرسي الأنطاكي المقدس (5) ولكن مما يؤسف له ضياع الوثائق للسبب سالف الذكر احداث 1860، وقد وجدنا وثيقة حملناها الرقم 2125 وهي بعنوان ” مسألة الأديرة في رومانيا” وقد اشارت هذه الوثيقة الى أن حكام البلاد المجاورة لنهر الدانوب قد وقفوا وقفاً مؤبداً على القبر المقدس والأماكن المقدسة أملاكاً عديدة. ويحلو لنا أن نثبت حرفياً
الأسباب الموجبة لهذه الوقفيات

” لايخفى على كل فطن ما جرى في القرن الخامس عشر من الأزمات وانحلال المملكة البيزنطية، وما جرى على الكنائس الشرقية (البطريركيات الأربع) في ذلك الوقت وما وصلت اليه من تعاسة وفقر فقام إذ ذاك بعض ممن دبت فيهم الحمية والغيرة المسيحية من أمراء وعظاء وأغنياء، وأسسوا أديرة وجهزوها بأملاك منقولة وغير منقولة باسم الأماكن المقدسة ينفق من ريعها على الأديرة وما تبقى من ذلك الريع يرسل كمساعدة الى الأماكن المقدسة في الشرق لسد العوز والحاجة. وهذه هي السباب الموجبة لتأسيس هذه الأديرة كما جرى ذلك ايضاً في روسيا وبساربيا وغيرهما ولم يقفوا عند هذا الحد بل كانوا كلما سمحت لهم الظروف يبتاعون أملاكاً وينصبون الكروم ويشيدون البنايات ويشترون الأحراج ويأخذون أراضي بالأجرة ويزرعونها وريع كل ذلك للقصد نفسه.”

بطريرك العب الياس الرابع
بطريرك العب الياس الرابع

تشير الكتب المؤرِخة أن أمراء صربيا والجبل الأسود والفلاخ والبغدان كانوا يتمتعون بغيرة مسيحية فائقة على ارثوذكس بلاد الشام فوقفوا هذه الأديرة. وقد وقفوا بعضاً منها للكرسي الأنطاكي المقدس بعد زيارة البطريرك الأنطاكي الأرثوذكسي الأشهر مكاريوس بن الزعيم للمنطقة في رحلتيه الأولى والثانية الى روسيا (1652- 1659) و( 1666- 1669) وقد ورد في الوثيقة البطريركية رقم 2485 وهي عبارة عن سجل كتب في الأستانة باللغة اليونانية، ومضمونه أنه قد تم تعيين الارشمندريت سيرافيم رئيساً لدير القديس اسبريدون في بوخارست العائد للكرسي الأنطاكي بديلاً لرئيسه “البروتو سنجلوس خريسانثوس” وذلك في 1 آذار 1860 لمدة ست سنوات.

ويُذكر أن أمير الفلاخ والبغدان قسطنطين الحسن العبادة “أخذته الغيرة” لعدم وجود مطبعة لطباعة الكتاب المقدس والكتب المقدسة والصلوات باللغة العربية لمنفعة المؤمنين الأرثوذكس أبناء الكرسي الأنطاكي فقدم هدية الى البطريرك الأنطاكي أثناسيوس الدباس (1700م) مطبعة عربية الأحرف ووقفها على الكرسي الأنطاكي المقدس. وكانت أول مطبعة عربية في بلاد الشام. وقد وضعها البطريرك أثناسيوس الدباس اولاً في حلب، ثم نقلها الى دير البلمند عندما تولى السدة البطريركية بدمشق، ومالبث الرهبان الموالون لرومة المنشقون عن امهم الكنيسة الأنطاكية، ومن رهبنة البلمند، ان نقلوها بعد ذلك من البلمند الى دير مار يوحنا الشوير الكاثوليكي.

وقفية الأمطوش الأنطاكي في موسكو

في عام 1842 م تم الاتصال بين البطريرك الأنطاكي متوديوس (دمشق) ومطران موسكو فيلاريت شرح فيه البطريرك متوديوس للجانب الروسي شدة الاحتياج الى فتح مدارس ارثوذكسية في دائرة الكرسي الأنطاكي وبلاد الشام، للوقوف في وجه مدارس الارساليات الرهبانية التبشيرية الغربية ( يسوعية- كرملية…) التي تستقطب ابناء الأرثوذكس الأنطاكيين، وأعقبه اتصال ثانٍ في العام ذاته بين الطرفين بواسطة ناوفيطوس مطران بعلبك شرح فيه واقع الفقر والبؤس الذي كان يعيشه الكرسي الأنطاكي.

وكان المتروبوليت فيلاريت مطران موسكو صاحب كتاب ” التعليم المسيحي المطول”.

فهب لتلبية نداء المساعدة واستأذن المجمع المقدس الروسي بأن تُعطى كنيسة الصعود والقديس ايباثيوس في موسكو الواقعة بالقرب من الكرملين للكرسي البطريركي الأنطاكي. فأقر المجمع ذلك ورفعه الى القيصر الروسي فحاز القبول لديه في 24 كانون الأول سنة 1848م، وفي السنة التالية سلمت الكنيسة المشار اليها مع جميع موجوداتها وما يخصها من الاراضي المجاورة الى الكرسي الأنطاكي لبناء أمطوش (6) بطريركي انطاكي في موسكو لتعليم ابناء الأبرشيات الأنطاكية وتدريسهم ومتابعة دراستهم العليا في الجامعات الروسية وفقاً لشروط الوقفية. وقد أرخ ذلك على لوح فولاذي منقوش في بطريركية موسكو وفي الأمطوش الأنطاكي المقدس بموسكو.

تاريخية الوقف المسيحي

بطريرك العرب المعلم الأنطاكي اغناطيوس الرابع 1979- 2011
بطريرك العرب المعلم الأنطاكي اغناطيوس الرابع 1979- 2011

لم ينشأ الوقف المسيحي/ كما يظن البعض/ في العصور المتأخرة، بل إنه كان موجوداً منذ القرن الرابع المسيحي. فعندما أمر الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير السنة 387 مسيحية ببناء كاتدرائية دمشق (7) على اسم النبي يوحنا المعمدان (ووضع خليفته السنة 405 رأس القديس يوحنا المعمدان فيها بعد ما نقله من القسطنطينية، او هل اقدس من دمشق الا القدس؟)، ووقف ثيوذوسيوس لها اوقافاً كثيرة للإنفاق عليها، كما حول الأوقاف الوثنية التي كانت لهيكل جوبتر(8) الى أوقاف لهذه الكاتدرائية الأكبر والأعظم في كل العالم وكانت تشكل ربع مساحة دمشق وقتئذ.(9)

– والشائع لدى رعيتي حرستا وعربين في غوطة دمشق الشرقية أن إحدى الأمبراطورات الروميات ( وكانت تزور المنطقة) أوقفت لصالح كنيسة بلدة عربين أرض المقبرة المسيحية الحالية الكائنة في مدخل حرستا المجاورة لعربين وحرستا.

– كذلك كان الحال عندما امر الأمبراطور يوستنيانوس الكبير/ وتنفيذاً لأمر السيدة العذراء/ (10) ببناء دير سيدة صيدنايا البطريركي في صيدنايا، وخصصه للراهبات المتوحدات، وكانت شقيقته اول رئيسة له حينئذ، وقد وقف للدير البستان الحالي الكائن في السهل وفيه نبع ماء، إضافة الى اراضي كثيرة في المنطقة، بنيت على بعضها الكنائس الحالية في البلدة التي تسمت لاحقاً صيدنايا بمعنى صيد الظباء.

دير سيدة صيدنايا البطريركي
دير سيدة صيدنايا البطريركي

كما أن الأمبراطور نفسه وبعدما مر بدمشق أمر ببناء دير في ظاهرها جنوباً في منطقة الميدان على اسم حنانيا الرسول، ووقف له أوقافاً كثيرة لينفق عليه من ريعها والدير اليوم هو كنيسة حنانيا الرسول في محلة القوره شي/ الميدان وبداخلها مدرسة ارثوذكسية (مجمع حنانيا الرسول).

مما سبق يتضح لنا حالة شيوع الوقف المسيحي في بلاد الشام قبل ظهور الاسلام، وإن كان قد وضح اكثر في القرون الأخيرة.

مقدمة عامة في الوقف

الوقف مصدر وقف في اللغة تدل على عدة معان فيها الحبس او المنع فنقول وقفت السيارة أي منعتها من السير وحبستها.

أو فعل أوقف فيعني أقلع عن الأمر.

يعتبرالشرع الاسلامي، ان الوقف مؤسسة خاصة ترتكز الى الصدقات والتبرعات والنذورات من الأموال المنقولة، وغير المنقولة من الأراضي التي يخصص ريعها في سبيل الأعمال الصالحة، والحسنات التي ليست بالضرورة أن تكون مذهبية المنفعة بل يمكن أن تكون أعمالاً اجتماعية وسياسية واقتصادية للجميع، ولكن بالرغم من شمولية هذه النظرة لمنافع الوقف العامة في ظل الهدف العام المؤبد والخالد للأوقاف على اختلاف مذاهب الواقفين وانتماءاتهم الدينية والطبقية، هدفاً دينياً بالنهاية، وإن لم تكن الغاية الدينية واضحة ومباشرة في سياق الوقفية.

القداس الالهي في 29 حزيران 2014 خاتمة المؤتمر الأنطاكي في البلمند
القداس الالهي في 29 حزيران 2014 خاتمة المؤتمر الأنطاكي في البلمند

وفي السياق يقف الواقف أرضه أو ريعها أو مخطوطاً أو كتاباً طقسياً او ايقونة… الى جهة دينية يؤول اليها الوقف بصورة مباشرة.

تؤكد وثائق وقفيات بلاد الشام الموجودة في المؤسسات الدينية المسيحية، ومنها الدار البطريركية ومكتبتها ودائرة الوثائق البطريركية فيها، كما ان سجلات المحاكم الشرعية تؤكد بأن الهدف النهائي للواقف كان في تأييد وقفه الى جهة دينية واضحة كمدرسة او كنيسة أو خلوة في قريته أو منطقته، أو على مركز ديني عام كالصرح البطريركي في دمشق، فقد العديد من الدمشقيين بيوتهم وعقاراتهم الى دار البطريركية، ثم تم تأجيرها (مثال البيت الوقفي المؤجر من البطريركية لآل شحادة الصباغ الدمشقيين منذ أواخر القرن 18 بعهد البطريرك دانيال مقابل مبلغ مالي)، أو كما وقف الكثيرون/ بعد انتهاء ذريتهم أو بعد وفاتهم/ قبر العائلة الى الجمعية المتولية بالدفن كجمعية القديس جاورجيوس لدفن الموتى بدمشق ( مثال المحسن المرحوم خليل محسن)، أو كما وقف البعض حصصاً من بيوتهم ودكاكينهم بعد وفاتهم ( إن لم يكن لهم ذرية أو كان الأولاد مهاجرين) الى جمعيات خيرية مع احتفاظهم بحق الانتفاع بالعقار (عدا البيع) طالما هم على قيد الحياة، على أن يؤول الموقوف كلياً الى هذه الجمعيات ليُنتفع من عائداته بعمل الخير كجمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لتربية الأيتام ورعاية المسنين، أو كجمعية القديس بندليمون لليتيمات، كما وقف العديد مكتباتهم الى جمعية القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية لتوضع في مدرستها التي أُسست لاحقاً أو الى المدرسة الآسية الأرثوذكسية كالمربي والأديب ميشيل فرح، او الأديب عيسى اسكندر المعلوف، او الى المكتبة البطريركية كمعلم الدبلوماسية السورية والعربية الدكتور جورج طعمة… وغيرهم كثيرون…

غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر
غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر

الأحكام الناظمة للأوقاف المسيحية في التشريع السوري وبطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس

– العهد العثماني الحديث

نص الخط الهمايوني الصادر سنة 1856 للميلاد بأن ” للمسيحيين بواسطة رؤسائهم الروحيين ومجالس الموجودات لديهم أن يديروا بملء الحرية الأملاك الموقوفة المختصة بطوائفهم بدون أن يراجعوا بهذا الخصوص للسلطات المدنية النظامية.”

ثم إن الفرمانات السلطانية التي تمنح حق التولية لبطاركة الطوائف المسيحية المقيمة في السلطنة العثمانية تنص:” بأن الطوائف ذاتها تفصل في المسائل المتعلقة بالوقف دون أن يتدخل أحد في تدبير شؤون عقارات الطائفة. وبموجب هذه النصوص كان للرؤساء الروحيين حق تعيين المتولين على الوقف مهما كان نوعه.

– الانتداب الفرنسي

في عهد الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان من 1920- 1946 م كان المفوض الفرنسي يتولى جميع السلطات بمافي ذلك السطة التشريعية، وقد أصد بمقتضى ذلك قرارات تشريعية أكدت سلطة وصلاحية المحاكم الروحية للطوائف المسيحية في البلدان أي مايدخل في مفهوم الأحوال الشخصية منها القرارات رقم 261 تاريخ 28/4/1926 الذي حدد اختصاص المحاكم الروحية والقرار 60 ل. ر تاريخ 13 آذار 1936 المعدل بالقرار رقم 146ل.ر تاريخ 18 تشرين الأول 1938م ويعرف هذا القرار بنظام الطوائف وفي ملحق القرار60 ل.ر عددت الطوائف المعترف بها. ثم صدر القانون 411 تاريخ 3/6/1975م. في عهد الاستقلال فعدل القرار 60 ل.ر بالنص على اعتبار رئيس مجلس الوزراء هو المخول بالتصديق بصفته السلطة التنفيذية المختصة في شؤون الأديان والمذاهب منها: تسلسل درجات الرؤساء الروحيين وطريقة تعيينهم وصلاحياتهم وتشكيل المجامع والمجالس واللجان (باستثناء المحاكم) وصلاحية كل هيئة فيها وطريقة ادارة ممتلكات الطائفة.

النسر الرومي ذي الرأسين شعار الأرثوذكسية
النسر الرومي ذي الرأسين شعار الأرثوذكسية

وكان قانون 2 نيسان 1951 قد نص في مادته /7/ على أن مايدخل في اختصاص المراجع المذهبية الصالحة بموجب القانون الطائفي الداخلي إنشاء الوقف الخيري المحض والديني الصرف واستبداله وتحويله والحكم بصحته تجاه الوقف وإدارته وتعيين أصحاب الحقوق فيه والحق في تعيين ولي الوقف وعزله وإبداله ومحاسبته وذلكفي الحالتين الآتيتين أو في إحداهما:

1- إذا كان مستحق الوقف مؤسسة دينية أو خيرية صرفة.

2- إذا كانت ولاية الوقف قد اشترطت في صك الوقف التخصيص للسلطة الروحية.

أما قانون الوقف لبطريركية الروم الأرثوذكس المعتمد في دائرة الكرسي الأنطاكي فقد أوردت أحكامه في المواد 107-115 من قانون الأحوال الشخصية للطائفة.

في الوقف الخيري

عرفت المادة107:” الوقف الخيري المقصود في هذا القانون هو ماحسبه مالكه لجهة بر لا ينقطع كالوقف على الكنيسة وسائر المؤسسات الملية الخيرية وعلى الفقراء والمعوزين”.

اما المادة 108فقد نصت على شروط الوقف الخيري حيث يشترط في الواقف ملكيته للوقف بدون محذور كحجز أو رهن من دين كما يشترط فيه ان يكون بالغاً راشداً وفي حالة تخوله حق التصرف بملكه.

والمادة 109: اشترطت لصحة الوقف اقتران إقرار الوقف بشهادات الشهود على أن يكتب بذلك كتاب وقف يوثق بالتسجيل.

كما نص الفصل الثالث / المادتان 110—111 على متولي الوقف فالمادة 110 تقول:” إذا لم يعين الواقف متولياً او ناظراً على وقفه يعود حق الولاية والنظارة عليه للرئاسة الروحية التي يعود لأبرشيتها المال الموقوف” بينما أعطت المادة 111 حق عزل المتولي أو الناظر للرئيس الروحي واقامة غيرهما بدلاً منهما إذا ثبت ذلك للمحكمة الروحية.

شعار المؤتمر الأنطاكي في البلمند عام 2014
شعار المؤتمر الأنطاكي في البلمند عام 2014

اما احكام الوقف فقد وردت في الفصل الرابع بمادته 112 التي نصت:” لا يخرج الوقف عن صفته الوقفية إلا أن ينقرض الموقوف عليه فيعود حينئذ وقفاً على الكنيسة ولايباع ما دام وقفاً ون بيع استُعيد ولا يتصرف به إلا بالأحوط والأنفع.

ومادته 113: إذا تضمن صك الوقف ما يجوز وقفه وما لايجوز نفذ الجائز وأبطل غير الجائز وإن علق الواقف الى محدود صحح وعاد بعد ذلك الوقف الى الكنيسة التي ينتمي اليها الواقف. قد ورد في المادة 114 الواقف على المحتاجين مطلقاً، إن ثبت فقره، فهو أولى بأن يُعطى من الغلة ماتدعو اليه الضرورة وليس له أن يستعيد الوقف ويبطله بحجة الفقر.

ونصت المادة 115:” أنه متى صدر حكم من المحكمة الروحية بثبوت وقف خيري لا علاقة له بغير الخاضعين لاختصاصها أحاطت الدوائر المختصة علماً بذلك توصلاً الى الحصول على سند رسمي.

مأساة سفر برلك وصليب البطريرك غريغوريوس

ثمة واقعة انسانية بليغة المعاني ولكنها تُشعر بالفخر والاعتزاز بالرغم من أنها أدت إلى بيع معظم الأوقاف الأرثوذكسية في دمشق وفي الأديرة البطريركية تلك الأوقاف التي كانت تدر ريعية تكفي لاعالة البطريركية وفقرائها في دمشق.

لقد سجلت هذه الواقعة / المأثرة/ للبطريرك الرحيم غريغوريوس حداد (1906-1928) واضيفت الى سجلات مىثره في سبيل الوطن دمشق وكل بلاد الشام وابنائه بغض النظر عن الدين والمذهب. فعندما انتشرت المجاعة في بلاد الشام وضربت دمشق بقوة مع توافد عشرات الألوف من البيروتيين واللبنانيين الجائعين الى دمشق، لم يجد الجائعون من يطعمهم سوى البطريركية الأرثوذكسية في دمشق التي كانت تتسوق الحبوب (بأغلى الأثمان) من حوران آنذاك وتاتيها محملة على ظهور الجمال التي ما أن تحط في صحن دار البطريركية لإنزالها حتى تُنقل في الحال الى المطحنة ومنها الى فرن البطريركية بدمشق، لذا وقعت البطريركية تحت عجز كبير فاق 25 ألف ذهبية، عدا ماكان يرسله المغتربون الى غبطته شخصياً ليوزعه على ذويهم وعلى المحتاجين في دمشق.

كاتدرا القديس بطرس في انطاكية اول كرسي بطريركي في انطاكية
كاتدرا القديس بطرس في انطاكية اول كرسي بطريركي في انطاكية

من الجدير ذكره أن البطريركية كانت كرعاياها فقيرة وضعيفة الموارد، وخاصة في زمن المجاعة سيما وقد تدفق اللبنانيون بكثافة والبيروتيين تحديداً الى البطريركية في الشارع المستقيم بدمشق القديمة طلباً للطعام. وقد قضى الألوف جوعاً منهم على ارصفة دمشق، فلم يجد البطريرك غريغوريوس بداً من رهن أوقاف البطريركية بدمشق، وأديارها البطريركية، وتجهيزات الكنائس الفضية والذهبية وحتى صليبه الماسي(12) وقد رهنه على مبلغ 1000 ليرة عثمانية ذهبية عند صائغ يهودي دمشقي فقام هذا بعرضه في واجهته في دكانه بسوق الصاغي الدمشقين واتفق مرور غني مسلم دمشقي بجانب الدكان وشاهد الصليب معروضاً وكان يعرف صاحبه، فاستوضح عنه ولما عرف سبب وجوده معروضاً في واجهة الصائغ، دفع له مبلغ الرهن واسترد الصليب وتوجه به حالاً الى دار البطريركية حيث قدمه للبطريرك قائلاً” او هل يليق بغير البطريرك غريغوريوس أن يزين جبهته بهذا الصليب؟”.

ولكن البطريرك عاد سراً فباع صليبه لينفق ثمنه على اطعام الناس، واستبدله بصليب مقلد بأحجار زجاجية للتورية، وهذا ماظهر بعد وفاته، وتحرير التركة من قبل اللجنة البطريركية عام 1928.

أما بالنسبة للأوقاف المرهونة فلم تستطع البطريركية وفاء الديون عنها حتى عام 1933، حتى قام خلفه البطريرك الكسندروس طحان الدمشقي ببيعها أو تسوية ملكيتها مع اصحاب الديون وفوائدها وبهذا خسرت البطريركية معظم اوقافها سواءً في دمشق او في الأديرة البطريركية، ولكن وكما اسلفنا أن هذا الأمر بالرغم من كل شيء يشعر بالفخر والاعتزاز لأن بيعها أو فقدانها كان من اجل الوطن وكل ابنائه.

وقفيات المدارس الأرثوذكسية

1- وقفية المطران أغابيوس صليبا…

مخطوط انجيل القديس مرقس
مخطوط انجيل القديس مرقس

(الوقفية التالي نصها) ( 10000)

– ” تسعة وتسعين ليرة ونصف فرنساوية فقط لاغير”

” الباعث لتحريره هو انه أنا الحقير في رؤساء الكهنة أغابيوس مطران أديسيس وحوران أُقر معترفاً برضاي واختياري بدون كره ولا إجبار انني نهار تاريخه ادناه قد أوقفت من خاص مالي مبلغاً وقدره عشرة آلاف غرشاً(12) كما هو مدون أعلاه وقف ابدياً بشرط أن لايلمسه أحد ولا يمسه ولا يغير وقفيته لشيء آخر في وقت ما لا بوجه من الوجوه ولا بعلة من العلل ايها كانت بل يبقى دايماً سرمداً في محل أمين مسوكر ناجياً من جميع العوارض والحوادث والأخطار لمنفعة المدارس البطريركية الروم الأرثوذكسية العامرة الكاينة في دمشق الشام التابعة للكرسي الرسولي الأنطاكي المقدس بناءً أن يؤخذ هذا الفايظ الذي للمبلغ المذكر فقط لا غير وأما رأس المال فيلبث غير ملموس كما ذكرنا وهذا الفايظ (13) يُصرف بأمر غبطة سيدي ومولاي كيريوس كيريوس اياروثيوس راعي زمام الكرسي المشار اليه الكلي القداسة على تعليم وتنوير أولاد الفقراء والايتام الروم الأرثوذكسيين اهالي دمشق الشام في المدرسة المذكورة تذكاراً لمذلتنا فلأجل البيان قد حررت هذه الوقفية بيدي وسلمتها لغبطة سيدي البطريرك الكلي الطوبى ليأمر بموجبها حرفياً ومعنوياً بدون أدنى تغيير ولاخلل وذلك في 12 ثاني عشر شهر كانون الثاني سنة 1872.”

“محررها ومقر بما فيها الحقير أغابيوس

مطران أداسيس(14) وحوران وتوابعها”

2- وقف خان النحاس…

دمار الحي المسيحي في دمشق القديمة 1860
دمار الحي المسيحي في دمشق القديمة 1860

يعتبر هذا الوقف من أهم أوقاف البطريركية الأرثوذكسية في دمشق والجاري بولايتها وملكيتها وقد قام البطريرك اسبريدون (1891-1898) بشراء عقارات في محلة خان النحاس ( منطقة مئذنة الشحم – البزورية في الشارع المستقيم بدمشق القديمة) من مالكيَّها طالب ابو الخير بن طالب الحلبوني ومحمود بن طالب بن عبد الله ديابو الشهير بمحيش من سكان محلة القيمرية وقد وكل عنه في عملية الشراء وتثبيت ذلك في مجلس الشريعة الاسلامية التي كانت برئاسة القاضي الشرعي محمد صالح أفندي، الخواجا ميخائيل أفندي ابن موسى أفندي ابن متري صيدح من سكان محلة القيمرية ومن الطائفة الأرثوذكسية بدمشق وبمال الطائفة، وذلك في 29 رمضان 1309 ه (20 ايلول 1894م). وقد وقف البطريرك المشار اليه هذا الوقف (خان النحاس) على المدارس الأرثوذكسية لتعليم الطلاب الفقراء.

وقد اسنفادت المدارس الأرثوذكسية من ريع هذا الوقف الذي كان عبارة عن دكاكين ومتاجر في تنفيذ رغبة الواقف وقامت لجنة المدارس المنبثقة عن المجلس الملي الأرثوذكسي بالانفاق من ريع هذا الوقف على الطلاب الأرثوذكس الفقراء بدمشق في 14/7/1950م ولحاجتها الى سيولة نقدية باعت المدارس ثلث هذا الوقف الى جمعية نور الاحسان الأرثوذكسية (وكانت هي كبرى الجمعيات الخيرية الأرثوذكسية وأقدمها تأسيساً في دمشق إذ تعود الى الثلث الأول من القرن التاسع عشر) وقد صادق البطريرك الكسندروس طحان في مرسومه البطريركي المؤرخ في 11/8/1950م على عقد البيع المذكور.

ثم قامت لجنة بناء خان النحاس ( منبثقة عن المجلس الملي البطريركي بدمشق) بإشادة بناء وقفي كبير حديث على أرض وقف خان النحاس مؤلف من دكاكين ومتاجر تعلوه طبقتان على كامل المساحة مقسمة كل منها الى شقق ومكاتب تجارية.

وقد اقتسمت عمدة المدارس مع جمعية نور الاحسان ملكية هذا الوقف بنسبة 1600/2400 سهم للأولى و800/2400 سهم للثانية كما اسهمتا بالنسبة ذاتها في التكاليف المترتبة على البناء وتناولتا الوردات بالنسبة عينها.

هذه الأوقاف الآن هي باسم البطريركية في دمشق منذ الثمانينات بعد حل جمعية نور الاحسان وتولى رعاية مدارسها وفقاً لتنظيم جديد.

وقفيات الكتب المقدسة

مخطوط انجيلي ووقفي تاريخي
مخطوط انجيلي ووقفي تاريخي

من الشائع وقف الكتب والمخطوطات الطقسية وسواها على الكنائس والأديرة والمدارس وهذه منتشرة في كل كنائس واديرة ومدارس بلاد الشام وقد شاهدنا الكثير منها في كنائس مدينة أنطاكية ومدينة الاسكندرونة والقرى الواقعة في لواء الاسكندرون السليب. ومدون عليها صكوك الوقفيات ويحق لكل ابناء المنطقة مطالعتها ولا يجوز إخراج هذه الكتب من دور العبادة إن كانت موقوفة عليها، أما إذا وضعت في مكتبة عامة واشترط الواقف عدم إخراجها فلا تخرج وإلا فتعار الى الأشخاص الذين يعتنون بها.

والمكتبة البطريركية ومكتبات الأديرة والكنائس في كل مكان من دائرة بلاد الشام والكرسي الانطاكي المقدس تحفل بالمخطوطات من الكتب المقدسة والطقسية… وهذه الوقفيات تعكس الذهنيات الايمانية لشعبنا الأنطاكي…

وقفيات الأيقونات المقدسة

فن الأيقونة هو فن التصوير الديني المسيحي والأيقونة هي صورة تخيلية تمثل القديس كأيقونة الرب يسوع المسيح، وايقونة العذراء والدة الاله وهي تحمل طفلها الاله وايقونات القديسين والقديسات والشهداء…

والأيقونة في المعتقد المسيحي ليست محلاً للعبادة بل هي ذكرى حية تُذَّكِّر بالقديس الذي تمثله لذلك فإن المظاهر الخشوعية التي تقدم لها من تبخير بالبخور واشعال قنديل الزيت أو السجود أمامها أو تقبيل لها لا تنصرف على الاطلاق لمفهوم التعبد لها او لمادتها الأولية من ورق أو قماش أو رسوم زيتية…

بل تنصرف الى تكريم من تمثل كالقبلة التكريمية والتبخير التكريمي للرب يسوع والسيدة الطاهرة وبقية القديسين…

ايقونة رومية
ايقونة رومية

وعبر التاريخ المسيحي وفي كل مناطق العالم المسيحي رسمت الأيقونات معبرة عن الروىء الفنية لشعوب العالم فنشأت ماعي بمدارس الأيقونات بالمعنى المجازي كأن نقول:

– الأيقونة البينزطية وهي ايقونة رومية ارثوذكسية صرفة يشير كل خط فيها الى رمزية مقدسة وتجدها عاتمة اللون مع خلفية ذهبية ترمز الى الما لا نهاية… وتمثل اصحاب العقيدة الرثوذكسية من يونان وعرب اضافة الى ايقونات قريبة منها كالروسية والسلافية والكرجية…

– الأيقونة السسورية وهي الأقرب الى البيزنطية مع لمسات محلية شامية وتظهر فيها الكتابات العربية الى جانب اليونانية وتحمل الرمزية ذاتها تقريباً وتسمى ايضاً بالأيقونة الشامية.

-الأيقونة الأوربية او الغربية وهي عبارة عن لوحات زيتية جميلة بألوان زاهية ومضيئة وخاصة التي تعود الى عصر النهضة في اوربة.

كذلك فإن لكل الكنائس الشرقية ( الأرمنية والآشورية والقبطية والسريانية والكلدانية وماانشق عنها من كنائس غربية (تتبع لرومة) لمسة خاصة لأيقوناتها تعكس اوضاعاً بيئة قد تتصل بموروثها التاريخي ماقبل المسيحية.

والكثير من الأيقونات أصبحت في موضع الأيقونات المكرسة حيث ان عجائب تجترح بواسطتها (بواسطة من تمثل) أو تجد أنها تبخر ذاتها كأيقونة صغيرة كانت من ايقونات العائلة تقوم بتبخير ذاتها بعد ظهر كل سبت ان تأخرت جدتي في اشعال قنديل الزيت والتبخير. او ايقونات ينضح منها الزيت بكثافة كأيقونة سيدة بحمدون العجائبية وايقونات في دير سيدة صيدنايا وتحديداص ايقونة السيدة العذراء التي رسمها القديس لوقا الانجيلي والمحفوظة في مقام الشاغورة وتعود الى القرن الأول المسيحي وهي واحدة من ثلاث ايقونات متماثلة رسمها القديس لوقا للسيدة العزراء وعلى يدها الطفل يسوع واقرته عليها السيدة العذراء.

وهناك ايقونة رايتها بأم عيني للسيدة العذراء وتحتاج الى تنظيف وترميم لما عليها من شحار القنديل وبقايا احتراق الزيت وتدعى الايقونة الحجلية نسبة الى مالكتها وهي موجودة في كنيسة رؤساء الملائكة في مدينة مرسين وكان بعهدة مالكتها من آل حجلي وتعيرها الى بيت فيه مريض لتحقق شفاؤه، وكثيرا ماكانت تتم سرقتها ولكن يتفاجىء السارق والناس بعودتها الى مالكتها بشكل غير موصوف… وقد اوقفتها صاحبتها الى كنيسة مرسين وابعادها حوالي 40/30سم ومرسومة على الخشب.

ونضيف في هذه العجالة عن الأيقونة أن راسم الأيقونة يسمى مصور الأيقونة او كاتب الأيقونة وعندما يرسمها كأنه يكتب صلاة ويتوجب عليه أن يتلو الصلوات عند تصويره (رسمه) الأيقونة وكان قبلها يغتسل ويصلي ويصوم فهي من ناحية أخرى دافع للصلاة والتضرع لذا توقد امامها القناديل وتبخربالبخور…

تفاخر الكثير من العائلات الدمشقية والشامية…بامتلاكها لأيقونات عجائبية وخاصة منها ايقونة السيدة العذراء…

هذه العائلات توقف هذه الأيقونات الى الكنائس والأديرة وقفاً مؤبداً وتذكاراً لها، فيكتب في اسفلها أو في ظاهرها انها وقفاً مقدساً وقفته العائلة الفلانية للكنيسة طلباً للصلاة لصحة ابنائها وتوفيقهم مع ايقاع حرم بحق من يأخذها لنفسه او يختلسها او يسرقها. ولنا في وقفية الأيقونات المقدسة الثمينة جداً التي وقفها المحسن الكبير والقديس المنسي السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي المثل الصريح حينما وقف نصف ايقوناته الى الكاتدرائية المريمية بدمشق ” كنيسة وطنه” / كما يقول/ ونصفها الاخر الى الدير الذي امضى به ماتبقى من حياته بعد ان عاد من القسطنطينية (1846-1890) ومات عام 1905… ولكن ليس مؤكد انه دفن في هذا الدير اذ يقتضي البحث والتقديد… اذ تسكت الوثائق البطريركية عن الافصاح…

حيث تنقطع وثائقه الشخصية من مابعد استقراره في منطقة الأديار في البلمند ومحيطه…

الخاتمة

لقد حمل الغزاة الفرنج في حملات الفرنجة احمالاً من محفوظات الأديرة والكنائس والمدارس والمؤسسات الكنسية ناهيك عن ذخائر القديسين في دائرة بلاد الشام والقسطنطينية ومن بطريركية انطاكية خلال ترؤسهم منصبها البطريركي وابرشياتها وكذلك بطريركية اورشليم دائرة فلسطين.

كما استفادوا من محفوظات الجوامع والمدارس والتكايا، وقد نقلوها معهم الى الأديرة التي تحولت لاحقاً الى كبرى الجامعات وأعرقها في اوربة كجامعات ايطاليا وبريطانيا كأوكسفورد، وهناك استفادوا منها في الاعداد لعصور النهضة.

لقد استمر استجرار هذه الوثائق والمخطوطات الى عهد متأخر، وقد قامت به الرهبنات الوافدة بكثافة وكان افرادها من الثقافة والعلوم بمكان، ويستطيع اي باحث ان يطلع على عشرات الآلاف من هذه الوثائق وباللغات العربية واليونانية والسريانية… محفوظة في جامعة اكسفورد وسواها.

– كما لاحظنا تنامياً في الدور الذي اضطلعت فيه المحاكم الشرعية في العهد العثماني وأن الوثائق المحفوظة فيها فتحت اعيننا على نواح هامة في تاريخنا كانت خافية علينا، ولكن هناك جملة من الوثائق الأخرى الرافدة لها، والتي لاتقل أهمية في اغناء البحث العلمي، وقد بدأ التنبه اليها واستخدامها بدورها، مثل ذلك كما لاحظنا مجموعات الوقفيات المندرجة في محفوظات البطريركية من الوثائق البطريركية التاريخية، والتي تلقي ضوءاً مهماً على تمويل المؤسسات الدينية المسيحية واعالة من يقومون بخدمتها والمستفيدين منها من محتاجين وفقراء.

ولكن لابد من ان نؤكد ان هذه الوقفيات لم تكن وليدة عهود متأخرة كماسبق، بل تعود كما أشرنا في أكثر من موضوع الى ان الوقف كان منتشراً منذ فجر المسيحية في بلاد الشام وفي بطريركيتي انطاكية واورشليم للروم الأرثوذكس، ويتوجب علينا ان نحدد وبصراحة بأن الوقف المسيحي نشأ منذ براءة ميلان التي اصدرها الأمبراطور الروماني قسطنطين الكبير313مسيحية (كما سبق بيانه) وفيها اعترف هذا الملك حسن العبادة بضغط من امه الأمبراطورة هيلانة المعادلة للرسل، للمسيحيين بحرية العبادة وأبطل الاضطهادات الدامية بحقهم.

وتؤكد امهات كتب التاريخ المسيحي، وتحديداً ما يتحدث منها عن تاريخ كنيستي انطاكية وأورشليم اي بلاد الشام كلها، وما اوردناه باطن نصنا من امثلة ترتبط ببناء كاتدرائية دمشق ( الجامع الأموي لاحقاً)… وغير ذلك مايفيد عن انتشار الوقف المسيحي لمنفعة عمل الخير وصيانة المدارس والكنائس…

ولولا الكوارث والفتن البشرية المتلاحقة كفتنتي 1850 في حلب و1860 فس دمشق وجبل لبنان الطائفيتين المدمرتين للوجود المسيحي برمته، لكانت الوثائق المحفوظة في الكنائس والأديار… تساهم في كتابة تاريخ بلاد الشام وليس تاريخا لكنيسة انطاكية وسائر المشرق وخاصة دمشق فقط. بل وحتى اعادة كتابة وتصحيح تاريخ بلاد الشام مما اعتراه من كذب وافتراءات واهواء وميول شخصية كتبها ولا يزال متعصبون مصدقون لأنفسهم لغايات تعصبية دنيئة (كما عانينا وغيرنا لدحض افتراءاتهم كتابة ومواجهة في المؤتمرات) ضاربين عرض الحائط العيش المشترك طيلة 14 قرناً بالرغم مما اعتراه من هنات وخضات عنيفة وآلام بحق المسيحيين اصحاب الأرض.

وقد قمنا بتكشيف هذه  الوثائق بتكليف من المعلم الأنطاكي مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع طيلة 22سنة لاظهارها للعلن، واعددتها في كراسات وكتب واصدرتها بطريركية انطاكية وسائر المشرق جامعة البلمند / مركز الدراسات والابحاث الأنطاكية منذ 1988 وحتى 2004 وتناولت عدة ابرشيات انطاكية وادياراً بطريركية وابرشية…وان شاء الله سيستمر التكشيف والاصدار مجدداً بتكليف من غبطة ابينا المعلم الأنطاكي البطريرك يوحنا العاشر لمتابعة هذا الاظهار والتكشيف ولاظهار مجد انطاكية العظمى وسائر المشرق. وقد استفدنا من هذه الكراسات والاصدارات في بعض ما اعرضنا… سائلين رب الكنيسة ان يعطينا القوة لنستمر لاجل مجد كنيسة انطاكية المعذبة.

حواشي البحث

1- اهتدى بولس (شاول) اليهودي الفريسي وأصله من طرسوس(آسية الصغرى) للمسيحية حين مجيئه الى دمشق للقضاء على جماعة دمشق المسيحية بتكليف من مجمع السنهدريم وذلك بأعجوبة إلهية حين ظهر له السيد المسيح على مقربة من دمشق (18) في سهل كوكب وسطع ضوء غامر في وجهه أسقطه عن حصانه وقد عمي بصره مع صوت السيد المسيح يقول له:” شاول لمَ تضطهدني” وأمره بالذهاب الى دمشق الى اسقفها حنانيا الذي عمده في بيت يهوذا الدمشقي على بعد 100م من دار البطريركية حالياً.

2- في عام 705 م أعاد الوليد بن عبد الملك بعد تحويله كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان بدمشق الى الجامع الأموي، أعاد كنيسة مريم التي كانت مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين دخول جناحي جيش المسلمين (صلحاً من باب الجابية بهمة سرجون النصراني جد القديس يوحنا الدمشقي مع ابي عبيدة بن الجراح، وحرباً من الباب الشرقي بخيانة الراهب اليعقوبي يونان بأن اتفق وخالد بن الوليد على فتح الباب منتصف الليل من قبل ثلة ادخلها من نافذة عليا ببيته الملاصق للسور.والتقى الجيشان عند كنيسة مريم التي اعتبرت خطاً فاصلاً ودخلت كأملاك دولة ولم تحول كبقية كنائس القسم الشرقي المفتوح حربا الى مساجد، كما لم تبق بأيدي الارثوذكس كبقية كنائس القسم الغربي المفتوح صلحاً. وبقيت مغلقة منذ 635 م يوم فتح دمشق وبيد الحاكم المسلم للمدينة

عندما اعاد الوليد كنيسة مريم قال مقولته الشهير:” اننا نعوض على النصارى بكنيسة مريم بدلاً من كنيسة يحي…” مع الاشارة الى ان كنيسة يحي كانت في القسم الشرقي المفتوح صلحاً وثمة جدل كبير بين المسيحيين الأرثوذكس والوليد حول عدم جواز تحويلها جامعاً مالا مجال لذكره هنا اضافة الى كل كنائس الغوطة التي تحولت الى مساجد وعددها 18 كنيسة عدا الأديرة…

3- جورج بعلبكي: “دور المطران غريغوريوس في تعريب الكرسي الأنطاكي 1899م”، اطروحة الاجازة في اللاهوت 1988من معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي/ جامعة البلمند.

4- من المعروف انه لم يكن يسمح ببناء كنائس جديدة منذ الفتح الاسلامي العربي لبلاد الشام وإنما كان يسمح بترميمها فقط وبإذن من القاضي الشرعي… ولما كانت الكنائس والأديرة تندرج في اساسيات الوقاف المسيحية لذا اتبعت بها الأوقاف الموقوفة عليها من بيوت ودكاكين وخانات ومصحات… بالاضافة الى ولاية القاضي الشرعي العامة على كل المواطنين بغض النظر ع ديانتهم وكانت شمولية الاختصاص لليهود والمسيحيين بالاضافة الى المسسلمين. ومن الجدير ذكره ان بناء الكنائس والأديرة بدأ مع الحملة المصرية على بلاد الشام (1831-1840م) بإذن قائدها ابراهيم باشا بن محمد علي والي مصر وقد تابعت الدولة العثمانية هذا النهج بعد خروج المصريين باصدارها سلسلة من التنظيمات الجديدة واهمها التنظيم الصادر عام 1856م.

5- د. اسد رستم:” كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى (1453-1928)” ثلاثة اجزاءن مطبعة دار الفنون، بيروت، دون تاريخ، ج3،ص40-45، سميرنوف “تاريخ الكنيسة المسيحية” مكتبة السائح، طرابلس.

6- امطوش او انطوش كلمة يونانية تعني مقر إقامة الاكليروس في الكنيسة، وهنا ثمة ترادف في المصطلح الدبلوماسي مقر البعثة الدبلوماسية والأمطوش الأنطاكي في موسكو يقابله في دمشق امطوشاً لبطريركية موسكو لدى البطريركية الأنطاكية ويمثل رئيس البعثة بطريركه لدى البطريركية المضيفة في القضايا كافة.

7- جامع بني امية لاحقاً.

8- الذي حول الى كاتدرائية دمشق، كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان 387م.

9- الكاتدرائية: كلمة يونانية تعني الكنيسة الأولى او كنيسة السدة البطريركية او كنيسة المطرانية…

10- بني دير سيدة صيدنايا البطريركي بأمر السيدة العذراء التي ظهرت للأمبراطور يوستنيانوس عام 516م الذي كان في طريق لقتال الفرس فعسكر بجيشه بجانب نبع ماء شاهد غزالة شهية للصيد فطاردها حتى منتصف التلة حيث وقفت وتهيأ لرميها بالنشاب عندها تحولت الى السيدة العذراء فأمرته ببناء دير للراهبات على اسمها ووفق الهندسة التي رسمتها له على الأرض الموافقة للحالية فكان هذا الدير منذئذ. أما مكان وقوفها فهو الآن غرفة الشاغورة.

11- كان البطريرك غريغوريوس قد رأس احتفالات اسرة رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي عام 1913م فأهداه الأمبراطور نقولا هذا الصليب الثمين جداً ليزين به مقدمة قلنسوته (لاطيته)

12- هكذا وردت في الأصل والصواب: غرش.

13- هكذا وردت في الأصل والصواب: الفايض.

14- كانت حتى عهد المماليك متروبوليتية عامرة تتبع لها 11 اسقفية واسمها متروبوليتية الرها أو أداسيس وهي الآن بعد اندثارها ابرشية شرفية يحمل اسمها اسقف مساعد للبطريرك وكانت قد جرت العادة في القرن 190 أن يحمل متروبوليت حوران لقب اداسيس ايضاً.