المفكر القومي الدكتور جورج طعمة الوزير والسفير

المفكر القومي الدكتور جورج طعمة
الوزير والسفير

تمهيد

من وثائق نصف قرن على اغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية
بمناسبة مرور نصف قرن على النكبة واغتصاب فلسطين، كان قد أجري حوارٌ استراتيجي عام 1998 – نُشر في ست صحف عربية – مع المفكر القومي العروبي الكبير الوزير والسفير المرحوم الدكتور جورج طعمة الدبلوماسي السوري المخضرم…

فيما يلي أبرز العناوين التي جاءت فيه
– لم يكن من الممكن أن نقبل بقرار التقسيم فقد كان العرب الأكثرية وكانت الأرض أرضنا والقرار كان مجحفا جدا.
– ذُكر على لسان موشيه ديان وزير الحرب الصهيوني أنه ركع أمام غولدا مئيررئيسة وزراء الكيان الصهيوني خلال حرب تشرين التحريرية عام 1973 عندما لاحت بوادر الهزيمة العسكرية التي ستلحق بجيشه قائلا:

المندوب السوري في الأمم المتحدة السفير جورج طعمة
المندوب السوري في الأمم المتحدة السفير جورج طعمة

أن الهيكل الثالث سينهار.””
– للخروج من نفق الهزيمة: يجب أن نسحق الهزيمة في نفوسنا، وأن نعمل من أجل الوحدة العربية. – الخيار خيارنا نحن فإما أن نكون أو لا نكون
– الجامعة العربية ليست بديلا للوحدة العربية.
– الحرب والسلام قضية علم ومعرفة قيادية وقدرة على إدارة الصراع وليست قضية عدد دبابات وطائرات.
– الفترة التي انقضت على المفاوضات العربية مع إسرائيل: ” أوضحت لنا بوضوح كامل معنى السلام الإسرائيلي- الأمريكي.”
– عملية السلام بعيدة كل البعد وأبعد البعد عن قرارات الشرعية الدولية.

من هو الدكتورجورج طعمة؟

بعض من سيرته الذاتية

آل طعمة من حي الميدان الدمشقي العريق، من بيئة ارثوذكسية ممارسة لايمانها في رحاب كنيسة القديس حنانيا الرسول الأرثوذكسية في حارة القره شي.

ولد علمنا جورج يوسف طعمة في حي الميدان الدمشقي سنة 1921، ونشأ فيه في ظل اسرة دمشقية الهوى مسيحية ارثوذكسية العيش والانتماء، تعلم المرحلة الابتدائية في مدرسة القديس حنانيا الرسول (التي كانت مع الكنيسة تصل عرضاً بين زقاقي القره شي والموصلي) هذه المدرسة كانت بادارة العلامة الخوري ايوب سميا، (مؤرخ دمشق والكاتدرائية المريمية) وتخرج منها عدد كبير من اهل العلم والأدب والسياسة، وكانت هذه المدرسة في حرم كنيسة القديس حنانيا الرسول التي كان قد تعلم فيها الايمان وممارسة الطقوس مع اهله، الذين كانوا ككل الأهل الملتزمين كنسياً، يدفعوه الى الخدمة في هيكل الكنيسة، وفي حمل الشمعة والمبخرة وتوزيع القربان. هذا الانتماء كان متأصلاً في الأسرة، فوالده يوسف كان من اعضاء جمعية الكنيسة وعضوا في المجلس الملي لمحلة الميدان. (وكانت هذه المحلة قبلاً تابعة لأبرشية بصرى حوران وجبل العرب ثم اعتبرت مع ابرشية دمشق ولكن لوقوعها خارج دمشق كان لها مجلس ملي ينتخب باشراف البطريركية بدمشق، وكان له صوت في انتخاب البطريرك وفق قانون الانتخاب القديم).

واقع حي الميدان

حي الميدان ضاحية دمشقية هي بوابة حوران والجنوب السوري، سكنتها اقوام اصيلة منذ القرن 14 واقوام مهاجرة اعتباراً من القرن 19وتخصصت بأحياء خاصة بها، وقد عبر سكان حي الميدان عن الوحدة الوطنية بخليطهم من سكان اصلاء من المسلمين هم الأكثرية ومن قلة مسيحية، ومن وافدين مسيحيين من راشيا وحاصبيا ووادي التيم ( الجنوب اللبناني اليوم) اقاموا في ساحة الرياشنة والتيامنة بباب مصلى وفي محيط كنيسة القديس حنانيا الارثوذكسية التي تؤكد المصادر الى انها في اصلها كانت ديراً على اسم القديس حنانيا الرسول ( اول اساقفة دمشق احد تلاميذ الرب يسوع السبعين الذين حل عليهم الروح القدس في علية صهيون وقد بنى هذا الدير الأمبراطور الرومي يوستنيانوس باني دير سيدة صيدنا وفي التاريخ ذاته) وكنيسة السيدة الكاثوليكية المجاورة لها، ومن وافدين مسيحيين من حوران وجبل الدروز، ووافدين دروز من جبل الدروز هؤلاء اقاموا في حارة الدروز، اضافة الى الجزائريين اتباع الأمير الكبيروالمجاهد عبد القادر الجزائري وقد اختار ومعه اتباعه منفاه في دمشق وسكنوا في محلتهم المسماة حارة المغاربة. اضافة الى تجار من دمشق ومن الجنوب السوري في الحنطة والأغنام لذا غلب على حي الميدان طابع الضاحية في كل شيء.

وقد تجلت في هذا الوسط الوطنية والعروبة بين مختلف الأديان والطوائف بعيش واحد ومشترك، والترفع عن اية فتنة مذهبية، واهمها الفتنة المذهبية التي ضربت مسيحيي دمشق عام 1860 وافنت نصفهم ودمرت واحرقت كل المنطقة المسيحية، فيما عاش الميدان بسكينة واخوة وانسجام، لا بل اسهم وجهاء الميدان ومشايخه بزعامة عبد القادر الجزائري والشيخ الميداني… في حماية المسيحيين من أي أذى، وقد ظهرت فيه بوادر الحركات القومية مع ميشيل عفلق وقسطنطين زريق…وقد أثَّر ذلك في تربيته. شب جورج في هذا الحي الذي كان ومنذ طفوليته، قد نمت فيه كل هذه الانتماءات الايمانية والوطنية والقومية، فلا عجب ان صار بالاضافة الى تمسكه كنسياً وبالكتاب المقدس، منافحاً وطنياً عن سورية في أرفع محفل دولي، ومفكراً قومياً اضناه لاحقاً ككل المفكرين القوميين، وضع العرب المتردي (بدءاً من نكبة فلسطين وهزيمة 1967 ثم مأساة الحرب الأهلية اللبنانية المتمادية وغزو العراق…)

وتسنى لعلمنا ان يتابع عشقه الوطني والقومي والتقدمي، عندما تابع دراسته الاعدادية والثانوية في الكلية التجهيزية الأرثوذكسية الدمشقية (مدرسة الآسية) الوطنية النشأة والاستمرار، فهي نشأت بيد الرعية والبطريركية منذ 1635، والمعروفة في انتمائها وتوجهاتها الوطنية حيث كانت واحة للوطنية وبيئة حاضنة لها، وكان طلابها واساتذتها وادارتها يندفعون قبل كل المدارس الدمشقية على الاطلاق، وقبل طلاب مكتب عنبر، و قبل طلاب جامعة دمشق، كانوا يخرجون في المظاهرات المنددة بالاحتلال الفرنسي الغاشم لسورية ولبنان، وكان علمنا من عدادهم وهو في مرحلته الثانوية…  وكانت اسرته قد انتقلت كالعديد من العائلات الميدانية لتسكن في المنطقة التي باتت اليوم شارع حلب وقد تسمى بشارع الميادنة  وتفرعها في محلة جناين الورد (وقد شهد صديقي سليمان رزق في الاغتراب اليوم، ان اسرته كانت تسكن مجاورة لأسرة علمنا “وكانت نعم الجيرة” )  وتقع محلة جناين الورد في منطقة القصاع وكانت عبارة عن بساتين جميلة وارفة الظلال، فيها مساكن شبه ريفية تسكنها عائلات مستورة، كانت منها اسرتنا آل زيتون…

انتقل في المرحلة الجامعية الى الجامعة الأميركية في بيروت حيث درس فيها الفلسفة، ثم حصل في العام 1951 على الدكتوراه من جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأميركية.

في وزارة الخارجية

الدكتور جورج طعمة في جلسة مجلس الأمن المخصصة لوقف القتال حزيران 1967
الدكتور جورج طعمة في جلسة مجلس الأمن المخصصة لوقف القتال حزيران 1967

وكان وقبيل جلاء الفرنسيين عن سورية وفي العهد الوطني، وحال تخرجه من الجامعة، قد التحق بوزارة الخارجية السورية وكان من الدبلوماسيين الرواد الأوائل، الذين اسسوا الدبلوماسية السورية بتميزها.

ثم عُيِّن في السفارة السورية في لندن من سنة 1945 – 1946 فنقلها من مفوضية الى سفارة، وزامله زميله السفير اللبناني نديم دمشقية الذي اسس السفارة اللبنانية ايضاً، وكان التأسيس مشتركاً للسفارتين (وفقاً لرواية السفير دمشقية) ثم انتقل الى السفارة السورية في واشنطن برتبة (سكرتير أول) من سنة 1947-1951 وتزامن ذلك مع متابعته لأطروحة الدكتوراه في جامعة جورج تاون التي نالها بدرجة امتياز وبتكريم لافت من هذه الجامعة لأول طالب سوري…

عاد بعدها الى دمشق مديراً لقسم المعاهدات في وزارة الخارجية السورية من سنة 1952-1954. ليعود بعدها الى حقل تدريس الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت، واصبح عميد شؤون الطلاب في تلك الجامعة سنة 1956. وقد عاد في هذا العام الى وزارة الخارجية السورية مرة اخرى، وعُيِّنَ مديراً للأبحاث فيها، ثم عُيِّنَ قنصلاً عاماً في نيويورك منذ 1957 وحتى 8 آذار 1963، عندما تولى حزب البعث السلطة في سورية، فعاد الى الوطن، وعُيِّنَ وزيراً للاقتصاد من 1963-1964 في حكومتين متعاقبتين رئسهما صلاح الدين البيطار. وكان استاذ فلسفة في جامعة دمشق بين عامي 1964-1965

وفي عام 1965 عُيِّنَ سفيراً في الأمم المتحدة واصبح المندوب الدائم لسورية في الأمم المتحدة في نيويورك، وظل في هذا المنصب حتى عام 1972 حيث تقاعد من وزارة الخارجية. وكان في سنة 1968 رئيسا للجنة الرابعة للحقوق الدولية.

وفي سنتي 1970 – 1971 كان عضوا في مجلس الأمن الدولي، ورئيساً لمجلس الأمن الدولي في شهر تشرين الثاني 1970 وعضوا في مجلس الأمناء في

.UNDP

في بيروت

تقاعد علمنا الدكتور جورج طعمة من السلك الدبلوماسي، وعاد الى بيروت وعمل في مركز الدراسات الفلسطينية حتى سنة 1975. وبعد ذلك التحق بمنظمة البلدان العربية المصدرة للنفط اوبيك في الكويت كمستشار، وظل في هذا المنصب حتى سنة 1979. عاد بعدها الى التدريس استاذاً في الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة الكويت من سنة 1980 – 1988.

ثم اختاره مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع عضو مجلس امناء جامعة البلمند الأرثوذكسية في لبنان الشمالي، وعيَّنه رئيساً للجامعة من 1988 – 1989وكان اول رؤساء الجامعة، وقد اهداها مكتبته الخاصة والعامرة، بعد انتهاء مدة توليه رئاستها…

في اسرته

كان علمنا قد اقترن بالسيدة روز زريق شقيقة المفكر القومي الكبير قسطنطين زريق الدمشقي، رفيق دربه في الوطنية والقومية.وقد رزقهما الله بثلاثة اولاد هم رامز وهالة وماجد وعائلاتهم، وله اربعة احفاد.( كراس حفل تأبينه في 13 ايار 2004)

ننقل فيما يلي بعضاً مما قاله فيه بعض كبار الدبلوماسيين سوريين ولبنانيين واردنيين عنه وردت في حفل تأبينه بمناسبة اربعينه في مكتبة الأسد بدمشق عام 2004 والذي أقامته وزارة الخارجية السورية مع آل الفقيد.

– يستذكر السفير عبد الله الخاني بعضا من ماضيه مع الدكتور جورج طعمة فيقول عنه في مرحلة الدراسة الجامعية:

” عرفت الدكتور جورج طعمة منذ ستين سنة اي في عام 1944 عندما كنا ندرس في جامعة بيروت الأميركية، وقد اخترنا اختصاصاً متشابها، اختار الفلسفة مادة أولية، والعلوم السياسية مادة مساعدة، واخترت العلوم السياسية مادة أولية، والفلسفة مادة مساعدة. الا أنا كنا نلتقي دوماً، رغم أنه كان في أعلى سلم الاختصاص يهيء للتخرج، وللحصول على درجة استاذ في الفلسفة أي الماجستير.وكنتُ وغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع ( الأب هزيم في ذلك الوقت)، والدكتور غسان تويني الوزير، (الزميل وقتها)

وفي آخر العام 1944 حضرتُ مناقشة الزميل جورج لأطروحته، عن الفيلسوف الألماني الشهير”لايبنيتز” امام الأساتذة القديرين: قسطنطين زريق، وشارل مالك، وشارل عيساوي. وقد ناقش موضوعه بكل كفاءة وشمول، مما اكسبه تهنئة الأساتذة الكبار، بالاضافة الى شهادة الماجستير في الفلسفة.

وعن اختياره للخارجية قال الخاني:

” في ذلك الحين كانت الحكومات السورية بصدد انشاء وزارة الخارجية. وكان رؤساؤها المتعاقبون، المغفور لهم: سعد الله الجابري، جميل مردم بك، وفارس الخوري يحرصون على انتقاء أفضل العناصر، وأكفأ خريجي الجامعات، الى هذه الوزارة، نظراً لما لها من اهمية في إبراز وجه سورية الحضاري في العالم، واعطاء أجمل صورة عنها، وكان فقيدنا الغالي من بين الشباب المثقفين، الذين جرى انتقاؤهم نظراً لكفاءته العلمية، ولإتقانه اللغتين الفرنسية والانكليزية، الى جانب اللغة العربية.”

– اما السفير اللبناني في الامم المتحدة ادوار غرة فقد اشاد بمزايا الدكتور جورج، وانه كان في طليعة الناشطين في مجابهة السياسات الدولية والصهيونية ضد المطالب العربية المشروعة فقال:

“… كم كان الاعجاب بالغاً في اوساط الأمم المتحدة بتفكيره النيّر وتحضره الدائم، لمجابهة كل التحديات، وبقدرته الخطابية وبلاغته وحنكته الدبلوماسية، وسعة اطلاعه، ومعلوماته ودقة حججه ورصانتها، ومع كل مزايا اللطف والوداعة التي كان يتحلى بها، كان يتحول في مجلس الأمن والجمعية العامة ولجانها الى صوت داوٍ، ومدافع عنيد لا عن حقوق العرب فحسب، بل عن حقوق الشعوب المستضعفة، والمناضلة للتحرر من الاستعمار، ولحقِّها في تقرير مصائرها، وتأسيس دولها الحرة السيدة المستقلة، كما كان له جولات في محاربة التمييز العنصري في روديسيا وجنوب افريقيا…”

– اما السيدة رندة الخالدي زوجة ضياء الله الفتال خليفته في الأمم المتحدة فقالت في تأبينه اجمل الكلمات وهي التالية:

” أُغمضُ عيني وأعود بذاكرتي خمساً وثلاثين سنة خلت، فأراه بوضوح تام، يركض في أروقة الأمم المتحدة، يدخل الى لجنة ويخرج من أخرى، يجلس لدقائق في مقعد سورية في الجمعية العامة، ثم يلملم أوراقه، ويهرع الى قاعة أخرى، ويتابع…لا يفَّوِّتُ عليه فرصة كي يحاربْ، كي يدافعْ، كي يفضحَ العدّو، كي يتعارك معه، كي يهزمه.”

وتتابع: ” في احدى المرات، التقيت بالسفير جورج طعمة صدفة، في أحد دهاليز العمارة الزجاجية العملاقة في نيويورك، فرأيه يلهث تعباً، وقد تصبب العرق منه، وصعد الدم الى رأسه، وبإشارة من يده أعلمني أن ليس لديه الوقت أن يقبل دعوتي ويستريح، ولو حتى لثانية واحدة. وكنت قد علمت لتوي من الزملاء، بأن سفيرنا جورج طعمة أمضى القسم الأكبر من ليلة البارحة وهو يُعالجْ في إحدى مستشفيات نيويورك نتيجة أزمة خطيرة ألمت به.”

وتتابع في احلى الكلام عنه:”كانت الأمم المتحدة بجميع لجانها ومنابرها، وأروقتها، بالنسبة لجورج، ساحة حرب، تجري فيها المعارك، الواحدة تلو الأُخرى، فلا يحظى المحارب خلالها باستراحة ولو قصيرة. قلع فيها الدكتور جورج ثوب الفيلسوف المسالم، والأستاذ الأكاديمي، وارتدى لباس القائد العسكري المدجج بالسلاح، دفاعاً عن الحق وسحقاً للباطل. لم يحارب بالمنطق البلوماسي وبالمفردات السياسية المحنكة فحسب، بل أنه أدهش ممثلي الدول أجمع بثقافته العالية الواسعة، وعلمهِ الغزير وخِطبه المصاغة، بفلسفة التسامح، والمحبة، والعدل والسلام للجميع. ومن على منابر الأمم المتحدة أثبت جورج طعمة للعالم أجمع عراقة بلده سورية وتفوّق ابنائها، في مجالات العلم والثقافة. وهكذا نجح بجهده وجهود زملائه من الملتزمين بان يوجِد لسورية مكانة مرموقة، في هذا الصرح العالمي حتى لصوتها صدى عال، واصبحت كلمتها محترمة مسموعة، في أحلك الأيام وأصعبها.”

” لم يكتف جورج بتمثيل سورية بل جنَّدَ كل طاقاته من اجلها، فصار هو نفسه “سورية العرب”… كان جورج يفاخر أحياناً بأنه إبن الميدان الشامي في وسط مدينة دمشق. فمن هناك تعمقت وطنيته. وهناك أنصت بشغف لقلب دمشق النابض. فاختار درب العروبة الأصيل وكَّرَّس حياته للدفاع عن قضاياها، وأهمها قضية فلسطين. منذ الصبا، كَّرَّسَّ جورج وقته لدراسة القضية الفلسطينية أكاديمياً، فدرس تاريخ الصهاينة وحفظه عن ظهر قلب. لم يصدر كتاب أو مقالة حول القضية إلا وقرأه، ثم صنَّفه ووضعه جانباً، كي يستخدمه حقاً في خطاب أو في إجابة. وهكذا ما كان يصعد منبراً في الأمم المتحدة حتى يفاجىء الصهاينة والمدافعون عنهم بمعلوماته الواسعة، المدعومة دوماً بالحجج والبراهين. وكم كان يلذّ له أن يدحض حجج الأعداء. وكم كان يفرحه أن يفضح أكاذيبهم، فمن هنا كان جورج طعمة يستمد سعادته الحقيقية ورضاه عن النفس.”

وعن مواهبه الأخرى فقد قالت:” كان جورج شاعراً حساساً رومانطيقياً، يقدِّر كل ماهو جميل، إلا أن انغماسه التام في قضايا الأمة، كان يُشغله عن كل مايمكن أن يروِّح به عن نفسه. فوطنيته الحارة تدفعه الى العمل في سبيل الوطن، دون راحة أو انقطاع. ثم مرت الأيام وجلس زوجي ضياء الله الفتال رحمه الله على المقعد نفسه الذي كان يجلس عليه رئيسه السابق واستاذه جورج طعمة. وأذكر وبكل فخر أني كثيراً ما كنت أُمازح ضياء فأقول له بأنك قد تقمصت شخصية جورج.”

مآثره

كان علمنا الدكتور جورج طعمة، من الدبلوماسيين الرواد الأوائل، الذين أسسوا الدبلوماسية السورية، ووضعوا حجر الأساس لها، ووضعوا اللبنات الأولى في تكوين صرح وزارة الخارجية السورية التي كانت بهديه ولازالت مدرسة للوطنية والعروبة…ويشير سجله في وزارة الخارجية الى مسيرة مشرفة من الكفاح، من أجل الوطن، والدفاع عن قضاياه العادلة، وخاصة القضية الفلسطينية، وقد كان من خيرة المحامين في المجال الدولي عن حق الشعب الفلسطيني في ارضه ووطنه، وهذا ما يفسر لنا أنه بعد تقاعده، عاد الى بيروت وعمل في مركز الأبحاث الفلسطينية. وكتب بحثاً رصينا متميزاً بأسلوبه العلمي، وحجته المنطقية، تحت عنوان:” إعادة النظر في القضية الفسطينية، وقرارات الأمم المتحدة، بخصوص فلسطين، والصراع العربي الاسرائيلي.” ومازالت هذه الأبحاث من المراجع الهامة والمتميزة في موضوعها.

ولعل أهم المحطات في حياته الدبلوماسية هي مهمته مندوباً دائماً لسورية، في أثناء العدوان الاسرائيلي الغاشم، في حزيران 1967 على مصر وسورية والأردن، واحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة في فلسطين.

كان كبار الساسة في سورية والدول العربية وحتى ابسط مواطن في سورية، وانا منهم وكنت في ختام المرحلة الاعدادية، مشدودين الى خطبه ومرافعاته، في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ، ويذكرعنه معاصروه وزملاؤه في الدبلوماسية السورية والعربية في تلك الفترة، بأنه كان من المع الدبلوماسيين العرب في تلك الفترة، وأقواهم حجة، وأكثرهم علماً ومعرفة، وكان يومها بحق قائد الدبلوماسية العربية، واسد الدبلوماسية السورية، الضارية والناعمة بآن، كعادتها وخاصة في ايامنا الحالية، بلا منازع في فضح العدوان الصهيوني، ومن يقف وراءه وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وهو في ارضها غير هياب ولا مبالٍ…

كان يتألم بانفعال عن حالة العرب وضعفهم وتشتتهم وعجزهم، وقد انصرفت قناعته كلياً الى انهم في توحدهم سينتصرون…

المحامي الأردني الدكتورانيس فوزي القاسم فاخر بأنه تلميذ علمنا ونهل من ينابيع علمه وسعة اطلاعه، ولم يرتوي ابداً.

ونقل رد الدكتور جورج على بذاءات المندوب الأميكي آرثر جولدبيرج بالقول الصاعق التالي:” ليس مهماً أن يكون الانسان من مواطني دولة كبرى، بل الأهم من ذلك يكون الانسان منتمياً الى ثقافة كبرى.” وكانت هذه المواجهة الكبرى في أوج مناقشات مجلس الأمن لوقف اطلاق النار اثناء حرب حزيران 1967.

يفتخر المذكور بأن الدكتور جورج كان المتحدث الرئيس في احتفالات الطلبة العرب بمناسبة يوم المولد النبوي في ولاية بنسلفانيا، وعَلِمَ السفير القاسم ( وكان طالباً وقتها في اميركا) ان الدكتور جورج استاذ في الفلسفة الاسلامية.

وقد لعب الدكتور جورج الدور الكبير في استعادة الصين لمقعدها في مجلس الأمن الدولي وانتزاعه من الصين الوطنية في اوائل السبعينيات، وان الصين التي اعترفت ممتنة بدوره البناء في استرجاعها لحقها دعمته جداً حين تولى مهمة اعادة ادراج بند القضية الفلسطينية على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهذه على شهادته كانت وحتى نهاية الدورة السادسة المنعقدة في اواخر 1952 كانت مدرجة في كل الجلسات الى ان حذفها الأمين العام للمنظمة الدولية ( تريغفي لي) المعروف بموالاته للصهيونية واسرائيل، ومن وقتها لم تستطع المجموعة العربية اعادة ادراج القضية الفلسطينية الا على يده، وبعد جهد مضن كابده الدكتور جورج استمرحتى عام 1974 وقد أثر في جهوده هذه بشكل مؤلم له، احداث ايلول الأسود في الأردن عام 1970 على يد الأردن، وكيف تدخل الجيش السوري لمساعدة المقاومة الفلسطينية.

ويضيف الدكتور انيس بأن استاذه الدكتور جورج علمه الفروقات بين المواد 12، و14، و15 وعلى دهاليز الاجراءات المتبعة في اروقة الأمم المتحدة “وان المندوب العربي يجب ان يكون واعياً لها لكي يتمكن من احباط محاولات الالتفاف على الخطة العربية.”

قال فيه السفير الأردني هاني الخصاونة

” كان الدكتور جورج طعمة كياناً فكرياً ودبلوماسياً قائماً بذاته، أنعم الله عليه بالكفاءات العلمية المتميزة، دارساً ومفكراً دؤوباً وواعياً للحقائق السياسية وللعصر، متمكناً من قواعد القانون الدولي، ومن ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وأدوار مؤسساتها، وخاصة مجلس الأمن والجمعية العامة، يعزز تلك الكفاءات وعي لجدليات التاريخ وفهم لطبيعة أمته العربية، واستيعاب لدور سورية المركزي في نضال الأمة وفي حياتها.

فلم تتسرب الهزيمة العسكرية الى ذاته، ولم يقدر عليه الإحباط، ولم ينل كيد الأعداء من همته، أو ايمانه بأن الأمة على حق وان النكسة تلو النكسة تزيد الشعوب الحية، وامتنامنها تحدياً واصراراً على كسب الجولة النهائية.”

ويتابع السفير خصاونة الذي يعتبر علمنا معلماً له:

” كان جورج طعمة معلماً من معالم هيئة الأمم المتحدة في سعة ثقافته، وفي شرحه المبهر والمقنع للقضية الفلسطينية… كان يفند حملات التضليل الاعلامي الصهيوني ويكشف لدبلوماسي العالم الأميركي حقائق القضية العربية واراجيف اللوبي الصهيوني ويتنقل في اوساط الجامعات والمعاهد الأميركية، يحاور ويحاضر في القضية العربية، ويزيل الغشاوة عن العقول والإفهام، ويكسب تعاطف سامعيه الى قضية امته كما يكسب احترامهم وتقديرهم لهذا العربي المالك لناصية الحجة الدامغة، المتمكن من اللغة تمكن الضليع من لغة امته.” ويشير الخصاونة انه تعلم الكثير من علمنا الدكتور جورج طعمة ومن السفر القيم والمرجعي الذي يتضمن قرارات الأمم المتحدة، بشأن فلسطين والنضال ضد الصهيونية من عام 1947-1974 الذي اشرف على مراجعته وتحقيقه الدكتور جورج طعمة، وقد استوفى جهدا ومتابعة وصبرا يوجب لهذا السفر لن يحتل المكانة الأولى، في مكتبة كل مسؤول أو فكر عربي.”

الخاتمة

مع كل ماقيل من هذه الشهادات الرائعة كانت اجملها شهادة ابنه رامز، وهي شهادة ابن لوالده حاكتها العاطفة البنوية والامتنان لهذا الوالد العملاق، وشهادة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع التي تحدث فيها عن روحانية الدكتور جورج وكيف وظفها بعمله في خدمة الوطن والعروبة

قال ولده السيد رامز بأن والده “في كل احاديثه وحتى آخر لحظات عمره كان يستشهد بكلمات قدسية ،ويرصع محاضراته بنصوص من الكتاب المقدس وآيات من القرآن الكريم ومن الشعر العربي وغير العربي…”

وكان والده يهتم باغناء معارف اولاده في الأمور السياسية والوطنية وخاصة القضية الفلسطينية والتشرذم الحاصل في الأمة العربية.

وقد زرع فيهم حب القراءة والمطالعة، والتمسك بكرامة الانسان وقيمة الانسان وحقه في الوجود، وقد اراد لأولاده ان يتبنوها، ويؤكد ولده انهم فعلوا ذلك.

ويضيف ان حلم والده كان الوحدة العربية الوطنية في كل قطر:” عروبة والدي كانت صافية وقوية متفاعلة. لكن مجريات الأمور لم تكن في كثير من الأحيان كما اشتهى …”

” في السنة الأخيرة من حياته أُضيف احتلال العراق الى مأساة فلسطين والى معاناة لبنان خلال سنوات طويلة فدخل الألم الى صميم روحه وشعر في عامه الأخير، أن احلامه وتأملاته قد انهارت… فتجنب مشاهدة المصائب المتراكمة يومياً التي حلت بالوطن العربي… وتوقف عن متابعتها في الإعلام المسموع والمرئي… وتوقف عن قراءة النقد والتحليل حتى في الكتب القيمة.”

ويقول ابنه:” واخيراً أسمح لنفسي بأن المح لحديث دار بينه وبين ابنته هالة في لحظة من اللحظات الأخيرة من وعيه… عبر فيها عن معنى الحياة والموت وكأني به أراد التخلص من جسده والانتقال الى الآخرة… في تلك الليلة فقد الوعي…”

“… كان يريد في آخر حياته ان يرجع الى سورية ولكن صحته لم تسمح… كانت وصيته لنا بأن يُدفن في الأرض التي احبها، وولد بها – دمشق”

اما شهادة غبطة ابينا المعلم الأنطاكي مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع فقد تناول فيها ممثله المطران غطاس هزيم الجانب الايماني في شخص الدكتور جورج الذي كان ملهما له.”… فالرب يسوع أوصى اتباعه قائلاً: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي. ووصية الرب: أحِبوا بعضكم بعضاً… المحبة هي بذل وعطاء لا أنانية وانغلاق. المحبة خدمة لا سيادة ورؤساء الأمم يسودونهم. فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد ان يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادماً. هكذا ابن الانسان لم يأت ليُخدمْ بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس….

… ضمن هذا المفهوم للمحبة الخادمة انطلق الدكتور جورج بصقل مواهبه العلمية والمعرفية، لتكون في خدمة إخوته ابناء هذا الوطن الصغير والكبير وفي خدمة كل من قصده، لقد وعى أن المراكز التي شغلها سياسية كانت أم علمية، هي فرصة للخدمة لا للسيادة فهو على مثال سيده مصلوب من اجل حقوق الانسان، وكيف لا، وقد عرف الحق ويسوع يقول:” اعرفوا الحق والحق يحرركم”. نعم لقد عرف المرحوم الدكتور جورج الحق، لذلك لم يرضَ أن يكون عبداً لأحد، وقد عاصر الاحتلال والمقاومة والقضية العربية، لقد ملك حريته فأتى فكره حراً لقد كان سيداً لا مساداً. لهذا دافع عن حقوق شعبه في اكبر المحافل الدولية بقوة الانسان الحر الحامل للحياة…”

– وعلى قول كل الدبلوماسيين وموظفي الخارجية السورية والدولة السورية وقيادتها ستظل وزارة الخارجية السورية وأجيالها المتعاقبة، تذكر علمنا الدكتور جورج طعمة بكل فخر واعتزاز واحترام وستبقى ذكراه عطرة وخالدة في نفوسهم جميعاً وسيبقى اسمه نجماً مضيئاً يستضيء به سفراء سورية ومندوبيها في الأمم المتحدة.

وانا يحلو لي في خاتمة هذا المقال الذي لم يعط اسد الدبلوماسية السورية ولن يعطيه حقه أن اعرج على فيض ايمانه المسيحي النقي وكيف وائمه مع قضية فلسطين التي كانت همه وبوصلته، وأُدرج بالحرف نص حديث القاه في اذاعة دمشق في ليلة عيد الميلاد في 24/ كانون الأول/ 1952. وهو بعنوان:

“من وحي الميلاد”

وهو التالي

” في نفحة من نفحات أمير الشعر العربي أحمد شوقي قال:

عيسى سبيلُكَ رحمة ومحبة……………للعالمين ونعمة وسلام

ياحامل الآلام عن هذا الورى…………كثرت لدينا باسمك الآلام

ولقد اخترت هذين البيتين، لا لجمالهما الشعري فحسب، بل لأن أحمد شوقي قد أدرك بروح الشاعر فيه، أمرين من الأمور الأساسية التي ترتكز اليها رسالة المسيح الا وهما المحبة والألم.

فأما المحبة فترمز اليها ولادة المسيح بادىء ذي بدء. تلك الولادة التي كانت خارقة للطبيعة بل فوق الطبيعة، وكأنها فضل رباني اراد الله العظيم ان يدلل بها على محبته للبشر، فهذه مريم ام المسيح تُدهش إذ تجد نفسها حُبلى وهي مخطوبة ليوسف ولما تجتمع به.

” قالت ربي أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر. قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول كن فيكون”. وهكذا اختار الله مريم أما للمسيح:” إذ قالت الملائكة يامريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ابن مريم.” “…وإذ قالت الملائكة يامريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين.”

وهذا يوسف زوجها البار يأخذه العجب، مما يرى ولم يشأ أن يشهرها فقصد بينه وبين نفسه أن يتخلى عنها سراً، حتى يظهر عليه ملاك الرب في حلم فيقول له: ” يايوسف لا تخف ان تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حبل به فيها من الروح القدس.”

وهكذا تتفق المسيحية والاسلام على طهارة مريم، وولادة المسيح الخارقة بل على ماهو أهم من ذلك أقصد كون المسيح كلمة من الله كما جاء في الآية الكريمة: تلك الكلمة ذاتها التي جاء وصفها في الانجيل:” في البدء كان الكلمة، والكلمة كانت عند الله.”

أصبح الميلاد رمزاً للطهارة والمحبة والفرح كما أصبحت المسيحية بناء قائماً على المحبة، هذه المحبة التي تتذرع بالخير وسلاحها الغفران والتسامح، تندفع عفوية في النفس لا اصطناع فيها ولا تكلف ولا رياء ولا نفاق، لأنها لا تبتغي جزاءً وشكوراً، فجزاؤها منها وفيها وقبلتها ان تحقق ذاتها لذاتها فهي الغاية وهي الواسطة وهي السبيل. ولو لم تكن كذلك لما أوصى المسيح بها كما جاء في قوله:” أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، واحسنوا الى مبغضيكم”. على انه بالرغم ما يبدو ومن صعوبة في تطبيق هذا المبدأ، فالمؤمن يعرف في قرارة نفسه أن جزاء المحبة والايمان بالحق لا بد أن يكلل بالظفر الأخير، وما أجمل قول شوقي بهذا المعنى مخاطباً اللنبي فاتح القدس في الحرب العالمية الأولى:

يا فاتح القدس خل السيف ناحية………. ليس الصليب حديداً كان بل خشباً

إذا  علمت  الى اين  انتهت  يده……….. وكيف جاوز  في  اعلامه  القطبا

أيقنت ان  وراء  الضعف مقدرة……….  وأن  للحق  لا  للقوة  الغلبة

ويمكن أن يوضع لهذه المحبة قانون نفسي يصفها ويحدد فعلها، فهي أثر روحي داخلي، وهي ضابط القانون الأخلاقي وأساسه، ورد فعل عفوي في النفس ينظم الحياة كلها في إطار شامل دقيق. وهنا أيضاً كثيراً ما تلتقي المسيحية والاسلام على صعيد واحد. فالامام علي بن ابي طالب حين يقول مثلاً:

” والله يارب ماعبدتك خوفاً من نارك أو طمعاً في جنتك، ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.”

انما يدلل بدوره على هذا النوع من الايمان الذي لا ينشأ في النفس خوفاً من النار او طمعاً في الجنة ولكنه يبتغي ذاته من أجل ذاته. انه أسمى انواع الايمان الذي يتعالى فوق كل حساب نفعي او مادي.

لكن هذه المحبة لابد أن تُمتحن، فطريق الحياة طريق شائكة عسيرة، تحيط بها المهاوي من كل حدب وصوب. ولكم تبدو أحياناً مقفرة موحشة رغم كثرة الناس فيها، هنا لا بد أن تصطدم المحبة بالشر، فإذا الشر يقهقه ساخراً غالباً. واذا المحة تنزوي مقهورة على امرها مغلوبة على خيرها، وهنا تعتصر  النفس ألماً، وتصبح الروح حزينة حتى الموت. هذه محنتها وامتحاناتها. فاما أن يلج بها ضميرها فتتردى وتعثر. واما ان تكافح الصعاب بتواضع ومحبة وصبر.

هنا يأخذ الم المسيح معناه وكأنما يقول على لسان باسكال- المتصوف الافرنسي- مخاطباً الانسان في ساعات ألمه الشديد:” تجَّمل بالصبروالعزاء فأنت ما كنت تبحث عني لو لم تجدني، وانا أنا في ساعة الحشرجة والنزاع، واحتضار الروح مني تذكرتك وذكرتك سلباً وذرفت من أجلك قطرات سخية حارة من الدمع.” مارأيت الدماء تسيل مني..؟

وكأن هذا اللحن الحزين الذي يعتصر نفس الصوفي الفرنسي يجد صورة له في متصوف عربي اذ يقول:” ماحبستكِ يا دمعتي الا لحين شدتي.” وكأنما الروح في تعاليها تلتقي ابداً ودوماً حيث كانت في جو موحد، غير ان المحبة والتسامح في المسيحية اذا لم يوضعا في اطارهما الصحيح كان من السهل ان يساء فهمها. فالتسامح يفترض في اساسه أن يتنبه المخطىء لخطأه لا ان يتمادى فيه. وهو لا يعني بأي شكل ان يسكت المرء عن الجريمة. وفي حياة المسيح والأناجيل ما يؤيد ذلك، فالذين يستشهدون بقول المسيح:” من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر فإنما يعيرون اهتماماً للقصة  التالية كما رواها اانجيل متى:” دخل المسيح القدس قبيل عيد الفصح، فهبت المدينة بكاملها للقائه، وتساءل الناس، ترى من يكون هذا الرجل وأخذ القوم يقولون لبعضهم البعض هذا هو المسيح نبي الله جاء من الناصرة والجليل، ودخل المسيح السيد فوجد اليهود يبيعون ويشترون فيه وقد نصب الصيارفة منهم الصواني لبيع المال وآخرون أقاموا ركائز لبيع السلع والحمام. فما كان منه الا ان انتزع الصوت، وانهال ضرباً على أولئك الذين حولوا المسجد الى خان للتجارة ورمى بصوانيهم وركائزهم الى الأرض، وطردهم خارج المعبد وهو يقول:” لقد جاء في الكتاب المقدس أن بيت الله يدعى بيتاً للصلاة وانتم جعلتم منه مغارة لصوص.”

ترى لودخل المسيح القدس اليوم ورأى مرة ثانية ان اليهود جعلوا مجدداً من مدينة الرب مغارة لصوص وأقاموا فيها بيوتاً للنجاسة واوكار اجرام وتقتيل ، وهدموا البيع والكنائس والمساجد والأديرة ووقفوا يرقصون على انقاضها. ترى لو دخل المسيح على مقربة من القدس الى دير ياسين وعرف بالفظائع التي تمت فيه على ايدي اليهود، وشاهد كيف انتُهكت الحرمات وقُتلت النساء وشُرِّدَ الأطفالُ وذُبحوا.

ولو رأى الآلاف المؤلفة من سكان البلاد المقدسة يتضورون الماً وجوعاً وتفتك بهم الأوباء والأمراض- لو شاهد المسيح كل ذلك لما كان يرفع صوته من جديد لينهال به على مرتكبي الجرائم ومدنسي الحرمات الذين تقوم حياتهم على القتل والتشنيع ونكران حقوق الانسان والادعاء بعكس ذلك؟ اما ان ينهال على المستهترين المجرمين ليطردهم من المدينة التي أراد الله أن يقدسها فدنسوها. غير أن هذه القضايا تثبت الى جانب ما أو ضحته حقيقة أعمق في المسيحية وهي تحديها لليهودية وحلولها محلها. وبالتالي نقضها لأية ادعاءات لا هوتية أو دينية ترتكز اليها الفلسفة الصهيونية. ويحسن بنا ان ننتبه الى ذلك في مثل هذه المناسبة وأن نشير اليه اليوم.

هذا الأمر الأساسي في العقيدة المسيحية لا يمكن ان يتضح تماماً الا اذا حددنا العلاقة الصحيحة بينها وبين اليهودية أو بين المسيح واسرائيل. ان اختيار الصهيونية لكلمة اسرائيل اسما لدولتها المزعومة انما يرمز الى عقيدة دينية تفترضها وترتكز اليها العقيدة الثانية، فنحن نشاهد اذن ادعاء بوجود اسرائيل جديدة قائمة على اساس اسرائيل التي تحدثت عنها التوراة. غير أن هذا اللاهوت المسيحي رغم تعدد فرقه يؤكد ان المسيح حل اسرائيل برسالته ونقض وجودها بمجيئه، والدليل على ذلك مابشر به في تحقيق القدس الجديدة. ولم يدع وراءه في تعاليمه ثمة ريب في أن القدس الجديدة هذه، قد عفت على اسرائيل القديمة ومسحتها، وحلت محلها، كما يثبت ذلك ما جاء في أعمال الرسل عن المسيح:” ان الله بعث من سلالة داوود منقذاً لاسرائيل فأتم بذلك وعده لهم” ويثبت ذلك ايضاً الفوارق الأساسية بين مفهوم اسرائيل القديمة للقدس وبين مفهوم المسيحية للقدس الجديدة فاليهودية حلمت بالقدس دائماً على انها عاصمة سياسية ومدينة جبروت وسلطان. والقدس الجديدة التي تعفي على القدس اليهودية هي الكنيسة التي وضع المسيح اسسها بحياته وموته والذي مازال حياً فيها، ولذلك فادعاء اليهود بوجود اسرائيل، بوجود اسرائيل جديدة أمر تعطله المسيحية وتنقضه نقضاً اصيلاً منذ ولادة المسيح التي نحتفل بها الليلة.

ونحن في الواقع نشاهد اليوم صراعاً بين هذين المفهومين: فالصهيونية جعلت من القدس مركزاً سياسياً، والمسيحية تنكر ذلك، ولكن هل يستطيع العالم الذي يؤيد الصهيونية اليوم أن ينسى الخلاص الذي تم في القدس الجديدة بولادة المسيح؟ هل يستطيع أن ينسى ميلاده وموته فيها؟ هل يستطيع ان ينسى المه ومحبته؟ هل يستطيع العرب والمسلمون الا أن يذكروا ان القدس هي اولى القبلتين وثالث الحرمين.

تلك أمور نذكرها في يوم ميلاد المسيح…

 فسلام عليه يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حياً”

( انتهى النص)

وأقول بدوري ختاماً

لايمكن لتلميذ ان يوفي معلمه حقه فكيف ان كان مثلي تلميذ صغيروان كنت احمل الدكتوراة في القانون الدولي العام/ اختصاص الأم المتحدة… وعندما تصديت لكتابة سيرته احترت كيف اترجمه… ويقينا لوكان في مكنتي مالياً لما قصرت في ترجمته كتابياً،  لتظل ذكراه العطرة موجودة في المكتبات، كأثرٍ باقٍ يخلده نضاله في سبيل الوطن… وكان البديل ان ادرجه في موقعي هنا كعلم ارثوذكسي انطاكي سوري قومي… ليقرأه الجميع وليدركوا عظمة هذا الانسان الدمشقي السوري المؤمن بوطنه وبعروبته وبايمانه بالله الواحد مسيحيا واسلامياً الانسان الفيلسوف لا بل الأستاذ في الفلسفة الاسلامية وهو المسيحي الأرثوذكسي المتدين جداً، والذي من المفارقات على قول ولده رامز “كان فيلسوفاً اسلامياً ومثقفاً علمانياً…”

وأرى أن من ابسط حقوق الشرفاء المناضلين في سبيل أوطانهم على قيادات الوطن ان تُخلد ذكراهم كعلمنا الدكتور جورج طعمة … وهو واجب على هذه القيادات…هل نكرم شاعراً جاهلياً او مناضلاً أجنبياً… ولا نكرم الدكتور جورج طعمة اسد الدبلوماسية السورية وواضع هذا النهج المتكرس اليوم عبر مندوبيها كافة… والمعهم الدكتور بشار الجعفري…

لقد كان اسد الدبلوماسية السورية فعلاً، والدبلوماسية العربية بدون منازع… كان كالأسد يزأر للانقضاض على عدو الأمة ليصيب منه مقتلاً وفعل كثيراً… لقد كان الدكتور جورج طعمة نسراً سورياً حلق في سماء كل المحافل العالمية وفرض سطوة النسر السوري…

الدكتور جورج في قناعتي، لم ينتم الى اي حزب بمنطلقاته النظرية وايديولوجياته بل انتمى الى الوطن والأمة والكنيسة والجامع… كان منتمياً للوطن السوري بأجلى صور الانتماء…

لقد كان نور الله بادياً على وجهه الجميل، وابتسامته الصافية دائمة الاشراق المرسومة على شفتيه والتي ان عبرت تعبر عن طيبته وشفافيته وهدوئه، وهو ماكان عليه حقاً. كان دمثاً اخلاقياً عالي المحبة للجميع…

لقد كان جندياً سورياً مقاتلاً ببسالة قل نظيرها، لا بل قائداً للصمود، وما الدبلوماسية وقيادتها، والجندية وقيادتها، الا وجهان لعملة واحدة في خدمة الوطن…خدمة سورية الحبيبة المقاومة على مد عمرها عبر أشرافها وابرارها كالدكتور جورج وامثاله ماقبله ومابعده…

الدكتور جورج طعمة يجب ان يُرفع اسمُه في كل ساحات الوطن، مع تعريف حقيقي عنه، من واجب الوطن وقيادته وحكومته ان تسمى الشوارع والمدارس وحتى قسم الفلسفة بجامعة دمشق باسمه… وعلى صروحنا الفلسفية الاسلامية الشقيقة ان تسجل باسمه صرحاً من صروحها…

ويقينا لو كتب اسمه بأحرف من ضياء لما أُوفاه بعضاً من حقه على سورية وكل مكوناتها…

والحال ذاته يتوجب على كل الحكومات العربية ان تفعل في تكريمه، وأولها السلطة الفلسطينية التي أذهب روحه في خدمة قضيتها قضية فلسطين، وأعادها الى المنابر بقتال ضار مع الصهيونية واميركا وانتصر في قتاله وايما انتصار… وكذلك الصين وجنوب افريقيا…

اما كرسينا الأنطاكي المقدس الذي كان في كيان وفكر الدكتور جورج الذي استمد بساطة المخلص في عيشه وحبه وعطائه فكان عوناً استشاريا تعليمياً وتربوياً لمثلث الرحمات البطريرك الكسندروس (طحان)، فكان عضواً منتخباً باجماع اصوات الدمشقيين والميادنة الأرثوذكس في المجلس الملي البطريركي، وعضواً في لجنة المدارس التي كانت تضم دوماً ارفع القامات الأرثوذكسية الدمشقية العلمية والتربوية واستمرت عضويته لهذه اللجنة لسنتين من 1950 الى 1952 والتي كانت برئاسة امين عام رئاسة مجلس الوزراء وقتها المستشار الشهير والقاضي حنا مالك وعضوية اساتذة مرموقين رفعوا من سوية التعليم في المدارس الأرثوذكسية الدمشقية، واستقال منها  عندما تكثف ارتباطه بالعمل الوظيفي والدبلوماسي، وكان عوناً وداعماً لرؤية غبطة ابينا المعلم الأنطاكي وبطريرك العرب اغناطيوس (هزيم) في تطوير البلمند صرحاً مدرسياً بكل المراحل،وجامعياً، وقدم لجامعة البلمند اوج عطائه الفكري عندما كان أول رئيس لها بدون انتفاخ او تعالٍ، وبمنتهى التواضع على غرار بساطة السيد له المجد ومحبته وهو من قال:” من عمل وعلم دعي عظيماً في ملكوت السماوات” واجب كنيستنا ان تكرمه كأبرز أعلامها الكبار…في الصرح الجامعي البلمندي…او غيره…

هذا هو السوري الحق الدكتور جورج طعمة الدمشقي ابن حي الميدان العريق، الفيلسوف العالمي واستاذ الفلسفة الاسلامية، وهو ابن انطاكية العظمى وكرسيها الأنطاكي المقدس، الدكتور جورج المتمسك بايمانه وبصرحه البلمندي وطلاب هذا الصرح تلاميذه… وتلاميذه الدبلوماسيين من كل العرب الذين تلمذهم على نهجه…

هو الانسان جورج طعمة الذي لم يرد واصر واوصى اولاده  ان يُدفن في وطنه الذي عشقه…

دمشق الغالية…

فليكن ذكره مؤبداً…