المسكية…

المسكية…

المسكية تقع في آخر سوق الحميدية، في حاضرة الجامع الأموي وتحصرها أروقة وأعمدة هيكل الاله رمون الآرامي و الذي صار لجوبيتير الاغريقي، هي الأعمدة الضخمة التي تعود الى 20 قرناً خلت قبل الميلاد.

المسكية منذ قرون عديدة كانت محلة للورق والوراقين، في حوانيت متراصة تحت الأروقة وبين الأعمدة، كان يتجر فيها تجار الورق والجلد والمجلدون والنساخون المهرة، وكان هذا السوق مزدهراً فهو يقع في محلة الجامع الأموي وفي آخر السوق الدمشقي التجاري الأساس، ولا تزال الآن وبعد توسيع الساحة امام الجامع الأموي وازالة هذه الحوانيت لاظهار جمالية الموقع وجماليته اواخر القرن العشرين، لاتزال تنتشر اكشاك وعربات لباعة الكتب والمطبوعات…

محلة المسكية في خمسينيات القرن 20
محلة المسكية في خمسينيات القرن 20

فالمسكية هي عبر التاريخ الدمشقي هي محلة الكتب والمكتبات، ولكن السؤال هو لم اقترنت بتسمية المسكية الدالة على المسك، وهي الرائحة الجميلة وهل ثمة أحلى من رائحة المسك والعنبر؟

رواية التسمية

سمعت هذه الرواية أدناه التي تتحدث عن أصل التسمية، بحثت ملياً في المصادر المتاحة عن صحتها للتأكيد او النفي… ولكن دون جدوى.

الرواية هي التالية

يقال انه في ما مضى من زمان، كان يعمل في تلك المحلة شاب جميل جداً، حباه الله الى جمال الخَلق، بجمال الخُلق، وحسن السيرة وطهارتها…

وانتشر صيت جماله في المجتمع النسائي الدمشقي المحافظ، قيل ان الكثير من فتيات ذلك الوقت كن يريدون مشاهدة وجهه، والبعض كن يتمنين الاقتران به.

كان هذا الشاب يعمل بائعاً متجولاً لما ماتحتاجه النساء من اقمشة ومواد تجميل يحملها في كشة، وكان ينطلق بها متجولاً في الأحياء والحارات في دمشق القديمة وقتها…

ذات مرة وصل الى حارة من الحارات، فصرخت عليه سيدة من شرفة منزلها في الطابق العلوي من وراء الخص (الشبك الخشبي) طلبت منه ان يريها ما يحمل من بضاعة لتشتري منه، ودعته ان يدخل الى دهليز البيت (كل البيوت الدمشقية، الفقيرة والغنية منها، كان يُدخل اليها عبر دهليز يفضي الى باحة البيت حيث الغرف…)، وطمأنته بأن في البيت اخوتها وعائلتها…

انتظر على باب البيت حتى فتحته له ودعته وهي من خلف الستار(ولإبعاد انظار المتطفلين كان يتم وضع ستارة بعد الباب في اول الدهليزتحجب الرؤية عن داخل البيت) للدخول، فدخل، واذ به امام فتاة في مقتبل العمر رائعة الجمال تقف امامه بثياب البيت المكشوفة، وهي مكشوفة الرأس والوجه، بلحظة ضعف بشري انخطف بصره اليها، فغضطرفه وطأطأ رأسه خجلاً، فطلبت منه ان يريها بضاعته، فقدم لها الكشة بكل مافيها لتنتقي ماتريد… تظاهرت بأنها تحاول الاختيار، ولكنها بعد هنيهة بسيطة أحسها دهراً بسبب اخلاقه الرفيعة ومراعاته حرمات البيوت، فاجأته بالقول انه يعجبها، ومفتتنة بجماله، على كثرة ماسمعت من النساء عن حسنه وجماله، وارادته ولو للحظات، وأعلمته انها كانت تترقب مجيئه يومياً لتستمتع بصوته، وباتت تحلم به في نومها وسهادها وهي بين يديه يطارحها الغرام والحب…وتقربت منه وامسكت بيده، وكررت انها تريده، والآن لاسيما وانها بمفردها في البيت واهلها غادروا للتو بزيارة، فسحب يده، وحاولت مراودته الا انه تمنع بكل شهامة وإباء.

احدى حارات دمشق القديمة
احدى حارات دمشق القديمة

أكثرت من محاولتها معه، ولكنه ازداد في التمنع، ولما حاول الهروب تاركاً كشته بين يديها، صرخت به محذرة إياه بأنها سترفع صوتها مستغيثة بالجيران وستقول لهم بأنه اقتحم البيت عليها وليس من أحد فيه، ولما قاومته حاول الهروب…

فأسقط في ديده وتوقف، وتابعت بالضغط عليه ليقبل، فكر بحيلة ينجو بها ويغادر البيت، فطلب منها ان تسمح له بالدخول الى الحمام ليغتسل وليكون نظيف الجسم معها، قبل ان يلبي رغبتها فطار صوابها من الفرح وقالت له:

” ادخل يانورعيوني وروح قلبي، هي الحمام قدامك ولح أعطيك مناشف الحمام”

اقتادته بيدها الى الحمام الواقع في عمق البيت

هو في الداخل صلى كثيراً وبكى ورجا الله ان يعينه كي لا يغضبه بهذه الخطيئة التي هي رجس من الشيطان، وفجأة لاحت له فكرة هي أن يلوث وجهه ويديه وثيابه بقاذورات بشرية، وقد اعتقد انها الوسيلة الوحيدة للنجاة.

قام على الفور ولوث وجهه ويديه وثيابه وحتى رأسه بالمخلفات البشرية، وصرخ عليها انه سيخرج، فأجابته بأنها تنتظره بشوق.

ولما خرج صعقها بمشهده فنفرت منه بشدة وصرخت :” اذهب عني يا مجنون…”

فخرج هارباً من البيت، وهو يعدو باتجاه بيته، لم تزعجه نظرات التقزز وصيحات الاستنكار وتلقيبه بالمجنون، التي قوبل بها من المارة، بل كان فرحاً وسعيداً بنجاته من هذه التجربة الشيطانية.

ولكن وبالرغم من هذا المظهر كانت تنبعث منه رائحة المسك، ما اوقع حيرة من الناس النافرين اذ كيف يستوي المشهد القذر والرائحة الطيبة؟ وذهب الى بيته ودخل واغتسل وغسل ثيابه وصلى الى الله شاكراً.

محلة المسكية بعد توسيع الساحة واخلاء الحوانيت منها اواخر القرن 20
محلة المسكية بعد توسيع الساحة واخلاء الحوانيت منها اواخر القرن 20

ومن وقتها لم يعد يخرج متجولاً ببضاعته، بل اكترى حانوتاً في المحلة الواقعة امام مدخل الجامع الأموي يبيعها فيه… الى حين وفاته.

وكانت تنبعث من دكانه دوماً رائحة المسك… فلقبه الناس ب “المسكي” واستمر انبعاث هذه الرائحة الطيبة بعد وفاته طويلاً من حانوته بعد وفاته.

فتسمت المحلة (ومن باب اطلاق الخاص على العام) التي كان يعمل في حانوته بها ب “المسكية”.

(المصدر روايات شفهية)