رحلة الى الجزائر لم تمحَّ من الذاكرة…


رحلة الى الجزائر لم تمحَّ من الذاكرة…

اثناء خدمتي الوظيفية في رئاسة مجلس الوزراء، وكنت معاوناً لمدير النظيم والادارة ومكلفاً بملف التنمية الادارية، أُوفدت مع زميلين لي للمشاركة في اجتماع دوري المنظمة العربية للتنمية الادارية حيث كان يُعقد دورياً مرة كل سنتين في عاصمة من العواصم العربية، وكان ذلك في تشرين الأول من عام 1996 في تونس العاصمة.

انطلقنا في الساعة العاشرة صباحاً من مطار دمشق الدولي على الطائرة السورية الضخمة الجامبو وكانت ملآى تماماً بالركاب، كانوا في معظمهم من الجزائر وهم من الذين نسميهم في شامنا “تجار شنطة” وقكل منهم كان يحمل حمولة كبيرة فلا ترى الا “كشات… كشات” (وفق كلامنا الشامي) وقد اشتروها من اسواق دمشق التقليدية الرخيصة، وهي متنوعة… بينما قلة قليلة من المسافرين كانت من تونس ومن سورية، وكان خط سير الرحلة الى تونس اولاً ثم الى الجزائر، لكن لما كان ركاب الطائرة في معظمهم من الجزائر وحمولتهم كبيرة، لذا قررت شركة الطيران تعديل مسار رحلتها بحيث تحط اولاً في مطار الجزائر العاصمة فتُنزل الركاب الكثر، ثم تتابع الى تونس. ومنها رأساً الى دمشق بطريق العودة.

مطار دمشق الدولي
مطار دمشق الدولي

بالاضافة الى وفدنا الحكومي، كان معنا وفد حكومي آخر من وزارة الداخلية موفداً للمشاركة في مؤتمر خاص بوزارات الداخلية العربية، وايضاً كان في تونس العاصمة ولمدة يومين كما هو اجتماعنا الذي يبدأ صباح اليوم التالي.

حوالي الساعة الثانية ظهراً أحس الطيار بخلل فني فبدأ بالهبوط بعيداً من مدرج مطار الجزائر، وكان هبوطنا اضطرارياً كما فهمنا لعطل فني وبمكنة الطيار السيطرة عليه، ولكنه لما كان قد شارف على الوصول قرر الهبوط ولو بعيداً نسبياً عن المدرج لضرورات السلامة والأمان مع هذا التجمع البشري الكبير…

وكان الطيارهو الكابتن الشهير ناصر هابوري المشهود له بالخبرة العالية والعمر الطويل في مهنته وعلى مافهمنا لاحقاً بأنها كانت الطلعة الأخيرة له قبل تقاعده… مع التأكيد الى ان كل طياري الخطوط الجوية السورية وباعتراف خبراء الطيران في كل العالم هم من أوائل الطيارين العالميين وامهرهم.

بدأنا بالهبوط التدريجي نحو مطار الجزائر الى ان حططنا على الارض، واذ بصوت ارتطام كبير، غير مألوف مع طيارينا المهرة، اعقبته رجة قوية في طائرتنا الضخمة المؤلفة من طابقين… وقع فيها المضيفون والمضيفات في ارض الطائرة لشدتها، ومع ذلك تابعت الطائرة درجها على الأرض، ولكنها ليست بخير اطلاقاً بسبب الصوت الكبير الصادر منها، وكنا نلاحظ القلق على وجوه افراد الركب الطائر منذ لحظة الهبوط وبالتالي وقوعهم …

وتوقفت الطائرة فجأة وقبل ان تصل الى المدرج بمسافة كبيرة.

نودي بمذياع الطائرة بالحمد لله على السلامة وان لاشيء يدعو للقلق وعلى الركاب ان يكونوا مطمئنين مع تحيات الكابتن ناصر ومساعديه والركب الطائر والحمد لله على السلامة، ونحن على ارض مطار الجزائر الدولي وبعد قليل سيتم النزول من الطائرة للركاب الجزائريين على ان يبقى الباقون المتابعون رحلتهم الى تونس.

انتظرنا حوالي الساعة، وفهمنا الواقع…

كان هذا التوقف الاجباري الناشىء اساساً من الهبوط الاضطراري هو نتيجة الخلل الفني، وقبل مسافات كبيرة من مدرج المطار، وكان بسبب كسر قاعدة الدولاب الأمامي للطائرة الذي كان قد شُعِرْ عندما لامس الأرض، ومع ذلك وبفضل مهارة الكابتن ناصر استطاع السيطرة على الطائرة وكبحَ جماح سرعتها القصوى والسير بها بهدوء الى ان اوقفها بسبب الكسر الكامل في الدولاب، ولوكان غير هذا الكابتن لأكيد (وفق التقرير الفني الذي قاله لي أحد الخبراء الذين اتوا بطيارة خاصة من دمشق لتصليح العطل) ان الطائرة كانت قد كبت على مقدمها بثقلها اكبير وبثقل حمولتها وهي تسير بسرعتها الكبيرة جداً ولكانت حصلت الكارثة بانفجارهاعلى الأرض.

حمدنا الله على نعمته، وكان همنا نحن ووفد الداخلية ان نصل اليوم الى تونس حيث ان المؤتمرَّينْ يبدأءا في التاسعة صباح اليوم التالي، لا سيما وقد حل المغيب ولازلنا في الطائرة المصابة…

طائرة سورية
طائرة سورية

وكانت قد احاطت بالطائرة على الارض قوات كبيرة من الجيش الجزائري مدججة بالسلاح وافرادها منقبون بأقنعة، وكانت الجزائر وقتها تعاني من ارهاب تكفيري خطير جداً ضربها لسنوات طويلة وقضى فيها حوالي 15000 ضحية، لذا كان افراد الجيش الجزائري في مهماتهم وحتى داخل المدن يتخفون بالأقنعة… وكانت الدبابات منتشرة في محيط المطار، وفي الشوارع كما رأينا لاحقاً…

أُخبرنا بمذياع الطائرة بأن ننزل جميعاً ومعنا اغراضنا المحمولة معنا في داخل الطائرة، نزلنا تدافعاً على درج الطائرة، وكم عانينا من دفع ونعر وجلف هؤلاء الذين كان كل واحد منهم يحمل كشه تحتاج الى ثلاثة لحملها، وركبنا في حافلات المطار الداخلية التي كانت بدون مقاعد، ولا مساند ولا شواطات للتمسك بالسقف، وكان خلفي مباشرة احدهم، وكان قد طلب مني ونحن في مطار دمشق ان احمل نصف اغراضه كي يستطيع المرورمن التفتيش بالأمن العام والجمارك السورية بدون ان يدفع رسوماً جمركية عنها على اساس اننا وفد حكومي سوري، واعتذرت منه، حيث لا اعرف ماذا يحمل؟؟؟ فتوعدني.. بنظرات غدر.!!!

وقد بقي في كل الرحلة يحاول استفزازي بنظراته الغادرة، وتوقعت وهو خلفي في الحافلة وفي صالة الترانزيت ان ينتقم مني، سيما ونحن صرنا في ارض بلده، وتلقيت منه عدة نعرات، فلاحظ ذلك زميلاي والتفا حولي، اذ كنت قد ابلغتهما ماجرى في مطار دمشق معه، واحساسي بما يكنه لي من غدر…

كان ربنا رحيم ان المذكور توجه في صالة الركاب الى شباك المواطنين الجزائريين العائدين، ونحن ومن بقي من الركاب المتابعين الى تونس بقينا متجمعين في الصالة تحيط بنا قوة كبيرة مدججة بالسلاح.

وفجأة اُمرنا بالعودة الى الحافلات الى الطائرة، احتجينا امام احد الموظفين بكوننا وفد رسمي سوري ومن رئاسة الوزراء، ويجب عليهم تأمين سفرنا بطائرة الى تونس وكذلك وفد الداخلية… الذي فوجئنا ببقائه في الصالة، وقال لنا رئيسه انهم سيغادرون خلال دقائق الى تونس في طائرة فيها فقط 3 مقاعد وهم 4.

لم يلتفت احد الى احتجاجنا وقالوا ان المسؤول هو مدير محطتنا في الجزائر،عدنا بالحافلة التي تتقاذفنا بين حائطيها لرعونة السائق ولعدم وجود مساند ومقاعد…

وصلنا الى حيث الطائرة التي بدت لنا وكأنها مخطوفة في صحراء شاسعة، وكنا محاطين بالحراسة المشددة، ولا نعلم هل هي من خوفهم علينا ونحن في قفر، ام خوفهم منا، حتى ان أكبرنا سناً وكان قد امضى ردحاً من حياته في الجزائر معلماً ويعرف التعامل معهم، ولمجرد انه ناقشهم وباللهجة الجزائرية هجم عليه احدهم ووضع البندقية في صدره.!!!

وقفت الحافلة بنا تحت الطائرة لمدة ساعة، وكان الظلام قد خيَّمَ تماماً، ونحن ننتظر الفرج.

مطار الجزائر الدولي
مطار الجزائر الدولي

ثم عادت بنا الحافلة مجدداً الى صالة المسافرين…وانتظرنا ساعة أخرى…وكان اليوم خميس وغداً يوم الجمعة ومدير المحطة السورية حكماً في العطلة الأسبوعية…، في حوالي الثامنة مساء جاء احدهم مهرولاً وعرفنا عن نفسه بأن السيد ؟؟؟ مدير المحطة السورية لشركة طيراننا في الجزائر، وبدأ يعتذر منا عما جرى وانه لم يتوفق بتدبير سفرنا الى تونس كما فعل مع وفد الداخلية، ورجانا ان نقدر وضعه، وان لا نتكلم عنه في رئاسة مجلس الوزراء فهكذا كانت امكانياته.

اسمعناه بعض الكلمات، وخاصة انه مضى علينا منذ الساعة 2 بعد الظهر ونحن في هذه الساعة ليلاً، فطمأننا اننا في باكر اليوم الثاني سنسافر الى تونس ونلتحق بالمؤتمر، ونحن الليلة بضيافة شركة الطيران السورية مع الاخوة التونسيين وعلى الرحب والسعة وأخذنا بمعسول الكلام ومحاولة التذلل لنا حتى خجلنا منه، وكنا السوريين الثلاثة فقط، وحوالي 35 تونسياً يقصدون بلدهم.

وصلنا الى فندق اوراسي الفخم الشهير، بدون حقائب، والفندق يقع في منطقة مرتفعة من الجزائر العاصمة وله اطلالة ساحرة على المدينة والبحر.

دُعينا حال وصولنا الى العشاء، وكانت الساعة الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل، وكان عشاء فخماً بالفعل، تناولناه على عجل من شدة التعب، وآوينا الى الغرف، ولكن بشكل مشترك!!! وقلنا لمدير المحطة:” الا يكفي ماعانيناه حتى ننام بثيابنا في غرف مشتركة مع الغير، نحن سنوصل هذا الأمر الى المسؤولين في دمشق”، فاعتذر بشدة انه لم يكن ليبخل لو توفرت الأماكن ولكن ليس من شواغر، وانه ضافنا في ارقى فندق، فأجبته:” بأنه ابسط واجباتك…” فاعترف وكرر الاعتذار لعدم وجود الشاغر.

المهم اننا نمنا بثيابنا، فحقائبنا في الطائرة، وبشكل مشترك، وفي الساعة السابعة صباحاً ابلغتنا ادارة الفندق هاتفياً بالتواجد في ردهة الفندق استعداداً للانطلاق فوراً الى المطار لمتابعة السفر.

نزلنا على عجل، وانتظرنا في الفندق، وحتى الساعة 12 ليلاً، بدون طعام، وبدون غرف…!!!

فندق اوراسي في الجزائر
فندق اوراسي في الجزائر

القنصل التونسي جاء الى الفندق متفقداً رعايا بلده، واحضرلهم طعاماً عبارة عن سندويش، وحاول ان يقدم لنا الطعام، لكننا اعتذرنا منه خجلاً وشكرناه…!

اما مدير محطتنا الشهم فقد اختفى بعدما التقينا به في الليلة الفائتة…وكان اليوم جمعة، وهو عطلة اسبوعية ولم يحضر حتى اصغر مسؤول في سفارتنا ليتفقدنا لنفس الحجة، العطلة الأسبوعية…

خلال يوم الانتظار الطويل هذا، كم أُعلمنا للخروج خارج الفندق لركوب الحافلة لتقلنا الى المطار، ومن ثم يظهرانه اعلام غير صحيح، فنعود ادراجنا نجر أذيال الخيبة الى ردهة الفندق، وكنا نتندر بالقول: الحمد لله انهم سمحوا لنا بالبقاء في الردهة”، وفي الواقع انهم انزلونا من الغرف باكراً كي لايجددوا حجز الغرف لهذا اليوم ربما كان الحجز فقط لسواد الليل بخلاً، حتى لم نتناول الفطور حسب اصول الاقامة في الفنادق…

تسويف ومماطله كان فقط لتمرير الوقت كي يُنهي طاقم الصيانة السوري الذي أتى في طائرة خاصة بالأمس من دمشق لاصلاح الطائرة، وقد انتهى بعد وصولنا الى المطار بعد منتصف الليل، وركبنا الطائرة وتحركت محركاتها وتلونا صلواتنا على نية السلامة، وكانت خيبتنا مضاعفة لمرور اليوم الأول من المؤتمر، فقررنا عدم النزول في تونس والالتحاق في اليوم الثاني، كي لانكون ودولتنا في حرج!!!

انتظرنا طويلاً في الطائرة، حتى الساعة 2,30 بعد منتصف الليل ولا نعلم السبب فقط خجلنا حين تعالت اصوات الركاب الجزائريين والتونسيين بالشتائم لشركة الطيران السورية “الفاشلة”، وبكل اسف كنا نسمع الشتائم ولا نجرؤ على الرد، لأن الحق كان معهم.

بعد ذلك تحركت الطائرة وانطلقنا نحو تونس العاصمة، وجلس معنا افراد طاقم الصيانة، فأخبرونا همساً ان سبب التأخير الطويل الحاصل هذه الليلة، كان لاصلاح عطب جديد مدمر.. وكان تفادياً لكارثة جديدة كدنا نقع فيها، وخلاصتها ان طاقم الصيانة كان يجري فحصاً تأكيدياً للطائرة كلها بعد اصلاح الدولاب الأمامي، وتفقد محركات الطائرة والكشف عن الخلل الفني الذي حصل اثناء الطيران وقبيل الهبوط، وقد فوجئوا بأن محيط باب البضائع في اسفل الطائرة مبعوج في محيطه نتيجة ان عمال النقل ادخلوا نعشاً لشاب سوري متوفي في الجزائر، فأتلفوا محيط الباب تماماً ومع ذلك اغلقوا الباب وبصعوبة كي لايظهر ضررهم، ولم يُعلموا الصيانة بذلك، ولم يكونوا يعلمون اية كارثة ستحل بالطائرة وركابها وهي في الجو… وهذا يعني ان الطائرة وهي في الجو سيختل توازنها بفعل الهواء الشديد في طبقات الجو العليا اثناء طيرانها، فتقع الكارثة بانفجار الطائرة في الجو…

حمدنا الله مجدداً، على نجاتنا، ووصلنا بعد اقل من ساعة الى مطار تونس العاصمة، ونزلنا عدواً على ارض المطار الى الترانزيت بسبب هطول المطر بغزارة، وختمنا جوازاتنا هناك وعدنا الى الطائرة وكانت الساعة قد قاربت الثالثة والربع فجراً، نحو مطار دمشق، فوصلناه الساعة الخامسة والنصف صباحاً، فختمنا جوازاتنا على عجل وخرجنا من المطار، واستقلينا باص المطار وكان ينطلق بسرعة بسبب خلو الطريق من المارة، وصلت الى بيتي حوالي السادسة والربع، وفوجئت زوجتي وطفليَّ تحضرهما امهما ليركبا باكراً كالعادة باص المدرسة بقرعي جرس البيت…

وهكذا انتهت هذه الرحلة الممتعة… واعدت فتح حقيبتي في بيتي بعدما رتبتها واغلقتها قبل يومين في بيتي!!!

رحلة لا تزال تفاصيلها ترتسم بكل دقة في تلافيف الذاكرة التي شاخت، ومع ذلك لم تُمحى…

الحمد لله على سلامة كل المسافرين براً وبحراً وجواً…

سمعنا لاحقاً بعد ابلاغنا المسؤولين، ان مدير المحطة انهي تكليفه عقاباً وأُعيد الى دمشق…