مطبعة رومانيا الأنطاكية الأرثوذكسية

توطئة

بمجرد انتشار الطباعة في اوروبة على أثر اختراع الطباع الألماني يوحنا غوتنبرغ السنة 1468مسيحية، المطبعة وقام بطباعة التوراة، حتى برزت الحاجة في كرسينا الأنطاكي المقدس الى طباعة الكتاب المقدس والكتب الطقسية باللغة العربية، حيث أن كل الكتب الطقسية كانت مخطوطة التي بقي منها لدينا آثار جميلة، وهي تشهد لتلك الحرفية العالية التي كان يتمتع بها النساخون، والمجلدون الفنانون، وهي آثار

مخطوطات تاريخية
مخطوطات تاريخية

خالدة…تحميها الدول والمنظمات الدولية، ولكن روح العصرنة دفعت لايجاد كتب عربية لخدمة الرعايا والكنائس والتي تتيح الوفرة مايغطي الاحتياجات المتنامية لها، لذا تأسست اولا المطابع العربية التي تهتم بنشر الكتاب الطقسي والليتورجي والكتاب المقدس…

وكانت اوروبة الشرقية الأرثوذكسية سباقة في هذا المجال لتنشر هذه الكتب…

ومن اقدم المطابع الأرثوذكسية غير العربية مطبعة موسكو في روسية التي طبعت بها الرسائل سنة 1564م وذلك بعدما طبع يوحنا غوتنبرغ توراته بمائة وتسع سنين، وفي سنة 1663م طبع الملك الكسيوس بن ميخائيل والد القيصر الروسي الشهير بطرس الأكبراول توراة كاملة في موسكو باللغة الروسية بعناية البطريرك الروسي نيكون، ولا بد من أن نذكر بفخر وشكر المطابع الرومانية وهي من مطابع اوربة الأرثوذكسية الشهيرة، وكانت تطبع باللغة الرومانية، وبعض اللغات الأخرى، وفيها انشئت أول مطبعة عربية في البطريركية الأنطاكية… كما سنرى في مقالنا هنا.

ولما كانت العلاقات البطريركية بين الكرسيين الأنطاكي المقدس والكرسي الروماني الأرثوذكسي تاريخية وثيقة، لذا لابد لنا من ان نضيء بعض الشيء على رومانيا الدولة والكنيسة وعلى تلك العلاقات، وزيارات البطاركة الأنطاكيين اليها.

رومانيا حالياً

عندما نقرأ اسم الفلاخ أو مولدافيا والبغدان(1) اينما ورد،علينا ان ندرك انه الاسم التاريخي للملكة الرومانية الشهيرة التي كانت تقع في الجنوب الشرقي من اوربة، على تخوم المجر او هنغاريا وبلغاريا والبحر الأسود، تبلغ مساحتها 295,641 هي جمهورية رومانيا في شرق اوربا  عاصمتها اليوم هي بوخارست تقع

وهي تعد من دول البلقان. وفي شمال البلقان

دير من اديار رومانيا
دير من اديار رومانيا

تأسست دولة رومانيا الحديثة بعد اتحاد الدولة الرومانية ومولدوفيا بقيادة اليكساندروا ايوان كوزا، وفي عام 1918 انضمت كل من ترانسلفانيا، بوكو فينا، وبساربيا اليها، وسميت آنذاك رومانيا الكبرى وكانت تبلغ 295,641كم2

رومانيا تعتبر جمهورية ذات نظام نصف رئاسي، وهي التاسعة كُبراً من حيث المساحة (238,391 كم مربع)، والسابعة من حيث عدد السكان (22 مليون نسمة)

بالنسبة لدول الاتحاد الأوربي.

بوخارست العاصمة وهي أكبر مدن رومانيا وتقع في جنوب البلاد، وتحتل المرتبة السادسة من حيث عدد السكان (1,9 مليون نسمة) بين مدن الاتحاد الأوربي، وفي عام 2007 كانت مدينة سيبيو الرومانية عاصمة الثقافة الأوربية.

عدد السكان 18,300 مليوناً وفق احصاء 2010 منهم 86,6% مسيحيون ارثوذكس ينتمون لبطريركية رومانيا الأرثوذكسية. و5,2% بروتستانت، و4,7% لاتين ينتمون للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، 0,9% الكنيسة الكاثوليكية الشرقية و0,3% مسلمين ومعظمهم اتراك.

خريطة رومانيا
خريطة رومانيا

قبسات تاريخية

رومانيا قديمة العهد استولت عليها رومه واستعمرتها واستثمرت غلالها، واخضعتها بالقوة وخاصة في عهد الأمبراطور الشهير تراجان، ثم استقلت، وصارت امارات، وفي سنة 1393 اخضع السلطان بيازيد الفلاخ واخضعها للجزية، وبعدما فتح السلطان العثماني محمد الفاتح القسطنطينية عام 1451 استولى عليها وضمها الى مملكته وذلك السنة 1416 ثم كثرت فيها الوقائع والحروب.

وفي منتصف القرن 17م طاف فيها البطريرك الأنطاكي الأشهر مكاريوس ابن الزعيم ومعه ولده رئيس الشمامسة (الأرشيدياكون) بولس، الذي افاض في وصفها بكتابه الموثِّق لرحلة والده هذه، فوصفها وذكر كنائسها، واديارها وسكانها ومما ذكره انه قرأ الانجيل بالرومية ، فتعجب السكان منه وقد شهد مع والده البطريرك موت اميرها متى ويسميه في المذكرات (بيك الفلاخ) في السنة 1655 “يوم احد النسوة” بعد ان تولى الحكم 23 سنة، وانتخب خلفه قسطنطين افنديكوبولو( اي من نسل الأفندية البكوات)(2) وهو ابن شرابان الذي كان سابقاً امير الفلاخ، وكانت بوخارست عاصمة البغدان الصيفية وطرغشتا عاصمتها الشتائية، ووصف حرب باسيلي ملكها وذكر انه خرج مع والده من البغدان الى الفلاخ يوم الاثنين في 23 تشرين الثاني 1654م، وقال ان اسقف الفلاخ تحت يده اسقفان اسقف بونزا واسقف رمنيكو الكبرى وفيها اربعمائة حجر عظيمة وان في بلاد البغدان اسقفاً تحت يده ثلاثة اساقفة اسقف رومانوس واسقف بلاد الهوش واسقف اورهاني وبلادها وتحت يده اسقفان آخران في بلاد الأنكروس ( المجر)(3) وتحت يدهما ثمانية كهنة وفيها دير لطور سيناء ودير غلطة لأورشليم، ودير مارسابا لأورشليم(4)

كنيسة ارثوذكسية في رومانيا
كنيسة ارثوذكسية في رومانيا

ولوالده البطريرك مكاريوس “مختصر تواريخ الفلاخ وامرائها من سنة 1292مسيحية” الى عهده، وسنة 1848 حدثت ثورة عظيمة بين الرومانيين والمجريين ثم ضُمت الولايتان الى امارة واحدةعلى اثر انتهاء حرب القرم، فساعدتها الدول على ذلك وصارت حكومة شبه مستقلة تسمى حكومة الامارات المتحدة يدير شؤونها امير واحد ومجلس نواب تحت حماية جميع الدول وتأيد بوفاق وقعه الجميع في 19 آب سنة 1858، وفي السنة التالية عَّرَّفت الحكومة العثمانية اميرها اسكندر يوحنا الأول من اسرة كوزا الذي أُكره على الاستقالة سنة 1866 وخلفه البرنس شارل ثم خلفائه الى عهدنا، وسنة 1861 اعلن اتحادهما بإسم رومانيا تحت رعاية الدولة العثمانية واستقلت سنة 1876.

الكنيسة الرومانية

وكانت كنيسة رومانيا من اللكنائس الأرثوذكسية المستقلة في ادارتها الداخلية بواسطة مجمعها المقدس المؤسس السنة 1873مسيحية بعد انفصالها عن بطريركية القسطنطينية، ويلتئم هذا المجمع مرتين في العام في ايار وتشرين الثاني في العاصمة بوخارست يرأسه كان رئيس اساقفة في حين انها صارت بطريركية يرأسها بطريرك، وكان فيها في مطلع القرن العشرين ثمان كراس اسقفية ونحو عشرةآلاف كاهن، وكان للكاثوليك وقتئذ اسقفان في بوخارست وياسي باسم الروم الكاثوليك (لايتصلون بالروم الكاثوليك في مشرقنا) ويرتبطون بابا روميه مباشرة والفاتيكان من اطلق عليهم اسم الروم الكاثوليك مع كل المكثلكين من كنائس روسيا واوربا الشرقية، وفيها اليهود وكانوا من الأغنياء المتمولين آنئذ وهم كثيرو العدد، وكان للكنيسة الرومانية وقتئذ مطبعة كنسية كبرى في بوخارست، ومكتبة عامة ومطابع صغيرة منتشرة في بعض المدن والأديرة، ومدارس وجرائد ومجلات اشهرها “مجلة الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية” وقد أنشئت في تشرين الأول سنة 1879 وغيرها.

وكان فيها اديار وأمطوشات ومؤسسات للبطريركيات الأرثوذكسية الأربع، وكان لأنطاكية اديار وافرة العدد والريع، استولت عليها الحكومة الرومانية مطلع القرن 20 وكان يديرها رهبان يونانيون، فطردت اولاً وكيل اوقاف القدس سنة 1864 ثم باقي باقي وكلاء الكراسي الثلاثة وآخر رئيس لأديار واوقاف البطريركية الأنطاكية كان الارشمندريت ايروثيوس ابن اخت بطريرك انطاكية ايروثيوس الذياذوخولس

البطريرك مكاريوس بن الزعيم
البطريرك مكاريوس بن الزعيم

(1850-1885) فطردته الحكومة الرومانية كما غيره، وبعد ذلك صار رئيساً لدير سيدة البلمند الى ان توفي السنة 1866مسيحية فانقطع دخل انطاكية من اوقافها في رومانية وغيرها منذ ذاك العهد.

وبقيت تلك البلاد مدة طويلة ملجأ لأبناء الكراسي الأرثوذكسية، وملاذاً لبطاركتها واساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها يستدرون من سكانها الحسنات. وكان شعبها التقي سخياً للكنيسة الأرثوذكسية في انطاكية.

رومانيا وبطاركة انطاكية

كان رهبان فلسطين هم أول من ذهبوا الى اوروبا لجمع الاحسانات، تسهيلاً لحجاج اورشليم والأماكن المقدسة فشيدت لهم مستشفيات وأديار وخانات على طول الطريق لإيوائهم.

وكان الحجاج بزمن الخلفاء العباسيين يعاملون بالرفق واللطف فيزورون الأماكن المقدسة والأديار والمزارات في كل مكان بفلسطين و سورية و كان الأهم بالتأكيد في حجهم الى سورية دير سيدة صيدنايا، وكانوا دوما يحملون في حجهم سعف النخيل من جهة اريحا كعلامة فارقة للرومانيين، فسموا ب “النخيليين” واستمروا زمناً طويلاً يتمتعون بالحرية والسلام في هذه الزيارات الى ان استولى الأتراك السلاجقة في العصر العباسي في السنة 1076مسيحية على الحكم في زمن ضعف خلفاء بني العباس الذين احضروهم كميليشيات مقاتلة لتحميهم،فاستأثروا بالسطة وصار الخلفاء مجرد مطايا بيد هؤلاء المتعصبين المرتزقة، وهؤلاء كان معروفاً عنهم التعصب الديني المقيت (كما كل الأتراك وتاريخهم الدموي بحق كل الشعوب يشهد) فكثرت في زمنهم التعديات على هؤلاء الحجاج الوافدين من شرق اوربا ومن غربها ايضاً فاضطرب حبل الأمن، وكانت هذه التعديات سبباً من اسباب قيام حملات الفرنجة في القرنين(12و13المسيحيين)

البطريرك الأنطاكي يوحنا العاشر في زيارة سلامية لبطريركية رومانيا الأرثوذكسية وهو تقليد عريق بين انطاكية ورومانيا
البطريرك الأنطاكي يوحنا العاشر في زيارة سلامية لبطريركية رومانيا الأرثوذكسية وهو تقليد عريق بين انطاكية ورومانيا

وكان ان اشتهرت روسيا الكييفية وبعدها الموسكوفية ( اي بانتقال العاصمة من كييف الى موسكو) بملوكها المسيحيين وشعبها العميق ايمانه الأرثوذكسي، صار الرهبان يقصدونها كما يقصدون بلاد الكرج واوربة الشرقية لجمع الاحسان التي كانت تثقل كاهل الكرسيين الأنطاكي والأورشليمي، وربما كان البطريرك يواكيم ضو من من صافيتا هو اول بطريرك انطاكي رحل رحلة خاصة في طريقه الى روسيا وقد مر بالفلاخ والبغدان (رومانيا) وذلك في السنة 1584 مسيحية وكان قد رافقه في سفرته هذه المطران عيسى تلميذه وقيل عنه انه عيسى الهزار السرياني الأصل معتنق الأرثوذكسيية، وصار مطرانا وله ازجال كثيرة، وكتب قصائد زجلية واصفاً بها رحلة معلمه، ثم جرت العادة لبعض البطاركة الأنطاكيين ان يسيروا على خطته بالسفر الى رومانيا وروسيا او بارسال أحد من قبلهم، ولعل اشهرهم كان البطريرك مكاريوس ابن الزعيم واصله من كفربهم في حماه وكان بمعيته ولده الأرشيدياكون بولس ابن الزعيم كاتب رحلته بالعربية، ولم يسبقه احد من قبل الا المطران عيسى في وصفها بقصيدة نظمها في زيارته لتلك الديار، قبل اكثر من نصف قرن وكان الارشيدياكون بولس ابن الزعيم يرددها غيباً وهي:

” نبدأ باسم اله واحد بالذات………. رب تعالى بملكه رافع السماوات”

ومنها ابيات شعرية زجلية في وصف كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل في روسيا يقول فيها:

” يابيعة الروس ما مثلها بيعات……..فيها قبور ملوك الروس بأجمعهم

من حين صاروا مسيحيين…………..وابتنوا لهم فيها بيعات”

وكان قد قصد رومانية حين زيارة البطريرك ابن الزعيم قبيل منتصف القرن 17 موفداً من الرهبنة الأرثوذكسية في دير البلمند رئيسه الخوري سابا بن الأعرج من قرية عفصديق في الكورة بشمال لبنان، وقد اجتمع بالبطريرك ابن الزعيم ورافقه في بعض رحلته.

دير روماني ارثوذكس
دير روماني ارثوذكس

وكان البطريرك الأنطاكي افتيموس الصاقزي الذي خلف البطريرك افتيموس كرمة الحموي العالم الشهير ( 1630 مسيحية) قد ارسل من قِبَلِهِ الى رومانيا مطران عكار ارميا لجمع التبرعات والاحسانات للكرسي الأنطاكي، ولكنه توفي هناك في (اوكرايينا اليوم) في مدينة بوتيفل، ودُفن في دير عيد الغطاس. وقد زار قبره البطريرك ابن الزعيم في رحلته الأولى التي كتب عنها ابنه الارشيدياكون بولس.

وهكذا كانت الفلاخ والبغدان (رومانيا) كما روسيا مقصداً للبطاركة والاكليروس الأنطاكي الأرثوذكسي وكذلك الأورشليمي يستدرون احسان ملوك وامراء والشعبين في رومانيا وروسيا الغيورين على الأرثوذكسية.

مطبعة بوخارست وياسي

مخطوط تاريخي
مخطوط تاريخي

زار البطريرك الأنطاكي اثناسيوس بن الدباس الدمشقي رومانية السنة 1700 مسيحية بعد ان سافر الى القسطنطينية عارضاً على القسطنطيني خلافه مع البطريرك كيرلس بن الارشيدياكون بولس، وهوحفيد البطريرك مكاريوس ابن الزعيم، وبعد استتباب الصلح بينهما استقر اثناسيوس في حلب في عام 1694، وفي عام 1700 استقر فترة طويلة في بوخارست، وصارت كلمته نافذة عند اميرها قسطنطين الحسن العبادة الأرثوذكسي الشهير والغيور قسطنطين برينكوفانوفعرض اثناسيوس عليه حالة الكتب الطقسية النادرة في الكرسي الأنطاكي وجميعها مخطوطة والكثير منها صار تالفاً نتيجة عدم الاستبدال لغياب الخطاطين والعارفبن بالتجليد، وفيها اخطاء متنوعة نتيجة نقلها من قبل النساخ…

بوخارست التاريخية
بوخارست التاريخية

فهال الأمير قسطنطين هذا الواقع المزري، وتأثيره السلبي على عدم امكنية تحصين ابناء انطاكية في وجه التبشير المنظم والمدروس والممول جيداً، فتحركت حميته الأرثوذكسية نحو الكرسي الأنطاكي، وقررتخصيص البطريركية الأنطاكية بمطبعة عربية اقامها في مدينة بوخارست لتطبع ماتحتاجه انطاكية من الكتب الطقسية والدينية العربية واليونانية.

فشكره البطريرك ابن الدباس وبقي في بوخارست ليتابع الطباعة…

الطباعة في بوخارسست

وهكذا كان الشروع في هذا العمل المبرور، فأخذ البطريرك اثناسيوس يستقدم المخطوطات من كنائس الكرسي الأنطاكي ويراجعها قدر الامكان في بلاد غريبة لا تتوفر فيها اية معاجم او كتب نحو وصرف واعراب… بل ليس ثمة نسخا من الكتاب الواحد لمقابلتها ومعارضتها، واعدادها للطبع، ومع ذلك بذل كل الجهود لتوفير الكتب المطبوعة وطبع بالتحديد ماكان سلفه البطريرك العالم افتيموس كرمة 1634-1635 مسيحية قد عرب عن اليونانية ومنذ اسقفيته على حلب، قبل بطريركيته قد عرب كتبا كنسية وطقسية سد بها حاجة الكنيسة الأنطاكية خاصة والأرثوذكسية العربية عامة ، فاعتنى البطريرك ابن الدباس بطبعها في مطبعة بوخارست.

يوحنا غوتنبرغ الألماني مخترع الطباعة
يوحنا غوتنبرغ الألماني مخترع الطباعة

واوعز الأمير قسطنطين الى الأب الحاذق بالطباعة انثيموس الكرجي (جورجيا) رئيس دير سيناغو في بوخارست، ان يعد مطبعة عربية للبطريرك اثناسيوس الدباس، فلبى الأب المذكور الطلب بحماسة منقطعة النظير، كان معروفاً بغيرته الأرثوذكسية وعالماً بالغات العربية والسلافية والعثمانية، وضليعاً جداً باللغتين الرومانية والكرجية لغته الأم، فشرع يحفر الحروف العربية في الدير ليلاً ونهاراً وكان يساعده في ذلك البطريرك اثناسيوس الدباس، لعدم معرفة الصناع ومنضدي الحروف لغتنا العربية، وقد طبع فيها الأب انثيموس بمعونة البطريرك اثناسيوس الدباس العديد من الكتب (ترى بعضها في آخربحثنا)، وجهز مطبعة حلب، وحفر حروفها وجهز معداتها التي اصطحبها معه البطريرك ابن الدباس الى حلب التي كانت مقراً لكرسيه البطريركي كما قضت التسوية بينه والبطريرك كيرلس ابن الزعيم، حتى اعتلائه السدة البطريركية في دمشق فنقلها الى دير البلمند البطريركي ليعمل عليها الرهبان الحلبيون الذين انتقلوا الى البلمند، و ربما كانوا هم الذين كانوا معه يعملون عليها في حلب، وكان امهرهم في الطباعة الشماس عبد الله زاخر المعتنق للكثلكة في البلمند مع هذه المجموعة الحلبية من رهبان البلمند (بتشويق من الراهب اليسوعي فيرسو الذي استطاع اولا استمالة راهبين حلبيين دخل معهما الى البلمند” وصار يزورهما باستمرار في قلاياتهم في الشقة الحلبية في دير البلمند، ويرشدهما الى مافي هذا الدير من خطر، ثم تحقق انهما راسخان في الكثلكة، فاتخذهما وسيلة للدعاية الرومانية بين الرهبان، فأكثر من زياراته للدير وتعرف بسائر الرهبان وصار يدخل ويشترك في اجتماعاتهم الديرية ويتلو عليهم أخباره…” ثم في السنة 1704 تقدم خمسة رهبان حلبيين من رهبان البلمند بطلب وجهوه الى مجمع انتشار الايمان(5)…)

وقد نقلوها معهم الى دير ماريوحنا الشوير كما يفيد التقليد البلمندي، بينما يجزم التقليد الشويري انها نشأت بيد الشماس زاخر…

مخطوط تاريخي بغلاف جلدي يسمى حافظة
مخطوط تاريخي بغلاف جلدي يسمى حافظة

رأي في مطبعة دير مار يوحنا الشوير

الموضوع محل نظر…!

فلقد كانت هذه المطبعة وقتها وهي الوحيدة في حلب، وفي كل الديار الشامية بما فيها فلسطين. ولم ينقل تاريخ الطباعة في سورية أي خبر عن وجود مطبعة عربية غيرها، وكانت هي ذاتها المطبعة الرومانية التي احضرها اثناسيوس معه من رومانيا الى حلب، وطبع عليها هناك في بوخارست اولاً وفي حلب تالياً، ونقلها لاحقاً الى البلمند حين انتقاله للبطريركية بدمشق سيما والبلمند دير ومدرسة لاهوتية بطريركية، في حلب عمل عليها تلامذته الرهبان الحلبيون البطريركيون الذين ربما تتلمذ بعضهم لاحقاً (حين انتقل هو الى دمشق) في البلمند وعملوا عليها…

اينها اذن مطبعة البلمند؟

ومن اين حصل عبد الله زاخر على مطبعة اخرى؟

آلة طباعة تعود الى القرن 16
آلة طباعة تعود الى القرن 16

وهو الذي كان يعمل عليها في البلمند وانتقل الى دير الشير مع الرهبان الحلبيين؟؟؟

من اين حصل على مطبعة اخرى؟ ودير الشير كان وقتها مجرد دير رهباني بسيط، يقولون انهم ابتنوه بديلاً للبلمند الأرثوذكسي الذي هجروه ليتفرغوا فيه لايمانهم الكاثوليكي كما اوعز لهم معلمهم الراهب اليسوعي فيرسووالأب نصر الله الحلبي الذي نصح شابين حلبيين راغبين في التبتل والزهد ” ان يذهبوا الى جبل لبنان ويفتشوا على مطرح خالي. وبعده نحن نجي الى عندكم ونعمل رهبنة قانونية. لأن في هذا الدير (يقصد البلمند)الانسان مايحسن يعيش في حرية الايمان لأن فيه اناس معاندين وعشرتنا معهم لا تصلح، فسمعوا من شوره وراحو حوشوا دير الذي يقال له مار يوحنا الشوير وارسلوا اخبروهم عنه.”     (على رواية الأب قسطنطين باشا المخلصي) (6)

الرهبان الذين انتقلوا الى دير الشيرلم يكن عندهم الا أمتعة الرهبان ومسوحهم الرهبانية عند انتقالهم اليه… “وكان الدير اصلاً” حقيراً في بدء عهده لايشمل سوى كنيسة صغيرةعلى اسم يوحنا الصابغ وغرفة حقيرة آوى اليها زاهد من ابناء اسرة صوايا الشويرية…”(7) التي ناصرت البطريرك اثناسيوس في صراعها مع اسرة مجاعص الشويرية التي ناصرت البطريرك كيرلس بن الزعيم حيث امتنعت اسرة صوايا عن الصلاة في كنيسة السيدة، وهي كنيسة القرية، واخذوا يصلون في كنيسة مار يوحنا المشار اليها. وهذا يعني ان دير ماريوحنا لم يبنه حتى الرهبان الموالون لرومة وانما انتموا فيه للراهب الشويري الأرثوذكسي اصلاً الذي من اسرة صوايا…

في تلك الآونة اختفت مطبعة البلمند من دير البلمند والى الأبد، لتنبعث مطبعة في دير الشير المذكورعمل عليها بعض رهبان اثناسيوس البطريرك ( الذي اعتلى السدة الأنطاكية ومات ارثوذكسياً) ومناصروه (الذين اعتنقوا الكثلكة) برئاسة الشماس الزاخر” اي الذي طور الطباعة بها “ومطوراً فيها”…!!! ( كما تحدث تاريخ الطباعة العربية!!!)

فأين اختفت مطبعة البلمند؟ ومن اين اتت مطبعة دير ماريوحنا الشوير؟ سؤال فسره التقليد البلمندي…

هي المطبعة ذاتها.

الكتب العربية التي طبعها الأب انثيموس الكرجي والبطريرك اثناسيوس الدباس في مطبعة بوخارست.

لة طباعة عربية
آلة طباعة عربية

كتاب القنداق اي خدمة القداس الالهي وبعض الصلوات وحروفه عليها مسحة من الجمال، وفي كل صفحة عمودان الأول باليونانية والثاني بالعربية طبع عام 1701م. وفي اوله رسالة شكر من البطريرك اثناسيوس للأمير قسطنطين عنايته بطبعه، ومما جاء فيها” ان العادة ان أفاشين القداس يقرأها الكهنة سراً بالعربية والاعلانات والكرازات تقال في الأكثر باليونانية ومع ذلك فقد أمر بطبع القنداق مترجماً كله بالعربية ويقابله اليوناني صفحة فصفحة، وأمر بتوزيعه لكهنة ابناء العرب مجاناً”.

وبعد هذه الرسالة منشور بطريركي يحث فيه البطريرك اثناسيوس المسيحيين على اتمام فروضهم، ويذكر سفره الى القسطنطينية فرومانيا ومفاوضته اميرها بشأنها، وعمل الأب انثيموس الكرجي الحروف العربية ومواظبة البطريرك على مراقبتهم عند الطبع لجهلهم العربية وختمه بوجوب ذكر الأمير في صلواتهم هم والكهنة.

هذا الكاب كان الأول الذي تم طبعه في بوخارست، ومنه بعض النسخ في اكثر المكتبات ومنه نسخة في المكتبة البطريركية بدمشق في نحو 550 صفحة، ومثلها في كنيسة سيدة الزلزلة الأرثوذكسية في زحلة، وفي اديار كاثوليكية على شهادة معلمنا العلامة المعلوف اضافة الى مكتبة الأكاديمية اللاهوتية في كييف اوكرانيا، وكذلك اكاديمية بوخارست التابعة للصرح البطريركي في رومانيا، وفي فيينا وغيرها…

جلس البطريرك اثناسيوس على السدة البطريركية بدمشق اربع سنوات فقط من 1720 خلفاً لمنافسه البطريركي كيرلس ابن الزعيم واستمر الى 1724 فخلفه على السدة البطريركية البطريرك سلبسترس اليوناني القبرصي وكان سبب جلوس بطريرك يوناني، لأن الدمشقيين المكثلكين حاولواالاستيلاء على الكاتدرائية المريمية، وتنصيب كيرلس طاناس عليه وهو خال الأسقف افتيموس الصيفي مطران صيدا وهو اول اسقف كاثوليكي في كرسينا الأنطاكي، عندها استنجد شيوخ الشعب الأرثوذكسي الدمشقي بالبطريرك المسكوني ليرسل من عنده بطريركاً يضبط الأمور في الكرسي الأنطاكي، بصفة القسطنطيني “بطريرك ملة باشي” اي زعيم الملة المسيحية عموماً والأرثوذكسية خصوصاً منذ السلطان محمد الفاتح وله صلاحيات عند السلطنة العثمانية.

البطريرك سلبستروس القبرصي

ارتقى السدة الأنطاكية في 27 ايلول سنة 1724 خلفاً لمعلمه اثناسيوس الدباس الذي كان معه في القسطنطينية، واستأذنه في الالتحاق برهبنة جبل آثوس، وبقي فيها الى النتخابه بطريركاً انطاكياً، وبقي بطريركاً 42 سنة وتوفي في نهار الأحد الثاني من الصوم الكبيرفي 13 آذار 1766، وقد جاء رومانيا سنة 1745 وبقي فيها نحو عشر سنوات شيد فيها دير القديس اسبريدون ووقفه للكرسي الأنطاكي، وأعاد بعث مطبعة عربية في بوخارست تابعة للمطبعة التي احدثها معلمه وسلفه اثناسيوس الدباس في بوخارست وذلك في مدينة ياسي (وهي حاضرة البغدان وقد وصفها الشماس بولس ابن الزعيم) فطبع سلبسترس فيها الكتب الآتية:

تطور الطباعة
تطور الطباعة

1- القنداق وفيه مقدمة ان البطريرك سلبسترس القبرصي اصلح لقة الكتاب العربية والأغلاط السابقة في نسخة سلفه اثناسيوس، وذلك بنفقة الأمير يواني بك بن المرحوم نقولا بك والي البغدان، طبع بمدينة ياشي مقر حكومة البغدان في دير القديس سابا في 19 تموز سنة 1745مسيحية وهو بالحبرين الأسود والأحمر وصفحاته بلا ارقام وحروفه هي نفس حروف المطبعة الأولى الموصوفة آنفاً، ومنه نسخة في دير القديسة تقلا البطريركي في معلولا كتب عليها انها وقفت ايام رئاسة المطران غريغوريوس قوبا مطران حوران سنة 1762 مسيحية في ايام سلبسترس البطريرك الأنطاكي، ونسخة ثانية فيه ايضاً بخط الكاهن يوانيكيوس الدمشقي ابن الخوري نعمة الله سنة 1783 وفيها مقدمة للبطريرك سلبسترس تدل على اصلاحه اخطاءها واعادة ترجمتها سنة 1744 وهي النسخة التي أعدت للطبع ( رواية المعلوف ” فأخذت نسخة عنها”) ولا نعلم ان كانت لاتزال النسختان في الديروخاصة بعد تدميره وحرقه بيد المنظمات التكفيرية عام 2013 .

2- المزامير طبعت في بوخارست (بكرش) سنة 1747مسيحية وفيها مقدمة تدل على انه قد طبع بها كتب كثيرة. ومنها نسخة في دير النبي الياس شويا البطريركي في ضهور الشوير بجبل لبنان.

3– مجموعة كتابات المجمعين المنعقدين في القسطنطينية بشأن الكثلكة في سورية احدهما في اواخر سنة 1723مسيحية برئاسة البطيرك ارميا والثاني سنة 1727 مسيحية برئاسة البطريرك بائيسيوس. وطبع مع هذه المجموعة خمس مقالات عربية تتضمن الرد على القضايا الخمس المستحدثة عند اللاتين وطبع دستوراً في حدود اوامر كنيسة الله الرسولية الشرقية سنة 1747مسيحية وكلها بمجلدواحد.

4- العشاء الرباني تأليف اسطراتيوس (افستراتي) ارجنتي الطبيب من جزيرة صاقز(خيو) عربه البطريرك سلبسترس عن اليونانية، ووقف على طبعه في ياشي بعناية يواني بك الموما اليه امير رومانية زمن رئاسة كهنوت المطران نيكوفوروس بلوبو، وذلك بيد الشماس جرجس الحلبي ومخائيل الراهب من الكورة من اتباع البطريرك، وفيه منشور عن دخول البطريرك سلبسترس الى تلك البلاد سنة 1745مسيحية وطبعه الكتب الكنسية ومعاكسة اللاتين اياه وانه بالجهد تمكن من طبع كتاب نكتاريوس.

ورشة طابع صفائح نحاسية من القرن السابع عشر. يدخل أحدهم الحبر في الصفيحة المنقوشة. إلى اليسار رجل ينظف الحبر من السطح و يلمعه براحة يده بينما يقوم طابع على يمينه بتدوير الممحاة الفولاذية التي تدفع بالورق المرطب داخل التصميم المحبر.

ورشة طابع صفائح نحاسية من القرن السابع عشر. يدخل أحدهم الحبر في الصفيحة المنقوشة. إلى اليسار رجل ينظف الحبر من السطح و يلمعه براحة يده بينما يقوم طابع على يمينه بتدوير الممحاة الفولاذية التي تدفع بالورق المرطب داخل التصميم المحبر.

ويقول المعلوف:” وهذا الكتاب يقع في بعض مجلدات رأيت منها الجزء الثالث في مكتبة المريمية بدمشق انجز طبعه في 25 شباط سنة 1747 وموضوعه الرد على اللاتين ومنه نسخ في بعض المكتبات.” ولكننا لا نعلم ان كان المعلوف رحمه يقصد بمكتبة المريمية اي الكنيسة او يرمز الى مكتبة الصرح البطريركي، حيث يخلط كثيرون بين البطريركية والمريمية، وان كنا نجل المعلوف عن هذا الغلط وهو العالم والمؤرخ والثبت اليقين والذي عمل على المكتبة البطريركية 1911، ولكن مايستوقف في ذلك انه ليس كتاباً طقسياً ليكون في المريمية.

5- ” قضاء الحق ونقل الصدق” تأليف نكتاريوس بطريرك اورشليم في الرد على اللاتين، طبع في ياشي سنة 1746مسيحية بيد الشماس جرجي الحلبي وميخائيل الراهب المذكورين آنفاً ومنه نسخة في المكتبة البطريركية في دمشق الشام.

ويقول العلامة عيس اسكندر المعلوف:” هذا ماوقفت عليه من مطبوعات هاتين المطبعتين في عهدي البطريركين الطيبي الذكر اثنايوس الدباس وسلبسترس القبرصي، وقد خدما الطائفة بنشر الكتب الدينية وكانت مطبوعاتهما متقنة وحروفهما جلية واضحة وخلفتهما مطبعة حلب التي هي اول مطبعة عربية في سورية…”

حواشي البحث

(1) مولدافياهو اسم الجبال التي احتلتها قبائل داق سكان البلاد القديمة وعرفها مؤرخو العرب مثل ابي الفداء والقلقشندي وغيرهما باسم اولاق ومن ذلك كلمة فلاخ، واما البغدان فسميت باسم احد زعماء قبائلها القديمة ومعناها بلغتهم (هبة الله)

(2) عيسى المعلوف النعمة عدد حزيران 1915.

(3) كتاب النحلة للبطريرك مكاريوس في الرأس الحادي عشر ماحرفيته:

” الكراسي المستقلة مطران البغدان ويعمل ثلاثة اساقفة في ابرشيته، واسقاً في بلاد الأنكروس (المجر) ومطران الفلاخ يعمل ثلاثة اساقفة في بلده واسقفاً في بلاد الأنكروس.”

(4) وذكر الارشيدياكون بولس في رحلة والده البطريرك مكاريوس ابن الزعيم الى رومانيا وروسيا:” ان باسيليوس ملك البغدان شيد كنيسة القديس ديمتريوس وأهداها الى رهبان الجبل المقدس، وكان دير الضومنا ومار ميخائيل في رومانيا من اوقاف الجبل المقدس، ورئيساهما ورهبانهما منهم وكذلك دير مجمع الملائكة المعروف بدير هوطاراني وكان في دار اسقفية الفلاخ صورة اورشليم واديارها وطور سينا والجبل المقدس.”

(5) د. اسد رستم الباب الرابع كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى.

(6) المصدر ذاته.

(7) المصدر ذاته.

مصادر البحث

– عيسى اسكندر المعلوف، مجلة النعمة عدد حزيران 1911.

– د.اسد رستم كتاب كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى. الجزء الثالث.

– الخوري المؤرخ ميخائيل بريك الحقائق الوفية في تاريخ بطاركة الكنيسة الأنطاكية.

الموسوعة: تاريخ رومانية، وتاريخ الطباعة