“لاتقاوموا الشر بالشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسرأيضاً” (متى39:5)

ثمة السؤال التالي الذي يجعلنا بعض الأحيان خجلين وهو

-هل المسيحية تعلمنا التخاذل والضعف؟

من يقرأهذه الآية التي قالها السيد له المجد قراءة حرفية يفهمها انها جبن وتخاذل، في حين انها هي فخر المسيحية التي ترفعها فوق اي مكيال اجتماعي آخر…الرب يسوع لم يكن جباناً ولم يعلمنا التخاذل، بل كان شجاعاً ثورياً… فأي ثوري عمل ماعمله السيد المسيح له المجد؟

المسيح له المجد غيَّرَ وجه العالم، ميلاده غيَّرَ تاريخ العالم ووجه هذا التاريخ، فأصبح قبل الميلاد وبعد الميلاد، ملوك وأباطرة ودول وعشائر وقبائل دانت له واعترفت به مخلصاً وفادياً.

يسوع معلماً
يسوع معلماً

يسوع لم يهادن فاعلي الشر ابداً، بل تصدى للشر وفاعليه، لقد قرع الكهنة والفريسيين الذين استغلوا الدين لمآربهم الشخصية قائلا لهم:” يا أولاد الأفاعي… ويل لكم ايها المراؤون… يا فاعلي الاثم… انتم كالقبور المجصصة تظهر من الخارج جميلة وداخلها مملوء عظام ونتانة وكل نجاسة…” وعندما جاء اليه الفريسيون يحذرونه قائلين:”ان الملك هيرودس يريد ان يقتلك.” فأجابهم:” امضوا وقولوا لهذا الثعلب…” وعند دخوله الى الهيكل ورأى الممارسات الخاطئة وباعة الحمام والصيارفة… وانتهاك المقدسات دفعته غيرته الى استعمال العنف وطرد المسيئين من الهيكل:” لقد حولتم بيت ابي الى بيت دعارة…” بعدما ضرب الباعة بالسوط وقلب موائد الصيارفة….

وعند التحقيق معه من قبل رئيس الكهنة وجمهور المنافقين في ليلة العشاء الأخير: وقد رد على رئيس الكهنة عندها لطمه واحد من الخدام على فمه بقوله:” اهكذا تجيب على رئيس الكهنة؟” لم يُدر له يسوع خده الآخر بل اعترض على معاملته قائلاً: “إ لم تلطمني؟ ن كنتُ قد تكلمت ردياً فأشهد على الرديّ، وإن حسناً فلماذا تضربني؟” (يو22:18و23).

لقد أثارت هذه الآية العظيمة، كثيراً من التساؤلات، للذين فسروها تفسيراً خاطئاً لأنهم قرأوها قراءة حرفية مغلوطة، إذ أن الفهم الحرفي لايؤدي الى المعنى المقصود، إن تفسير أي آية في الكتاب المقدس يجب ان يُفسر في سياق الكلام الذي قيلت فيه، وليس تفسير آية فردية، أو تفسيراعاماً وبالمطلق، وقد وردت هذه الآية في الاصحاح الخامس من بشارة القديس متى، ضمن سياق الكلام الذي قاله وتحدث به، عما جاء من وصايا في العهد القديم، ومايعلم به هو من وصاياه في العهد الجيد ويكمله، لأنها كانت ناقصة، وقد دعاها ( الوصايا الصغرى) فأعطاها فهماً روحياً للارتقاء بالانسان الى حالة روحية سامية، ودعا الى الكمال في عيش هذه الوصايا. قال الرب يسوع:” لاتظنوا أني جئت لأنقض الناموس، أوالأنبياء ماجئت لأنقض بل جئت لأكمل.” (مت17:5) لم ينقض المسيح الوصية بل إجتث أسباب الخطيئة وسما بالوصية الى الكمال. مثال ذلك: “قد سمعتم أنه قيل للقدماء لاتزن، وأما أنا فأقول لكم، ان كل من نظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”، “قيل للقدماء لا تحنث… وأما أنا فأقول لكم: لاتحلفوا البتة…” و” سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوّك، وأما انا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم…” وهناك الكثير من أقوال السيد المسيح له المجد تكمل ماجاء في آيات العهد القديم مثل: (الصوم، الصلاة، الصدقة، ، الطلاق، القسم، ادانة الآخرين…الخ)

“سمعتم انه قد قيل عين بعين وسن بسن، وأما انا فأقول لكم: لاتقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر ايضاً”.

ايقونة الصلب
ايقونة الصل

هذه الآية هي الأسلوب المسيحي الاجتماعي، لوقف النزاعات والشرور بين الأفراد والشعوب التي تؤدي الى القتل ونزف الدماء، وتنتهي في آخر المطاف، بعد اعداد رهيبة من الضحايا، بالمصالحة التي لو تمت في البداية لتوقفت النزاعات والحروب، وتنهي الخلافات التي تحدث بين الناس بروح المحبة فكراً وعملاً وتوقف مسلسل الشر، وبهذا يقول الرسول بولس في رسالته الى أهل رومية: ” لاتنتقموا لأنفسكم ايها الأحبة، بل أعطوا مكاناً للغضب، لأنه مكتوب:” لي النقمة، أنا أجازي يقول الرب.” (رؤ19:12)

كلمة أخيرة

المسيحية احبتي ليست ديانة نتعبد فيها وفق مفهوم التدين، لا بل هي علاقة روحية بين الخالق بثالوثه الأفدس الآب والابن والروح القدس…مع الآب الخالق، الابن الفادي، والروح المرافق لنا في مسيرتنا “لئلا تصدم بحجر رجلك”

المسيحية هي نسغ حياة فضلى هي العودة الى قصد الخالق بأن نكون على صورته ومثاله… بالتعبد والممارسة لكل مااراده الرب يسوع…

وماحفظه التقليد الشريف وتعاليم الآباء القديسين في المجامع المسكونية المقدسة…

وفي النهاية نحن ابناء كنيسة لن تزعزع لأن الله في وسطها، قد تضربها الشدائد والنوائب ولكنها في النتيجة تقوم ظافرة كما قام السيد له المجد…