دير القديس سابا في فلسطين

دير القديس سابا في فلسطين

ان كان من وصف يليق بهذه الواحة الروحية بصفتها الديرية العريقة… فهو آثوس المقدس فلسطين…سيما وان مؤسسه هو البار القديس سابا المتقدس…

فمن هو القديس سابا؟

صورة للدير
صورة للدير

القديس سابا ابن اقليم قيسارية كبادوكية في آسية الصغرى، ولد لأسرة عريقة بين اسر المنطقة، فوالده يوحنا ووالدته صوفيا كانا بارين فاضلين ممارسين الايمان بالمسيح فترعرع ناهلاً منهما الايمان القويم، نُقل والده الى الاسكندرية بداعي عمله العسكري وأخذ زوجته معه ، وبقي ولدهما سابا اليافع في بيت خاله ارميا واوصياه السهر على تربيته حسناً والاعتناء به، لكن امرأة خاله كانت فظة الاخلاق سيئة التربية، فسامت سابا الوان العذاب، وعاملته بقسوة حتى الجأته الى الالتجاء الى بيت عمه غريغوريوس، فانتقل سابا ليعيش في بيت عمه وتحت تربيته المباشرة. لم يرق لزوجة خاله ان يتصرف سابا، هكذا فألقت شرورها بين زوجها ارميا خال الصبي وعمه غريغوريوس، حيث أخذ كل منهما يدعي الولاية على الصبي وادارة ممتلكاته، ولما استفحل الخصام بينهما دار في خلد سابا وكان في الثامنة من عمره ان يترك العالم وينزوي في دير فلافينه القريب من موطنه، فيصلح بذلك ذات البين بينهما.

الطفل سابا في الدير

دخل ولدنا سابا الدير وعاش مع رهبانه السبعين التابعين لقانون القديس باسيليوس الكبير، ونال منزلة لدى رئيسه واخوته مدة عشر سنوات كان فيها آية للتقوى والفضيلة والغيرة فكان أفضل قدوة للرهبان بسلوكه وآدابه.

وكان والد سابا قد أخبر عمه وخاله ليتفقا ويعيدا ابنه الى بلدته فأصاخا سمعاً لنصيحته، واتفقت كلمتهما على استعادة سابا من الدير وتزويجه بابنة من اشراف المدينة فسارا اليه وفاوضاه بذلك والحا عليه، واخبراه بعزم والده وارادته ذلك فلم يصادفوا منه قبولاً بل كان جوابه حازما وهو لن يترك دعوته النسكية واقنعهما ان يعدلا عن ذلك القصد ويغادراه وشأنه فتركاه مكرهين.

وبقي هو مجاهداً في سبيل دعوته، قائماً بفروض تنسكه مشتغلاً في بستان الدير لقهر جسده واماتة شهواته، حتى أنه ود مرة بعد أن تناولها وداسها برجله ولم يذقها. فكان أصغر الرهبان سناً، وأكبرهم فضيلة وتقوى.

ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره قصد زيارة القدس والطواف بالأماكن المقدسة ومشاهدة الآثار والأديار المسيحية، ومشافهة الرهبان السياح الذين كانوا في براري الأردن متنسكين متعبدين للتبرك بهم والتعلم منهم. فاستأذن رئيس ديره بذلك، فتردد في السماح له بادىء ذي بدء خشية ان يكون مراده ترك الرهبنة، لكنه باركه عندما تيقن أن قصده التبرك بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين.

في فلسطين

ايقونة القديس سابا
ايقونة القديس سابا

جاء البار سابا الى القدس وتبرك بزيارة القبر المقدس، وبقية أماكنها المقدسة، وأمضى فصل الشتاء في دير القديس بيساريون الذي كان يرئسه وقتتئذ الشيخ البيديوس وهو مواطن البار سابا فسر به واكرم وفادته.

لم يطل الوقت بالبار سابا حتى ذاع ذكره وفضائله في تلك الأصقاع واخذ الناس يتناقلون أخبار تقواه وهو في مقتبل شبابه.

لما سمع قديسنا ان القديس افتيموس الكبير كان مرشداً حكيماً وتقياً ذائع الصيت، قصده وترامى على قدميه ليقبله في عداد تلاميذه، فلما رأى افتيموس انه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ورأه ربما لايحتمل قانون السياح الصارم.

ارسله الى رفيقه ثاوكسطوس مدبر احد اديار السياح، فصرف عشر سنوات مثابراً على النسك والصوم والعبادة، فأكرمه الجميع ومالوا اليه، واحبوا محادثته ومرافقته لكثرة فضائله ودماثة اخلاقه وأدبه، ورغب احد الرهبان الاسكندريين الذين يعيشون تحت رعاية ثاوكسطوس ان يزور الاسكندرية لتدبير ميراثه الأبوي، فطلب من رئيس الدير ان يسمح لقديسنا بمرافقته في رحلته هذه الى موطنه الاسكندرية حيث يكون له خير رفيق سفر، وعاضد ومعين وناصح فاضل، فأذن له وكان سابا خير عاضد لذاك الراهب وبفضل سابا نال مطلوبه.

عثوره على اهله في الاسكندرية

وبينما كان قديسنا وقتها يسير في احد ازقة الاسكندرية، فوجىء برؤية والديه، فعانقاه بفرح لايوصف، لاسيما وانهما كانا قد توهما انه مات، لانقطاع اخباره كلياً منذ خمسة عشرعاما، وكانا يائسين، ففرحا به فرحاً لايوصف، وكان قد بلغ العشرين من عمره، طويل القامة جسيماً، جميل الطلة والمحيا، فاجتهدا عبثاً باقناعه عن ترك الرهبنة والعودة معهما لتزويجه، بدون نتيجة، ولما يأسا من اقناعه، ودعاه وأعطياه بعضاً من المال، فحفظه عند رئيس الدير بعد عودته حسب قانون تركات الرهبان.

لما بلغ الثلاثين من عمره استأذن رئيسه ومدبره، ومرشده القديس افتيموس، وذهب الى مغارة وجدها في تلك النواحي، وكان يمكث فيها خمسة ايام في الأسبوع، فكان يخرج من الدير نهار الأحد مساء، مجهزاً بسعف النخل ليضفرها سلالاً، في الأيام الخمسة التي يبقى فيها متعبداً صائماً في تلك المغارة، ثم يعود صباح السبت حاملاً نحو خمسين سلاً، وبقي على هذه الحالة مدة خمس سنوات متوالية.

ولما كان القديس أفتيموس قد رأى ان القديس سابا يزداد فضيلة وتقوى وهو شاب، فسماه “الشيخ الشاب” وانتدبه ليرافق القديس دوميسيانوس في السياحة والانفراد المطلق مما كان يصنعه مرة في السنة، فكان افتيموس يأخذهما معه في الرابع عشر من كانون الثاني كل سنة الى قفر “رومان” داخل نهر الأردن، حيث اقتبل الرب يسوع المعمودية من يوحنا السابق، وصام هناك اربعين يوما واربعين ليلة، فكانوا يصرفون زمناً الى أحد الشعانين في الصوم والصلاة والاعتزال مكابدين العطش

والضيق صابرين على المشقات.

ولما توفي مرشده افتيموس، رأى ان الرهبان باتوا يتساهلون بتطبيق قوانين الرهبنة الصارمة في سلوكهم اليومي الديري، قصد دير القديس جراسيموس الذي كانت قوانينه صارمة، ومارسها بكل طيبة خاطر مدة اربع سنوات.

تأسيسه رهبنته

صورة للدير
صورة للدير

ثم أُلهمه الله بعد ذلك عن وجود مغارة فوق وادي قدرون في صخر شاهق، فسكنها خمس سنوات مقاسياً ضيقات شديدة، ومتحملاً تقشفات غريبة. فاجتمع لديه نحو سبعين تلميذا يأتمون بفضائله، ويقتدون بأعماله البارة، حتى سماهم كاتب سيرته كيرلس السكيفوبول “مراتب الملائكة” و” جوق جنود المسيح” و “سكان السماء”، وهم الذين بعد ذلك انبثوا في تلك الأصقاع، وأسسوا المناسك والأديار الرهبانية، ووضعوا حياة التقشف والعبادة الحقيقية. وكانوا بادىء ذي بدء قد اتخذ كل منهم قلاية غير بعيدة عن الأخرى، فشيد لهم في وسط الصوامع كنيسة صغيرة كان قد طلب من أحد الكهنة المجاورين أن يقيم لهم فيها القداديس الالهية والخدمات التي تستلزم لاقامتها وجود كهنة، لأنهم هو وتلاميذه لم يقبلوا الدرجات الكهنوتية، حيث ان ذلك كان من قوانين حياتهم الرهبانية بعيداً عن الكهنوت.

لم يطل عليهم الزمان حتى تزايد عدد تلاميذه الى نحو مائة وخمسين، فضاقت بهم المناسك، ولذلك فرقهم في منطقة عدوة وادي قدرون الثانية، وكان يدير شؤونهم بكل يقظة وغيرة ومحبة، وكان هو يشتغل مثلهم في صناعة السلال وغيرها من الأشغال اليدوية لتحصيل مابقوم بأودهم.

كهنوته

ونظراً لصرامة قوانينه بما فيها عدم سماحه لتلاميذه ان ينالوا الدرجات الكهنوتية، ذهب بعضهم الى البطريرك الأورشليمي خلسة، وتضرعوا اليه أن يأمر سابا بقيول الكهنوت وأن يسميه رئيساً عليهم، وهكذا كان، وكرس البطريرك مغارة كان سابا يسكنها تسمى” سيق سابا ” فصارت كنيسة لهم، وكان سابا قد بلغ الثالثة والخمسين من عمره.

وكان الكثير من الأتقياء من اكليروس وعلمانيين، يتقاطرون اليه ليستسيروا بسيرته الحسنة منهم الأسقف يوحنا الصامت الذي ترك رعيته وتنسك. وجاء اليه كثير من الأرمن، فكانوا يقيمون الصلوات بلغتهم الأرمنية في كنيسته الصغيرة الأولى. وكانت والدته بعد موت والده قد باعت جميع مقتنياتها وسلمت ثمنها لابنها، وعاشت بقربه بنسك وفضيلة، أما هذا المال الذي أخذه من والدته فبنى به محلين أحدهما لقبول الغرباء والزوار، وثانيهما مستشفى للمرضى.

وكان مع ذلك يكابد المتاعب من بعض الرهبان الذين أقلقوه بتشكياتهم للبطريرك الأورشليمي، وقد انفصلوا عنه، والباقون بقوا مطيعين له، عاملين بأوامره مستنيرن وسائرين بموجب مسيرته الفاضلة.

Λαύρα Σάββα: دير القديس سابا

موقع الدير

يقع هذا الدير الشريف الى الجنوب الشرقي من مدينة القدس على بعد ثلاث ساعات ونصف سيراً على الأقدام وتنخفض عنها 560 متراً والطريق
الى دير مارسابا ، الأشهر في فلسطين، يمر عبر كثير من المتعرجات في صحراء وادي القدرون القاحلة التي تبعد عن مركز مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية نحو 20 كيلومترا، وتربط كذلك المدينة بالقدس والبحر الميت في أريحا

داخل الدير
داخل الدير

عند الطريق المؤدي منها الى البحر الميت على مقربة من وادي الراهب، شرقي بيت لحم، وعلى عدوة وادي قدرون في بلدة العبيدية (عرب ابن عبيد) الى شمال بيت ساحور الشرقي يطل على وادي الجوز تم بناؤه (كما بيَّنا) بيد الراهب سابا وبمشاركة حوالي 5000 راهب كانوا تحت رعايته وطاعته. وقد تم بناؤه بين عامي 478-484 مسيحية لذا يعد اليوم من اقدم الأديار المأهولة في العالم وهو اشبه بقلعة منيعة غريبة الأبنية، بني بطريق هندسية جزءاً فوق جزءعلى سفح احد الجبال المتصلة بالسلسلة الجبلية الممتدة في جنوب الضفة الغربية، ويكاد يكون هذا الدير العابق بالرهبنة وتاريخها السوري المجيد، منحوتاً في بطن هذه الجبال.

ويذهب كثيرون الى هناك من اجل التبرك بزيارة هذا الدير، اضافة الى التمتع بمشاهدة هذا الدير، والتنزه في آن واحد، وليس فقط بالنسبة للمسيحيين…

يقول العلامة المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف في مجلة النعمة البطريركية عدد تشرين الثاني 1911: ” فيصعد من الوادي الى الدير بسلالم بعضها منقور بالصخر والآخر مبني على شكل ادراج فمتى صعدت على السلالم تصل الى باب صغير مغلق عليه عوارض فتقرع الباب قرعاً شديداً فيأتي أحد الرهبان ويطلب منك التعريف من غبطة البطريرك الأورشليمي ليأذن لك بالدخول الى الدير، فتجد هناك أبنية قديمة مسورة بسور كامل في ابدع موقع من المواقع الطبيعية وللسور بوابات حديدية متينة، وفيه حوالي 60 راهباً يعيشون عيشة تقشفية غريبة منقطعين الى الصلاة والصوم والعبادة. وفي كل يوم جمعة يبعث لهم دير القبر المقدس في اورشليم طعامهم مرة واحدة فيأكلون منه مدة الأسبوع. وجميع اولئك الرهبان هم من اليونانيين وليس بينهم من اولاد العرب السوريين او بالأحرى الفلسطينيين الا اثنان من بيت لحم.”

قلنا ان موقع الديرهوعلى صخر شاهق منحرف الى الجنوب وابنيته لم تشيد مرة واحدة بل في اوقات مختلفة، فلذلك تجدها غير مرتبة على هندسة خاصة، فبعضها يعلو عن بعض، او ينخفض عن الآخر، او ينحرف او يتأخر، او يتقدم بدون نظام موافق وجميعها مرتبطة بسلالم ودهاليز فترى سطح البناية أشبه بساحة أو فناء للدار العليا حتى ان الزائر يتحير كيف يسير، ولا يتمكن من معرفة الأبنية الا بعد ان يمكث مدة طويلة، ويكرر الذهاب والاياب متجولاً فيه.

وتعد ابنية هذا الدير من أغرب الأبنية، وهو يعد من اجمل الأديرة في سورية الطبيعية بأسرها، وامتنها واحصنها ورهبانهم يشتغلون ويتعبدون وفق نظام الحياة الديرية المشتركة، واوقافه قليلة منها بستان كبير خصيب بين الدير وبيت لحم، وجرت العادة ان الكثيرمن الحجاج الى القبر المقدس، يعودون من الأردن في طريق هذا الدير ليكرروا زيارته، ولكن كما في الجبل المقدس آثوس،لا يسمح للنساء بزيارة هذا الدير، حيث انه ووفقا لتدبير القديس سابا، ومنذ تشييده الى اليوم لم تدخله امرأة، وقد تم تخصيص برج مار سمعان وهو برج خرب فيه بيت كبير يشرف على دير القديس سابا، خصص للنساء.

وصف الدير

راهب من رهبان الدير وزائر
راهب من رهبان الدير وزائر

أما الدير نفسه فإنه بني بطريقة هندسية جزءا فوق جزء، قبل 1500 سنة، بيد مؤسسه البار سابا المتقدس مع 5000 راهب كان يرعاهم ويقودهم، بناه على سفح أحد الجبال المتصلة بسلسلة جبال. ويكاد يكون الدير منحوتا (كما بينا) في بطن هذه الجبال في مشهد ساحر.

ويرمز ديرالقديس سابا إلى حياة الرهبنة الحقيقية الصعبة، ولذلك يقصده رهبان واكليروس متمسكون بأرثوذكسيتهم من شتى انحاء العالم لممارسة جهاد التنسك والرهبنة الصارمة ويقضون العمر فيه، ويموتون ويدفنون فيه.

ان دخل الزائر الى الدير متفقداً أبنيته وآثاره يرى فيه كنيسة الدير الكبيرة التي شيدها الأمبراطور الرومي “يوستنيانوس الحسن العبادة”وهندستها روميةومزدانة بالأيقونات الرومية القديمة وبالأواني الكنسية النفيسة، أما الأيقونسطاس فهو من خشب محفور يقال انه منقول من هيكل بيت لحم.

وهناك ايقونات روسية كثيرة جلبها من روسيا احد الرهبان الروس، وفي الجانب الشمالي منها محل فسيح يقيم فيه الرهبان فروضهم الكنسية عدما لايقام القداس الالهي، وفوقه محل للزوار كثير النوافذ التي يشرفون منها على داخل الكنيسة، وفي الجانب الشمالي من الهيكل خزانة تحتوي على البدلات الكهنوتية والذخائر النفيسة والأوني الثمينة.

ومن هذه الكنيسة تتفرع دهاليزوأزقة كثيرة الى جهات الدير المختلفة فإلى اليمين محل للزوار غير الأرثوذكسيين، والى الشمال مغارة صغيرة باسم القديسين الشهداء وسقفها لايزال الى عهدنا مسوداً بالدخان لأن فيها قتل البطريرك سافاريوس الدخيل 350 راهباً من رهبان هذا الدير سنة 517 مسيحية ويعيد لهم في 20 آذار، وهناك عند الحائط كانت كنيسة صغيرة أُهملت الآن وفيها بعض نوافذ مسدودة بالحجارة كانت لمنع البدو القاطنين في تلك النواحي من أن يدخلوا الى الدير وكان ذلك قبل فترة ليست بالبعيدة من الآن، وهذه المغارة يحفظ بالتأكيد انها المغارة التي عاش فيها القديس سابا لما انتقل من عدوة الوادي المقابل لها كما بينا ليكون قريباً من الكنيسة التي ظهر له

داخل كنيسة الدير
داخل كنيسة الدير

فيها عمود ناري وهي كنيسة القديس نيقولاوس، وتسمى بمغارة الأسد لأن التقليد القديم يقول بأن القديس سابا دخل ذات يوم مغارته فوجد فيها اسد قد اتخذها عرينا له. فجلس القديس على مقعده غير مذعور ولا وجِل. ثم استغرق بعد قليل في نومه، فاغتنم الأسد نومه وجره بثوبه مرتين الى خارجها، فقال له القديس مشيراً الى زاوية فيها:” يوجد هنا محل لاثنين” وعاش هو والأسد في تلك المغارة، وهناك حجر مستطيل يقولون انه كان سرير القديس سابا، وفي أسفل هذه المغارة مطبخ الدير وهو آخر بناء فيه من الجنوب الشرقي وفي المطبخ نافذة تشرف على الوادي ينزل منها على سلم الى عين الماء التي اوجدها القديس سابا بطريقة عجائبية وهي تقطر في اثناء اربع وعشرين ساعة نحو مائة وخمسين عبوة كبيرة من الماء العذب وتسمى (عين مارسابا) وفي داخل المغارة ايقونة تمثل دفن القديس سابا ويبدو فيها البطريرك الاروشليمي بطرس وجميع الكهنة والنساك مشتركون في تجنيزه، وهي معلقة فوق ضريحه.

وعلى جدران المغارة صور لبعض القديسين الذين عاصروا القديس سابا كافتيموس وثاوكتيستوشوثاودوسيوس وجراسيموس الأردني.

ثم صور بعض الرهبان الذين نشأوا في هذا الدير بعد ذلك كالقديس الدمشقي يوحنا ويوحنا الصامت، واركاديوس، ويوحنا واكسينوفون وغيرهم.

يصل هذه المغارة نفق واسع منقور في الصخر الصلد وهو مدفن سكان الدير قديما وحديثاً ومدخله مسدود ببلاطة فيها حلقة حديدية ومطينة بالكلس فيفتحونها عند دفن الراهب بحيث يضعون جثمانه على سرير حجري داخل هذا المدفن.

وان احتاجوا الى دفن لراهب ثان فان كان الجثمان الأول قد بلي يغسلون العظام بترتيب معلوم عندهم، ثم يضعونهافي زاوية خاصة اما الجمجمة فيضعونها على رف خاص مع غيرها من الجماجم المحفوظة، وجميعها تدق بمدفن مؤسس الدير القديس سابا.

ومن أبنية الدير قصر الأمبراطورة الرومية اثذكسية التي جاءت اورشليم لمقابلة القديس افتيموس، ولما كان ممنوعاً دخول النساء الى دير القديس سابا شيدت هذا القصر على مقربة من الدير، وهو الآن ضمن سور الدير.

ومن ابنية الدير ايضاً كنيسة القديس نيقولاوس وجميعها محفورة في صخر واحد ، وصورته القديمة في قاطعها، وكنيسة او صومعة القديس يوحنا الدمشقي، وهي التي نظم فيها اناشيده الرائعة كتابة ولحناً، وكتب عظاته المشهورة وخطبه النارية ضد محاربي الأيقونات، وفيها مدفنه، وقد رأى رفاته الراهب دانيال الروسي، وهو اول الحجاج الروس الى فلسطين وهذا الدير، وكان ذلك السنة 1106مسيحية، ثم نقلت بعد ذلك الى القسطنطينية. و”برج يوستينيانوس” ويبلغ علوه 18 مترا وبني للمراقبة، وبعض المغارات وهناك ساحة صغيرة فيها نخلة كبيرة شامخة يقال انها من غرس القديس سابا، وهي مربوطة الى الصخر بسلسلة حديدية لئلا تقتلعها العواصف، ويعتقد كثيرون ان العاقر اذا اكلت من ثمرها حبلت، الى غير ذلك من الآثار القديمة، وما تتناقله الذاكرات عنها.

ويمكن للزائر أن يشاهد كل ذلك بما فيه رفات القديس سابا الممدد في صندوق زجاجي، (وهو غير محنط) وقد انكمش جسده قليلا وذاب منه بعض الجلد، ويرفض رهبان الدير فكرة أن جسده قد تحنط، ويؤكدون “إنه محروس من الرب”

ويذهب زوار الدير من المسيحيين خصيصا لزيارة قبر سابا، وخارج الدير يقف عشرات السواح ينتظرون السماح لهم بالدخول، وبينما يسمح للرجال بالدخول تُمنع النسوة من ذلك، ويبقين في الخارج يتأملن المكان والبناء ويصلين عن بعد.

صورة للدير من الجو
صورة للدير من الجو

ويأتي الحجاج والزوار المسيحيون من فلسطين والاردن ومن كل العالم، أما المسلمون فيتخذون من الجبال مكانا للتنزه…والبحث عن الهدوء وضجيج المدن الرهيب…

حياة الرهبان

(وفقاً للعلامة عيسى اسكندر المعلوف في مقاله ” دير القديس سابا” في مجلة النعمة العدد تشرين الثاني 1911)

“يعيش اخوة رهبنة ير القديس سابا، عيشة نسكية صارمة، فهم يهبون من رقادهم قبل صلاة السحر، ويتأهبون لها، فتبتدىء في نصف الليل، وتبقى الى الساعة الرابعة صباحاً وفي السادسة صباحاً يبتدىء القداس الالهي فينتهي بعد ساعتين، ويكون وقته اطول في الأعياد.

بعد القداس الالهي يجتمع الرهبان عند مخل الكنيسة فيتناول كل منهم فنجان قهوة وكسرة خبز يابسة، وست تينات مجففة، وبعض الزبيب، ثم يذهبون الى قلاليهم للراحة والصلوات الفردية. وفي الساعة الثانية يتناولون طعامهم بقرع الناقوس، فيأكل كل مهم صحن طبيخ من العدس المسلوق بدون زيت وبضع تينات جافة وهذا ستة ايام، وفي يوم واحد يستبدلونالعدس بطبخة الحمص بالزيت، ونادراً بسمك مملح، وخمسة ايام يتناولون الطعام على مائدة واحدة في النهار، وفي يومي السبت والأحد يتناولون مع الغداء عشاء ايضاً في الأيام التييسمح فيها بأكل الزفر، يكون جبناً وسمناً وبيضاً او ارزاً، وفي يوم الأربعاء من الأسبوع الأول وسبة الآلام من الصوم الكبير يأكلون مرة واحدة خضراوات مسلوقة، ويبارك الرئيس كلاً منهم، وفي الساعة الخامسة يقرع الناقوس لصلاة المساء التي تبقى ساعتين وفي الساعة التاسعة تبتدىء صلاة النوم ويتفرقون للنوم وبعد ساعتين يستأنفون الصلوات.

أما اشغالهم فالعمل في البساتين الصغيرة في ساحات الدير واطعام بعض الطيور الأهلية كالحمام والحسون حتى انها تتراكض اليهم اسراباً وتقف على اكتافهم وراحاتهم ويطعمون ايضاً الطيور الآبدة ( البرية) والوحوش كالثعالب وبنات آوى التي تتجمع في اسفل ابنية الدير فيرمون لها الخبز من الساحات العليا وبعضهم يدجن ويتبعهم، وعلى الجملة فان هذا الدير عجيب في موقعه وأبنيته ومعيشة رهبانه وعريق في قدمه لأنه مازال ولن يزال ملجأ للنساك منذ اربعة عشر قرناً وفيه تتمم جميع الفروض النسكية وتقام العبادات الحقيقية.”

رئيس اساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا  بجانب ضريح القديس سابا
رئيس اساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا بجانب ضريح القديس سابا

واحتفظ سكان دير القديس سابا على مدار مئات السنين التي مضت بطبيعته كما هي، وينسك في الدير حالياً ستة عشر راهباً اتوا من بلاد متعددة واولها اليونان، في الدير يعيشون حياة الصحراء الأولى، من دون كهرباء وخطوط ماء، من دون أدوات اتصال وإنترنت وتلفزيونات وراديوهات. وقد اختاروا هذا الدير لأن فيه يتم اختبار ايمان الانسان”، وعندهم “ان فيه يعيش الانسان لله فقط.”

يعيش الرهبان على أضواء الشموع المصنوعة من زيت الزيتون في الليل، ويشربون الماء من نبع طبيعي في المكان، ويتبرك زوار الدير والحجاج بشربة ماء حلو المذاق من نبع القديس سابا الذي يقع إلى جانب النخلة القديمة.

وعمليا يمكن مد خطوط كهرباء وماء للدير، لكن القائمين عليه يرفضون ذلك كي “لاتشوش وسائل الاتصال الحديثة على تواصلهم مع الله الخالق” على قولهم.

وفي بيت لحم يقول أهالي مدينة العبيدية الأقرب إلى دير القديس سابا:” ان رهبان الدير يخشون من تعرضه إلى هزة أرضية إذا ما دخلته امرأة.”

وثمة معلومة غير مؤكدة تقول عن لسان الرهبان:” انه حصلت هزة في الدير نتيجة دخول مجندة اسرائيلية اليه.”

ويحفظ رعبان الديروصايا يتناقلونها عن القديس سابا بأن السيدة العذراء مريم ظهرت له وقالت له:”إن من يعيش بصبر في هذا الدير ويحفظ واجباته الروحية سيحصل على شفاعتي.”

ومن بين القوانين الصعبة المتبعة هناك حظر أكل التفاح، ولهذا قصة قديمة حدثت مع سابا نفسه، وتقول نشرة يوزعها الدير إن سابا أراد أن يأكل تفاحة في غير مواعيد الأكل، لكنه رأى في ذلك شراهة فقاوم وقرر أن لا يأكل التفاح، ومنذ ذلك الوقت ممنوع على رجال الدين في مار سابا أكل التفاح.

ويحتفظ دير القديس سابا ببعض أشجار الزيتون والليمون، ويمنع أي زراعة أخرى، حتى لا تأخذ من وقت الرهبان.

القديسون والمشاهير الذين ترهبنوافيه

ايقونة القديس يوحنا الدمشقي
ايقونة القديس يوحنا الدمشقي

اول مايخطر في البال هو القديس يوحنا الدمشقي ورفيقه البار قوزما، اضافة الى ثاوفانوس اسقف نيقية والقديس استفانوس العجائبي ابن اخ يوحنا الدمشقي والقديس يوحنا قس السيق العتيق وهو الدير الأول الذي عاش فيه النساك قبل غيرهم في فلسطين، واول من بناه خاريطون في زمن قسطنطين الكبير والقديس كسينوفون وفيه كان للقديس كيرلس السكيفوبولي البيساني واضع كتاب السنكسار، والراهب انتيوخوس الذي اشتهر بشروحه للكتاب المقدس ووضع كتاب ( الحاوي) الشهير، فضلاً عن كثير من تلامذة القديس سابا الذين ماثلوه بالفضل والفضيلة والغيرة والتقوى منهم القديسون يعقوب الخصي وافلايس وجلاسيوس وكرياكوس وليونيتوس الكاتب وانثيموس وافروديسيوس واثناسيوس وكالينيك وبطريكيوس وانطاسيوس ويونان وسرجيوس ويوحنا وميخائيل الملقب بالأسود الثياب وفيلو فانوس المعترف وتيودور اسقف اوديسا وغيرهم.

ومن مشاهيرنا الأنطاكيين الذين نسكوا في هذا الديركان البطريرك افتيموس الساقزي المصور الذي تولى البطريركية الأنطاكية من سنة 1635-1648مسيحية ومعلمهالبطريرك افتيموس كرمة، وكانت مكتبته غنية بمخطوطاتها وقد نُقلت الى مكتبة القبر المقدس في القدس وبعضها الى القسطنطينيةفي امطوش رهبنة القبر المقدس، وهناك وجد كتاب (ترتيب الخدمة الكنسية) لواضعه القديس سابا وقد أكمله القديس يوحنا الدمشق وقتئذ. (وفق شهادة المعلوف).

في النكبات التي نُكب بها

في تاريخ هذا الدير ان الامبراطور يوستنيانوس الحسن العبادة جعل الدير بأحلى حلة بعد توسيعه في السنة 529 مسيحية اكراماً للقديس سابا، وفي سنة 614 مسيحية كان عدد رهبانه خمسة آلاف فضلاً عمن كان في مايجاوره من المغاور والكهوف ممن كان يبلغ عددهم عشرة آلاف. وقبل غزو الفرس للديار الفلسطينية قتل السلوقيون منهم عدداً كبيراً من الرهبان، وكانوا عرضة للغزاة والفاتحين، وعلى اثر وفاة هارون الرشيد حدثت مذبحة عامة عادت بالويل على رهبان الدير وفي سنة 1107 بزمن هرقل امبراطور الروم خرب الدير وهدِّم.

وكتب عنه إذ ذاك الرحالة فوكانس سنة 1185 مايدل على انه كان اشبه بحالته اليوم، ثم قُتل رهبانه ونساكه في احدى الغزوات وهدمت أماكنه ولم يبق منه الا قبر الفديس سابا والكنيسة الكبرى، وجهل أمره الى سنة 1566 فذكره في هذه السنة سائح اوربي بقوله:” ان عشرين ناسكاً خرجوا للقاء شرذمة من العسكر وبيد كل منهم ديك فقتلوا عن آخرهم وخرب الديروصار مخزن حنطة لقوم رُحَّلْ، فتجدد وترمم بواسطة رهبان صربيين من مطرانية فيكيوس وشيدوا قصر سمعان الذي هو للنساء كما مر معنا.وكان رهبان كرجيون ايضاً في دير القديس ميخائيل داخل اورشليم مستقلين عن سلطة البطريرك الأورشليمي فكانوا تحت ادارة ديري القديس سابا والقديس ميخائيل ونفقاتهم ومعيشتهم فتكبدوا مشقات جراء غزو البدو المجاورين، وكثرت نفقاتهم فتركوا الديرين هاربين، فاستولى رهبان الفرنسيسكان على دير القديس ميخائيل القريب من دير القديس سابا ورهبان الأرمن استولوا على دير القديس سابا ، فاضطر البطريرك الأورشليمي ثيوفانس الرابع ان يسافر الى بلاد الفلاخ (رومانيا) فجمع احسانات وفيرة فك بها الديرين من الفرنسيسكان والأرمن، واعتنى بترميمهما الى ان توفي سنة 1645 وأصلح البطريرك نكتاريوس اسواره ورممه بعد ثلاث سنوات وسنة 1686 شيد البطريرك ذوستينيانوس الثاني دعائم كنيسته الكبرى وهكذا كان يتجدد ويترمم. والشائع ان الرهبان الفرنسيسكان وعلى قول المعلوف اخذوا رفات القديس سابا الى البندقية ووضعوها في كنيسة القديس مرقس… وربما استعادها الدير لاحقاً حيث الجثمان لايزال موجوداً وبدون تحنيط…

ضريح القديس سابا
ضريح القديس سابا

وفي السنة 1840 رممته روسيا ويعد من افضل الأديار الرهبانية واعظمها تاريخاً وشأناً.