خاطرة في الصوم

خاطرة في الصوم

الصوم هو باب ومدخل الى جميع الفصائل والأعمال الصالحة وأول وصية أعطيت للعالم كانت فرض الصوم” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تكوين2 :16-17). كما ان الرب يسوع علمنا بأن الصوم والصلاة هما اللذان يُخرجان الشياطين إذ قال:” إن هذا الجنس لايخرج الا بالصوم والصلاة” (متى21:17). أما فائدة الصوم فتجدها في جميع الأوقات مزهراً فضلها. فإن موسى النبي بصومه أربعين يوماً عاين الله وأخذ الشريعة بوصايا الله العشر على لوحين حجريين.

ايقونة صوم الرب يسوع على الجبل
ايقونة صوم الرب يسوع على الجبل

كما أنه بفضيلة الصوم استحق ايليا الغيور معاينة المجد الالهي وأُصعدَ بعربة نارية تجرها الجياد الى السماء.

كما سُدَّتْ أفواه الأُسود الضارية عن دانيال النبي في جب الأسود حيث أُلقيَ وبقي سالماً. وأيضاً بالصوم دخل الفتية الكلدانيون الثلاثة الى أتون النار المتقدة وخرجوا سالمين. وكذلك صوم أهل نينوى وتوبتهم وكيف أن الصوم أنقذ مدينة بأكملها من الدمار. لذلك كله فإنه من خلال فضيلة الصوم تتم المعجزات.

في العهد الجديد فإن السيد المسيح له المجد نفسه علمنا الصيام، إذ صام أربعين يوماً وأربعين ليلة على الجبل ليعلمنا كيف ننتصر على الشيطان، وجاء الشيطان ليجربه وانتصر عليه ببشريته لأنه بالتأكيد منتصر عليه بلاهوته” لاتجرب الرب الهك”. ومنه تقلَّدَّ تلاميذه الأطهار، وقلدوه للمؤمنين قولاً وفعلاً. وبناء عليه فقد حَدَّدّ لنا الآباء القديسون الأصوام المقدسة وفرضوها علينا، ونحن أُمرنا بطاعتهم من مخلصنا بقوله:” من سمع منكم فقد سمع مني، ومن أهانكم فقد أهانني، ومن أهانني فقد أهان الذي ارسلني”.

الصوم بمعناه الروحي ليس مجرد فقط الإمتناع عن أكل الأطعمة اللذيذة ومنتجات الحيوان والزفر، بل هو الامتناع عن الشهوات والملذات، وصون اللسان عن الكلام البطال، والعقل عن التخيلات والأفكار الرديئة ، والمصالحة مع الآخرين، مهما كان سبب الخلاف معهم. كما ان الصوم الحقيقي يجب أن يكون مقروناً بالصلوات واتمام أعمال الرحمة والتوبة والندم وحفظ سر التعفف والامساك الحلال فالصوم والصلاة هما الجناحان اللذان بهما يستطيع الانسان أن يحلق بهما نحو السماء.

كذلك بالصوم نتخلى عن الملذات وهي خادعة ونبتعد عن المصالح الذاتية والأنانية وهي اضرار جمة بالنهاية، ونتعلم قول المحبة وفعلها ونتحرر من سلطان النزوات والميول فيقودنا الصوم الى أعمال الرحمة.

يقول القديس يوحنا الدمشقي في هذا المجال:” الصوم ركن العفاف وباب التوبة، تدريب في بذل الذات وترتيب عملي للتقدم في الحياة الروحية” ويقول ايضاً:” الصوم في جوهره عشق لله وانتظار لعرس النفس مع السيد، انه امتثال للنور الإلهي غير المخلوق وترقب الفرح الآتي بالقيامة.”

ليت الرب الاله يعطينا استعداداً مباركاً لنصوم له صوماً مقبولاً منه ولنحصد بعد ذلك خيرات الصوم الكثيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع ابيه الصالح والمحسن والروح القدس آمين.