المحسن انطون لويس

المحسن انطون لويس

محسن مغمور لا احد يعرفه الا قلة مسنة من حي القصاع الدمشقي، ابن اسرة فقيرة مكافحة، عاش فقيراً، ولكنه ساهم في اشادة كنيسة سيدة البشارة في مساكن برزة بتبرع جزيل اقتطعه وشقيقه الأكبررفيق دربه من لقمة العيش عبر حياتهما فكان كمن يطبق على ذاته قول الرب يسوع:” طوبى لمن يكنزون لهم كنزاً في السماء…:

هكذا فعل المرحوم المحسن انطون لويس. وواجبنا هنا ان نسلط الضوء عليه وهو أكثر بساطة من ان نعتبره من العظماء، بل كان من الودعاء وانقياء القلوب:

” طوبى لأنقياء القلوب فانهم لله يعاينون… طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض.”

في الأسرة

اسرة انطون ابن وديع راغب لويس حمصية ارثوذكسية في تاريخها القريب، والكنية راغب لويس كنية مركبة كالعديد من الأسر السورية في دائرة بلاد الشام التي طبقت الكنية المركبة منذ بدء اعتماد الكنيات في بلاد الشام منذ اوائل القرن 18 م.

أصل الأسرة

انطون راغب لويس
انطون راغب لويس

وفقاً لتقليد العائلة المتوارث والذي نقله لنا السيد انطون (ببساطته وطيبته وهدوئه) قبيل وفاته تعود في أصلها الى مدينة فيينا عاصمة النمسا وربما كانت كنيتها “لويس”، ومن هناك هاجرت في القرن 18 الى مقدونية في شبه جزيرة البلقان ومنها انتقلت الى اليونان.

هاجرت الأسرة في فترة الحرب اليونانية للتحرر من النير العثماني (1821-1830) التي شهدت هجرات يونانية حملت اعداداً كبيرة من الأسر اليونانية الى دائرة بلاد الشام والسواحل المصرية.

استقرت اسرة لويس في حمص، حيث سكنت في محلة الحميدية محلة المسيحيين الحمصيين في محيط كنيستهم كاتدرائية الأربعين شهيداً…

تزوج السيد جريس راغب لويس وهو جد علمنا انطون ( وفقاً لرواية السيد انطون) من السيدة نور طرابلسين ويعتز بأن خال جده كان الصحفي والأديب والممثل “الفريد نقاش” المقيم في مصر.

( وهو من أرباب عصر النهضة الشوام في الثلث الأخير في القرن التاسع عشر الذين نادوا بالتحرر عن السلطنة العثمانية، او بتطبيق اللامركزية ونادوا بالأمة العربية والقومية العربية رداً على حملات التتريك الممنهجة، وقد هربوا من بطش السلطان عبد الحميد الثاني الى مصر التي كانت تنعم بحرية العمل السياسي والأدبي في ظل اسرة الخديوي محمد علي باشا.)

رُزق جريس راغب لويس اولاده في حمص ومنهم والد انطون، وديع راغب لويس (1895-1975) الذي تزوج من السيدة وسيلة الياس لوييس(1899-1975) في كاتدرائية الأربعين شهيد في حمص.

الانتقال الى دمشق

انتقل السيد وديع راغب لويس وعائلته واخوته للاقامة في دمشق، كما فعل العديد من الحمصيين الأرثوذكسيين في مرحلة الحرب العالمية الأولى ومجاعة السفر برلك، واستقرت الأسرة لمدة ستة أشهر في منزل المرحوم اسبيرو الحداد في جادة البكري في اول محلة القيمرية في دمشق القديمة، ثم انتقلت لاحقاً الى القصاع الحي الناشىء كضاحية سكنية للعائلات المسيحية الفقيرة النازحة من محلة المسيحيين في دمشق القديمة. و العائلات الوافدة من محافظات سورية كحمص وحماه ووادي النصارى، اضافة الى اقضية حاصبيا وراشيا والبقاع الغربي وكانت دمشق قبلتهم منذ فتنة 1860 الطائفية المدمرة.

في محلة القصاع حيث كانت عدة عائلات تسكن في البيت الواحد لكل منها غرفة، وقد استأجر وديع راغب لويس حيزاً في بيت وقفي ل “جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لتربية الأيتام” وسكنته اسرته مع اسرة الحموي، ولم تطل اقامة الأسرة فيه، حيث انتقلت منه الى بيت استأجرته في شارع سليمان كريدي في بستان الأسطواني.

رزق السيد وديع وزوجته وسيلة اولاده الستة نور والياس وفيوليت وجورج وجورجيت وانطون في دمشق، وسافر ابنه الرابع جورج الى البرازيل وهناك توفي العام 1973 وجميعهم توفوا عازبين.

عمل السيد وديع

في بداية عهده عمل السيد وديع راغب لويس كالعديد من المسيحيين سكان محلة القصاع في نحت الحجر اللازم للبناء، في حين عمل اخوته في حياكة سدي الحرير وهي حرفة اختص بها ايضاً وحصرياً مسيحيو دمشق.

وبعدئذ استأجر محلاً امتهن به تجارة البقالة في بناء السيد أمين سفر في القصاع ( ، ثم انتقل الى دكان ثان جارٍ بملكية آل الحزي ( يقع اليوم مقابل الشارع الموصل الى خلف مستشفى الزهراوي وساحة جورج خوري المعروفة وقتها عين الشرش نسبة الى عين ماء تسمى عين الشرش) وهو ما وعيناه منذ طفوليتنا، ووعينا وديع راغب لويس واولاده ومنهم انطون يعملون بهذه الدكان، حيث كانت جدتي ترسلنا ونحن صغار للتسوق منه وكان يبيع فيه كل شيء من السكر والشاي والبقول والزيتون والألبان والأجبان…الخ وبقي يعمل فيه مع اولاده حتى عام 1975، اما محله الأول فقدعمل فيه معهم شقيقه توفيق ولكنه مالبث ان هاجر الى البرازيل ثم انقطعت أخباره وقيل انه توفي عام 1973.

انطون لويس

ولد المرحوم انطون لويس في دمشق في 11/حزيران عام 1937 وهو السادس والأخير بين اخوته.

تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة الغسانية الرسمية التي كانت في ساحة برج الروس خلف بناء المحسن الكبير السيد سابا صعبية، وكان يديرها المربي الفاضل الشهير جورج غشاش ( الذي تتلمذ عليه معظم ابناء الأسر المسيحية القصاعية الفقيرة الذين لم يكن في استطاعة ذويهم تسجيلهم في المدارس الخاصة)، ثم عمل مع شقيقيه الياس وجورج عند والدهما في محل البقالة في حين سافر شقيقهم جورج الى البرازيل حيث عاش وتوفي هناك عام 1973 كما اسلفنا.

امتلكت الأسرة بيتاً في خمسينيات القرن الماضي في وسط حارة جناين الورد المتفرعة عن القصاع، (واولها الحارة المعروفة باسم الأبركسيا) جانب مستشفى الافرنسي ومخبز القصاع الحديث حالياً، وتنتهي في شارع حلب، خلف جامع الفردوس. وهناك عاش الجميع ولم يتزوج احد من الأولاد.

وتوقف العمل بعد هدم اصحاب البيت العربي الذي كانت فيه الدكان لبنائهم وبنوه بناية كبيرة.

في جمعية القديس غريغوريوس

بعد وفاة الوالدين على التتابع عام 1975 ووفاة اخوته نور 1992، وفيوليت 2006 (وكانت شقيقتهم جورجيت قد توفيت وعمرها سنة عام 1936) وبقاء كل من الشقيقين الياس وانطون وحيدين يعيشان في هذا البيت، وكانت الناسر تراهما دوماً مع بعضهما في كل مكان، وشعوراً من جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية الخيرية بواجب رعايتهما، دعتهما وعلى نفقتها للاقامة في دار رعاية المسنين في مقرها الكائن بجانب كنيسة الصليب المقدس خاصة وكان الياس مريضاً ويحتاج الى عمل جرحي ورعاية، وبمجرد ادخالهما لدار المسنين في الجمعية تم اجراء العمل الجراحي الطارىء على ننفقتها لشقيقه الياس في المستشفى الافرنسي بالقصاع ولكن الياس ما لبث ان فارق الحياة حيث قامت مشكورة بواجب التشييع نحوه، وبقي انطون وحيداً في دار المسنين في الجمعية وكان دوماً يرثي والديه واخوته وخاصة رفيق دربه الياس حيث كانا لايفترقان ابداً.

وتعرض رحمه الله الى عدة ازمات قلبية وقامت الجمعية نحوه بكل الواجب المطلوب، وكان عفيف النفس هادىء الطباع قنوع وشكور لمن يخدمه.

تبرعه لكنيسة سيدة البشارة

تقع هذه الكنيسة في مساكن برزة حيث تم تخصيص بطريركية انطاكية وسائر المشرق الأرثوذكسية بهذه الأرض من قبل محافظة دمشق، نظراً لوجود رعية مسيحية كبيرة فيها وليس عندها كنيسة تصلي فيها حيث تقع اقرب كنيسة لهم في شرقي التجارة وهي كنيسة القديس جاورجيوس.

كانت هذه الكنيسة التي بناها على الهيكل السادة المهندس فريد عوض واخوته من اموالهم والأسرة من مدينة انطاكية السورية السليبة، وكانت غيورة على الكنيسة ومصالحها، و المهندس فريد أطال الله في عمره من كبار المهندسين وخدم البطريركية بكل غيرة، وهو الذي اشرف على بنائها، بكل حمية وغيرة، حتى نفاذ مالهم كله المخصص للمشروع، فساهمت البطريركية بعهد مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع في اكمال البناء، و ساهم محسنون كثر كل على حسب مقدرته، كان منهم على معرفتي المحسن الغيور الشاب السيد مروان جورج الجد، وكان انطون لويس رحمه الله يصرح على الدوام برغبته احياء ذكرى والديه واخوته بالتبرع لبناء كنيسة واعمال الخير.

وحالما عرف بأن مشروع اكمال كنيسة سيدة البشارة متعثر بادر بتشويق من اسرة الجمعية الحاضنة له (جمعية القديس غريغوريوس رئيساً ومجلس ادارة وادارة) الى تخصيص ما يلزم وتم استكمال كسوة الكنيسة على المفتاح وباشراف دقيق وامين من باني الكنيسة المهندس فريد عوض الذي كان والحق يقال اميناً في كل شيء وغيوراً على كل شيء وضاعف الوزنات المعطاة له وانماها… وكل ذلك كان ببركة ومتابعة واشراف ايضاً من جمعية القديس غريغوريوس وببركة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع.

وقد كرس غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر الكنيسة في غروب عيد البشارة مساء الثلاثاء 24 آذار2015 حيث وضع في مائدتها المقدسة ذخيرة من ذخائر القديسين، ومسحها بالميرون المقدس والماء المقدس باحتفال مشهود بالترتيب والدقة والأصول الكنسية، وساعده الاساقفة المعاونون البطريركيون والاكليروس البطريركي كافة، واحتفل فيه بالزياح ثلاثاً كالمعتاد في تكريس الكنائس ببهجة روحية ولا امتع… وتقبل غبطته وراعي الكنيسة ووكالتها التهاني في قاعة الكنيسة.

شاركت في هذا الاحتفال الروحي اللائق، بالاضافة الى حضور بعض المحسنين الذين ذكرهم غبطته في رفع الذبيحة المقدسة ومنهم فريد عوض وانطون لويس… وحضور رعية برزة التي طال انتظارها لترى كنيستها(والتي لولا تبرع المحسن انطون لويس لطال الانتظار أكثر) وكل رعايا دمشق وعلى انغام فرقة مراسم كنيسة الصليب الكشفية.

لم يكتف هذا المحسن بما قدمه من احسان لهذا المشروع الروحي، بل قدم كل مايملك لعمل الخير.

ومن احساناته العديدة

مساهمته بمشاريع في ابرشية بصرى حوران وجبل العرب التي هي برعاية سيادة المتروبوليت سابا اسبر منها دار ضيافة لرعية خربا في الأبرشية وهي باسم “بيت عنيا”.

اضافة الى احسانات اخرى غيرها للأبرشية.

كما قدم احسانات مالية وعطايا خيرة لدير سيدة صيدنايا البطريركي ولكنيسة مار اليان الحمصي في حمص (قبل الاجتياح والتخريب) ولجمعيات القديس غريغوريوس والقديس بندليمون لتربية اليتيمات ولجمعيته مار اليان الحمصي للرجال، ولجمعية السيدات.

وتقديراً منه لما قامت به جمعية القديس غريغوريوس التي وفرت له ولشقيقه الياس مجاناً كل حياة كريمة واحتضان ورعاية طبية واستشفائية بسخاء، وهب منزله لها وقام رئيس واعضاء مجلس ادارة الجمعية بتكريمه بتقليده وسام الجمعية ودرعها باحتفال خاص لائق بحضور كل اعضاء الجمعية.

وفاته

انتقل الى رحمة الله بتأثير آفة قلبية وعلى أثر ازمة قلبية حادة وذلك في 10/10/ 2012 ولم تتحقق امنيته بحضور حفل تكريس الكنيسة التي اكملها بماله، وتخليداً لذكرى عائلته.

وقد احتفلت الجمعية التي صارت هي اسرته وبقي وحيداً ( لم يبق من اسرته احد) بواجب جنازته بكل لياقة وترتيب وبمايلزم وحسب الأصول وتقبلت رئاسة واعضاء التعازي في قاعة مناسبات الجمعية كما اقامت لراحة نفسه الذبيحة الالهية وفي مناسبات الأربعين والسنة وحسب الأصول.

الخاتمة

من يعرف انطون لويس، يدرك الصفات الحميدة والصدقوالمحبة التي تحلى بها هذا الانسان الطيب، ونحن عايشناه مكافحاً في شبابه مذ كنا اطفالاً كما ذكرنا، وعايشناه في حي القصاع مع شقيقه المرحوم الياس، ثم نزيلاً في دار المسنين بجمعية القديس غريغوريوس، وعايشنا محبته للجميع وقد بادله الجميع المحبة وخاصة اولاد الجمعية الذين بدون اي مقابل كانوا وخاصة الصغار منهم يتبارون بمساعدته في السير او الصعود وحمل الأغراض البسيطة عنه…

كان انطون لويس من الناس البسطاء الطيبين الذين تركوا بصمة لا تمحى في المحبة والبذل والعطاء ونكران الذات…

انطون لويس عاش فقيراً لم يتنعم بما ادخرته العائلة طيلة العمر…

وتركه لتتنعم فيه الكنيسة وجمعياتها وفقرائها اي جمهرة المؤمنين، لذا فهو من ورثة ملكوت السموات وهو بالتالي من أغنى الأغنياء بالغنى الروحي الالهي.

رحمة الله عليه، وليكن ذكره مؤبداً…