ترامواي دمشق…

ترامواي دمشق…

توطئة

تعود بي الذاكرة الى حوالي نيف ونصف قرن الى الترامواي وأتذكر كم كان جميلاً وهو آتٍ ببطء ويطنطن السائق بقدمه لتبتعد الناس من طريقه وعن سكته، و يخترق حي العمارة صعوداً نحو برج الروس فينعطف نحو ساحة باب توما ومنها ينزل

حافلة ترامواي خط القصاع في آخر الخط عند جامع الثقفي في باب توما
حافلة ترامواي خط القصاع في آخر الخط عند جامع الثقفي في باب توما

المعاون وينقل السكة الكهربائية الملتصقة عبر دولاب من الأمام الى الخلف فيعود الى برج الروس ثم القصاع وصولاً الى ساحة العباسيين ليعود بعد ذلك الى ساحة المرجة، وكان خط دوما يمر من ساحة العباسيين التي لم تكن ساحة كما هي الآن لأنها كانت نهاية العمران وبداية قرية جوبر شرقاً، وبداية بساتين الكزبري والجرن شمالاً وصولا الى جسر تورا ومنها الى فرع يزيد( كورنيش التجارة وشارع فارس الخوري حالياً) يخترق خط الترامواي قرية جوبر وبساتينها الفاصلة مع قرية زملكا، مروراً بحرستا وبساتين الفواكه الشامية اضافة الى الزيتون والجوز والتوت وآخر المطاف في بلدة دوما ويتوغل قليلاً في بساتينها حيث تنتشر المعامل…

لا أغالي ان قلت ذكرياتي عن متعتنا كأطفال وفتيان من الجنسين ابناء الفوج الثاني الكشفي الدمشقي( جاورجيوس)، واعتماداً على الذاكرة وخاصة في رحلاتنا الكشفية بالترامواي الى دوما لنمضي نهارنا في انشطة كشفية كرحلة خلاء ممتعة في ايام الآحاد والعطل المدرسية حيث يكون القادة قد جهزوا لنا برنامج كشفي يومي جميل ومتنوع، ثم نعود الى دمشق عند المغيب وبحافلة الترامواي ولا تزال تتراءى امامي تلك الأراضي الغناء اراضي الغوطة البديعة ومساكب الخضار ترويها سواقي المياه الصافية من فروع بردى…

ماتحدثت عنه هو يختص بخط القصاع فقط انما كانت في دمشق خطوطاً تربطها ببعضها ومع القرى المجاورة في الغوطة المحيطة بدمشق وتتجمع هذه الخطوط في مقر شبكة الترامواي وهو مقر شركة الكهرباء الكائن في زقاق الصخر، مقابل سينما الكندي ومقهى الهافانا اليوم ،

ولا تزال خطوط السكة الحديدية بيَّنة بين الحجارة البازلتية السوداء التي رُصف بها هذا الشارع، وهي تشهد لهذا الزمن الغابر العابق بدمشق الجميلة غير المزدحمة وغير الملوثة سيما وان الترامواي يعتمد الطاقة النظيفة اي الكهرباء في تسييره انما بقوة كهربائية عالية…

ولكن التجمع والانطلاق (وفق تسمية السائقين هو “السفرات”) الى وجهاتهم كان من والى ساحة الشهداء او المرجة حيث تلتف حولها قاطرات الترامواي منطلقة الى الأحياء الدمشقية وضواحيها…

ساحة المرجة حيث تنطلق منها قاطرات الترامواي وتعود اليها بجانب محلة السنجقدار...
ساحة المرجة حيث تنطلق منها قاطرات الترامواي وتعود اليها بجانب محلة السنجقدار…

من يجوب شوارع دمشق تلك الأيام يعجب من الفارق الكبير بين المظهر الحضاري الذي تعكسه صور دمشق في عشرينيات وثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي، وبين مظاهر الفوضى والازدحام التي تميز هذه الشواع اليوم.

اليوم جوانب الشوارع والأرصفة والأزقة والردهات كلها محشوة بالسيارات، وحتى على الأرصفة وفي المنصفات وتدوس على الحدائق المستوية مع الأرصفة متلفة عشب الغازون الغالي جداً والذي احتاج جهداً ومالاً ورعاية حتى صارت بتلك الجمال، لتأتي دواليب السيارات فتتلف كل ماهو تزييني وجميل وحضاري…

لقد امسى النزول إلى وسط المدينة عقوبة للسائقين والمشاة والمواطنين الذين ابتلتهم الأيام بالسكن في وسط المدينة، بعد أن كانت مساكنهم القريبة من كل شيء محط حسد من ساكني الضواحي، فانقلبت الاية ومعها الحسد وفق مايقول الكل…

في تاريخ المشروع

نيسان 1907 الاحتفال بانطلاق اول حافلة ترامواي كهربائية صنعتها الشركة البلجيكية صاحبة الامتياز
نيسان 1907 الاحتفال بانطلاق اول حافلة ترامواي كهربائية صنعتها الشركة البلجيكية صاحبة الامتياز

مع دخول الكهرباء إلى دمشق، أواخر القرن التاسع عشر، بدىْ بالتفكير بربط المدينة ببعضها، وبمحيطها بحافلات تعتمد على الكهرباء الوليدة وقتئذ. وعلى هذا نقول ان تاريخ ترامواي دمشق يرجع الى عام 1904، لكن في العودة الى 7شباط 1889 كان قد تم الاتفاق بين وزير الأشغال العثماني (النافعة)، وبين الثري اللبناني السيد يوسف مطران، وخطط لتمديد خط ترامواي من وسط مدينة دمشق يتفرع الى فروع، أحدها يتجه نحو باب مصر، او بوابة الله في آخر طريق الميدان بمَ يُعرف الان بمنطقة القدم، والثاني الى جامع الشيخ محي الدين بن عربي في محلة الصالحية، والثالث الى الباب الشرقي ومسجد الأقصاب وبعد ذلك الى قرية دوما.

ومن بوابة الله الى المزيريب على أن تكون الخطوط الخمسة الأولى تُجَّرُ مركباتها بواسطة الخيل. وخط المزيريب تُجَرُ مركباته بالبخار، وهي الفكرة الأساس لبدايات الخط الحديدي الحجازي الى مكة والمدينة.

خط الترامواي في محلة الشيخ محي الدين بن عربي سوق الغنم
خط الترامواي في محلة الشيخ محي الدين بن عربي سوق الغنم

وقد منح السيد يوسف مطران بموجب الاتفاق امتيازاً مدته ستون سنة، وتعهد بمباشرة العمل خلال سنة اعتباراً من تصديق مقاولة امتيازه، وان يُنجز العمل خلال سنتين ونصف، ولم يقم المستثمر المذكور بتنفيذ مقاولته.

وتقدم الأمير محمد أرسلان طالباً امتيازاً بتوليد القوة الكهربائية واستثمارها، فتم الاتفاق معه في 18 محرم سنة 1321ه = 1903م تقريباً على تنوير دمشق وضواحيها بالكهرباء لمدة تسع وتسعين سنة، على ان ينتهي العمل في اربع سنوات، ثم أخذ أرسلان امتيازاً آخر بتقديم القوة الكهربائية اللازمة لتسيير حافلات الترام على الخطوط الممنوح امتيازها قديماالى المستثمر السابق يوسف مطران.

الشركة البلجيكية

وفي 23 شوال 1322ه (5كانون الأول 1904م) أسست شركة بلجيكية مساهمة باسم ” الشركة العثمانية السلطانية للتنوير والجروالكهرباء بدمشق” برأسمال ستة ملايين فرنك وزعت على عدة آلاف من الأسهم، وحصلت الشركة على جميع الامتيازات المتعلقة بهذا الشأن.

باشرت الشركة عملها خلال سنة 1904 فمددت خط ترامواي من ساحة الشهداء( المرحة) الى باب مصر او بوابة الله في منتهى محلة الميدان، وطوله ثلاثة كيلومترات ونصف كيلومتر وهو خط مزدوج، وشاهد الدمشقيون حافلات الترامواي لأول مرة تسير في دمشق على هذا الخط في نيسان 1907، ثم مُدِّدَ الخط الثاني من ساحة الشهداء الى الجسر الأبيض سنة 1909، وتم تمديده لاحقاً الى المهاجرين سنة 1911، وطوله ثلاثة كيلومترات ومائتا متر، وهو مزدوج حتى الجسر الأبيض، والباقي الى المهاجرين خط منفرد، والخط الثالث يبتدىء من الجسر الأبيض الصالحية، وينتهي عند جامع الشيخ محي الدين بن عربي، وطوله كيلومتر واحد وهو مزدوج، وعرض هذه الخطوط متر وخمسة سانتيمرات.

االترامواي في دمشق الحافلات الكهربائية من 1907 الى 1967اشارع الصالحية
الترامواي في دمشق الحافلات الكهربائية من 1907 الى 1967 شارع الصالحية

تنوير دمشق

بُدِىءَ بتنوير مدينة دمشق منذ شهر نيسان سنة 1907، وولدت الكهرباء من مياه نهر بردى في معمل كهرباء دمر على مساقط مياه بردى، وتم ذلك في عام 1909، توسعت الشركة بعد ذلك في عهد الفرنسيين ودخلها مساهمون فرنسيون واستمرت تستثمر الكهرباء والحافلات وفي سنوات 1930-1932 مددت خط القصاع وخط دوما، وفي عهد الاستقلال انتقلت ملكية الشركة الى الحكومة السورية، وتحولت الى “مؤسسة كهرباء وترامواي دمشق”

وكان دخول عربات الترام نقلة نوعية في حياة دمشق المتعطشة للتحديث، بعد أن كانت عربات الكروسة (الحنتور) التي تجرها الأحصنة والبغال تجوب شوارعها بشكل اعتباطي، مخلفة الفوضى والضجيج وروث الخيول يملأ الشوارع.

حافلة ترامواي امام مدخل سوق الحميدية في ثلاثينيات القرن 20 والى اليمين عربات الكروسة او الحنتور بجانب قصر العدل في شارع النصر
حافلة ترامواي امام مدخل سوق الحميدية في ثلاثينيات القرن 20 والى اليمين عربات الكروسة او الحنتور بجانب قصر العدل في شارع النصر

 وفي الفترة نفسها تقريباً دخلت دمشق عالم القطارات للسفر البعيد، وبذلك شعرت دمشق بأنها مدينة حديثة، شأنها شأن المدن العريقة في أوربا، ومن يتأمل صورة لساحة المرجة والترامواي يقف فيها، يظن نفسه حقاً في مدينة برلين أو لندن أو باريس في بداية القرن العشرين.

 كانت مرحلة الترامواي، مرتبطة بصعود حركة دائبة لتحديث دمشق، وكانت الطاقة الكهربائية عنوانها البارز، ولذلك نشأت الأحياء الراقية المبنية وفق الطرز المعمارية الحديثة على جانبي خطوط الترامواي، كان ثمة مدينة تولد من رحم تلك المرحلة، هي نفسها المدينة التي نراها اليوم في شارع العابد والبرلمان والمرجة وشارع بورسعيد والمهاجرين والصالحية، وقد بدت ابنيتها شاهدة على عصر ذهبي يذكرنا بالمدن العريقة حول العالم. والتي ما تزال تحتفظ بألقها وقدمها الجميل.

الاضراب الستيني 1936 ودور الترامواي فيه

ترتبط بعض الأحداث المهمة في تاريخ سورية بالترامواي، فالاضراب الستيني عام 1936 والذي قاد إلى استقلال سورية فيما بعد، بدأ بعد قرار رفع أجرة الترام نصف قرش سوري، حيث أقدمت الشركة البلجيكية المشغلة للمشروع على هذه الخطوة التي باركتها سلطات الانتداب الفرنسي يومها، وهو ما أثار حفيظة الوطنيين السوريين وعلى رأسهم فخري البارودي الذي دعا إلى القيام بحملة احتجاجات ضد السلطة الفرنسية المنتدبة، واندلعت شرارة المواجهات وامتدت سريعاً إلى مختلف المحافظات السورية، وامتد هذا الإضراب قرابة الستين يوماً، لذلك أطلق عليه الإضراب “الستيني”، حيث امتنع الموظفون عن الذهب إلى عملهم، وأُغلقتْ المحال التجارية أبوابها، وقامت مجموعة من الطلاب الجامعيين وطلاب مكتب عنبر ومدارس الآسية الأرثوذكسية بالوقوف على جسر فكتوريا لمنع وصول الطلاب إلى الجامعة، وصارت مجموعة أخرى من الطلاب أيضاً تنشر قوائم سوداء تضم أسماء الطلاب الذين يداومون في الجامعة.

خط الميدان بوابة الله القدم
خط الميدان بوابة الله القدم

وتُوِجَ الإضراب بإسقاط حكومة الشيخ تاج الدين الحسني وشكلت وزارة جديدة في (24 /2/1936) برئاسة عـطا بك الأيوبي لتدير المفاوضات بين الكتلة الوطنية وفرنسـا، بعد أن أيقنتْ فرنسا أنه لا سبيل أمامها سوى اللجوء إلى المفاوضات. وتكَوّن وفد من الكتلة الوطنية برئاسة هاشم الأتاسي وسعد الله الجابري وفايز الخوري وعبد الرحمن الكيالي وعفيف الصلح، وجرت المفاوضات بين الكتلة الوطنية والمفوضالسامي الفرنسي دومارتيل يوم 28 من شباط 1936م في مدينه بيروت حول إيقاف الإضراب وبحث القضية السورية، وهو ما قاد إلى معاهدة 9 أيلول 1936‏‏ والتي اعترفت فيها فرنسا باستقلال سورية كدولة مستقلة.

إلغاء الترامواي

قررت الحكومة عام 1962، تصفية شركة الترام، واستبدال هذه الوسيلة الحضارية الخالية من التلوث، بالحافلات التي تعمل على المازوت، والتي بدأت منذ ذلك الوقت تنفث سمومها على أبنية المدينة، محولة لون الحجارة الجميل إلى لون رمادي كالح. وبدأت الغاء الخطوط تدريجيا الى ان انتهى وجود الترامواي وبكل أسف في عام 1967 وآخر الخطوط كان خط القصاع، وكان التبرير بالغاء خطوط الترامواي بسبب ماتسجله شركة الترامواي كل عام من خسارة لمزاحمة السيارات للحافلات الكهربائية، وهي اسرع، اضافة الى أن حافلات الترامواي أصبحت قديمة لايمكن استيراد أمثالها أو القطع اللازمة لصيانتها.

ساحة الشهداء او المرجة منطلق وعودة خطوط ترامواي دمشق ويبدو النصب التذكاري الذي اقيم من قبل الشركة البلجيكية تخليداً لمشروع تنوير دمشق وخطوط الترامواي
ساحة الشهداء او المرجة منطلق وعودة خطوط ترامواي دمشق ويبدو النصب التذكاري الذي اقيم من قبل الشركة البلجيكية تخليداً لمشروع تنوير دمشق وخطوط الترامواي

ومن نافلة القول ان ترامواي دمشق سبق بمائة عام ترامواي دبي الذي افتتح في 11/11/2014 وان دمشق تأتي الثالثة عربياً بعد الاسكندرية 1863 والجزائر العاصمة1898

الخاتمة

يتعجب السوريون المتواجدون في عدة بلدان كالدول الأوروبية و تركيا ودبي من مشاهد تطور وسائل النقل فيها، فالأنفاق التي يمر بها المترو والحافلات الكهربائية ويتألمون على الغاء الترامواي المؤتبط بذاكرة كل دمشقي ومنهم نحن رغم اني عاصرت عشر سنين الأخيرة منه واعياً ومستخدماً اياه في رحلات الكشافة.

فالترامواي هو الوسيلة الحضارية التي ربطت كل مناطق العاصمة ببعضها بسهولة ويسر، بحيث صار الساكن في القصاع مثلاً خلال العقودالخمسة الأولى، يتنقل بسرعة من القصاع مثلاً الى بوابة القدم او خط المهاجرين الصاعد على قاسيون.

كان الترامواي من أهم الوسائل المتواجدة في دمشق المدينة في فترة من الفترات من القرن الماضي، وكان التنقل به يتم كما اسلفنا بسهولة ويسر ويقف لكل من يطلب ذلك، اذ ليس له موقف ثابت بالمعنى الدقيق، فترى الناس ينزلون ويصعدون اليه بسبب بطء حركة سيره وخاصة في الأسواق المكتظة كالعمارة وشارع الملك فيصل، بينما كانت الناس تحجم عن الركوب فيه في بداياته كما يقول المتقدمون في السن ويدعوهم السائق والكمسياري للصعود.

خط الصالحية
خط الصالحية

ومن مذكراتي ومشاهداتي وكل دمشقي معاصر،كيف كان الصبيان يتعلقون بالحافلات، والكثير منهم كان يقع وتعلق قدمه برفراف الحافلة ويصاب بالأذى الشديد نتيجة سحله مابين خطي السكة وخاصة عند الضواحي حيث فُرِشَ الحصى كما حصل مع البعض من اقراني. والكثير منهم كانوا يحاولون اللعب أو التنقل بها خوفاً من دفع الأجرة.
كما ان دمشق لم تكن في أواسط العقد الرابع من القرن العشرين قد عرفت انتشار السيارات أو التنقل بها لا على نطاق ضيق، والذين يملكون سيارة كانوا يعدّون على الأصابع، وكان يحلو لهم القيام بعرضها في مطلع فصل الربيع على طريق دمشق- الربوة، في “السيارين” عند الشادروان ومتنزهات الربوة، وهم يتباهون بسياراتهم ويمرون بها في شوارع دمشق مختالين أمام الناس الذين كانوا يقفون على جانبي الطريق للفرجة عليها.

وقبل ذلك كان الموسرون يعتمدون على الحناتير المغلقة أو المكشوفة في تنقلهم ، والشريحة الكبرى من الناس اعتمدت الترامواي بديلاً من هذه الوسائل الآنفة الذكر، وذلك إذا لم يتوافر لهم وسيلة أخرى…

جسر فكتورريا صعوداً الى محلة الفردوس
جسر فكتورريا صعوداً الى محلة الفردوس

لقد وفّر الترامواي على الناس عبئاً كبيراً من هموم تنقلهم في المدينة، فقد وفر المواصلات كما اسلفنا وبربط احياء دمشق ببعضها من مركز المدينة بساحة الشهداء الى القدم فالقصاع فالمهاجرين فالشيخ محي الدين بن عربي فدوما في اخر الغوطة الشمالية الشرقية… ويستطيع الراكب ان يدور على دمشق وضواحيها فقط بتدبيل الخطوط.

وعودة على بدء (كما قلنا) لاتزال صورة الفتيان ماثلة في الذاكرة، يوم كانوا يتعلقون بالترام، وكيف كان الشرر يتطاير من حدوة أحذيتهم لدى إسراع الترام ويكون الحذاء ملامساً للسكة التي يسير عليها الترام، يومها كان ثمن الحذاء باهظاً، والأب يجعل في أسفل وكعب حذاء ابنه حدوة (قطعة من الحديد)، تساعد على استقامة الحذاء والحفاظ على (البوز والكعب) مدة اطول في قدمي الولد، والقول الشعبي الدمشقي الدارج في تلك المرحلة على السنة الآباء” رجلين ابني بتفري الحجر فري”.

أما عن الصور المتعلقة في ذهني، كتلميذ، بهذا الخصوص عن الترامواي في تلك الأيام، فأذكر منها اعتقاد معظم التلاميذ بأنه إذا جُمِعَ سقط بري قلم الرصاص ووُضِعَ على سكة الترامواي، ومرّ ت حافلة الترامواي فوقها سينجم عنها ممحاة جيدة، والمسمار إذا مرّت عليه الحافلة ستتحول إلى سكين حاد.

وهو ماجربته فعلاً في صغري، وخاصة عند الانصراف بعد الظهر من المدرسة، وكنت بعمر حتى ست او سبع سنوات ( كنت بمدرسة القديس يوحنا الدمشقي الابتدائية في القصاع وكان الدوام المدرسي فيها صباحي وبعد الظهر بمعدل ست ساعات من 8 صباحاً الى 12 ظهراً ومن 2 الى 4 بعد الظهر) وكان الترامواي يمرعلى سكته

ساحة المرجة
ساحة المرجة

الملاصقة للرصيف في حي القصاع، فكنا ورفقتي نسارع الى وضع السقط الناجم عن بري قلم الرصاص الخشبي، ونضعه على السكة لتمر فوقها دواليب الحافلة، ونصاب بخيبة الأمل من عدم تحولها الى ممحاة، وترانا وقتها نضع التبريرات بأن خشب هذا القلم لايصلح “مابينفع”…

وكيف كان يحلو لبعض الاطفال والفتيان الركوب في الترامواي، وعدم دفع أجرة الركوب، حتى إذا فاجأهم “الكمساري” الجابي يتحايلون عليه ويهربون فلا يدفعون أجرة الركوب، وكيف يعمدون إلى شدّ سنكة الترام المتصلة بأشرطة الكهرباء التي تمد الترام بالقدرة فيتوقف الترام، ويهرب الفتيان الراكبون بلا أجر، وهم يتصايحون ضاحكين وساخرين على سائق الترامواي بقوله “دوّر السنكة وارجاع وشعيل الضوّ الوراني.”

كم كنا بسطاء وسعداء في تلك الأيام من ذاك الزمن الجميل.

وكم كنت متألماً عندما بادرت البلدية بتزفيت شارع القصاع فوق السكة، وكم كنت متألماً اكثر عندما بادت الى اقتلاعها بالجرافات ولعنت وقتها لأني كنت أأمل ان الترامواي سيعود الى دمشق، وكان ذلك في فترة السبعينات او أقل.

حبذا لو تعود فينا سورية بالذكريات التي مهما كانت رمادية تبدو لنا اليوم جميلة وتبعث في واقعنا الأليم الحاضر واقعاً جميلاً. وهو مانصبو اليه.