القديس الشهيد يعقوب الحماطوري

القديس الشهيد يعقوب الحماطوري

مقدمة

يرتبط اسم قديسنا الأنطاكي الشهيد بالقلعة الروحية دير سيدة حماطورة الواقع في بطن جبل حماطورة في شمال لبنان ليس عن بعد كبير من دير سيدة البلمند البطريركي، ولعل الصعود اليه يُذَّكِّر كل قاصد لهذا الدير بالسلم المصعدة الى الله لصعوبة المسالك، ولكنه وبمجرد وصوله الى هذا الدير العابق بروحانية الرهبنة الشهية، والاستقبال الحار الذي يلقاه من الرهبان بوجوههم المشرقة وجميعهم من حملة الشهادات الجامعية والجامعية العليا، اضافة الى تأهيلهم الروحي في البلمند الجميل قلعة الروح واللاهوت في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي وديره العابق بتراث انطاكية العظمى…

رمس الشهيد يعقوب الحماطوري وهو عبارة عن هيكله العظمي مقطوع الرأس وقد البس حلة كهنوتية بصفته كاهنا
رمس الشهيد يعقوب الحماطوري وهو عبارة عن هيكله العظمي مقطوع الرأس وقد البس حلة كهنوتية بصفته كاهنا

ومن أجل ان تصل الى دير سيدة حماطورة في رسكيفا عليك ان تنزل الى وادي قاديشا من جهة كوسبا الكورة عبر طريق معبدة، وهناك توجد شركة الكهرباء، وعلى جسر اسمنتي تمر لكي تصل الى طريق توصلك الى درج تصل من خللاه الى دير سيدة حماطورة وفي اثناء ذلك وعلى هذه الطريق الصعبة تجد ماهو جميل ومبهج للين وللنفس من مناظر طبيعية خلابة تدعوك للصلاة وتسبيح الخالق… 

بمجرد وصولك والاستقبال الحار، وتقديم الماء البارد المحلى بالسكر، وفي هذا فائدة طبية، كما حصل معي وشعرت بالأزمة القلبية التي عانيت منها ولا ازال، وقد عاودتني واحسست بأني في خطر ووقفت خمس مرات، وانا الكشاف المعتاد ومنذ طفولتي على المسير في البرية وصعود المرتفعات عبر المسالك الصعبة…

وادي قاديشا ومساقط المياه فيه
وادي قاديشا ومساقط المياه فيه

ولكني اعتمدت على السيدة الطاهرة العذراء مريم فأوصلتني بسلام وإن كنت منهكاً فحمدت السيدة الطاهرة على ايصالي بسلامة الى ديرها، والحقيقة اني لم اكن اعرف القديس يعقوب، في زيارتي هذه تعرفت عليه… وبمجرد وصولك الى درج الدير المباشر، تنسى هذا التعب الذي اوقفك كثيراً عبر صعودك هذه المسالك الوعرة…

يتبع هذا الدير المبارك لمطرانية جبيل والبترون وتوابعها (جبل لبنان) ويرأسه ورهبنته سيادة الارشمندريت الصديق بندلايمون فرح الغريد بصوته وادائه الرائعين وقد أعاد الى الحياة الانطاكية عامة والرهبانية الأنطاكية الرجالية خاصة هذا الدير العابق بالروحانية تعبداً وليتورجيا وتراتيل ارثوذكسية غاية في العذوبة… وواحة يأتيها الشباب المتعب من ضجيج الحياة العصرية وتفاهتها فيشاركون في الامسيات الروحية وفي اعمال الدير وخدمته بكل سعادة وحبور وتأتيها الرحلات الكنسية بكثافة بالغة للزيارة بالرغم من صعوبة ارتقاء الجبل، ولكن الزوار يستمتعون بمتعة مابعدها من متعة.

دير سيدة حماطورة
دير سيدة حماطورة


وهنا اقول مؤكداً ان هذا الألق الروحي في المكان الموصل للدير الذي يشابه  الجنة واسماً وشفاعة للسيدة الطاهرة… أكيد هوالذي دفع بقديسنا الأنطاكي المجهول والمنسي السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي ليختار هذا الدير خاتمة لجهاده في سبيل كرسينا الأنطاكي المقدس في القسطنطينية وفي طول بلاد الله وعرضها حيث استراح ورقد بالرب…

وهنا في موقعنا بعد هنيهة باذن الله نكتب عن ديرنا هذا دير سيدة حماطوره، وعن قديسنا المنسي ديمتري شحادة لعلنا نظهره الى الواجهة ونسلط عليه الضوء…

القديس يعقوب الحماطوري

عاش قديسنا ناسكاً في العام 1450مسيحية في دير رقاد السيدة الطاهرة في حماطورة، كان كاهناً أباً وراعياً لرعية المسيح الناطقة، وقد احتمل الاضطهادات العنيفة التي اثارها المماليك على الكنيسة عموماً، وعليه خصوصاً. حمل رعيته في قلبه وفي جهاده وفي حياته كلها وكان هذا دافعه الأول للعذاب، ومن بعد عذابات فائقة احتملها لأجل رعيته ولاجل الايمان بالرب يسوع بثبات وصبر، نال الشهادة بقطع رأسه، مترافقة بصلوات حارة للرب يسوع ليقبل استشهاده وحتى اثناء إعدامه بقطع هامته.

ايقونة القديس يعقوب وفيها مشهد قطع رأسه
ايقونة القديس يعقوب وفيها مشهد قطع رأسه

كان قديسنا الشهيد يعقوب مؤمناً بما تحمله ويتحمله وسيتحمله من عذاب وحتى بقطع هامته، لأنه يقدم بذلك شهادة صالحة بأنه ابن وخادم للرب يسوع، فكان في خاتمة حياته كما كان في حياته يؤدي الشهادة ً للرب يسوع له المجد وقضى له شهيداً…

حياته الرهبانية واستشهاده

برز قديسنا الشهيد يعقوب الحماطوري بنشاطه في حياته الرهبانية والنسكية في منطقة دير سيدة حماطورة بعد ان دمره المماليك، فأعاد بناء الدير، وجدد الحياة الرهبانية فيه ونشطها، فأقبل عليه معتنقوها تحت اشرافه وتدبيره، واقبلت عليه ايضا الجموع العطشى الى كلمة الرب ولتشرب من معينه،ولتتشدد بتعليمه وجهاده في مواجهة الاضطهادات العنيفة التي اثارها المماليك بحق المسيحيين في مصر وبلاد الشام.

هذا النشاط اثار حفيظة المماليك، فقرروا تغيير عزمه وثنيه عن نشاطه وتحويله الى اعتناق الاسلام وجحد ايمانه المسيحي، وفي هذا الفعل رأوا انهم يدمرون المسيحية فيقتدي به اتباعه، ويقبلون على الاسلام.

لم يقبل قديسنا رغم كل وسائل الشدة التي اتبعوها معه، وجرياً على عادتهم بتعذيب الناس عموماً، والمسيحيين خصوصاً والتنكيل بهم، لم يقبل اغراءاتهم ولا ضغوطاتهم ولم تثنيه تعذيباتهم له، وفي النهاية وبعد يأسهم من رفضه أن يجحد ايمانه المسيحي أخذه المماليك تحت التعذيب الشديد من دير القديس جاورجيوس الكائن في أعلى جبل حماطوره، حيث كان ينسك، وجروه مهاناً الى طرابلس أمام واليها، فبدأت محاكمته، وكانوا تارة يتملقونه أطواراً يتهمونه بافتراءات ضاغطين عليه بتعذيبات شديدة وتهويلات، فلم يقبل ولم ينثن…

يقونة تمثل القديس يعقوب ورفاقه الشهداء الذين عثر على هيكلهم في ارض الكنيسة وبينهم الطفل
ايقونة تمثل القديس يعقوب ورفاقه الشهداء الذين عثر على هيكلهم في ارض الكنيسة وبينهم الطفل

أخيراً حكم عليه والي طرابلس بقطع رأسه، ونفذ الحكم في 13 تشرين الأول وقطعوا هامته الشريفة.

إعلان قداسته واكتشاف قبره

امعاناً بالتعسف، قام المماليك بإحراق جسده ولم يسلموه الى الكنيسة فيتم تكريمه ودفنه كشهيد، وكما يليق بالقديسين الشهداء المجاهدين، لكن الله توجه بأكاليل لا تذبل ومتعه بالنعيم بعد الهوان في زمن قليل. فبرز في استشهاده كما كان بارزا في حياته بل وأكثر من ذلك، إذ اعلنته كنيستنا قديسا تكرمه وتستشفع به.

لكن ونتيجة الضعف الروحي وعدم القراءة والمعرفة في زمن الأتراك العثمانيين التالي لزمن المماليك والذي لم يكن أقل جوراً منه، نُسي القديس يعقوب…!!!

احد ابنية دير سيدة حماطورة
احد ابنية دير سيدة حماطورة

يذكره  كتاب سير القديسين (السنكسار) بإيجاز في مخطوطة بلمندية تحت رقم 149 في يوم 13 تشرين الأول، لكن قديسنا بعد أن نُسي بسبب استبدال المخطوطات المحلية بالترجمات عن اليونانية التي أغفلت ذكر قديسسنا المحليين، وما أكثرهم، فكان دوماً حاضراً مع المصلين، فمنهم من يظهر لهم ويباركهم، ومنهم من يشفيهم، كان مراراً يرتل في الكنيسة فيسمعه الرهبان والزوار فيتشددوا في جهادهم الروحي.

وقد ظهر مرة في الوحي لإحدى المؤمنات موصياً اياها بإخباررهبان دير سيدة حماطورة انه سيكشف لهم قبره، فلم يكترث الرهبان لهذا الأمرفي البداية، لكنه في الثالث من تموز 2008 فيما كانت أعمال تجديد البلاط في دير سيدة حماطورة جارية، وُجِدَتْ عظام بشرية تحت تراب أرض كنيسة الدير، وبان للفعلة وللرهبان قبر صغير يحوي هيكلين عظميين، تظهر عليهما آثار التعذيب والضرب وبعض الدم المتجمد وبعض عظامه، وهيكلين عظميين آخرين تبين بعد الفحوصات المخبرية الحديثة التي أجراها الدكتور ناجي صعيبي المختص بالطب الشرعي، أن الهيكلين يعودان الى نيف و650 سنة، وعلى احد الهيكلين آثار حريق، وقد قطعت هامته، وفقدت الفقرة الثانية من رقبته، مما يدل حسب المواصفات التي يذكرها مخطوط السنكسار البلمندي، على أنها للقديس يعقوب الحماطوري الذي كان حين إعدامه في الخمسين من عمره، وكذلك رفيقه في الأربعين من عمره. أما الهياكل الأخرى فترجع الى نيف و 450 سنة تقريباً.

لافتة في اول الطريق الى دير سيدة حماطورة وعليها ارشادات روحية
لافتة في اول الطريق الى دير سيدة حماطورة وعليها ارشادات روحية

اعتبر الأقدمون هذه الرفات مقدسة، فلم يدفنوها في مدافن عادية بل في وسط الكنيسة وبطريقة سريعة لاخفائها نتيجة الظلم والضغوطات والاضطهادات، كذلك وجدت تحت المائدة المقدسة بعض عظام جمجمة الطفل مما يدل على أن الأقدمين اعتبروهم شهداء. وحين تعرضت الكنيسة للتخريب، أعادوا تكريسها في 16 تشرين الثاني سنة 1894 أي قبل الآن ب 121 سنة، وأن عدداً كبيراً من المؤمنين يزور الدير المبارك هذا، ويتبرك بالصلاة لوالدة الاله القديسة صاحبة هذا الدير وشفيعته، وللقديس يعقوب الحماطوري قديس هذا الدير وقديسنا.

اليوم بات تكريم القديس يعقوب أكثر شيوعاً من ذي قبل، فالكثير ممن ينالون بركة القديس يعقوب وتتحقق امنياتهم كافة ومنها الشفاء من الأمراض المستعصية والخطيرة يعودون الى الدير الشريف ليدلوا بشهاداتهم البسيطة عما فعله القديس يعقوب معهم مسجلين شكرهم ومحبتهم وعبوديتهم للرب القدوس الذي أعطى المؤمنين هذا القديس الشهيد والبار ورفقته منارات ترشد التائهين الى ميناء طاعة الله ومحبة القريب بمَ يُغدقُ من أشفيةونعم.

وقد وردت سيرته في موقع “السراج الأرثوذكسي” بعنوان:

“زائرة وقديس (يعقوب الحماطوري)”

” ونحن في الطريق روى نسيبي قصة يعقوب الحماطوري، الذي كان رئياً للدير، استشهد زمن المماليك، وأُحرق جثمانه في إحدى ساحات طرابلس. يعقوب  الحماطوري بقي حاضراً في ذلك المكان. إلا انه اكتسب مقامه الطبيعي مع تسلم الطبيب الشافي بندليمون، رئاسة دير حماطورة. وقد وافاه الشهيد يعقوب مراراً مبلغاً قصته، وطالباً منه رسم صورته. وبعد التقصي والتحري تبين للطبيب الشافي أن الرجل فعلاً وجد. وأنه كان رئيساً سابقاً للمقام زمن المماليك، وأنه اختفى بعدما تم جلبه الى طرابلس. وقد بان اسمه في عدد من الوثائق الديرية. فأمر الرئيس أحد رهبانه بالصلاة والصوم ثم كتابة ايقونة للشهيد. لكن الأيقونة التي كتبت ماكانت تعبر عن الصورة الواقعية ليعقوب الحماطوري، الواقعية مما استلزم زيارة القديس نفسه في الحلم للراهب الرسام، طالباً منه تأمل ملامحه والمباشرة بالكتابة الفورية لصورته، الى أن وُفق في رسمه. وقد أعلنت الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية قداسة يعقوب الحماطوري مع كل مستلزمات هذه العطية من كتابة قطع في الليتورجيا لزوم تكريمه في صلوات خاصة. وبعد تعريفنا بيعقوب الحماطوري باسهاب استكمل نسيبي مداخلته مضمنا اياها قصة القديس والزائر مشيراً: الى أنه في وقت ليس بالبعيد، وافت إمرأة مريضة وسمينة وقد تقدمت في السن بغية زيارة الدير فسارت على الدرب الصعبة الضاربة في الجبل الى ان ادركتها نوبة قلبية، فشعرت بلهب وعطش. وأدركت عندها ان ساعتها قد أتت، وانها لن تتمكن من بلوغ المكان. فراحت تصلي وتتضرع الى أن لمحت راهباً آتياً من بعيد يحمل في يده ابريقاً ودواء. فناولها الماء والدواء، وانتظرها حتى تعافت. ثم انكب يساعدها في تسلق الدرب الى أن قاربت الوصول، فغاب الراهب. ولما وصلت المكان سارعت الى رئيس الدير وأبلغته قصتها، طالبة مقابلة الراهب الذي أنقذ حياتها.جمع ” الطبيب الشافي” – رئيس الدير رهبانه بكاملهم.

من رهبنة دير سيدة حماطورة وجوقة الترتيل فيها
من رهبنة دير سيدة حماطورة وجوقة الترتيل فيها

الا ان المرأة السمينة لم تجد منقذها في محفل الرهبان الذين حضروا. فأحتار “الطبيب الشافي”، وما أجاب، بل اصطحبها الى كنيسة الدير لتسديد نذرها. وراحت عيون الزائرة تراقب الأيقونات المعلقة على حيطان الكنيسة الى أن أدركت إحداها، فصرخت عندها:”هوذا منقذي!!!”

أدرك رئيس الدير بأن يعقوب الحماطوري هو من زودها بالماء والدواء وساعدها على اجتياز الطريق. فلم تكن هذه القصة يتيمة إذ أن قصصاً أخرى قد حصلت من هذا القبيلفتراءى القديس لأناس كثر.”

عيده

اخوية رهبنة دير سيدة حماطورةبالاسكيم الرهباني ورئيس الدير الارشمندريت بندلايمون فرح في المنتصف
اخوية رهبنة دير سيدة حماطورةبالاسكيم الرهباني ورئيس الدير الارشمندريت بندلايمون فرح في المنتصف

تعيد كنيستنا الأنطاكية الرسولية المقدسة لقديسنا في يوم استشهاده اي في 13 تشرين الأول من كل عام.

وكان دير سيدة حماطورة ورهبنته قد احيوا تذكاره لأول مرة في 13 تشرين الأول من عام 2002 في سهرانية روحية ولا امتع اشترك بها عدد كبير من الكهنة والشمامسة والرهبان اضافة الى جمهور كبير من المؤمنين المحتفلين بقديسنا هذا، وقد كتب خدمة عيد هذا القديس الليتورجية ولحنها ورئسها سيادة رئيس الدير الارشمندريت بندلايمون فرح…

ويستمر هذا الاحتفال في كل عام ويتزايد عدد المؤمنين المحتفلين بقديسنا عاماً إثر عام.

فشفاعته تدوم معنا الى الأبد.