جورج بن ميخائيل بن موسى صيدح

جورج بن ميخائيل بن موسى صيدح 

توطئة

هو شاعر رحالة أديب سوري مجيد لكن بكل أسف لم يعط حقه… بينما نتغنى بشعراء وادباء كثرين اقل منه في اقتداره، ومن كل العصوربدءاً بعصر البداوة… وننسى هذا النبع الفياض حباً لدمشق خصوصاً ولسورية عموماً… لانجد له قصائد في الكتب المدرسية ولا في اغانينا الوطنية والقومية ومعظم طلابنا يجهلونه… ولا يتحدث عنه الا قلة…

كم نحن مقصرون بحقك ايها الشاعر الفحل في دمشقيتك ووطنيتك وانتمائك المسيحي عموماً الأرثوذكسي خصوصاً… وانتمائك العروبي الصرف اسلامياً ومسيحياً بالمقدار ذاته…

من هو هذا الشاعر المجيد؟؟؟

انه الشاعر الدمشقي الكبير جورج صيدح…

في التسمية

سُمّيت أسرته بصيدح لاشتهار بعض جدوده برخامة صوته (1)

يقول علمنا عن أصل تسمية العائلة ب” صيدح ” وهل لهذه التسمية علاقة بعذوبة الصوت قال: ” بحثت مرة عن شجرة أسرتنا وعن أصل التسمية ” صيدح” فعثرت في خزانة جدي لوالدي ” كان تاجر أقمشة في خان قريب من الجامع الأموي في دمشق” على مجلد ضخم متين يضم صفحات التوراة والأناجيل مع صفحات بيضاء مضافة اليها، وعلى هذه الصفحات كان جدي يخط تاريخ العائلة أباً عن جدويسجل حوادث الميلاد والوفاة والعماد والزواج… وياللأسف، إن هذا الأثر الثمين فُقِدَلما بيعت مفروشات بيتنا مع جميع محتوياتهبعدما قررت العائلة الاستقرار في القاهرة…ولم يفطن احد لسحب التوراة من الخزانة المذكورة. ويروي جدي تسلسل البطون والأفخاذ من قبيلة عربية زحفت من حوران الى دمشق.

جورج صيدح
جورج صيدح

أما عن التسمية فيقول انها لقب غلب على الكنية الأصلية لما اشتهر أحد أجدادي برخامة صوته في قبيلته، يؤكد أن الأجيال المتعاقبة لم تخل من صاحب صوت رخيم يبرر اسم “صيدح” ويذكر أطرف حادثة جرت له سنة الستين ، اي سنة المذابح والفتنة الدينية (2) فقال مامعناه:” ولما هاجم بيتنا الرعاع بسكاكين وخناجر مصبوغة بدم الجيران عرفني واحد منهم كان استضافني مراراً وسمع غنائي فمنع رفاقه من الفتك بي على شرط ان أجود على مسامعهم بعض الآيات القرآنية ففعلت ونجحت في التاثير عليهم، فما كان منهم الا ان البسوني عمامة بيضاء وجروني الى مئذنة الخراب (3) وطلبوا مني ان أؤذن. فأذنت واشتريت حياتي وحياة عائلتي بهذا الثمن.

وقد سمع الأمير عبد القادر الجزائري(4) بالحادثة فأرسل قبل المغرب رجالاً من حاشيته نقلوني مع عيالي الى قصره(5) حيث بقينا في حمايته الى نهاية الاضطراب.”

السيرة الذاتية

ولد في دمشق القديمة في حي بالقرب من مدرسة مكتب عنبر حيث التلون الديني مابين ابناء دمشق فهناك المسيحيون والمسلمون واليهود…

ثم دخل إحدى المدارس الابتدائية، وكان مبرّزاً باللغة العربية، فأرسله ذووه إلى  كلية عينطورة بلبنان ليتعلم الفرنسية، فتخرج منها سنة 1911، وترك الدراسة ليلتحق باخوته في مصر وليعمل بالتجارة، فأقام بها ثلاثة عشر عاماً، واصيب بنكبة مالية بعد نجاح كبير ، فاتجه إلى أوربا سنة 1927، وتزوج من فتاة فرنسية، ثم وفي نهاية 1927 سافر الى كراكاس عاصمة فنزويلا، فأقام فيها عشرين عاماً يعمل بالتجارة، ولما بلغ الخمسين من عمره انصرف الى المطالعة والسياحة…

فانتقل في عام 1947 إلى الأرجنتين، وأسّس فيها “الرابطة الأدبية”  في الفترة (1949ـ1951) التي ضمّت مجموعة من الأدباء المهاجرة في الأرجنتين…

يقول في رسالة شهيرة وجهها الى الاستاذ سامي الكيالي في هذا الصدد مايلي:

مكتب عنبر
مكتب عنبر

” ولدت في حي اسلامي من احياء دمشق اسمه ” زقاق الصواف” قرب مكتب عنبر عام 1893 وكنت سادس المواليد في العائلة قبل اثنين تبعاني، وكان اخوتي الأطفال يرتادون مدرسة ابتدائية(6) هي مدرسة القديس نيقولاوس الأرثوذكسية في حارة الكنيسة الأرثوذكسية(7) البعيدة عن منزلنا ، وتلافيا لهذه المشقة اشترى والدي “وكان قاضياً في محكمة استئناف الحقوق مدة 30 عاما، منزلاً بجوار المدرسة تجاه الدار البطريركية فانتقلنا اليه ولزمت هذه المدرسة عاما واحداً (1899) ومنها انتقلت الى المدرسة الآسية، وأنهيت العلوم الابتدائية في عام 1909 وكنت مبرزاً في العربية مقاطعاً للدروس باللغات الأجنبية فعاقبني اهلي بسجني في كلية عينطورة (8) بعيداً عنهم لكي اتعلم الفرنسية، فدرست

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

فيها عامين ونلت الشهادة الممتازة عام 1911 وكان ذلك آخر عهدي بالدرس والتحصيل إذ أُكرهت على ممارسة العمل الذي امقته وهو التجارة، فانتقلت تواً من عنطورة الى المتجر في القاهرة، وصرت صدفة غنياً من أغنياء الحرب، ولكن خسرت مالي ومركزي بعد سنين معدودة، حملني الافلاس على الهجرة الى اوربا عام 1925 في طلب الرزق ولما تعذر وجودي هناك هاجرت الى فنزويلا وتاجرت 20 سنة متوالية. وفي سن الخمسين انسحبت من ميدان الاعلام وفقاً لعهدة بيني وانصرفت الى المطالعة والى السياحة في انحاء العالم والى اليوم، حاملاً في قلبي جرح الاغتراب على جبيني آثار الجهاد المرهق.”

جهاده الأدبي وانتاجه

الشاعر جورج صيدح هو الثاني من اليمين معتمراً الطربوش
الشاعر جورج صيدح هو الثاني من اليمين معتمراً الطربوش

ويتابع علمنا بالقول

” آثاري هي المذكورة في الدراسات المنشورة عني، لم أقف على طبع أثر واحد منها لسوء الحظ فكانت جميعها مشوهة بالأخطاء المطبعية، الديوان الأول “النوافل” طبعه محرر جريدة في بيونس ايرس بينما كنت مقيماً في فنزويلا عام 1947، ولولا اني ارصدته للجان الدفاع عن فلسطين لأحرقته اشمئزازاً منه. تلاه مجموعة صغيرة باسم ” النبضات ” أصدرها كبيرة الحجم فنان عراقي ادعى المقدرة والعبقرية في الاخراج فكات الطبعة نكبة ثانية، ولا تخلو صفحة من خطأ مطبعي، وبعد إهداء بعض نسخ مصححة بخطي تعبت ومللت فألقيت بما بقي في مستودع الزبالة…

ثم على أثر زيارتي الأولى للأوطان قادماً من الأرجنتين تطوع صحفي لبناني على تسجيل ما جريات رحلتي في كتاب طريف جمعه وطبعه بعد سفري من بيروت فلما عدت الى بيروت نهائياً من الأرجنتين ووجدت ألف نسخة ” الف خدعة ” معنونة باسم ” السفارة الأدبية ” ناديت خدام الفندق فحملوها الى المطبخ وألقوها في الأتون!!!

في عام 1956 نشرت جامعة الدول العربية محاضراتي في معهد الدراسات في طبعة سقيمة أخجلتني وأثناء وجودي في باريس طبعت دار العلم للملايين الطبعة الثانية 1957 والطبعة الثالثة 1964 وأنا بعيد…

أما ما لم يُطبع ويُنشر فهي حكايات حداثتي ونكبات تجارتي ومشقات غربتي وانحرافات سيرتي وخيانات أصدقائي…”

لوحة زيتية لمحلة مكتب عنبر
لوحة زيتية لمحلة مكتب عنبر

ويتابع:” لما بدأت بتدوين الصفحات الأولى وأرسلتها الى الصديق فريد جحا ندمت على تسرعي وانقطعت عن التدوين ولم احتفظ بنسخة مما كتبت اليه، ذكريات فيها كيف نظمت الشعر قبل أن احسن كتابته في عهد الطفولة، وكان أول ما نشرت منه عام 1910 في جريدة البرق لبشارة الخوري ثم توالت قصائدي على مجلة ” سركيس ” اثناء اقامتي في القاهرة فلم تخل مجموعة منها، مع العلم أني كنت غارقاً في بحر التجارة، لم اتعلم العروض في المدرسة ولم اقتن معجماً عربياً الا في الأرجنتين بعد التقاعد من الأعمال التجارية.”

وقد نشر صيدح في الصحف العربية دعوة شعرية لعقد أول جلسة في منزله، ومنها هذه الأبيات

مساء يوم الأربعاء المقبلِ

    

موعدنا يا سيّدي في منزلي

غايتُنا الترويحُ عن أنفسنا

بنفحةٍ من نفحاتِ الأمـــل

بجرعةٍ من أدبٍ مقــطّرٍ

وحقنةٍ من سمرٍ معلَّـــلِ

تجمعنا رابطة روحيـــة

من يعدل الدنيا بها لم يعـدلِ

محلة الخراب
محلة الخراب

وانفرط عقد الجمعية التي كانت تجتمع مساء كلّ أربعاء في منزله بعد عودة صيدح إلى الوطن، واستقرّاره في بيروت مابين عامي 1952و1959، ثمّ عاد إلى باريس وتوفي فيها.

أنشأ صيدح في كرا كاس مجلة “الأرزة”، كما أنشأ فيها صحيفة “الرابطة الأدبية”. وأصدر خمس مجموعات شعرية ودراسة في الشعر المهجري، وهي: “النوافل”

 طبعها في عاصمة الارجنتين بوينس ايرس السنة 1947، واتبعها بالمجموعة الشعرية “النبضات” وقد صدرت في باريس السنة 1950.

و”حكاية مغترب في ديوان شعر”، طبعت في بيروت 1960، و”شظايا حزيران”، طباعة بيروت 1969، و”شظايا أيلول”، طباعة باريس 1971، ودراسة في الشعر المهجري بعنوان: “أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية”، طُبعت ثلاث طبعات في القاهرة وبيروت (1956 و1957 و1965).

حنينه الدمشقي

صيدح هو الشاعر الذي حمل عشق دمشق بين جناحيه وطاف به العالم. دمشق لم يبرح عشقها شرايينه مع ولادته فيها سنة 1839 وكانت دمشق الصوت الصادح الذي تعالى مذ ولد في ازقتها فقد تغلغل كنسغ يخرج من روحه وفؤاده… هي دمشق جورج صيدح…

حنينه إلى دمشق موطن أجداده وملعب صباه نجده مبثوث في كثير من قصائده، فهو يتعبّدها كما يتعبد الوثني الصنم بقوله لها

يا دياراً عبدْتُهـــا

    

مثلما يُعْبَدُ الصَّنَـــمْ

لكِ قربتُ مهجتـي

وشبابي الذي انصرمْ

ومتاعي وصحّتي

وشعوري وما نظــمْ

دمشق شارع الكلاسة بجوار قلعة دمشق
دمشق شارع الكلاسة بجوار قلعة دمشق

وهو مقيم على حبّه لوطنه ومسقط رأسه دمشق، ويتمنّى ألاّ يقضي نحبه بعيداً عنه، فيقول

يا مسقطَ الرأسِ، والأرحامُ تجمعُنا

    

حاشا تغيِّرُني في حُبِّكَ الْغِيَـــرُ

أنسى يميني ولا أنساكَ يا وطنـا

فيكَ ابتدا ـ ليتَهُ فيك انتهى ـ العُمُرُ

ومن جميل ما قاله هذا الشاعر في فنزويلا في صلة المهاجر بوطنه متشوقاً إلى
دمشق تظهر ذلك التعلق والحنين الذي لا تشوبه شائبة وهو في الوقت ذاته يرنو إلى وطن قوي وثّاب هذه الأبيات

حلمت أني قريب منك يا بردى………. أبلّ قلبي كما بلّ الهشيم ندى
ونصب عيني من البلدان أبدعها……… سبحان من أبدع السكان والبلدا
دمشق أعرفها بالقبة ارتفعت…………. بالمرجة انبسطت بالشاطئ ابتردا
بالطيب يعبق في الوادي وأطيبه……… في تربة الأرض غذاها دم الشهدا
تغوص في لجة الثرثار ذاكرتي……… على الأغاني التي أسمعتني ولدا
فأنثني وربيع العمر عاودني………….. كأنني لم أضعه بالنزوح سدى
أهواك في قلبك الشفاف لاح به……….. ظلّ المآذن والأشجار مطردا
أهواك كالليث وثاباً ومقتحماً………….. كالأفعوان تلوّى كالغزال عدا
أهواك في يقظتي أهواك في حملي……. أهواك مقترباً أهواك مبتعدا

ومن رائعته “حنين إلى دمشق” نختار عزفه على أوتار القلب وذلك عام 1925، ويبدو أنها نظمت في القاهرة يرثي ويحن ويبكي لما فعل المحتل
ذكرتها نائياً والدمع هتّان……………… أمٌ تناست بنيها حالما بانوا
دمشق إن قلت شعراً فيك ردده………… قلبي كأن خفوق القلب أوزان
أنا وليدك يا أماه كم ملكت…………….. ذكراك نفسي وكم ناجاك وجدان
أنا عليل النوى لا برء ينعشني………… إلا نسيم عليل منك ريان
عهد الشباب وعهد الشام إن مضيا…….. فكل ما أعطت الأيام حرمان
يا جنة الأرض غاصت في خمائلها……. منابع الرزق هل يرضاك جنّان؟
أم العروبة عين الله تحرسها………….. عند الشدائد إن أبناؤها لانوا
تطل من ربوة الأزهار هامتها…………. كأنها من كتاب الحسن عنوان
سريرها غوطة في مهدها اضطجعت ….. وألقت الرأس فاستلقاه حوران

الشاعر جورج صيدح
الشاعر جورج صيدح

وعندما قصف المعتدون الفرنسيون دمشق سنة 1945 أنشد في اجتماع الجاليات العربية في كاراكاس
هتكوا الستر وهمّوا بالصفيّه………….. أكذا يستام عرش الهاشميه
ليس هذي أمة بل أمويه………………. ذات خدر عصمته المشرفيه
إنها تأبى وتأبى البشريه………………. أن نراها للفرنسي مطيه
وطني المنكوب إن تحصِ الضحايا……. أحصني إني جريح في حشايا
لست أرثيك بترديد الشكايا……………. بل أهاديك سلاحاً وسرايا
جنة الدنيا أقريك السلاما……………… بل أهاديك سلاحاً وسرايا
وعلى الغوطة نار تترامى……………. صيّرت أروقة العز رغاما
وجرى في بردى دمع اليتامى………… عائماً حيث دم الآباء عاما

في عام 1951 أريد للشاعر صيدح أن يكون مع مندوب الجنرال بيرون في مهمة لدى رئيس الجمهورية العربية السورية في دمشق، فجاء الشاعر بعد أربعين عاماً من الغياب، وكانت هذه القصيدة التي نشرها في مجموعته “حكاية مغترب”:
هشت سماء الشرق للمغرب………….. ولوحت بالشمس للموكب
جلالة تسعى إلى أختها………………. من أفق رحب إلى أرحب
حتى إذا الغوطة ضمتهما……………. صفقت الأركان في يثرب
من مبلغ بيرون عن جلق…………….. تحية الأطياب للطيب
وأنها قصر له أخضر………………… عن قصره الوردي لا يختبي
عيّدت الشام لوفد أتى…………………. من أبعد الأقطار عن يعرب
لكنه الأقرب من قلبها…………………. والقلب حنّان إلى الأقرب

في القصيدة نرى شاعراً ناقداً محباً لعروبته وأرضه، ساخطاً على أن أوضاع البلاد لم يغيرها الاستقلال بعد خمس سنوات، متألماً لأن هذا الواقع يجعل العرب غير قادرين على نجدة استغاثة فلسطين الصارخة تريد عوناً ومعيناً، ويعيد كل ذلك إلى الفساد، والزعامات التي تريد الأوطان لها وحسب، غير عابئة بما يجري على

وربما كان لهذه القصيدة ما يسوّغ النقد الجارح فيها، فهو في مهمة رسمية، لذلك كان أقرب إلى السياسة والنقد، مع بروز حبه وحرصه على بلاده، وشوقه إليها، وشوقها له. ” بردى” التي كتبها عام 1947 في كاراكاس في فنزويلا متشوقاً إلى دمشق تظهر ذلك.

وشارك جورج صيدح شعبه العربي في الدعوة إلى الوحدة والتضامن، ووقف ضد الاستعمار الفرنسي الذي ضرب دمشق بوحشية في قصيدته “دمشق الجريحة”، ثم غنّى لها أغنية النصر المؤزر حين تمّ الجلاء، وأوصى المحتفلين بالوحدة العربية الشاملة وبالنهوض لاسترجاع فلسطين، وهذا ما جاء في قصيدته “جلوة الحرية” في مجموعته “حكاية مغترب”، ومنها هذه الأبيات:

هيّئي يا دمشقُ أقواسَ نصــــر

    

من عناقِ الأعلامِ والمشرفيّهْ

وانظمي موكبَ الجلاءِ وسيري

أمّةً بالجهادِ تُبعثُ حيـــّه

في طريقٍ تعبَّدتْ بالمواضـــي

كلُّ باعٍ بها ضريحُ ضحيّــهْ

كم شهيدٍ تحتَ الجنادلِ مُصْـــغٍ

إنْ وقفتمْ عليه ردّ التحيّـــهْ

يا حداةً لهودجِ النصرضجــّوا

بدعاءٍ للوحدةِ العربيـــــهْ

وحذاراً يا حامليه فأنــــتم

تحملونَ الكرامةَ القوميـــــه

إنْ أراقتْ يومَ الزفافِ دموعــاً

ففلسطينُ بالدموعِ حَرِيـــــَّهْ

جورج صيدح لم يكن شاعراً بل كان تاجراً، ومن هنا تنبع أهميته الكبرى، وفضله يرتفع أكثر فأكثر، إذ حوله حبه لمدينته دمشق، وحنينه إليها إلى شاعر يصوغ أبدع الأشعار، ويستذكر المعالم التي افتقدها، فبانصرافه إلى التجارة، غادر صيدح إلى القاهرة ليمارس تجارته هناك، وبقي في القاهرة ثلاثة عشر عاماً حتى عام 1925 وكان قد وصلها عام 1912، وعلى الرغم من التشابه، واللسان العربي، والانشغال بالتجارة والمال كانت دمشق حاضرة في وعي الشاعر جورج صيدح، ولم تنتقل إلى الذاكرة. وفي القاهرة أخذ شعر الحنين يشتعل في قلب الشاعر وقافيته، إذ عرف في قاهرة المعز أهمية شام الأمويين وقيمتها، واشتاق لمرابعها ومتنزهاتها وأنهارها ومساجدها وكنائسها وإنسانها. هذا ما كان من شأنه، وهو بين قومه وأهله، فماذا سيكون حاله عندما يهاجر من مصر إلى فرنسا، ثم إلى فنزويلا ليستقر ويصبح واحداً من المهجرين، وناطقاً باسمهم.
جورج صيدح الشاعر الوطني والقومي

جورج صيدح شاعر الحنين والقومية، وهو في هذا لا يخرج عن منظومة شعراء المهجر الجنوبي الذين عاشوا بأجسادهم في المهاجر، ولكنّ أرواحهم لم تغادر مساقط رؤوسهم، فظلّوا يحنّون إلى تفاصيل صغيرة، لأنّهم احتفظوا بهذه التفاصيل وصورها في مخيّلاتهم، وقد غادروا أوطانهم وهم في مقتبل العمر، ومنهم الشاعر القروي وزكي قنصل، والياس قنصل، والياس فرحات…وسواهم.

 ثمّ إن هؤلاء الشعراء، وفي مقدمتهم جورج صيدح قد واكبوا الأحداث القومية صغيرها وكبيرها،وعاشوا نضالات واسعة في مهاجرهم دفاعاً عن هذه القضايا وخاصة قضية فلسطين، وقد وقف صيدح جانباً كبيراً من شعره على هذه القضية، وله في هذا المقام قصيدة يصف فيها جهاد فلسطين في مجموعته الشعرية “النوافل” بقوله

أرضٌ تحجُّ لها الدنيا مبايعــة

    

بيعتْ بفلسِ مرابٍ غيرِ محتشــمِ

واهاً فلسطينُ كم غازٍ قهرتِ وكم

جيشٍ رَدَدْتِ عنِ الأسوارِ منهزمِ

حتى لُطِمْتِ بكفّ لاسوارَ لـها

شعب بلا وطنٍ، جند بلا علــمِ

حثالةُ القومِ من شتَّى الديار أتــتْ

ببرقعِ الدين تخفي وصمةَ النَّهــمِ

فأين سيفُ صلاح الدين يَرْدَعُـهُمْ

أمالَهُ خَلَفٌ في العربِ كلِّهــــِمِ

حمل صيدح على عاتقه همّ العربية والوطن، لذا توجه إلى الصحافة، فأنشأ مجلة في فنزويلا تعتني بالأدب والشعر والثقافة بالعربية، وتجمع الأدباء العرب لتكون مستراحاً لهم، ووطناً يصلهم بوطنهم الذي فارقوه، حتى يزول حاجر الغربة، وتبقى العلاقة وطيدة بين المهاجر ووطنه، وبذلك كانت مجلته التي أنشأها «الأرزة» ذات قيمة كبيرة، وإضافة إلى مجلته، فقد آمن صيدح بأن المجهود الفردي قد لا يصنع شيئاً ذا قيمة وحده، ومن هذا الإيمان قام جورج صيدح بتأسيس الرابطة الأدبية في فنزويلا، وأراد لها أن تجمع الأدباء العرب هناك، وتشكل رابطة للكتاب العرب، وفي كل ذلك لم يتخل الشاعر عن عمله الأساس في التجارة ليقوم على تأمين أشيائه، ولا يكون تحت إلحاح الحاجة لأحد، وبذلك كان الشاعر تاجراً وصحفياً ومؤسساً للرابطة الأدبية

كتابه “أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية”

يعدّ من الدراسات الأكاديمية الجادة في الأدب المهجري، وهو في الأصل محاضرات ألقاها المؤلف على طلبة الدراسات العليا في معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة السنة 1956 بدعوة من مديره ابو خلدون ساطع الحصري، وهو كتاب وحيد في بابه تحدّث فيه صاحبه عن الهجرة وأدب المهاجرين وخصائص هذا الأدب ومناحيه ومآخذ النقاد عليه، كما تحدث فيه عن أدباء المهجر في الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين والبلاد الأخرى.

يعدّ جورج صيدح من الشعراء والأدباء الذين قدّموا خدمات عظيمة لقضايا العرب أينما حلّ، وشعره صورة عن حياته وهمومه، وهو مثال للإنسان المهاجر الذي ظلّ لصيقاً بتراب وطنه وهو بعيد عنه، ثمّ إنه من الشعراء الذين تركوا بصماتهم على الشعر العربي الحديث

وشعر صيدح شعر متين ومعبر عن أحاسيس المغترب كما توحي حكايته عن اغترابه، وقد آثرت أن أختار لهذا الشاعر الكبير الذي لم يأخذ حقه من أشعاره التي قالها في دمشق، وتمثل هذه الأشعار ذروة من ذرا الحنين والعاطفة منها قصيدته “حكاية مغترب” أعلاه…

ونذكر للشاعرالمسيحي الأرثوذكسي جورج صيدح ابياتاً من قصيدة نظمها بمناسبة عيد المولد النبوي

وجه أطل على الزمان………. لألأوه شق العنان

فيه شعاع النيرات…………… وفيه انفاس الجنان

ضاقت قريش به، أما……….. يكفي قريش الأزهران؟

من ذا رأى طفلاً ينا………….غي الله بالسبع المثان

نبذ التمائم وهو في …………مهد الرضاعة والختان

ياصاحبي: بأي……………. آلاء السماء تكذبان؟


خاتمة

هو الشاعر، هو ابن الشام جورج صيدح الذي عاش الشام مقيماً ومرتحلاً، حمل همها بين جوانحه وكأنه لم يغادرها! …

كيف غادرنا؟ كيف أهملناه؟…!
أين هو؟؟؟

اين هذا الشاعر الدمشقي الأخاذ في عشقه للشام في كتبنا في أغانينا في قصائد طلابنا وأبنائنا؟
شاعر في الانتماء والمجد والحب له المكانة العليا التي إن بخلنا بها فالشام أهدته مآذنها وصلبانها قبل أن يخلق التاريخ.

حواشي البحث

1) عندما تم توثيق الكنيات في بلاد الشام اعتباراً من القرن 17 وقد تم توثيق الكنيات اما للحرفة او المهنة كالنجار…مثلاً، او للموطن الأصل كالدمشقي … مثلاً، او لصفة ذاتية كالأشقر او الأسمر او الحلو… ومن هنا اتت تسمية اسرة علمنا صيدح اي رخامة الصوت…

2) المذابح الدينية في عام 1860 التي ضربت جبل لبنان ودمشق وجبل الشيخ وجبل العرب… وكانت الكارثة في دمشق هي الأفدح بحيث ادت الى استشهاد اكثر من نصف مسيحيي دمشق وخاصة ابناء الكنيسة الأرثوذكسية لأن احياءهم كانت هي خط الجبهة بينما استطاع عدد وفير ولله الحمد من ابناء الكنائس الأخرى من الالتجاء الى دير سيدة صيدنايا والاحتماء به نظراً لمتانته وبلغ عدد شهداء دمشق وحدها حوالي 12000 وبين 4000 و5000 من ابناء جبل الشيخ كانوا التجؤوا الى دار البطريركية الأرثوذكسية قبل ايام من وقوع الكارثة بدمشق والكنيسة المريمية وبقية كنائسها وافترشوا الرض والتحفوا بالسماء …جميعهم قضوا عدا عن دمار كل بيوت وكنائس ومتاجر وخانات ومستشفيات المسيحيين في شرق دمشق… وتعد هذه الكارثة من اكبر الكوارث التي فتكت بالمسيحيين خلال تاريخهم في بلاد الشام وبلغ عدد الأديار المدمرة في دائرة الفتنة كلها حوالي 42 دير و500 كنيسة… واستشهد عدد كبير من الكهنة والرهبان والراهبات كان في مقدمهم القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي وخمسة كهنة من كهنة المريمية من اصل سبعة تم إعدامهم…من قبل الرعاع وبدعم من شمدين آغا قائد ميليشيات الأكراد والجيش العثماني المكلف بحماية المسيحيين واحيائهم…

وهاجر ربع من تبقى في معظمهم الى بيروت وسكنوا في تلة الأشرفية بمخيمات ايواء وسرعان ماعمروها وسكنوها واوجدوا لهم مدارسهم وجمعياتهم الخيرية وقسم مماتبقى هاجر الى اميركا ومصر والسودان وبقيت اقلية مرتاعة…مع الاشارة الى ان الوالي المصلح فؤاد باشا الذي اوفده السلطان العثماني الى دمشق لضبط الأحوال شجع المسيحيين على العودة بعد ضبطه للأمن ومعاقبة رؤوس الفتنة واولهم والي دمشق احمد باشا واعدمه فوراً واخلى حارات من سكانها المسلمين لايواء المسيحيين المنكوبين وسمح بعودة من اسلم للنجاة وعددهم 500 الى المسيحية…علما ان الاسطول الروسي ضرب بيروت ووصلت القوات الفرنسية الى البقاع فاصبحت بلاد الشام تحت التدخل العسكري الأجنبي حماية للمسيحيين، الأمر الذي دفع بالسلطنة لهذا الاجاء واطلقت يد واليها وهووزير خارجية محنك.. وللانصاف فان ثمة عدد من رجال الدين الاسلامي والوجهاء مع الأمير عبد القادر الجزائري حموا ما امكنهم من المسيحيين… وقد سجل لهم التاريخ هذه المأثرة.

3) مئذنة الخراب الموجودة حالياً بجوار الدار البطريركية، وقد أقامها المسلمون حين فتح دمشق عام 635 والتقاء جناحي الجيش بقيادة ابي عبيدة بن الجراح صلحاً من باب الجابية وبقيادة خالد بن الوليد حرباً من باب الشرقي وقد اقيمت لأن كنيسة مريم دخلت في املاك الدولة لوقوعها بين شطري المدينة المفتوحة شرقاً حرباً وغرباً صلحاً.

4) الأمير عبد القادر الجزائري كان مع قلة من مشايخ ووجهاء دمشق المنفتحين على اشقائهم المسلمين الذين كان لهم دور متميز في حماية وايواء ما امكنهم وقد الجزائري بحماية المسيحيين بجنوده الجزائريين في قلعة دمشق.

5) ) هي مدرسة القديس نيقولاوس الأرثوذكسية التي كانت في اصلها كنيسة القديس نيقولاووس وتدمرت في فتنة 1860 واقيمت في مكانها مدرسة بالاسم ذاته. واستمرت حتى الاربعينيات من القرن 20.

6) الكاتدرائية المريمية.

7) في جبل لبنان