ايقونة السيد له المجد

توطئة

الأيقونة تعريفاً هي الصورة المقدسة للسيد له المجد ولوالدته الفائقة الطهر

صورة الرب يسوع وهو في درب الآلام على المنديل بيد القديسة فيبرونيا لما مسحت وجهه بمنديلها
ايقونة الرب يسوع التي لم تصورها يد بل انطبعت صورة الرب يسوع وهو في درب الآلام على المنديل بيد القديسة فيبرونيا لما مسحت وجهه بمنديلها

وللقديسين…

كيف استُعمِلَ رسم المخلص في في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ماهي منزلته التاريخية؟ وكيف حافظت عليه الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل هو صورة المسيح الحقيقية ام لا؟

وعليه نقول أن من يتتبع تاريخ رسم السيد له المجد يجب ان يضع امامه ثلاثة مصادر مهمة

1) الصور الرمزية للمخلص.

2) الصور الحقيقية القديمة.

3) الصور المنقولة عن الصورة الفيزانتدينية.

ايقونة الرب يسوع
ايقونة الرب يسوع

وهذه المصادر الثلاثة مطابقة تماماً لما يقابلها من الصروف المسيحية التاريخية، ومرتبطة بها برباط غير منقطع.

ففي العام الأول المسيحي كان السيد يُمثل احيانا براعٍ صالح، أو حَمَلْ او غير ذلك، ولكننا لانرى في هذه الصور صورة السيد التاريخية نفسها، بل نرى مايدل عليها فقط، والتباين في هيئات هذه الدلائل، قد يكون مرة عظيماً حتى لا نكاد نميز في صورتين مختلفتين الشخص الواحد، وقد يكون تارة كما يُرى في ايقونات المخلص الحقيقية.

اما في القرنين الثاني والثالث فنرى السيد مصوراً تارة وهو يقيم لعازر من بين الأموات، وطوراً وهو يبارك الخمس خبزات، وما اشبه ذلك ففي هذه الصور المقدسة لا نجد ملامح السيد واحدة بل مختلفة، وعليه اذا طويناً كشحاً عن الصفات القليلة الخطورة فيها، وجمعنا الملامح المهمة في اسرة واحدة أصيلة، ينتج معنا الوصف التالي لصورة السيد الأولى وفيها يترآى السيد لنا انساناً بمقتبل العمر معتد ل الجسم ذا ملامح لينة جذابة وشعر طويل أو قصير غير ملتح بعد متشحاً برداء واسع قابضاً بيده اليمنى على عصا او دُرجٍ من الورق دلالة على التعليم. كونه كان يُنادى بالمعلم.

اقامة لعازر
اقامة لعازر

فهذه هي اول صفات اختصت بصورة السيد بقيت مستعملة حتى منتصف القرن
الرابع وهي اذا وجهنا اليها نظرة انتقاد صائبة نراها فاقدة التناسب بعيدة عن الحقيقة اشبه بصورة بطل قديم منها بصورة السيد له المجد.

في ابان ذلك كان الفن قد دخل في طور زهوه وازدهاره ولم تكن موجودة بعد تحديدات كنسية لصورة السيد وفي الفن نفسه لم تكن ايضاً قد انشئت تخطيطات الصور، ولهذا فالمصورون قد صوروا السيد بحسب أذواقهم الخاصة بكل منهم، وبما ان افكارهم التصويرية كانت مبرمجة على مشربهم القديم، فقد ظهر السيد له المجد في صور غير متناسبة…

انما في كل صورة من هذه الصورلم تكن ذات ملامح مستبعدة او صفات وثنية هرطوقية بل كانت ذات ملامح حرة مخترعها ومصورها من المسيحيين المؤمنين.

قلنا ان هذه الصور القديمة بقيت مختصة بالسيد حتى منتصف القرن الرابع، أما بعد هذا فقد ابتدأ التعويل على الأصل المسمى ب (الفيزانتديني) المستعمل الآن، والمحفوظ في الوقت الحاضر، وفي هذا الأصل يتراءى السيد لنا ذا صفات صارمة بشعر طويل مفروق، ولحية خفيفة تظهر أحياناً كأنها قسمان واقدم صورة من هذا النوع اكتشفها بوزيو على لوحة من عظم الفيل محفوظ في متحف الفاتيكان ينسبونها للقرن الرابع وينسبون ايضاً لهذا القرن عدة صور على خمسة أضرحة المتحف اللاتيرنسكي وأكثر من ذلك مكتشفات بوتاري في كاتكومبات دومينلي وبتيانا تنسب للقرنين الخامس والسادس.

وهكذا كان هذا الأصل يتداول دون تغييرات هامة في متاحف رومية ورافينسكي وغيرها من القاعات التصويرية حتى القرون الوسطى مع اختلافات قليلة في الصور اليونانية المنقولة عنه.(1)

الرب يسوع
الرب يسوع

أما صنعة هذا الأصل فهي دقيقة حسنة تنعكس عنها اسمى العواطف واشرف المزايا.

واما اتقانه فيمكن معرفته من المشرب الكهنوتي الرومي البيزنطي الذي
لايسمح بالتغييرات، ثم انتشاره الواسع في الغرب دليل واضح على ان الصنعة الرومية السائدة في تلك الأيام في القرون الوسطىحتى وفي اوربة الغربية.

السؤال…

كيف استعمل في كتابة الأيقونات هذا الأصل؟

أحقيقة هو بذاته يؤلف صورة حقيقية للإله المتأنس؟ أصورة المسيح الحقيقية هي هذه الصورة؟ ام هي صورة تخيلية مخترعة ومفترضة كبقية الصور؟؟؟

الجواب

لا شك ان التحديد الملاحظ في هذا الأصل يقودنا الى البحث عن رسمه، ومع ذلك فاننا اذا عهدنا الى تقدير الدقة والاتقان الموجودين فيه، نرى ان اشياء ما تضاده على خط مستقيم مثلاً اذا تتبعنا شهادة الكتبة الكنسيين وآباء الكنيسة بهذا الخصوص نلاحظ انهم مختلفو الآراء متناقضو المذاهب، فبعضهم يزعم ان الكنيسة ما عرفت صورة السيد كالقديس ايريناوس اسقف ليون، واو غسطينوس المغبوط اسقف قرطاج، قد وافق على هذا الرأي عندما رأى المسيحيين يمثلون السيد المسيح له المجد بصور متباينة كل على حسب ذوقه، والبطريرك القسطنطيني فوتيوس يوجه الى كتاب الأيقونات والمصورين في زمانه هذا السؤال:

يسوع معلماً
يسوع معلماً

أترى صورة السيد كانت كما يصورها الرومانيون او الشرقيون او المصريون، فالرومانيون يصورونها رومانية الملامح، والشرقيون شرقية، والمصريون مصرية والأثيوبيون اثيوبية.

بيد اننا بالتفاتنا الى هذا السؤال نرى ان الأصل القسطنطيني او الرومي البيزنطي ايضاً مع عظيم شهرته وعلو مكانتها، لايخلو من بعض ملامح تعكس جنس مصور وكاتب ايقونة السيد، كما نرى الآن اذا تتبعنا بعض الرسوم المصغرة عنه عند السوريين والأقباط والأرمن …وغيرهم قديمة كانت ام حديثة…

وبعضهم كالشهيد يوستنيانوس والقديس اقليمس الاسكندري، وترتليانوس استناداً على ماجاء في الاصحاح الثالث والخمسين من نبؤة اشعياء النبي يزعمون ان السيد له المجد لم يكن جميل الصورة وجهاً وقامة، ولهذا فإن تسيلس في خصامه مع المسيحيين تهكم عليهم معاتباً بقوله:

القيامة واحداث الصلب والآلام
القيامة واحداث الصلب والآلام

” ان السيد كان بحسب رأيهم غير جميل …”

ورأى (تسيلس) هذا ان السيد المسيح يجب ان يكون متميزاً عن جميع الناس حتى بالوجه ايضاً… ويشاكله بمبدأه هذا ايضاً (اوريفن) الذي يزعم:” ان السيد المسيح لم يمتز بملامح محدودة ولكنه ظهر لكل بحسب مبدأه.”

اما القديس يوحنا الذهبي الفم فقد أثبت ان السيد كان جميل الصورة مستنداً على ماجاء في المزمور ال44 وفسر كلمات اشعياء بأنها تشير الى هيئة السيد المحزنة في وقت آلامه، وقد وافقه على ذلك القديس غريغوريوس النيصصي وامبروسيوس والمغبوطان ثيودوريتوس وافغاستينوس ولهم آراء كثيرة بخصوص ذلك، ولكن لم يكن لها شأن لو ان الزمان أعطانا صورة السيد الحقيقية فاجتهد كثيرون في الحصول على هذه، ولكن لم يفلحوا وكانت منهم كونسطانتسيا شقيقة القديس العظيم قسطنطين، فانها قد فتشت على ذلك كثيراً ورجت افسابيوس اسقف قيصرية طالبة اليه المساعدة، لكن افسابيوس يعتذر بأن صورة كهذه غير موجودة لذا يستقيل من تكليفه بهذه المهمة.

وفي كتابه السابع من التاريخ الكنسي يذكر بأنه سمع عن وجود تلك الصور في زمانه للسيد والرسل الا انه لايعتبر تلك الأقوال جدية، غير ان هذه الرسوم بقطع النظر عن شهادة افسابيوس الفرضية لها شأن جليل.اما الأصل الرومي الآنف ذكره، فهو كناية عن استنباط تصويري لهيئة السيد الخارجية كما وصفه علماء اللاهوت والمصورونلأنه في ذلك الوقت كانت الصور الابتدائية عند المسيحيين غير جميلة وناقصة نظراً لحداثتها في الفن اولاً ولتمثيلها الجمال الظاهري لا الروحي والعواطف المسيحية ثانياً فصورة السيد بانطباقها مع العواطف المسيحية يجب ان تحوي في ذاتها الجمال الأدبي واللياقة الحسنى.

فالأصل البيزنطي وحده بنوع خاص هو الحاوي هذه الصفات التي تعكس عنه حقيقة العظمة الالهية المتأنسة ابتداء من القرن الرابع المسيحي بالتدريج كما قلنا يتمكن في الفن المسيحي حتى اصبح أخيراً غير متغير لكثرة شيوعه ودقته فاليه ينظر المسيحيون كما الى صورة السيد الحقيقية وبواسطته يتمثلون الصفات الظاهرة للسيد له المجد.

الصلب
الصلب

ومما يستحق الانتباه له هو مطابقة وصف القديس يوحنا الدمشقي لهذا الأصل فيقول ان السيد كان طويل القامة مندمج الجسم ذا عينين جميلتين وأنف سمستقيم طويل له لحية سوداء متوسطة وشعر طويل أجعد كث الحاجبين رأسه مائل الى الأمام حنطي اللونمشابه لأمه العذراء الطاهرة.

كذلك وصف كاتب مسيحي لها ايضاً من كتاب القرن الرابع عشر، وهو نيكوفور كاليست فيقول ان السيد كان جميل الوجه مستديره طول قامته نحو سبعة أشبار شعره طويل متوسط في الكثافة اسود الحاجبين مستقيمهما وعيناه نجلاوان ساجيتان وانفه طويل مستقيم ذو لحية قصيرة ورقبة مائلة بملامح رصينة وديعة شبيه بامه الخ، ويعاد الوصف نفسه باختلاف يسير في رسالة مزّورة مشهورة من جمعية لينتولا الى المجمع الروسي المقدس المؤلف من كتبة الأيقونات ومؤلفي الموضوعات عن صورة السيد له المجد الخارجية.

فجميع الأقاليم المتنصرة بواسطة الدولة الرومية والخاضعة لسلطة تمدنهم قد احتكرت هذا الأصل باستعمالها اياه، كما يشاهد عند السلاف والسوريين والأقباط والأرمن وشعوب القفقاس، واذا كانت صور بعضها تظهر فيه ملامح خاصة فهي قليلة جداً وغالباً ماتكون في العينين لكن الملامح الجليلة بالاجمال بقيت ثابتة غير متغيرة حتى وفي كتابة الأيقونات الغربية بقطع النظر عن انفرادها عن الشرقية منذ القرن الثالث عشر.

ثم أن اشهر مصوري القرن الخامس عشر الى السابع عشر قد أخذوا بملامح هذه الصورة الأصلية، وبعدئذ زخرفوها بمبتكرات مخيلاتهم ايضاً. فمصوروا الايقونات النمساويون وشمال أوربة قد جعلوا هذا الأصل كأساس لأعمالهم التصويرية، وعلى الاجمال، قد نال هذا الأصل منزلة رفيعة عند اصحاب الفن، ممن اشرأبوا الى ايضاح الشعور النفسي العميق. وبالعكس عند اولئك الذين عمدوا الى النقطة الطبيعية في التصوير، فقد غيّروا هذه الصورة اللائقة، وابدلوها بصورة جديدة غير معروفة في الزمان المسيحي، تمتاز عن الأولى بأنها تمثل السيد المسيح له المجد بملامح انسان عادي، خاضعة لسلطة الموت والآلام بعيدة عن كل نصرة ومساعدة من الله الآب، وخصوصاً في آلامه الشديدة.

ايقونة الموعظة على الجبل يسوع يعلم الجموع التطويبات والصلاة الربانية
ايقونة الموعظة على الجبل يسوع يعلم الجموع التطويبات والصلاة الربانية

ولعمري فانهم بمقدار اجتهادهم في مسخ تلك الصورة الجميلة، يحتقرون ايضاً بهذا المقدار استحقاقات السيد الربانية، ومن واجبات الفن الحديث نحو القديم، أن لايغير ويشوه بل ان يحترم ويحافظ.

(ملخصة عن الروسية ومعربة من المطران ابيفانيوس زائد عندما كان طالباً في معهد رسم الأيقونات في روسية) وقد نشرت في مجلة النعمة البطريركية بدورها الأول وذلك في عدد تشرين الأول 1911 ( بتصرف مني)

حواشي البحث

1- ان العالم الفرنسي راعول راشيت رأى ان الأيقونات القديمة كانت في استعمالها تشبه الصور المستعملة عند الهراطقة، ومن المؤكد ان الغنوصيين لما خلطوا بين العقيدة المسيحية واباطيلهم صارت توجد عندهم صور السيد بتماثيل ذهبية وفضية وغيرها، وكان يضارعها صنعاً تماثيل الفلاسفة الاغريق فيثاغورس وافلاطون وارسطو…وكل هذه الصور كانت مزينة بالأكاليل ومحترمة عند الغنوصيين كما يذكر ايريناوس اسقف ليون…

أضف تعليقاً