جرجي مرقص بلباسه الروسي الرسمي

العلامة جرجي مرقص الدمشقي

العلامة جرجي مرقص الدمشقي

تمهيد

هو علم من اعلام العلم والاستشراق والأدب والشعر في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر ومطلع العقد الاول في القرن العشرين.

  وكان له دور فعال في كنيستنا الأنطاكية في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين فهو دمشقي عاشق لدمشق ، وقد حاز الجنسية الروسية بفضل ماقدمه لها من خدمات علمية واستشراقية. ولكن دمه الدمشقي كان غالباً حتى في آخر لحظات عمره في عام 1911 وماقدمه لها ولزحلة… وهو ما استطعت ان استخلصه عنه من الوثائق البطريركية، وقد وردت من خلال رسائله المتبادلة مع قريبه القديس المجهول ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي محرك النهضة بصفته ربيباً للقديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ودوره غير الموصوف في تعريب السدة الأنطاكية، والذي يحتاج الى وقفات عميقة في انجازاته في سبيل دمشق الساكنة في كيانه، وكنيسة دمشق الحبيبة جدا على قلبه، والكرسي الأنطاكي المقدس عشقه وهيامه.

العلامة جرجي مرقس الدمشقي
العلامة جرجي مرقس الدمشقي

رغم ندرة الندرة في المعلومات استطعت ان أكتب عنه هذه العجالة في مجلة “النشرة البطريركية” الصادرة عن بطريركية انطاكية وسائر المشرق بعدد كانون الأول 1992 سنة اصدارها. وها انا اعود الى تجديد نشرها في موقعي مع تعديلات واضافات لحظتها ومن خلال الوثائق والسير الذاتية للسيد ديمتري وللقديس يوسف الدمشقي وأعلام آخرين عاشوا ذاك الزمن العصيب والذي اشرق نوراً ساطعاً على الكرسي الانطاكي المقدس.

السيرة الذاتية

ولد علمنا في دمشق عام 1844 في محيط مريمية الشام ومن اسرة ارثوذكسية متدينة جداً وممارسة طقوسها وشعائر ايمانها بحرارة وبدون انقطاع وككل اقرانه كان يخدم في هيكل كنائس المريمية، ومار نقولا، وكبريانوس ويوستينة التي كانت ثلاثتها في الصرح البطريركي بدمشق. فمال نحو اعتناق الكهنوت بشغف.

دراسته

القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي
القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي

قبل دخوله المدرسة كتلميذ نظامي، تعلم القراءة والخط على الخوري نعمة الفرا الدمشقي (احد كهنة المريمية الخمسة الشهداء من اصل سبعة مع القديس يوسف في مذبحة 1860)، واليونانية على المعلم ديمتري الازميري (موطنه ازمير) معلم اللغة اليونانية في مدرسة دمشق الأرثوذكسية ( الآسية)، ومبادىء الصرف والنحو والعربية على المعلم يوسف العربيلي الدمشقي (اصله من قرية عربيل او عربين في الغوطة الشمالية الشرقية)، والموسيقى الكنسية الرومية على المعلم البروتوبسالتي الفخيم يوسف العربيلي الدمشقي ( شقيق البطريرك ملاتيوس1898-1906) وهو بروتوبسالتي المريمية وقتئذ.

بعد ذلك أدخله والده في مدرسة الآسية ليتلقى العلم مدرسياً مع اقرانه وتحت كنف القديس يوسف الدمشقي الذي على مايبدوألزم جميع ابناء الرعية الدمشقية بادخال اولادهم في مدرسة الآسية، فتتلمذ على يده وهؤلاء المعلمين وغيرهم.

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

دراسته اللاهوتية

ولضيق يد والده كحال معظم الدمشقيين الأرثوذكسيين وقتئذ، لكونهم جميعاً حرفيون، ارسله والده الى القسطنطينية الى عند ابن عمته المحسن الكبير، والغيور الخواجا ديمتري نقولا شحادة الدمشقي المقيم في القسطنطينية منذ عام 1844 للعمل والارتزاق، فأدخله على نفقته الى مدرسة ( الجمنس) الكبرى التابعة لأكاديمية خالكي اللاهوتية، فتعلم فيها التركية اضافة الى اليونانية، ومبادىء العلوم اللاهوتية، بعد ذلك وبفضل مكانته لدى روسيا قيصراً ومجمعاً مقدساً توسط له لدى المجمع الروسي المقدس ليتم قبوله في معهد بطرسبرغ اللاهوتي العالي، فأرسله في عام 1860 الى روسيا، وكان هذا المعهد اللاهوتي العالي على السوية ذاتها مع معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية التابع للبطريركية المسكونية، واناب عنه في رعاية وتدبيرأمورجرجي المعيشية والمالية والتعليمية، صديقه وقريبه ( ديمتري) المعتمد البطريركي في موسكو ورئيس الأمطوش الأنطاكي الارشمندريت غفرئيل شاتيلا الدمشقي (مطران بيروت ولبنان 1870-1902).

أقام الفتى جرجي في معهد بطرسبرغ اللاهوتي أربع سنوات في القسم الداخلي، حازفي نهايتها على شهادته اللاهوتية بتفوق، ثم دخل مكتبة بطرسبرغ الشهيرة، لمتابعة الدراسة في علم المكتبات نظراً لشغفه في هذا الفن، ولكن كانت اوضاعه المادية حرجة (بالرغم مما كان ينفقه عليه ابن عمته ديمتري، وبيد المعتمد غفرئيل (كان ديمتري يساعد في الإنفاق أحيانا من جيبه الخاص على العديد من الطلبة في خالكي الذين كان مطارنة الأبرشيات الأنطاكية قد أوفدوهم الى خالكي وروسيا للدراسة وأوكلوه في تدبير أمورهم، كان منهم الشماس جراسيوس مسرة اللاذقي بطلب من معلمه مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني الدمشقي ، والشماس روفائيل هواويني الموفد من البطريرك الانطاكي ايروثيوس…) وبالرغم من مساعدات المعتمد البطريركي الذي تدبر لهعلمنا جرجي منحة شهرية ساعدته على اتمام دراسته اللاهوتية والمكتبية بتفوق، فأنهى دروسه عام 1871، وحاز على الشهادة العليا، ولعله كان أول عربي يحوزها آنذاك.

القديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي
القديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي

تعيينه في روسيا

عينته الحكومة الروسية أستاذاً في مدرسة لازروف في موسكو، وكان شاعراً وأديباً وفناناً موهوباً، فوصلت أخبار مواهبه هذه الى البلاط الروسي، فلقي عطفاً خاصاً من رجال البلاط الروسي كونه سوري، وخصته الأمبراطورة ماريا قرينة الأمبراطور الروسي اسكندر الثاني راتباً سنوياً ضخماً انتعش منه وصار يرسل لأهله في دمشق، مايساعدهم وخاصة بعد كارثة 1860 وماتلاها من وقف الحال…

حاز الجنسية الروسية بمرسوم امبراطوري وبشكل خاص منحه اياها الامبراطور نظراً لصفاته وصدق اخلاصه لروسيا.

ثم انتقل الى تدريس اللغة العربية وآدابها في كلية سان بطرسبرج الجامعية، فخدم فيها مدة 30 سنة بكل إخلاص إلى أن تقاعد في عام 1901، فعينته الحكومة الروسية مستشاراً فعالاً لها لشؤون بلاد الشام عموماً والكرسي الأنطاكي خصوصاً.

وكان في الوقت عينه عضواً في جمعية العاديات الأمبراطورية الروسية، وفي جمعية التاريخ والآثار الروسية، وعضواً ايضاً في الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية – الأرثوذكسية الروسية (انظرها في موقعنا هنا)، وكذلك في أكاديمية موسكو الروحية اللاهوتية العليا التابعة للمجمع الروسي المقدس.

كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا
كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا

ويلاحظ من المناصب السياسية والعلمية والاستشراقية التي شغلها في روسيا والتي كانت بعهدة البلاط والكنيسة الروسيين، وعلاقته المتميزة مع طبقة النبلاء والأكاديميين، والفعاليات الاقتصادية الروسية الرفيعة، يلاحظ مدى الدور الايجابي الذي قدمه للكرسي الأنطاكي المقدس، وتحديدا في مجال عمل الجمعية الفلسطينية الروسية الأبرز في العلم وافتتاح المدارس في دائرة بلاد الشام كلها، وفي الايفاد الى الأكاديميات الروسية للطلبة السوريين المتميزين… وتقديم المنح الدراسية للطلاب في دائرتي بطريركيتي أنطاكية واورشليم.

كما انه ساهم في الحصول على معونات الروس الأغنياء والمجمع الروسي المقدس لصالح الكرسي الأنطاكي المعوز وأبرشياته الفقيرة، ومؤازراً للمعتمدين البطريركيين الأنطاكيين في الحصول على هذه المعونات المالية والعلمية والكنسية، كما لحظ  بعنايته ودعمه المالي (وهو امر طبيعي) الأمطوش الأنطاكي في موسكو حيث كان يصلي باستمرار بعنايته، لزيادة موارده.

تعريب السدة الأنطاكية

ونظراً لنفوذه في البلاط الروسي، كان يقوم بالتنسيق لتعريب السدة البطريركية الأنطاكية مع ابن عمته في اسطنبول الخواجا ديمتري (المجاهد الأكبر لهذا الهدف) منذ وفاة البطريرك ايروثيوس عام 1885 وماقبل، وحتى استقالة البطريرك اسبريدون عام 1898، ومع مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني الدمشقي (1865-1898)ومع مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا الدمشقي، بالرغم من عتب الأخير عليه كما تورد الوثائق البطريركية بخصوص الديون التي كانت له في روسيا على اشخاص/ واوكل اليه امر تحصيلها/ حينما كان معتمداً بطريركياً هناك.

البطريرك ملاتيوس الثاني
البطريرك ملاتيوس الثاني

زيارته الى دمشق

اعتزم زيارة الوطن بشوق، وقد سنحت له الفرصة في عام 1911 بعد طول اغتراب في القسطنطينية وفي روسيا، عن طريق بيروت حيث لقي ترحاباً كبيراً من مطرانها جراسيموس مسرة وفعالياتها وادارة الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية،، ثم زار زحلة والتقى بمطرانها جرمانوس شحادة وحل عليه ضيفاً مكرماً ولقي فيها ترحيباًمن الفعاليات الكنسية والاجتماعية في الأبرشية الذين كما في بيروت توافدوا للسلام عليه.

وفاته

فجأة وانه في خلال عشرة ايام وكان ضيفاً في مطرانية زحلة ومطرانها جرمانوس شحادة اصيب بفالج نصفي ايمن، واشرف عليه طبياً الاطباءاسكندر الزين وميخائيل البريدي وسليم فرح الذين اكدوا الاصابة التي تعوقه عن ممارسة حياته الطبيعية وخاصة لجهة استخدام يمينه في الكتابة، ولكنهم أكدوا سلامة عقله وحواسه وكان ذلك في 18 شباط 1911

ويبدو انه احس بدنو اجله فطلب اليه ” محرر مقاولات محكمة بداية زحلة السيد سمعان ابو خاطر” واملى عليه وصيته بشهادة الاطباء المشرفين عليه والياس بك أمين شديد وخليل افندي عازر الخوري…

ثم وافته المنية وهو في مطرانية زحلة، فنقل الى دمشق مسقط رأسه، فزارها ميتاً ولم يتمتع بذلك وهو حي بعد طول اغتراب عنها، كان في رسائله الى ديمتري حتى عام 1990 الى حين عودة الاخير نهائياً الى ارض الوطن من القسطنطينية، يبث لواعج اشتياقه لها ولعائلته فيها.

نعم جاءها المسكين ولكنه جثة هامدة فاحتفل بالصلاة على جثمانه البطريرك غريغوريوس الرابع في الكاتدرائية المريمية، ومعظم مطارنة الكرسي الأنطاكي المقدس وبحضور رسمي ووتمثلت الحكومة الروسية فيه بالسفير الروسي في بيروت وقنصلها العام في دمشق، والسفارة اليونانية كذلك، اضافة الى ادارة الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية في بيروت ودمشق، ثم ووري الثرى في مدفن العائلة في مقبرة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية بدمشق الكائنة في باب شرقي.

صفاته

كان علمنا مهيب الطلة، وحباه الله بموهبة الشعر فكان شاعراً واديباً ومؤلفاً بالرغم من عمله السياسي لدى الحكومة الروسية وقد ترك 16 مؤلفاً مطبوعاً من اهمها:

1- رحلة البطريرك مكاريوس، بعدما حققه، ثم ترجمه الى اللغة الرسية، ومن المؤسف خلو مكتبتنا البطريركية الأنطاكية من هذا المؤَلف القيم.

2- ترجم الى الروسية قسماً من الديوان الشعري للامام علي بن ابي طالب (نهج البلاغة)، ومعلقة امرىء القيس الشعرية، وعدد من الأعمال الشعرية القيمة لفحول الشعر.

ومن المؤسف ان ثروته العلمية الضخمة كلها مع مكتبته القيمة بقيت كلها في موسكو وكذلك ممتلكاته العقارية اما امواله فقد وزعها في وصيته الأخيرة وكان في زحلة في 8 شباط 1911.

أما وصيته

صورة طبق الاصل عن وصيته الأخيرة الوجه الاول
صورة طبق الاصل عن وصيته الأخيرة الوجه الاول

اوصى بموجب هذه الوصية المحفوظة (على مايبدو) في مطرانية زحلة برقم 782تاريخ8 شباط 1911 والتي كتبها سمعان ابو خاطربخط يده لأنه اي علمنا جرجي  غير قادر على كتابتها بيده، كما انه لم يتمكن من توقيعها للسبب ذاته، والتي أُخذت صورة طبق الاصل عنها برقم 865 تاريخ 4 ايلول 1928 صادق عليها كاتب عدل زحلة وتسلمها مطران زحلة جرمانوس شحادة بناء على طلبه. نصت وصيته كما ورد على لسانه وبخط ابو خاطر حيث قال فيها بالحرف:

“اني أقسم مقتنياتي وأموالي الى ثمانية أقسام متساوية فأهب هبة قطعية وبلا عوض وأوصي بالجزء الواحد لجمعية فقراء نور الاحسان بدمشق، والثاني لجمعية يوحنا الدمشقي في دمشق والثالث الى مدرسة البنات الأرثوذكسية بزحلة والرابع لأقاربي الذين يحق لهم الإرث بقدر مايصيبه بحسب الشريعة المسكوبية والخامس الى اسكندر ملكي منصوراتي والسادس الى مطران زحلة السيد جرمانوس شحادة والسابع الى جمعية اليتامى بدمشق والى جمعية بنات الشفقة بزحلة مناصفة والثامن الى جمعية دفن الموتى والمستشفى الارثوذكسي بدمشق مناصفة وأفوض سيادة المطران جرمانوس بتوزيعها بمعرفة قنصولاتو روسيا الفخيمة في بيروت، ولسيادة المطران المشار اليه حق الاستيلاء على الاوراق المختصة بي واستحصالهامن أي محل كان لأجل قبض قيمتها وتوزيعها على الصورة المفصلة أعلاه على ان الاربعماية ليرة الافرنسية التي بذمة غبطة البطريرك الأنطاكي (غريغوريوس الرابع) المشار اليه فإني أهبها لغبطته ينفقها بمشاريعه الخيرية كيفما شاء وتكون خارجة عن المال الذي يتوزع على الموصى اليهم وبما انني موجود الآن بزحلة والثلوج المتراكمة تمنع الاتصالات مع دمشق وبيروت محل وجود القنصلاتات الرسمية لدولتي الفخيمة فإني افوض محرر مقولات حكومة زحلة البهية للمصادقة على إقراري هذا على ان كل اقرار صادر مني لأي كل من الناس أو من الجمعيات قبل تاريخه يعتبر لقوله وهذا هو اقراري الذي اعتبره وصيتي الأخيرة الواجب تنفيذها بحق اموالي بعد موتي.”

تحريراً 8 شباط 1911

صورة طبق الاصل لوصيته الأخيرة الوجه الثاني
صورة طبق الاصل لوصيته الأخيرة الوجه الثاني

مقر بمافيه جرجس ابراهيم مرقص.

رحمة الله عليه…

 

اترك تعليقاً