العلامة جرجي مرقص الدمشقي

العلامة جرجي مرقص الدمشقي

تمهيد

هو علم من اعلام الأدب والشعر وكان له دور فعال في كنيستنا الأنطاكية في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. وهو ما استطعت ان استخلصه عنه من الوثائق البطريركية، وقد وردت من خلال رسائله المتبادلة مع قريبه القديس المجهول ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي محرك النهضة وتعريب السدة الأنطاكية، والذي يحتاج الى وقفات عميقة في انجازاته في سبيل دمشق الساكنة في كيانه، وكنيسة دمشق الحبيبة جدا على قلبه، والكرسي الأنطاكي المقدس.

العلامة جرجي مرقس الدمشقي
العلامة جرجي مرقس الدمشقي

رغم ندرة الندرة في المعلومات استطعت ان اكتب عنه هذه العجالة في مجلة النشرة البطريركية الصادرة عن بطريركية انطاكية وسائر المشرق بعدد كانون الأول 1992 سنة اصدارها. وها انا اعود الى تجديد نشرها في موقعي مع تعديلات واضافات لحظتها ومن خلال الوثائق والسير الذاتية للسيد ديمتري وللقديس يوسف الدمشقي وأعلام آخرين عاشوا ذاك الزمن العصيب.

السيرة الذاتية

ولد علمنا في دمشق عام 1844 في محيط مريمية الشام ومن اسرة ارثوذكسية متدينة جداً وممارسة طقوسها وشعائر ايمانها بحرارة وبدون انقطاع وككل اقرانه كان يخدم في هيكل كنائس المريمية، ومار نقولا، وكبريانوس ويوستينة التي كانت ثلاثتها في الصرح البطريركي بدمشق. فمال نحو اعتناق الكهنوت بشغف.

دراسته

القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي
القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي

قبل دخوله المدرسة كتلميذ نظامي، تعلم القراءة والخط على الخوري نعمة الفرا الدمشقي (احد كهنة المريمية الخمسة الشهداء من اصل سبعة مع القديس يوسف في مذبحة 1860)، واليونانية على المعلم ديمتري الازميري (موطنه ازمير) معلم اللغة اليونانية في مدرسة دمشق الأرثوذكسية ( الآسية)، ومبادىء الصرف والنحو والعربية على المعلم يوسف العربيلي الدمشقي (اصله من قرية عربيل او عربين في الغوطة الشمالية الشرقية)، والموسيقى الكنسية الرومية على المعلم يوسف العربيلي الدمشقي ( شقيق البطريرك ملاتيوس1898-1906) وهو بروتوبسالتي المريمية وقتئذ.

بعد ذلك أدخله والده في مدرسة الآسية ليتلقى العلم مدرسيا مع اقرانه وتحت كنف القديس يوسف الدمشقي الذي على مايبدو الزم جميع ابناء الرعية الدمشقية بادخال اولادهم في مدرسة الآسية، فتتلمذ على يده وهؤلاء المعلمين وغيرهم.

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

دراسته اللاهوتية

ولضيق يد والده كحال معظم الدمشقيين الأرثوذكسيين وقتئذ، لكونهم جميعاً حرفيون، ارسله والده الى القسطنطينية الى عند ابن عمته المحسن الكبير، والغيور الخواجا ديمتري نقولا شحادة المقيم في القسطنطينية منذ عام 1844 للعمل والارتزاق، فأدخله على نفقته الى مدرسة ( الجمنس) الكبرى التابعة لأكاديمية خالكي اللاهوتية، فتعلم فيها التركية اضافة الى اليونانية، ومبادىء العلوم اللاهوتية، بعد ذلك توسط له لدى المجمع الروسي المقدس ليتم قبوله في معهد بطرسبرغ اللاهوتي العالي، فارسله في عام 1860 الى روسيا، وكان على السوية ذاتها مع معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية، واناب عنه في رعاية وتدبير امورجرجي المعيشية والمالية والتعليمية، صديقه وقريبه ( ديمتري) المعتمد البطريركي في موسكو ورئيس الأمطوش الأنطاكي الارشمندريت غفرئيل شاتيلا الدمشقي (مطران بيروت ولبنان 1870-1902).

أقام الفتى جرجي في معهد بطرسبرغ اللاهوتي اربع سنوات في القسم الداخلي، حازفي نهايتها على شهادته اللاهوت بتفوق، ثم دخل مكتبة بطرسبرغ الشهيرة، لمتابعة الدراسة في علم المكتبات نظراً لشغفه في هذا الفن، ولكن كانت اوضاعه المادية حرجة (بالرغم مما كان ينفقه عليه ابن عمته ديمتري، وبيد المعتمد غفرئيل (كان ديمتري يساعد في الانفاق احيانا من جيبه الخاص على العديد من الطلبة في خالكي الذين كان مطارنة الأبرشيات الأنطاكية قد اوفدوهم الى خالكي وروسيا للدراسة واوكلوه في تدبير امورهم، كان منهم الشماس جراسيوس مسرة، وروفائيل هواويني…) وبالرغم من مساعدات المعتمد البطريركي الذي تدبر له منحة شهرية ساعدته على اتمام دراسته اللاهوتية والمكتبية بتفوق، فأنهى دروسه عام 1871، وحاز على الشهادة العليا، ولعله كان اول عربي يحوزها آنذاك.

القديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي
القديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي

تعيينه في روسيا

عينته الحكومة الروسية استاذاً في مدرسة لازروف في موسكو، وكان شاعراً واديباً وفناناً موهوباً، فوصلت اخبار مواهبه هذه الى البلاط الروسي، فلقي عطفاً خاصاً من رجال البلاط الروسي كونه سوري، وخصته الأمبراطورة ماريا قرينة الأمبراطور الروسي اسكندر الثاني راتباً سنوياً ضخماً انتعش منه وصار يرسل لأهله في دمشق، مايساعدهم وخاصة بعد كارثة 1860 وماتلاها من وقف الحال…

حاز الجنسية الروسية بمرسوم امبراطوري وبشكل خاص منحه اياها الامبراطور نظراص لصفاته وصدق اخلاصه لروسيا.

ثم انتقل الى تدريس اللغة العربية وآدابها في كلية سان بطرسبرج الجامعية، فخدم فيها مدة 30 سنة بكل اخلاص الى ان تقاعد في عام 1901، فعينته الحكومة الروسية مستشاراً فعالاً لها لشؤون بلاد الشام عموماً والكرسي الأنطاكي خصوصاً.

وكان في الوقت عينه عضواً في جمعية العايات الأمبراطورية الروسية، وفي جمعية التاريخ والآثار الروسية، وعضواً ايضاً في الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية – الأرثوذكسية الروسية (انظرها في موقعنا هنا)، وكذلك في اكاديمية موسكو الروحية اللاهوتية العليا التابعة للمجمع الروسي المقدس.

كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا
كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا

ويلاحظ من المناصب السياسية والعلمية والاستشراقية التي شغلها في روسيا واتي كانت بعهدة البلاط والكنيسة الروسيين، وعلاقته المتميزة مع طبقة النبلاء والأكاديميين، والفعاليات الاقتصادية الروسية الرفيعة، يلاحظ مدى الدور الايجابي الذي قدمه للكرسي الأنطاكي المقدس، وتحديدا في مجال عمل الجمعية الفلسطينية الروسية الأبرز في العلم وافتتاح المدارس وفي الايفاد الى الأكاديميات الروسية للطلبة السوريين المتميزين… وتقديم المنح الدراسية للطلاب في دائرتي انطاكية واورشليم.

كما انه ساهم في الحصول على معونات الروس الأغنياء والمجمع الروسي المقدس لصالح الكرسي الأنطاكي وابرشياته، ومؤازراً للمعتمدين البطريركيين الأنطاكيين في الحصول على هذه المعونات المالية والعلمية والكنسية، كما لحظ ( وهو امر طبيعي) الأمطوش الأنطاكي في موسكو حيث كان يصلي باستمرار بعنايته، لزيادة موارده.

تعريب السدة الأنطاكية

ونظراً لنفوذه في البلاط الروسي، كان يقوم بالتنسيق لتعريب السدة البطريركية الأنطاكية مع ابن عمته في اسطنبول الخواجا ديمتري (المجاهد الأكبر لهذا الهدف) منذ وفاة البطريرك ايروثيوس عام 1885 وماقبل، وحتى استقالة البطريرك اسبريدون عام 1898، ومع مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني (1865-1898)ومع مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا، بالرغم من عتب الأخير عليه كما تورد الوثائق البطريركية بخصوص الديون التي كانت له في روسيا على اشخاص/ واوكل اليه امر تحصيلها/ حينما كان معتمداً بطريركياً هناك.

البطريرك ملاتيوس الثاني
البطريرك ملاتيوس الثاني

زيارته الى دمشق

اعتزم زيارة الوطن بشوق، وقد سنحت له الفرصة في عام 1911 بعد طول اغتراب في القسطنطينية وفي روسيا، عن طريق بيروت حيث لقي ترحاباً كبيراً من مطرانها جراسيموسمسرة وفعالياتها وادارة الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية،، ثم زار زحلة والتقى بمطرانها جرمانوس شحادة وحل عليه ضيفاً مكرماً ولقي فيها ترحيباًمن الفعاليات الكنسية والاجتماعية في الأبرشية الذين كما في بيروت توافدوا للسلام عليه.

وفاته

فجأة وافته المنية وهو في زحلة، فنقل الى مسقط رأسه، فزارها ميتاً ولم يتمتع بذلك وهو حي، فاحتفل بالصلاة على جثمانه البطريرك غريغوريوس الرابع في الكاتدرائية المريمية ومعظم مطارنة الكرسي الأنطاكي المقدس وبحضور رسمي ووتمثلت الحكومة الروسية فيه بالسفير الروسي في بيروت وقنصلها العام في دمشق، والسفارة اليونانية كذلك، اضافة الى ادارة الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية في بيروت ودمشق ، ثم ووري الثرى في مدفن العائلة في مقبرة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية بدمشق الكائنة في باب شرقي.

صفاته

كان علمنا مهيب الطلة، وحباه الله بموهبة الشعر فكان شاعراً واديباً ومؤلفاً بالرغم من عمله السياسي لدى الحكومة الروسية وقد ترك 16 مؤلفاً مطبوعاً من اهمها:

1- رحلة البطريرك مكاريوس، بعدما حققه، ثم ترجمه الى اللغة الرسية، ومن المؤسف خلو مكتبتنا البطريركية الأنطاكية من هذا المؤَلف القيم.

2- ترجم الى الروسية قسماً من الديوان الشعري للامام علي بن ابي طالب (نهج البلاغة)، ومعلقة امرىء القيس الشعرية، وعدد من الأعمال الشعرية القيمة لفحول الشعر.

ومن المؤسف ان ثروته الضخمة كلها مع مكتبته القيمة بقيت كلها في موسكو.

أضف تعليقاً