سوق الحميدية

مقدمة

سوق الحميدية من أشهر أسواق دمشق في سورية، وأهم وأشهر أسواق الشرق على الإطلاق، وأكثرها جمالا ورونقا. وقد وصفة المؤرخون بأنه فسيح رائع البناء، ووصفوه بأنه مدينة تجارية صناعية في قلب دمشق القديمة، ووصفه الباحثون بأنه درة الأسواق وأجملها، وهو مغطى بالكامل.

ولا تتزال الذاكرات الشعبية ومنها ذاكرتي تحفظ المقولات التي نعيها ونسمعها من النسوة:” ننزل ع المدينة لقطع قمايش العرس وكلف الخياطة” وهنا المقصود (بالمدينة) هو سوق الحميدية بما احتواه من سلع ومواد وخاصة القماش…

سوق الحميدية
سوق الحميدية

يعد هذا السوق التراثي الرائع من اهم اسواق دمشق قديما وحاضرا ومستقبلا، فهو رئة دمشق الاقتصادية ويحفل بتجارة الأقمشة والألبسة… ويتصل عبر متفرعات بأسواق متنوعة هي بحد ذاتها عبارة عن اسواق قائمة بذاتها…

وإن كانت أيدي الزمن تستطيع أن تعبث بمقتنيات وآثار البلدان وتمحوها فان عبق الماضي لن يضمحل وسيظل مؤرخاً يسطره التاريخ حاله حال الذكريات الأخرى المخزونة في مستودع الأفكار ليبقى مرجعا وكنزا تتناولهما الأجيال المتلاحقة في الحقب القادمة. وهذا الوصف يمكن ان ينطبق على منطقة سوق الحميدية التي تزخر بالعديد من الأسواق المتفرعة في بضائعها المتنوعة التي تعمل منذ مئات السنين وتستقبل المتسوقين والزائرين والسياح إلى ان أصبحت من اشهر معالم دمشق التاريخية ومنها سوق البزورية وسوق الحريقة وسوق مدحت باشا وسوق الخياطين سوق تفضلي ياست والحريقة وسوق الصاغة القديم وسوق الصاغة الجديد والمسكية وسوق العصرونية …

تاريخ السوق

بني هذا السوق كبديل عن سوق الأروام(1) فوق الخندق الجنوبي لقلعة دمشق من الغرب الى الشرق، بين باب النصر وباب البريد وتم البناء على مرحلتين

المرحلة الأولى

بني قسمه الغربي الممتد من باب النصر(2) (عند المدخل الغربي لسوق الحميدية الحالي) وسوق العصرونية أيام الوالي محمد باشا العظم في عهد السلطان عبد الحميد الأول، وتم البناء سنة (1195ه /1780م) وعرفت هذه السوق باسم “السوق الجديدة”.

سوق الحميدية
سوق الحميدية

المرحلة الثانية

بُنيَ القسم الشرقي الممتد من سوق العصرونية حتى باب البريد السنة (1301ه / الواقعة بين سنتي 1883-1884م) أيام الوالي راشد باشا في عهد في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.(3)

تجديد السوق وتغطيته

في عام (1302ه / 1884م) تم تجديد سوق الحميدية الممتد من باب الجامع الأموي الغربي الى دائرة المشيرية (في حارة الدرويشية) ، وقد سُقفَ على طراز مدخل باب الجامع الأموي الغربي المسمى “زلحفة”(4) بالخشب، وكان يطلى بالكلس لحمايته من العوامل الجوية، وعندما تولى الوالي حسين ناظم باشا ولاية دمشق في الفترة الواقعة بين (1896م – 1908م) قام بإزالة الأسقف الخشبية، وسقوف الأسواق الكبيرة في دمشق بسقُف من الحديد والتوتياء وقاية لهم من الحرائق(5) ومن المؤسف ان لا نملك الدليل الذي يحدد تاريخ هذا الاستبدال، ولكن المنطق أن يكون ذلك إبان فترة ولايته الأولى بين الأعوام (1895 – 1907م) لأنها أطول فترة ولاياته الثلاث.

وجدد السوق عدة مرات كان آخرها في مطلع عام 2002 .

ويبلغ طول السوق 600 متر وعرضه 15 متراً ويرتفع حوالي طابقين تشغله محلات متنوعة أهمها محلات الأقمشة الدمشقية الشهيرة.

تسميات السوق

سوق المسكية
سوق المسكية

سمي القسم الغربي بين باب النصر، وسوق العصرونية “السوق الجديدة”، وكان هذا الموضع معروفاً في السابق ب”سوق الأروام”، ولم تُطلق تسمية “سوق الحميدية” على قسميه – نسبة للسلطانين عبد الحميد الأول والثاني – إلا بعد استكمال بناء قسمه الشرقي الممتد بين سوق العصرونية وباب البريد، ورغم ذلك بقيت تسميته ” سوق الأروام ” شائعة على السنة الناس وفي خارطة شرطة دمشق الصادرة خلال السنوات (1922-1924م)، أما خريطة دمشق الصادرة خلال السنوات (1921-1924م) عن بلدية دمشق خلال السنوات (1921-1924م) فتذكره باسم سوق الحميدية.

أبعاد السوق

يبلغ طوله حوالي 600 متراً وعرضه بحدود 15 متراً، أما ارتفاعه فبحدود طابقين.

المحن التي مرت بسوق الحميدية

شب في هذا السوق السنة 1911م حريق كبير اتى على الكثير من المحال التجارية وكانت الخسائر جسيمة. وفي عام 1914 حاول جمال باشا السفاح ايصال الشارع المسمى باسمه ( شارع النصر حالياً)ً الى باب البريد بتغيير أوضاع سوق الحميدية بغية كشف جدار قلعة دمشق، وما حول الجامع الأموي فهدم بعض الأبنية في السوق، ولم يتمكن من هدم الباقي بسبب قيام الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م)، وماكاد جيش الاحتلال التركي ينسحب من دمشق امام القوات العربية الداخلة بقيادة الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة المكرمة(8 آذار 1918) حتى قام اصحاب العقارات المهدومة بإعادة بنائها. وبعد احتلال دمشق بيد قوات الاحتلال الفرنسي بقيادة غورو بعد معركة ميسلون 25 تموز 1920 واستشهاد وزير الدفاع يوسف العظمة وكل جيشه الصغير، شب حريق بدأ من محلات سنجر لماكينات الخياطة في

سوق الحميدية
سوق الحميدية

منتصف السوق وامتد الى العصرونية وخان الجمرك وكادت النار أن تصل الى الجامع الأموي بعد استمرارها لثلاثة ايام متواصلة حتى اضطرت الدولة السورية الى هدم العديد من البيوت بنسفها بالديناميت بغية ايقاف امتداد النيران الهائلة.(6)

تشهد الثقوب الغزيرة التي تتخللها اشعة الشمس في سقف السوق( التوتياء) المقَّوَّسْ على المعارك التي كانت تحتدم خلال اكثر من ربع قرن بين 25 تموز 1925 الى 16 نيسان 1946م من النضال الدامي ضد الاحتلال الفرنسي وخاصة للمواجهات التي حصلت في فترة الثورة السورية الممتدة بين 1925 الى 1927 وكاد وقتها الثوار القضاء على المندوب السامي الفرنسي الجنرال ساراي وكان في قصر العظم، ما ادى الى قيام الفرنسيين بضرب دمشق بالمدفعية والطيران وتحديداً منطقة سوق الحميدية محلة سيدي عامود وكانت متحفاً انسانياً فريداً من القصور الشامية المماثلة لقصر العظم جميعها تدمرت واحترقت بحريق هائل نتيجة هذاالعدوان الوحشي، وقد استبدلت تسميتها من سيدي عامود الى الحريقة (حالياً).

هدم المدخل الغربي للسوق

بدأت عمليات الهدم في 16 تشرين الأول 1983 بغية كشف الجزء الذي كان يشغله هذا السوق من خندق القلعة وزاوية جدارها الجنوبية الغربية.

ثم ازيلت الدكاكين المتكئة على جدران الجامع الأموي ضمن سوق القباقبية والصاغة القديمة وانكشف محيط الجامع الأموي ونظمت ساحة جميلة متصلة بأعمدة معبد جوبيتر في مدخل السوق المغطى الذي كان يسمى سوق المسكية وكان مخصصاً للكتب المدرسية والقرطاسية والخطاطين والوراقين والمجلدين…

سوق الحميدية أواخر القرن 19
سوق الحميدية أواخر القرن 19

علماً انه كان قد حصل حريق هائل مدمر مدبر لسوق الصاغة الأثري المغلق الواقع كجزيرة منعزلة جنوب الجامع الأموي السنة 1958 في احدى الليالي بغية ترحيل الصاغة الى منطقة جديدة، وكانت خسائر صياغ دمشق مأساوية هائلة وقتها، حيث انصهرت كل المصوغات الذهبية والسبائك، وحتى لوكانت في الصناديق الحديدية وساح الذهب المصهور خارج بوابات السوق، واختلط بالتراب كون بناء السوق كان تقليدي من الخشب واللبن… وانتقل عدد كبير من الصياغ المنكوبين الى منطقة الحريقة حيث اقاموا سوقاً ثانياً مع بقاء دكاكين الصياغ التي كانت خارج السوق المحروق بعد ان تم تجديدها وترميمها، ولا تزال.(7)

من المشيدات التاريخية في سوق الحميدية

1- جامع الأحمدية

2- عدد من الأسواق الجانبية المتفرعة عن سوق الحميدية وهي بالتتابع من الغرب الى الشرق:

1- في النسق الجنوبي: سوق الأروام، مداخل شوارع الحريقة، زقاق المرستان، السليمانية جادة سوق الحرير.

2- في النسق الشمالي: سوق نصري، سوق العصرونية، سوق البورصة، سوق مردم بك، سوق الجرابات، سوق وكالة العشا، سوق باب البريد.

ومن النهاية الشرقية لسوق الحميدية يمتد سوق المسكية بين أعمدة معبد جوبيتر المتواجدة منذ العهود الأرامي والروماني والرومي.

حواشي البحث

سوق البزورية
سوق البزورية

(1) سوق الأروام: هو طليعة القسم الغربي لسوق الحميدية وقد تواجد قبله بدلالة ما اورده البديري الحلاق في ( حوادث دمشق اليومية ص168) عندما قال: “وبهذه الأيام – ويقصد سنة 1165ه/ 1751م – توفي احمد أفندي كبير كتاب ديوان أسعد باشا العظم وهو الذي عمر القصر في حائط الأحمدية في سوق الأروام. كما ورد في (ولاة دمشق في العهد العثماني) للمنجد ص 85 ان محمد باشا العظم عمر سنة 1195ه/ 1780م سوقاً عند باب القلعة – يقصد السوق الجديدة- من عند سوق الأروام الى فرن الكعك والقنابة.

يستنتج من هذه المقولات ان سوق الأروام كان متواجداً في هذا الموضع الذي بنيت فيه السوق الجديدة فيما بعد. ولا زالت تسميته قائمة الى اليوم رغم انه انكمش الى فرع صغير من تفرعات سوق الحميدية المؤدية الى الحريقة تباع فيه المفروشات والسجاد القديمن أما تسميته فنسبة الى الى الأروام او اليونان الذين كانوا يستوطنون في بلاد الروم (آسيا الصغرى) ومنها جاؤوا.

(2)- ولاة دمشق في العهد العثماني: د.صلاح الدين المنجد ص84.

(3)- منتخبات التواريخ لدمشق: الحصني ص 274.

(4)- الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية: عز الدين عربي كاتبي ص24.

(5)- الريف السوري: أحمد وصفي زكريا ج2 ص 345

(6)- تاريخ المسرح السوري: وصفي المالح ص 72

(7)- شهادات شفهية خاصة بالعائلة حيث كان عمي من الصياغ المتضررين بدمار محله وخسارة ذهبه الخام والمصوغات، ومشاهداتي وكنت طفلاً يوم الكارثة وما تلاها.

أضف تعليقاً