سمعان الاسكافي…

سمعان الاسكافي…

مقدمة

قال الرب يسوع: ” فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعه والقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد اعضائك ولايُلقى جسدك كله في جهنم”

(متى 29:5)

ماذا يقصد الرب بالقول: ” فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك…”؟

إن الرب يقصد أنه إذا كانت النظرة تعثرك وتُغريك على السقوط في

صورة تخيلية تمثل معجزة نقل جبل المقطم
صورة تخيلية تمثل معجزة نقل جبل المقطم

الخطيئة، فاقلع عينك بمعنى لا تنظر، تصرف كما لو كانت عينك مقلوعة ولا تقدر أن ترى بها، وأنك أصبحت أعمى، لا تقدر ان ترى الأشياء التي امامك والتي تجعلك تسقط في الخطيئة، ونفس الشيء بالنسبة لليد وما نعمله بها، فإذا كانت يدك تغريك على السقوط في الخطيئة، فاقطعها والقها بعيداً عنك، بمعنى لا تفعل هذا الأمر الذي يسبب لك السقوط في الخطيئة، والا لو كان علينا ان نقطع كل عضو من جسدنا يسبب لنا العثرة سنقطع كل أعضاء جسدنا عضواً بعد عضو، حتى لايبق منا اي شيء، وهو ما لايريده الرب يسوع لنا إطلاقاً…

إن ما تم فعلاً في سر الفداء الالهي في صليب المسيح هو هذا القطع للأعضاء المعثرة والمنفسدة بالخطيئة:”عالمين هذا ان انساننا العتيق قد صُلب معه لكي بطل جسم الخطيئة حتى لانعود نستعبد للخطيئة.” (رومية 6:6)

لكن المفهوم الحرفي لهذا النص الانجيلي كان قد طبقه ربما كثيرون وكان منهم ذاك الانسان البسيط جداً، سمعان الاسكافي، كيف تم ذلك؟

هي قصة سمعتها منذ طفوليتي وكانت العائلة ترددها باستمرار تعلمتها من الراعي المحترم الأب المرحوم ايوب نجم سميا راعي رعية القصاع، وشقيق جدي بالدم، وهكذا كانت، حفظتها كمروية من مرويات العائلة…

– سمعان هذا، كان يعمل اسكافي بسيط وكان طيب القلب، ولكنه كان ماهراً جداً في عمله، لايأخذ من الأجور مقابل تعبه اطلاقاً، الا مايقيه من الجوع، حنون على الفقراء أمثاله، وكان كل زبائنه من طبقة الفقراء الذين يقومون مراراً وتكراراً بتصليح احذيتهم حتى تبلى، لذا كان فقيراً.

دير القديس سمعان في منشية مصر
دير القديس سمعان في منشية مصر

بالمقابل كان سمعان يعيش الايمان المسيحي بأمانة من صوم وصلاة ومساعدة، كان مطبقاً تعاليم الانجيل بحرفيتها ، واساساً كان يعيش كالرهبان على الكفاف، ولم يتزوج، لم يكن عنده بيت، يعمل نهاره وليله في دكانه الصغير وكان ينام فيه.

كان لا يرفع بصره الى وجوه النساء، وهو لذلك كان مضرب المثل في العفاف.

ذات مرة قررت سيدة جميلة غانية ان تعثره في تجربة، ويبدو انها تعهدت امام رفيقاتها نها ستجعله ينظر اليها، فجاءت الى دكانه وقالت له انها تريده ان يسكف لها حذاءها وكانت تنتعله، فطلب ان تعطيه اياه وهو لاينظر اليها البتة، فجلست مقابله على كرسي خشبي صغير ورفعت فستانها تماماً عن فخذيها ووضعت رجلاً فوق الأخرى كمحاولة منها لخلع فردتي الحذاء وكررت العملية في الفردتين وافخاذها كشوفة بالتمام امام سمعان، واستغرقت من الوقت اكثر مما يجب. أما هو وبدون انتباه نظر الى فخذيها نظرة خاطفة، عندها أمسك بالمخرز وقلع عينه فيه والقاها جانباً لأنها عثرته في هذه التجربة… تدفق الدم منها فصارت هي تصرخ امامه وهي تبكي من هول هذه المفاجأة الدامية، واعترفت له راجية غفرانه…

انتهت قصة قلعه عينه بمخرز الاسكافي كما اعرفها منذ طفوليتي… ولكن بقيتها تذهب في منحى إعجازي آخر كما اعرفها ومن العائلة، وتطبق عليها التطويبة السيدية:

” طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات “

الأعجوبة

كان حاكم البلد الذي يعيش فيه سمعان، يقرأ في الانجيل، وكان مسلماً متعصباً ولما وصل الى الآية التي تقول:” الحق اقول لكم انه لوكان لكم ايمان بمقدار حبة الخردل تستطيعون ان تقولوا لهذا الجبل قم وانزل في البحر.”

كان للحاكم مستشار يهودي وكان يبغض المسيحيين بشكل معلن، فاستدعاه اليه وسأله عن المضمون على اساس قرب اليهودية من المسيحية فرفض المستشار هذه الفكرة وقال: “ان المسيحية هي عدونا الأوحد لأنها قامت على ديننا وازدهرت ونحن ضعفنا…”

– ماترى إذن؟

دير القديس سمعان
دير القديس سمعا

– ارى يا مولاي ان تستدعي البطريرك، وتطلب منه ان يطبق ذلك…!

سر الحاكم بهذا الاقتراح وامر بجلب البطريرك الى بلاطه فجيء بالبطريرك مرتاعاً لأن هذه الطريقة كانت تعني بلاء عظيماً سيقع على الرعية كالعادة…

اسقط في يد البطريرك، لما طلب منه الحاكم تنفيذ المضمون، على اساس انه المتقدم في الايمان كونه رئيس الكنيسة ويستطيع فعلها،

لكن البطريرك اناب عنه سمعان الاسكافي ففعلها.”

انتهت هنا معرفتي الشخصية بقصة سمعان الاسكافي.

وتمر بي الأيام، الى عام 1984 عندما شاركت بوفد بطريركي من دمشق ولبنان في فعالية لمجلس كنائس الشرق الأوسط في قبرص كانت بعنوان :“العقيدة الأرثوذكسية” ضمتني المشاركة الى الصديق الارشمندريت دامسكينوس منصور( مطران البرازيل منذ 1992)

في أُمسية هادئة ضمتنا الى كهنة ورهبان من الكنيستين السريانية والقبطية، وقساوسة بروتستانتيين من مختلف الطوائف البروتستانتية، (ولم تكن وقتها العائلة الكاثوليكية بكل كنائسها قد تمثلت في مجلس كنائس الشرق الأوسط، لذا لم تتمثل هذه الفعالية بممثلين عن أي منهم)

في تلك الأمسية الهادئة واللطيفة، طفق كل وفد يتحدث عن مأثرة من مآثر كنيسته، وكانت المفاجأة الجميلة عندي التي تلاها ابونا الراهب الباراموسي من دير الباراموس من الكنيسة القبطية الشقيقة وقد حكى قصة سمعان الاسكافي…

والقصة التي رواها عن هذا القديس الذي في سنكسار الكنيسة القبطية (سير القديسين) واقاموا له ديراً على اسمه. واسمه عندهم سمعان الخراز ويعد ديره من روائع الفن المعماري…ويضم قبره ومدرج للصلاة…وكنيسة وهو من الأديار الشهيرة في الكنيسة القبطية المصرية.

“سمعان هذا عاش في القاهرة في القرن 13 المسيحي في زمن الحاكم الفاطمي المعز لدين الله، وكان الفاطميون كما هو معروف هم والمماليك من اشد الفئات بغضاً للمسيحيين (حتى ان الحاكم بأمره الفاطمي احرق كل الكنائس في مصر وسورية الكبرى بما فيها كنيسة السيدة في مصر القديمة وكنيسة القيامة في القدس وكنيسة مريم (المريمية) وأهان المسيحيين ونكل بهم، كما هو مدون في التاريخ، وقتل خاليه بطريركي الاسكندرية االأرثوذكسي وبطريرك اورشليم الأرثوذكسي وكانت امه مسيحية مصرية.)

اما بالنسبة لتحقيقه المعجزة فكانت على الشكل التالي

دير القديس سمعان
دير القديس سمعان

عاد البطريرك مهموماً الى دار البطريركية بعد ان امهله الحاكم المعز لدين الله فقط ثلاثة ايام للتفيذ، فإن لم ينفذ المعجزة كما هو وارد في الانجيل المقدس فسييد المسيحيين عن بكرة ابيهم في دائرة الخلافة الفاطمية…

وقبل ان يدخل للصلاة في كنيسة السيدة في مصر القديمة، امر بأن يصوم المصريون المسيحييون صوم اهل نينوى وهو صوم يطبق توقياً للنكبات كما فعل اهل نينوى عندما صاموا ثلاثة ايام بلياليها مع الصلاة والتضرع للوقاية من وباء الطاعون فنجاهم الله من هذا الوباء.

ودخل الى الكنيسة وصار يسجد ويبكي للسيدة لكي تلهمه ما هو خير للكنيسة، ومن شدة تعبه بعد ان امضى ثلاثة ايام صوم نينوى بصلاة ودموع، أخذته سنة من النوم، فنام ممدداً ارض الكنيسة، واثناء نومه رأى السيدة الطاهرة توقظه بحنان وتطلب منه ان يخرج الى خارج الكنيسة الى الزقاق حيث يرى شخصاً اسمه سمعان ومهنته اسكافي ويقول له انه مرسل من السيدة ام النور.

استيقظ البطريرك مندهشاً فوجد نفسه في الكنيسة ليلاً وهي على ضوء الشموع، فنفذ مافي الرؤيا وخرج من الكنيسة الى الزقاق، فوجد شخصاً بسيطاً رث الثياب، فسأله ان كان هو سمعان الاسكافي هذا لماشاهد البطريرك انكب على يمينه مقبلاً اياها، فسحبها البطريرك برفق وقال له انه مرسل من العذراء الطاهرة اليه، وروى له قصته مع الخليفة الفاطمي، فأجابه سمعان مطمئناً وطلب منه ان يعلن بين الشعب الذي سيجتمع في منطقة جبل المقطم في القاهرة، حيث هناك قرر الخليفة التنفيذ، ان يقول الشعب المسيحي اربعين مرة : كيرياليسون، يارب ارحم…


حصول المعجزة عند جبل المقطم

وفي صباح اليوم التالي وقد انقضت الأيام الثلاثة وهي المهلة المحددة، اجتمع سكان القاهرة كلهم من مسيحيين ومسلمين، كل في ناحية يتقدم المسيحيين في ناحيتهم البطريرك والمطارنة والكهنة والرهبان والراهبات. وقد اقيم سرادق للخليفة ضم الى جانبه اركان الدولة والمستشارين بمافيهم اليهودي الذي كان فرحاً جداً لأنه اعتقد بأنها ستقضي على المسيحيين والمسيحية برمتها.

والتف الجيش كله بكامل سلاحه حول جبل المقطم…

اعطى الخليفة الاذن للبطريرك بالبدء بالتنفيذ مكرراً التهديد والوعيد، فأشار البطريرك الى سمعان الاسكافي ليأتي الى حضرة الخليفة ويقبل يمينه، فاندهش الخليفة عندما سمع من البطريرك ان من سينفذ ذلك هو هذا الفقير، ومع ذلك ترك للبطريرك العمل بحرية.

سجد سمعان عدة مطانيات وهو يتمتم بصلوات الاستعانة بالله راجياً ان “يساعده وهو غير المستحق…” رحمة بالكنيسة ( عموم المؤمنين) ثم انبطح ووجهه مغمور في التراب، وهو يبكي ويصلي ويسأل الرب ان يحقق له المعجزة وكان البطريرك وسائر الاكليروس والشعب في غاية الضنك، ولكنهم كانوا يصلون بدموع وانسحاق قلب طيلة وجود سمعان بهذه الحالة وهم يسجدون اربعين مطانية قائلين باستمرار وبصوت هادر: كيرياليسون يارب ارحم اربعين مرة.

ثم انتصب سمعان، بعد الأربعين من الشعب، والدموع والتراب على وجهه وصرخ بالجبل: “ايها الجبل لك اقول قم من هنا…”

فحدثت زلزلة عظيمة، وهدرت الأرض وبدأ الجبل بالارتفاع حتى بانت الشمس من تحته، والدخان ملأ المنطقة…

عندها صرخ الخليفة كالمجنون:” قف، آمنت وصدقت…” فمن شدة الفرح انهاركل الشعب المسيحي باكياً…

ويقال ان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي تنازل بعد ذلك عن العرش لابنه، واعتكف في دير النطرون في الصحراء الغربية بمصر وقداعتنق المسيحية…


أضف تعليقاً