رقص السماح…

رقص السماح…

رقص السماح
رقص السماح

نسعد جداً عندما نشاهد هذه الرقصة، والراقصات الجميلات كالفراشات تتطايرن وتتمايلن على انغام موشحات اندلسية وحلبية…

ولا شك في ان الذين يعرفون تاريخ هذا الفن الجميل هم قلة، ولا شك ايضاً ان إعادة إحياء هذا الفن، رقص السماح، الذي هو مبهر للعيون، ويسحرها بعودة الذكريات الجميلة الى الأذهان عن ايام عظيمة في تاريخ بلاد الشام والأندلس…هو واجب لذا رأينا أن نقدم للأحبة واصدقاء موقعنا، هذا البحث عن “رقص السماح” معترفين بدور حلب ومشايخها في تطويره كالشيخ عمر البطشن بحيث بدا جلياً ان رقص السماح هو حلبي بامتياز…

مدخل… ونظرة تاريخية

الشيخ عمر البطش وفرقته في حلب
الشيخ عمر البطش وفرقته في حلب

هي رقصة كان شيوخ الفرس يستعملونها في العبادات، ولا يزال بعض شيوخ الطرق الصوفية وحلقات الاستذكار والذكر يستخدمونها في إذكارهم وان كان بشكل محدود اليوم…

وقد تطور الفن الموسيقي بلغ أوج كماله في عهد الملك الفارسي جمشيد، فكان يحب المرح والمجون واعتنى يتنسيق رقص السماح، حتى اصبح يحتل المكانة الأولى في بلاطه، وأكبردليل على عظمة الفن الفارسي، أن أكثر النغمات التي نعرفها وتدخل في موسيقانا العربية والموسيقى الشرقية وحتى في الموسيقى العالمية، فارسية الأصل وتدل عليها اسماؤها، كالسوزناك والحجاز والنهوند والنواثر والعجم ومنها عجم عشيران، وعجم كرد والشاهناز والنكريز والطرز نوين والفرحفزا والفرحتاك والبسته نكار والسوزدان والماهور وغيرها من الاسماء التي مازلت معروفة يتمشى عليها أهل الفن في المنطقة العربية وعند الأتراك الذين ورثوا عن الفرس كل الأدب والفن ومنها هذه الألحان وحتى الأبجدية العربية في كتابة اللغة العثمانية، ومن الواجب ان نذكر ان الالحان التركية الحزينة التي نسمعها وتطربنا هي فارسية الأصل والمقام…

وحتى ان كبار الموسيقيين في موسيقانا الكنسية، الموسيقى الرومية (البيزنطية)، العمالقة، امثال البروتوبسالتي ( المرتل الأول) ديمتري المر ومعلمه يوحنا الدوماني (شقيق البطريرك ملاتيوس الدوماني) وهو مرتل الكاتدرائية المريمية اواخر القرن 19 زمن البطاركة اليونان ايوثيوس(1850-1885) وجراسيوس (1885- 1891) واسبيريدون 1891(- 1898)، وفي العقد الثاني من القرن العشرين، ابن ابرشية كيليكيا الأنطاكية السورية الشهيدة، المرتل الأول ايليا سيمونيذس ( الملقب عند الدمشقيين ايليا الرومي ويذكره المتقدمون بالسن باعجاب) وهو مرتل الكاتدرائية المريمية، زمن البطاركة غريغوريوس (1906-1928) اواخر عهده، والكسندروس (1931- 1958) وثيوذوسيوس (1958- 1969) كانت لهؤلاء المعلمين والمرتلين الأعلام الريادة في هذا التطعيم، ومثلهم كان المطران اثناسيوس عطا الله مطران حمص اواخر القرن 19 وحتى العقد الثالث من القرن 20، والمطران صموئيل داود مطران توليدو اوهايو من العقد الثالث الى منتصف العقد السادس في القرن 20 في ابرشية توليدو اوهايو بأميركا الشمالية، وكان يعزف على العود والقانون ويرتل هذه الروائع بصوته الرائع، وله مسجلات صوتية في هذا المضمار، حيث ادخل هؤلاء الأعلام الألحان والنغمات الفارسية وتحديداً النهوند والعجم والحجاز في اروع المرتلات الكنسية الأنطاكية وسواها…

تاريخية الفن عند العرب

رقص السماح
رقص السماح

لقد كان الفن العربي مقتصراً على الحداء، العادي ورقص الدبكة، ولما جاءهم الترف، وغلبت على معيشتهم الرفاهية، وارتقوا الى نضارة العيش، افترق المغنون من الفرس والروم وحضروا الى دائرة الخلافة العربية.

وكان النضر بن حارث أول من وفد على كسرى لغاية فنية فتعلم ضرب العود والغناء ثم قدم لمكة فعلم أهلها.

وكان عبد الله بن جعفر على جانب عظيم من الثراء، يحب الغناء واقتناء الجواري الحسان، وكان اول من علم جواريه رقص السماح في شكله المحدود مولاه (عبده) واسمه (سائب خائر).

ثم ازدهرت صناعة الغناء والرقص في عهدي الأمويين والعباسيين، وممن غنى على العود يزيد بن عبد الملك، وابراهيم بن المهدي وقد وهبهم الله الصوت الحسن وابو عيسى بن الرشيد، وعبد الله بن موسى العبادي، وابراهيم بن عيسى بن جعفر المنصور، ومحمد بن جعفر، والمتوكل والمهدي وولده المؤيد وطلحة والموفق والطايع والمقتدر وأكثرهم كانوا اماً خلفاء او امراء…

وقام الفنانون ابراهيم الموصلي وابنه اسحاق ابنه حماد بتعليم جواري الخلفاء والوزراء المغنى ورقص السماح، واتخذت آلات اخرى للرقص تسمى(الكرج)، وهي عبارة عن تماثيل خشبية مزخرفة، وأكثرهن براعة في رقص السماح هن قيان ابراهيم المهدي نظراً لخبرته الفائقة في الفن والغناء والتلحين، وهو أول من أفسد الغناء القديم وجعل للناس اساليب جديدة رقيقة بالأصوات الشجية الحزينة، ومازال المصريون يقلدونه في مغناه الخالد حتى الآن. وسيظل خالداً مدى الدهر.

مشايخ حلب في رقص السماح
مشايخ حلب في رقص السماح

وقد نقل زرياب تلميذ اسحاق الموصلي الغناء ورقص السماح الى الأندلس، عندما التحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ونشره في البلاط الأندلسي.

الأوزان الراقصة

لقد عني برقص السماح أئمة السلف، وأساتذة الخلف، وكان العرب يرقصون على الأوزان البسيطة، ثم تطور فن الرقص الايقاعي على أوزان الشنبر والخفيف والمحجر والمربع والمخمس والمدور والاقصاق والمصمودي والسماعي بأقسامه الثلاثة، والداور هندي وغيرها، هذا وان الشيخ محمود الكحال الدمشقي هو أعظم شهرة ممن اعتنوا في هذا الفن، فقد كان هذا الفنان النابغة يدرب تلامذته على الغناء ورقص السماح في عدة حلقات، وبأوزان مختلفة في آن واحد، ويسمع بأذنيه آصوات غنائهم، ويشاهد بعينيه حركاتهم الراقصة، فلا تغيب عنه شاردة ولا واردة من الخطأ والصواب في الأصول، وهو استاذ الفنان الخالد الذكرابو خليل القباني الدمشقي، وعنه تلقى الفن ورقص السماح، وللقباني الفضل بنشر هذا الفن الجميل في مصر.

أما الأوزان الأجنبية الراقصة وهذه خالية من النغمات المكسورة بعكس الوزان العربية ففيها الكثير من (الأوزان العرجاء) كالاقصاص والنوخت والداور هندي والثريا.

ان الرقص الأجنبي اغلبه على اوزان الفالس والبولكا والتانغو والفو كستروت والرومبا وغيرها… ولكل بلد ميله ونزعاته الفنية، فرقصة التانغو تكتسح اليونان وتركيا ومشرقنا العربي، حتى ان الفن في هذه البلاد قد اتسمت تلحين منظوماته ورقصاته سواء كانت عربية او يونانية او تركية بالطابع الأفرنجي حتى الستينات من القرن ال20 واكتسبت طابع التانغو.وقد أدخل الموسيقار محمد عبد الوهاب رقصة التانغوعلى الغناء العربيولحن اغنية (أنت وعزولي وزماني)واغنية (سهرت منه الليالي)من وزن التانغوواغنية (جفنه علم الغزل) من وزن الرومبا، ولحَّن فريد الأطرش اغنية (يازهرة في خيالي) من وزن التانغو.

أما اوزان الرقص الدارجة في سورية ولبنان فكانت الى الأمس القريب ( التانغو والباسي دوبل)، وتلاقي الأغاني الأجنبية التي تتسم بالطابع الشرقي رواجاً في الأوساط الفنية، وفي مصر كان يُعنى برقصة (التانغو والسوينغ).

راقصة السماح
راقصة السماح

الأغاني الريفية

تعد أغاني كل امة وبلد قطعة من أدبها، والفن اساس قوي لتهذيب الأرواح والنفوس، وكل بلد لها من الأغاني والرقصات الريفية والفولكلورية، ففي اسكوتلندا وسويسرا والمانيا يستعمل المزمار والضرف المنفوخ، حتى انه يوجد حرس اسكوتلندي مازال يعزف على هذه الآلات حتى الآن، اضافة الى الدول التي كانت تقع يوماً تحت الاستعمار البريطاني، لابل فإن بعض الفرق الكشفية في العديد من الدول صارت تتباهى بإدخال موسيقى القرب الاسكوتلندية اليها، وهناك نوعان منها الاسكوتلندي الأصلي والباكستاني واكيد الأول يفوق الثاني بعشرة امثاله لجهة الثمن.

من أشهر الرقصات في الريف الأوربي، رقصة زوربا في اليونان، وفي اسبانيا الرقصة الافريقية المشهورة الباسي دوبل وهي تعزف في حفلات مصارعة الثيران.

أما الرقص القديم والارستقراطي فكان الفالس والبولكا واشتهرت رقصات الرومبا والسمبا ومامبو وبوليرو من نوع الرومبا البطيئة في اميركا الجنوبية، وهذه الرقصات هي من فصيلة واحدة من نوع الموسيقى اللاتينية.

رقص السماح

لقد تطرقنا للبحث عن اوزان الرقص الغربية لوجود بعض التقارب بينه وبين الأوزان العربية الراقصة، فرقصة الفالس الغربية مثلاً يقابلها في رقص السماح الايقاع المسمى بالسماعي الطائر (السربند).

ولما كان الناس يختلفون في العقلية والثقافة والذوق، فنحن ننقل بعضاً من خوالجنا الشخصية في هذا الموضوع، فنقول لقد تفنن الشعراء في وصف الغناء والرقص، ونحن نفضل رقص الراقصات المياسات قدودهن، الناهدات اخوات المها الفاتنات بقوامهن السمهري، وملابسهن الزاهية مع بعضهن، وهن ينشدن مثلاً موشح الحجاز كار كردي وهو:

خمر العيون أديري………………فالكأس كانت حراماً

و يجب ان تكون بأصوات ساحرة تهز المشاعر وتستلب العقول، من دون ان يشترك الفتيان معهن بالرقص.

ومن أبدع الأوزان في رقص السماح هو ( السماعي بأقسامه الثلاثة) فان تم التنسيق والانسجام، وتجلى الاندماج الفني بأروع مظاهره بين العذارى المائسات في القد والأيدي والأرجل وانخطفن في دلال وحشمة ووقاربالهزات والانثناءات التي تفرضها الأصول، وغدت القدود تزدري ميل الغصون، وقد فتكت سهام العيون بالناظرين، فخفقت القلوب بالتنهدات والأنات الخافتة، فسكروا من نشوة المعاني والفنون، خلت نفسك في عالم السحر والخيال والشعر والأحلام، واسمع ماقاله احد الشعراء الصوفيين في هذا المعنى:

الكاعبات الناهدات المترفات الناعمات………. المرهفات السالبات الجالبات شجون

الناعسات لواحظا الحاليات مراشفا……….. الراقصات عجائبا وجنونهن فنون

اخيراً

لقد تحقق ان مبتكر أصول رقص السماح الجماعي هو الشيخ عقيل المنبجي بن الشيخ شهاب اين البطايحي الهكاري، المتصل بنسبه الى الخليفة عمر بن الخطاب والمتوفي عام 550 للهجرة والمدفون في بلدة منبج بمحافظة حلب، وقد دوَّنه احمد عقيل الملقب بصاحب السماح وتلقاه اهل الفن عنه في حلب.

اما الفضل في نقل رقص السماح الى مصر وانتشاره هناك ومنها الى الساحل الأفريقي والمغاربي، فيعود الى الدمشقي المبدع الفنان الشامل ابي خليل القباني عندما نقل مسرحه الى مصرمطلع القرن 20.

بقي ان نقول اخيراً ونؤكد ان الفرد مهما تبحر في قواعد رقص السماح البديع، لايستطيع الوقوف على اسرار هذه القواعد، لأن أخذ أوزانها المتشعبة ليس بالأمر السهل المنال، وتطبيق أي فرد مهما بلغ به الذكاء والابتكار اوزانها بشكل نظري على نفسه هو ضرب من المستحيل، وكل من يزعم خلاف ذلك فهو مدعٍ وجاهل، بل لابد من تطبيق أوزان هذا الفن الرائع على استاذ متضلع عملياً ونظرياً.


أضف تعليقاً