المعلم شاهين عطية

المعلم شاهين عطية

في زاويتنا هذه بموقعنا المخصصة لأعلامنا الأنطاكيين…

نسلط الضوء على علم منهم رفيع المستوى في مجال تدريس العربية وآدابها، ساهم بجهده في تهيئة الكثيرين من اكليريكيي الكرسي الأنطاكي المقدس فصاروا من عظمائه وعظماء الوطن، وفي تهيئة العدد الأكبر من أدباء عصر التنوير في بلاد الشام…

وهو حقه علينا… وواجبنا نحوه.

السيرة الذاتية

هو شاهين بن منصور بن حنا بن عبد المسيح عطية، وأصل اسرته من بلدة سوق الغرب من جبل لبنان والتابعة حالياً لأبرشية بيروت الأرثوذكسية (1)

دير القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في بلدة سوق الغرب
دير القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في بلدة سوق الغرب

ولد في بلدة سوق الغرب عام 1835 وكانت اسرته بسيطة الحال ولكنها غنية بايمانها وممارستها لطقوسها الايمانية في البيت والكنيسة.

وبسبب ضيق يد ذويه لم يتلقن العلم الا وهو شاب وكان عمره 29 عاماً في عام 1864 في المدرسة الأرثوذكسية الكبرى في بلدة سوق الغرب والتابعة للمطرانية، وكان رئيس المدرسة الشهيرة هذه ومديرها ومدبرها العلامة المرحوم يوسف العربيلي الدمشقي.(2)

انتقل بعدها الى بيروت، وأخذ يتوسع في دراسة اللغة العربية وآدابها، على يد العلامة الشيخ ناصيف اليازجي، ودرس المنطق والفلسفة عند العلامة الشيخ يوسف الأسير، والفقه على يد العلامة الشيخ محي الدين اليافي..

وعندما انتقلت المدرسة الأرثوذكسية الكبرى من بلدة سوق الغرب الى بيروت، كان من عداد مدرسيها فتتلمذ وتخرج على يده في العربية وآدابها عدد كبير من الكتاب والشعراء والأدباء المتنورين(3)، نذكر بعضهم: ( جرجي زيدان، نقولا رزق الله،

مطانيوس عبده، د.نقولا فياض وشقيقه الياس، الياس جرجس طراد، الياس الحنيكاتي، وديع الخوري صاحب حديقة الأخبار) بالاضافة الىأعلام آخرين مثل العلامة الياس صالح، سليم نصر الله، وأديب اسحق.

ميناء بيروت في القرن 19
ميناء بيروت في القرن 19

علَّمَّ علمنا المعلم شاهين العربية وآدابها في المدرسة الإكليريكية التي أنشأها مطران بيروت الطيب الذكر غفرئيل شاتيلا الدمشقي، فتخرج عليه اكليريكيون عظماء امثال القديس الأنطاكي المنسي البطريرك غريغوريوس (حداد) ( الرابع من 1906-1928) من عبيه، ونظيره القديس المنسي مطران حمص اثناسيوس عطا الله من الشويفات، ومطران اللاذقية ( البطريرك) ارسانيوس حداد البيروتي، ومطران زحلة جرمانوس شحادة، ومطران حوران زخريا زخريا من حامات، ومطران ماردين وديار بكرملاتيوس قطيني الدمشقي…

ومن العلمانيين ولده جرجي عطية صاحب “جريدة المراقب” البيروتية، ومدرس اللغة العربية، والطبيعيات والتاريخ في المدرسة الاكليريكية البلمندية التي كان البطريرك ملاتيوس الدوماني قد أحدثها عام 1900 واستمرت حتى إقفالها عام 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى واعادة التلاميذ الى ذويهم..

في بيت جالا

عندما ارادت الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية – الروسية الأرثوذكسية(4) في عام 1897 افتتاح دار للمعلمات في بيت جالا في فلسطين لتدريب وتأهيل معلمات لمدارسها االابتدائية التي نشرتها في سائر الجغرافيا الشامية السورية، دعته لتعليم العربية بفروعها، فدَّرَّسَّ في دار المعلمات هذه مدة ثلاث عشرة سنة بكل إخلاص فكافأته الجمعية على خدماته التربوية بكل الاخلاص باعتباره عضوا عاملاً فيها وقلدته وسامها.

زواجه

درع الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية
درع الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية

تزوج عام 1873 من السيدة مريم ابنة الخوري جرجس ابي مراد من وادي شحرور ورزق بثلاثة بنين وثلاث بنات، رباهم مع زوجته على التقوى وخوف الله، وجمَّلهم بالمعارف والعلوم.

نتاجه الأدبي

كان علمنا ممتازاً بتدقيقه النادر في علوم العربية وشواردها، وبحسن اسلوبه في تبسيط شرحه لقواعدها وصرفها ونحوها، وتفهيمها بسلاسة لطلابه، وله في ذلك تآليف وشروحات عديدة منها:

كتاب: “عقود الدرر في شرح شواهد المختصر” شرح به القواعد الشعرية الواردة في أرجوزة استاذه الشيخ ناصيف اليازجي.

– شرح ديوان أبي تمام شرحاً موجزاً في طبعة بيروت 1889.

– علق على رسائل أبي العلاء المعري، وكشف في تعليقه غوامضها المستةرة.

– رواية شعرية نثرية عنوانها: “عاقبة سوء التربية”، مُثِّلتْ في بيروت في المدرسة الأرثوذكسية الكبرى سنة 1877 بحضور مطران بيروت غفرئيل شاتيلا والسلطات التربوية الرسمية والأهلية والرعية كلها وبحضور صحفي كبير، وقد مدحها وقتئذ كثيرون من كبار العلماء والأدباء والصحافيين امثال الشيخ ابراهيم اليازجين وسليم تقلا ( مؤسس جريدة الأهرام المصرية الشهيرة).

– رواية شعرية بعنوان:” سليمان الحكيم والجاريتين”.

– مختصر في تاريخ آداب اللغة العربية.

– كتاب في الصرف على طريق السؤال والجواب وبقيت الأخيرتان غير مطبوعة بل مخطوطة…!

صفاته

تميز علمنا المعلم شاهين عطية بالتواضع والبعد عن حب الشهرة، لذلك فإن الكثير من كتبه وشروحه لم يكتبها باسمه بل باسم غيره.!

الم يكن علمنا يحب نظم الشعر، ولكن نظمه مع قلته كان سلساً ناعماً مطواعاً والمثال على ذلك قصيدة المديح التي نظمها السنة 1890 تهنئة للمطران غريغوريوس حداد(البطريرك) عندما تولى مطرانية طرابلس (1890-1906).

ونظراً لشدة ورعه وتدينه فإن شعره كان مليئاً بالحث على الزهد والورع وعدم الاغترار بزخارف الدنيا فهي في نظره زائلة والبقاء دوماً للذكر الطيب.

كان صافي القلب والضمير لايعرف الحقد، مسلماً لجميع الناس، ومحباً وممارساً لأفعال الخير والرحمة والاحسان، كان قوي الارادة نشيطاً في أعماله، وقد بقيت له همة الشباب حتى بلوغه سن الشيوخ.

كان شديد التواضع يكره الظهور ويبتعد عن الشهرة والتكريم، وكان مع لطفه الجزيل وقوراً شديد المهابة، يحمل جليسه على احترامه ومهابته.

رقاده بالرب

ظل علمنا المعلم شاهين عطية يتعاطى التدريس الى ماقبل رقاده بالرب بثلاث سنين، عندئذ اعتزل العمل، ولزم مسكنه في سوق الغرب، إلا انه كان لايدخر جهاً في إفادة قريته بالمشاريع النافعة، وفض مشاكل اهل قريته، إلى ان توفي في 8شباط 1913 بالسكتة الدماغية، فبكاه الجميع بكاء مراً وقد تحولت جنازته التي رئسها مطران الأبرشية بولس ابوعضل ومطران بيروت جراسيموس مسرة واكليروس الأبرشيتين كافة الى سوق عكاز ادبي وروحي سواء لجهة العظات الروحية او القصائد التي عدد فيها ناظموها صفاته، كما وتبارى تلاميذه بقصائدهم في تعداد مناقبيته وصفاته وكلهم يذكر فضل عليهم وعلى اللغة العربية، وفي اليوم التالي امتلأت الصحف اللبنانية بخبر جنازته وبالعظات والقصائد التي القيت فيها.

حواشي البحث

1- الحقت بلدة سوق الغرب وحدها بمطرانية بيروت وكانت مقرا صيفيا لمطران بيروت، وهو دير القديس جاورجيوس عام 1901 عند وفاة مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا وتقسيم البرشية الى ابرشيتي بيروت تولاها المطران جرايموس مسرة، وجبيل والبترون (جبل لبنان) تولى اول مطارنتها بولس ابو عضل.

2- تلميذ القديس يوسف الدمشقي في الآسية بدمشق قبل انتقاله الى بيروت..

3- عصر التنوير بدأ في بلاد الشام في الثلث الأخير من القرن 19 ونظراً لجو الحرية في مصر بقضل اسرة محمد علي الخديوية بفضل المتنورين المصريين فقد هاجر المتنورون الشوام الى مصر وبدأوا هناك حراكهم الأدبي والفكري للتحرر من النير العثماني وكان منهم جرجي زيدان صاحب الهلال ونقولا رزق الله صاحب مجلة ” الروايات الجديدة”

4- الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الأرثوذكسية الروسية جمعية روسية رائدة تولت تحصين ابناء الكنيسة الأرثوذكسية في الكرسيين الأنطاكي والأورشليمي بمدارسها الأرثوذكسية منعاً لتغربهم الى الكنائس الأخرى من خلال انتسابهم الى مدارس الرهبنات الكاثوليكية والارساليات البروتستانتية وقد انتشرت مدارسها في كل مناطق بلاد الشام وكان التعليم فيها مجاني وقد جعلت مركزها فلسطين واقامت داراً للمعلمين في الناصرة كان من تلاميذه الأديب الكبير ميخائيل نعيمة وداراً للمعلمات في بيت جالا كان من طالباتها الأديبة ماري العجمي توقفت وحلت ذاتها عندما استولى الشيوعيون على روسيا وآلت مدارسها الى البطريركية في دمشق بالنسبة لأبرشية دمشق وانطاكية وللمطرانيات في الأبرشيات الأنطاكية…

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي عادت للظهر بقوة وهي من الجمعيات الروسية الناشطة في تقديم المساعدات اليوم للمهجرين في سورية من خلال البطريركية الأرثوذكسية في دمشق

أضف تعليقاً