المطران نيفن سابا الأنطاكي مطران زحلة والبقاع…

المطران نيفن سابا الأنطاكي

من رجالات انطاكية المتألقين وصفوتها، يقول عارفوه والمنصفون عنه انه كان تربعا على عرش الامامة الروحية، ولكنه كان من رجال الكهنوت القلة الذين لايلقون على من يجالسهم من العلمانيين ظل الثوب الكهنوتي روعة وانكماشا، وندر بينهم من يفيض من روحه عليك ألقاً من الأنس، ويشعرك محضره وحديثه بانبساط ومتعة وسلوى، كان شاعراً واديباً مجيداً، خطيباً مرتجلاً له جولات وجولات في الوطنية والاقدام شعراً وادباً نضالاً في وجه كل مغتصب للوطن السوري…

السيرة الذاتية

هو ابن الاكسرخوس حنا سابا وحنة زماريا، أبصر النور في 17 آذار 1890 في مدينة السويدية (سلفكية أنطاكية) التي هي جنة من جنان الله على الأرض بخضرتها الرائعة.

المطران نيفن سابا
المطران نيفن سابا

منذ طفوليته نذره والده لخدمة الكنيسة فارتدى الثوب الاكليريكي في 26 تشرين الأول 1905شماساً مبتدئاً بيد المطران ارسانيوس حداد البيروتي مطران اللاذقية (البطريرك 1931- 1933)، وادخله في مدرسة البلمند البطريركية التي احدثها عام 1901 البطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي( 1898-1906) لتأهيل كهنة أكفاء للكرسي الأنطاكي المقدس، وتتلمذ على ايدي اساتذتها الأكفاء الاستاذ غطاس قندلفت، والارشمندريتين الياس اسطفان وغفرئيل كردوس.

وفي السنة 1909 رسمه معلمه مطران اللاذقية ارسانيوس شماساً انجيلياً في اللاذقية ، واصبح في السنة 1914 ارشيدياكون (رئيس الشمامسة) في الأبرشية.

نفى الأتراك اهله مع بعض سكان السويدية نظراً لموقفهم الوطني السوري المعارض للأتراك، وأُمرَ هو ان يكون بعيداً عن البحر عشرين كيلومتراً، فكان وقتئذ بمعية مطران عكار باسيليوس الدبس في حلبا. الذي رسمه كاهناً وكان يساعده في كل الأمور الروحية في هذه الأبرشية المترامية.

ثم جاء الانكليز في السنة 1918 بعد طرد الأتراك من سورية ومنها لواء الاسكندرون، أبعدوه الى حلب مع قسطنطين يني المناضل الأنطاكي الشهيرمن اجل عروبة اللواء(جد الخوري قسطنطين يني الورع كاهن رعية الصليب في القصاع بدمشق في العقود 7 و8 و من القرن 20)، والخوري العلامة عيسى اسعد (مؤرخ حمص) ( انظره في موقعنا هنا)، والسيد عمر الأتاسي الحمصي المناضليَّن ضد استعمار سورية.

وكيلاً لمطرانية حماه

عينه البطريرك غريغوريوس الرابع ( 1906- 1928) وكيلاً لمطرانية حماه بسبب شيخوخة مطرانها القديس المنسي غريغوريوس جبارة الدمشقي ( انظره في موقعنا هنا) بعدما صيره ارشمندريتاً، فترك في هذه الأبرشية مآثر قيمة يذكرها الحمويون مع الشكر لجهة الرعاية الروحية وادارة المدارس والجمعيات الخيرية والأخويات الاجتماعية الكنسية، وخصوصاً في ثورة العلويين ضد الانتداب الفرنسي وماجر ذلك من ارهاصات واشكاليات على القرى والبلدات المسيحية في ابرشية حماه، وفي تهجير ابناء الكرسي الأنطاكي اليونانيين والسوريين من الأناضول بعد مذابحهم الشهيرة بيد الأتراك (1918- 1922) والاستيلاء على ابرشيات كيليكيا وارضروم وديار بكر، وإفراغها منهم مما لم يأت أحد على ذكر هذه الكارثة الانسانية بكل أسف، فيما تناول الجميع مذابح الأرمن والسريان والآشوريين.

مطرانيته على زحلة

كنيسة سيدة الزلزلة في زحلة
كنيسة سيدة الزلزلة في زحلة

بعد شغور كرسي ابرشية سلفكياس وتوابعها، بنتيجة بقاء مطرانها جرمانوس شحادة في اميركا الشمالية في الفترة من 1913 الى حين استقالته عام 1924، وقد توفي عام 1935 هناك، قرر المجمع الأنطاكي المقدس برئاسة البطريرك غريغوريوس الرابع، تلبية طلب رعايا الأبرشية بعرائضهم المتعاقبة وفيها كانوا يطلبون علمنا راعياً لأبرشيتهم بعد طول معاناتهم ببقاء مطرانهم بعيداً عنهم حوالي 11 سنة وانهماكه بالمشاكل هناك بين التيارين الأنطاكي والروسي…وانتقى الارشمندريت نيفن سابا وكيل مطرانية حماة، متروبوليتاً على أبرشية سلفكياس زحلة والبقاع وبعلبك( وكانت هذه الأبرشية تسمى قبل هذا التاريخ (ابرشية سلفكياس وتوابعها) قبل هذا التاريخ وحتى 30 آذار شرقي 1929 وتشتمل على مناطق في سورية هي مناطق القلمون: صيدنايا ومعلولا ويبرود وقارة ومعرة صيدنايا ومعرونة والزبداني وبلودان

وبموجب عرائض الرعايا وقد بينوا في عرائضهم: “استحالة قيام مطران

الأبرشية بزيارة مناطقهم، حيث كانت الزيارة تتم كل اربع سنوات مرة” وتم الاعلان رسميا في 30 آذار1929

ورسم في الكاتدرائية المريمية بدمشق يوم الأحد 9 آذار 1925 بيد البطريرك غريغوريوس الرابع وعاونه متروبرليت عكار باسيليوس الدبس، وروفائيل نمر متروبوليت حلب، ودخل مركز ابرشيته زحلة في يوم رسامته، مصحوباً بالمطرانين المذكورين ومحفوفاً بأبناء ابرشيته حيث زار كاتدرائيته، وأقام فيها صلاة الشكر ثم تقبل تهاني ابناء رعيته ورؤساء الكنائس الشقيقة ورعاياهم.

منذ عام 1929 صارت الأبرشية تسمى (ابرشية زحلة والبقاع وتوابعهما)، وصار مطرانها يسمى باسم: (مطران زحلة والبقاع وتوابعهما).

موفداً الى البرازيل

أوفده المجمع الأنطاكي المقدس، والبطريرك الكسندروس الثالث، لتفقد شؤون الرعايا في اميركا الجنوبية، ودراسة اوضاعها تمهيداً لاقامة أبرشيات هناك، وقد لقي من الحفاوة والتكريم ما لاق بشخصه وعلمه ومواهبه، والقى في الكنائس ونوادي المغتربين العظات الروحية والخطب الوطنية، شد فيها المغتربين اكثر للكنيسة الأنطاكية الأم، وللوطن الواحد سورية ولبنان، دافعاً اياهم الى التوحد “وعدم الانقياد وراء الاقليمية الضيقة بوصفهم ابناء سورية الواحدة”. ونقل للمجمع وللبطريرك تقريره وفيه رؤيته بضرورة انشاء ابرشيات ما امكن في كل من البرازيل ودول اميركا الجنوبية لشد المغتربين اكثر الى الوطن الأم والى الكرسي الأنطاكي المقدس ومتابعتهم روحياً…

اعماله في زحلة

روحيا واجتماعيا وتعليميا

اهتم بتحديث الجمعيات الخيرية التي كانت قائمة ورعاها ورئس مجالسها العمومية ن وأنشأ الأخويات النسائية لتقوم بالصلاة والأعمال الخيرية والاجتماعية، وارسل الطلبة الأكفاء لدراسة اللاهوت في البلمند وفي المعاهد العالية في اليونان وروسيا…

ورسم كهنة للقرى المترملة منذ زمن طويل، بسبب فقر الأبرشية ورعاياها والهجرة الحادة منها الى المغتربات ، وحفز المغتربين الى دعم ابرشية زحلة والأبرشيات الأخرى مالياًسواء بالتبرع مباشرة او من خلال صواني اللم في القداديس الالهية في الآحاد والأعياد.

وسع وطور مدرسة القديس نيقولاوس الأرثوذكسية في زحلة لتستوعب ابناء الأبرشية وخص الايتام والفقراء بعطفه من خلال انه سمح بنشر منظوماته الشعرية بعد ان أذن بطبعها، ورصد ريعها لتربية وتعليم مائتي يتيم وطفل فقير من ابناءابرشيته الفقراء، في مدرسة القديس نيقولاوس الأرثوذكسية في زحلة من ريعها، وابتاع للمدرسة بناء جديداً وعززها ودعمها بتعيينه معلمين ومعلمات أكفاء ينفق عليها مما يدخره من وارداته الخاصة، ومما تجود به أكف المحسنين الذين كانوا يتبرعون ليده شخصياً، الا انه كان يرصدها فوراً لتطوير المدرسة ومشاريع الأبرشية واعالة فقرائها، وهو في هذا الشأن كان كبقية المطارنة الذين رفعوا ابرشياتهم بشهادة التاريخ و المؤرخين المنصفين… وقد جعل هؤلاء الرعاة الأفاضل الأنا الشخصية تذوب في مصلحة ابرشياتهم، لا بل هو كان قد قدم كل ماكان معه سواء قبلاً لأبرشية حماة كمعاون لمتروبوليت حماة، ثم كمتروبوليت لزحلة وافرغ جيوبه من كل قرش شخصي..بما في ذلك كل ماكان يرده من طباعة وبيع دواوينه الشعرية وما يجود به من فنون عشقها الغريب قبل القريب.

لقد باتت مطرانية زحلة في عهده دار ندوة ادبية مستمرة متألقة، وبارزة.

صفاته الشخصية

يصفه محبوه جماله الانساني، بأن وجهه كان كالبدر المنير، ويحمل أجمل وجه ، وفي محياه تتجلى آية الجمال الالهي، وكان في جبينه هيبة ووقارن ومن لسانه يتدفق المبين، كان شععره من الجزالة مايطرب ويشنف الأسماع، ويسعد النفوس، صرفه كأس الحميا، وورده طل يتندى من سوسن وياسمين، وإذا نظرت اليه، أو حادثته خلت نفسك بين يدي ملك انيس.

كان حلو المعشر، يسعد مجالسيه بطلاوة مروياته واسلوبه في روايتها، كان راعياً متميزاً تتدفق روحانية ربنا في عظاته ، ولأنه كان ملك البيان فكان يستطيع القاء العظات والخطب في شتى الأمور واياً كانت المجالس وبحضور ارفع الشخصيات متى اراد بلغة سليمة جداً، كان ينظم العرائض متى اراد، ويتمتع بالالقاء البديع وقوة الخطابة الارتجالية، ويجول في ميدان البلاغة والبيان، فتنقاد له اعنة القوافي بروح تفيض بسر قدسي.

كان موسيقياً يهوى الموسيقى البيزنطية ويجيدها ويتمتع بصوت طرب صقلته الأذن الموسيقية والمعرفة وجودة الأداء، إضافة الى عشقه ايضاً للموسيقى الشرقية فكانت مجيداً فيها وبمقاماتها ، وساعده في ذلك صوته الجميل.

اجاد العربية نثراً وشعراً وكان حجة فيها، كما اجاد الفرنسية والتركية والانكليزية وبعض الروسية، والسريانية.

بعض اشعاره

نختار من شعره الجميل والمفخم قصيدة ناجى بها بلدته انطاكية فأسماها:


“معهد الوحي والالهام” وقد القاها مرتجلة في الحفلة التكريمية التي أقامتها له الجالية الأنطاكية في سان باولو:

ربوع الصبا حييتك غادية الصبا……………تحيات ولهان لغيرك ما صبا

ولم يتخذ أُماً سواك ولا أبا ……………ولا البعد أنساه رياضك والربى

ونفحة ريان من الورد والزهر

ومن هذه القصيدة خيلاء بكرسي انطاكية فقال:

أيا بلدة الله المسماه بالعظمى………………حبتك السما آياتها والهدى الأسمى

وعن تمسكه بها يقول:

ثبتُ على البلوى وكنت لها مرمى……….. كم تدفع الأرياح في عصفها اليما

وبمناسبة عيد الجلاء في سورية تتجلى عقيدته الوطنية، كابن لواء الاسكندرون السليب يصف سورية باللواء الحر،، بأجلى معانيها في قصيدته الحكيمة فقال:

لواء الحر حياك الولاء…………………. فأنت لكل سوري لواء

فجل وعنك قد تم الجلاء………………. وغن فمنك يطربنا الغناء

وفاق ، الف، حب، إخاءوختمها:

الا حي المعاهد والديارا………………وته في افق سورية افتخارا

وهل تخشى من الدهر انكسارا……….وللاسلام فيك وللنصارى

وفاق، إالفة، حب إخاء

كرمته المجامع العلمية في سورية ولبنان فمنحته عضويتها، ونال وسام الاستحقاق السوري من الحكومة السورية ومثله من الحكومة اللبنانية واليونانية ووسام القبر المقدس من بطريركية القدس، ووسام القديس مرقس من بطريركية الاسكندرية

وفاته

استمر راعياً مجيداً لأبرشيته لمدة نيف واربعين سنة، وقد جعلها مكانتها عزيزة، بالرغم من قلة عدد الأرثوذكس في مدينة زحلة حصراً، إلا انه كان محبوباً ومحترماً من الجميع، ولشدة احترامهم له كانوا يقدمونه في المناسبات كافة الوطنية والروحية، وفي تصدر منصات الخطابة…

توفي في عام 1966 وتحول مأتمه الى عرس وطني ورحي هادر وابنه الجميع مقرظين صفاته…

خلفه على سدة الابرشية المتروبوليت اسبريدون خوري بخدمة مبرورة تابع بها خطى سلفه من 1966 وحتى استقالته التي قدمها الى المجمع الأنطاكي المقدس في 26 حزيران 2015 في البلمند وكلف مطران ابرشية عكار باسيليوس نصور قائمقاماً للابرشية.

أضف تعليقاً