المطران جراسيموس فرح الدمشقي

االمطران جراسيموس فرح الدمشقي

اصل الاسرة

يقول مرجعنا العلامة والمؤرخ الثبت الدقيق المرحوم عيس اسكندر المعلوف:

” بنو فرح غساسنة من ابناء عم بني قنديل جاؤوا منذ بضعة قرون من ازرع في حوران (نؤكد ان الخروج منها كان في مستهل القرن 16 وانهم جميعاً من اصل بني الحداد الذين منهم القديس يوسف الدمشقي والقديس غير المطوب البطريرك غريغوريوس الرابع والعلامة المطران استفانوس حداد والأخير كانت اسرته ولا تزال باقية فيها) وخيموا قرب بحيرة قدس ( قطينة)… وولخلاف كان تأصلاً بينهم من حوران افترقوا متغاضبين فأسرة فرح وفروعها بقيت في شمالي سورية الى آخر البقاع وفرع قنديل سار الى جنوبيها وسكن نواحي فلسطين ( فرع قنديل المسلم من الفرع ذاته في فلسطين) ثم بعد تناسي الخصام امتزجت الأسرتان وتجدد تعارفهما كما اشرت الى ذلك في كتاب (داني القطوف في سيرة آل المعلوف)”

استقر بعض آل فرح في دمشق القديمة في القرون 17 الى منتصف القرن 20 في محيط دار البطريركية وكنيسة المريمية وقد اندثر من دمشق حالياً وثمة اسرة ارثوذكسية من آل فرح اعتنقت الكثلكة كانت تسكن في الميدان قبل انتقالها الى دمشقوشكلت الفرع الباقي الى الآن مع فرع في معلولا كان ارثوذكسياً واعتنق الكثلكة.


من الفرع الأرثوذكسي الدمشقي نشأ يوحنا فرح الذي كان كبقية أفراد الاسرة ورعاً تقياً يشتغل بنسج الحرير(تسدية الحرير وهي الحرفة التي بقيت حصراً من اختصاصات العائلات المسيحية والأرثوذكسية حصراً، وكان قد عمل بها والد القديس يوسف الدمشقي وسواه…) ورزق يوحنا فرح بولدين اثنين ميخائيل وجرجس وابنتين، ميخائيل توفي كهلاً عازباً وجرجس هو علمنا صاحب السيرة، ومن انسبائه كان الخوري الشهيد ابراهيم فرح (احد كهنة المريمية واحد شهدائها الكهنة الخمسة الذين استشهدوا مع القديس يوسف الدمشقي في مذبحة 1860)

السيرة الذاتية

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

ولد علمنا جرجس بن يوحنا فرح في دمشق سنة 1817 وتلقى دراسته في كتَّابْ المعلم يوسف مهنا الحداد الدمشقي الذي كان قد جعله في بيته لتعليم ابناء كنيسته، ثم في المدرسة الأرثوذكسية (الآسية) التي أعاد احداثها كباكورة أعماله بعد كهنوته ونقل اليها تلاميذه الذين كانوا في كتابه عام 1836.

فأتقن العربية وآدابها، وألم باليونانية لتتلمذه على المعلم يني بابا دوبولس شريك الخوري يوسف (القديس يوسف الدمشقي) في احداث الآسية والسير بها.

وكان من نوابغ الطلبه فاحتضنه الخوري يوسف، واعتنى بتثقيفه لاهوتياً وليتورجيا واعده لكهنوت مستقبلي، وتعهده بالنصائح والتوجيه والرعاية الكاملة لما وجد لديه ميلاً جارفاً للكهنوت.

وقام بتدريبه واعظاً وخطيباً، ومكَّنه من قواعد المناظرة والمنطق، فبرع في ذلك وغَّرد بهذه المواهب وخاصة بعدما رسمه شماساً انجيلياً باسم جراسيموس.

معلماً في مدرسة البلمند

دير سيدة البلمند البطريركي
دير سيدة البلمند البطريركي

ولما قام مواطنه وجارسكناه في محيط المريمية، الارشمندريت اثناسيوس قصير الدمشقي، لما قام ببعث المدرسة الاكليريكية في دير البلمند، استقدمه مع مواطنه الثاني الخوري اسبريدون صروف الدمشقي (واعظ الكرسي الأورشليمي عام 1850) وعينهما للتعليم في هذه المدرسة الاكليريكية الرهبانية، التي كما يُلاحظ أنشئت وطنية وبجهود ابناء انطاكية بامتياز( بدءاً من مؤسسها قصير الى معلميَّها المذكوريَّن وبقية المعلمين)، فتخرج على يدي علمنا ورفقته الكثير من الطلبة الاكليريكيين، وكان منهم الارشمندريت متوديوس المعلوف رئيس أديرة الكورة العام والمنتقل سنة 1839 (وفي موضع آخر 1829لكنه أبعد عن الصواب)

وقد استمرت هذه المدرسة الرائدة حتى 1842 عندما اوقفها البطريرك الأنطاكي متوديوس (يوناني)، حسداً من نجاح مديرها اثناسيوس قصير وتألقه، وخوفاً من نهضة وطنية سورية بنى لها الطيب الذكر قصير، وقد أبعده بعد إغلاقها الى القدس بصفة واعظ للكرسي الأورشليمي تنفيذاً لمؤامرته على الكرسي الأنطاكي المقدس.

بعد توقف مدرسة البلمند الاكليريكية، انصرف شماسنا، (وهو راهب من رهبنة دير البلمند)، الى خدمة منطقة الكورة روحياً والتعليم فيها، وكانت مكتبة دير سيدة البلمند (كحالها الآن) ثرية بمخطوطاتها النفيسة، فانكب على مطالعتها ومراجعتها، واستنساخ بعضها، حتى زاد تضلعاً في التاريخ والعلوم اضافة الى اللاهوت…

معلماً في الآسية

القديسان بطرس وبولس مؤسسا الكرسي الأنطاكي المقدس
القديسان بطرس وبولس مؤسسا الكرسي الأنطاكي المقدس

عاد الى دمشق فتولى بعض أعمال قلمية وسواها في الصرح البطريركي، فتفوق وأجاد بفضل سعة علومه وسلامة ما يعرف من العربية واليونانية، وكان يطوف في بعض الكراسي الأسقفية بتكليف من البطريرك مهذباً ومرشداً.

وهكذا كان علمنا يزداد نمواً في الفضيلة والمعارف، وقد اشتهر بطلاقة لسانه، وتقواه، وقوة حجته. فساعد في ذلك معلمه القديس يوسف الدمشقي في الآسية مدرسة ومعهداً لاهوتياً، ومدرسة عليا للموسيقى في التدريس والارشاد والتوجيه بالرغم من حداثة سنه، وماثله في الغيرة الأبوية ، واقتدى بسيرته الصالحة وكان بالطبع يعمل بنصائحه وارشاده مطيعاً.

في ابرشية بيروت

لما علم مطران ابرشية بيروت ولبنان ايروثيوس (يوناني) بمهارته وحذقه، طلبه اليه فأ قام في دار المطرانية، وكان يطوف اديرة الأبرشية وهي كلها في جبل لبنان متفقداً رهبانها بالارشادات والتأهيل الروحي، متجولاً في ارجاء الأبرشية الواسعة واعظاً ومعلماً روحياً، فصيره ايرثيوس مطران الأبرشية كاهناً، ومنحه شرف لقب “واعظ كرسي ابرشية بيروت ولبنان”

فانتفع المؤمنون أكثر بارشاده وعملوا بنصائحه، وكان يحضهم على التقوى، ويقاوم العادات الذميمة التي كانت متفشية بعهده، ولا سيما الاعتقادات الباطلة والأوهام الخرافية فاقتلع كثيراً منها رغما من تمكنها في العقول الساذجة مما حرك عليه دفين حقد بعض المتمسكين بها تمسكاً أعمى فحدث من جراء ذلك خلاف بينه وبين البيروتيين حمله على تركهم والعودة الى دمشق التي لبث فيها مدة عاملاً.

مطراناً على ابرشية كيليكيا

ميناء بيروت في القرن 19
ميناء بيروت في القرن 19

ولما كانت اسقفية كيليكية (مرسين وترسيس وأدنة) مترملة من مطرانها سُقِفَ عليها علمنا سنة 1857 بحفلة حافلة، وسار اليها مشيعاً بالاكرام وقد ودعه شعراء من عصره منهم الشاعر خليل الخوري صاحب (مجلة حديقة الأخبار) بقصيدة عنوانها: “موقف الوداع” قال منها:

قف قبل بينك فالفؤاد رهين…………واسمح بقربك فالزمان ضنين

قف نقض منك وداعنا في موقف………..المنار منه في الضلوع كمون

أسلفتنا الفعل الجميل كرامة…………والقلب عندك حين كنت رهين

وكانت كل القصائد من هذا النمط البليغ، وتدل على عواطف صادقة ومعرفة بقدر علمنا. وعندما وصل الى ابرشيته، تم استقباله بحفاوة ولا ابدع، القى بمستقبليه عظة عصماء كان لها أحسن وقع في النفوس، وسعى في خدمة رعيته بانشاء المدارس والعناية بالكنائس، ولكن لم يطل الوقت حتى حدث بينه وبين رعيته (وجزؤها الأكبر يوناني) خلاف حيث ان البعض لم يرق لهم ان يكون مطرانهم سوري، وبعد تروٍ وطول بال ترك الأبرشية وعاد الى دمشق، ليتابع فيها عمله في الوعظ والرعاية والمطالعة.

منتدباً الى ابرشية صور

في تلك الأثناء انتقل الى الأخدار السماوية مطران ابرشية صور وصيدا وتوابعهما المطران ايصائيا استبريان اللاذقي، فأجمعت كلمة ابناء الأبرشية على المطران جراسيموس لادارة ابرشيتهم، ورفعوا العرائض الكثيرة الى البطريرك ايروثيوس يطلبونه راعياً لهم، فانتدبه لتدبير الأبرشية بعد قبوله.

ذهب الى حاصبيا في اثناء 1860 فرعى خرافه بسهر وغيرة، ولكن مذبحة 1860 الكارثية كانت قد أطلت برأسها، وبدأت المشاكل بين رعيته ومواطنيهم الدروز، الأمر الذي أقلقه بشدة، وقد استفحل الخصام بين الفريقين مما لم يعد فيه مجال لأي اتفاق ، وبدأت نيران الفتنة تتلظى بينهما، فجاء الى بيروت قبيل بدء مذبحة حاصبيا بنحو ثلاثة اسابيع.

وكأن العناية الالهية دبرت ذلك فكان وجوده في بيروت مساعدة كبيرة للمسيحيين في حاصبيا ومايجاورها، فكانت له اليد الطولى والفضل المشهور، بانقاذ الذين سلموا من مسيحيي حاصبيا على أثر مذبحتها الفاجعة، حيث كان الذين قد نجوا من المذبحة قد التجأوا الى دار السيدة نايفة شقيقة سعيد بك جنبلاط وابنة الشيخ بشير جنبلاط الشهير.

فلما عزم الدروز على مهاجمة دار السيدة نايفة، لذبح المسيحيين الموجودين فيها اوقفتهم، لاستشارة اخيها سعيد بك الذي يُقال، انه كان قد أعطاهم الاذن باتمام المذبحة فامتثلوا امرها.

نُمي هذا الواقع الى المطران جراسيموس وهو في بيروت، فطاف من فوره جميع دور القناصل والحَّ عليهم كل الالحاح بمفاوضة سعيد بك ليوقف اتمام المذبحة فبعثوا اليه من فورهم بالرسائل يحملونه بها أقل خطر يقع على المسيحيين فاستبقاهم، ونجوا بفضل هذا الاسقف الغيور الذي كان في بيروت لايهدأ له بال من شدة قلقه عليهم.

ولما كان هذا المطران وكيلاً عن كرسي ابرشية صور وصيدا وتوابعها، استقدم اليه الى بيروت كثيراً من رعيته، وهم فيها الى اليوم من أفضل الأسر وأرقاها وحصَّلَّ لهم قيم مسلوباتهم ومحروقاتهم، وساعدهم كل المساعدة لمعاضدة المنكوبين ومخففاً عنهم بلطفه واحاديثه البليغة وعواطفه الصادقة.

طموحه ابرشية بيروت

بيروت شرتوني صورة حديثة
بيروت شرتوني صورة حديثة

ولما انتهت هذه المذبحة وتداعياتها وذلك نحو سنة 1860 طلب منه البطريرك ايروثيوس 1850-1885 ان يعود الى كرسيه في ابرشية صور وصيدا الا انه اعتذر، لأسباب كان من جملتها، انه كان يعلل النفس بالحصول على ابرشية بيروت ولبنان بعد انتقال مطرانها ايروثيوس الى الأخدار السماوية العام 1862

ولكن ابرشية بيروت التي خدمها باخلاص في كل الأوقات لم يكن منها تيار كبير ووفياً له وقام برفضه بعناد، وقد رفع هذا التيار عريضة كبيرة بعشرات التواقيع الى البطريرك ايروثيوس يرفضون فيها علمنا مطراناً عليهم، مع اعترافهم المطلق باهليته واقتداره في كل القضايا، المحذور الوحيد كان انه دمشقي وقد اصر اصحاب العريضة ثلاثاً على رفضهم له ” لانقبله ثلاثاً لأنه شامي” (الوثائق البطريركية – ابرشية بيروت) لذا اصر عليه البطريرك العودة الى ابرشيته، عندها تقدم باستقالته من ابرشيته وتقاعد، وكان ذلك عام 1866 فخلفه فيها المطران ميصائيل استبريان اللاذقي الذي رقد بالرب صيف عام 1906.

وفاته

بعد استقالته بقي علمنا المطران جراسيموس فرح في بيروت، (ولم يعد الى دمشق بعد اندثار ماتبقى من عائلته في مذبحة 1860) بعيداً عن اي عمل رعوي سوى متابعة القراءة والكتابة.

وكان قد ابتنى لنفسه بيتاً كبيراً في تلة الأشرفية المشجرة المطلة على مرفأ بيروت وكانت تلة حرجية، كما كان قد فعل المهاجرون الدمشقيون الناجون من مذبحة 1860 فقد اشادوا فيها بيوتهم السكنية وجمعياتهم ومدارسهم لعدم وجود اماكن يقطنونها في بيروت القديمة فجاء هذا التوسع شامياً ارثوذكسياً بالمطلق، الذا تعتبر الأشرفية حارة ارثوذكسية كانت في بدياتها شامية ارثوذكسية ثم سكنتها كل الفئات.

امضى المطران جراسيوس المتقاعد او الستقيل في بيته هذا ماتبقى من عمره، ويبدو انه وهبه بيتاً للمطرانية بعد وفاته.

فاجاته المنية في شهر كانون الأول سنة 1872 على أثر سقطة عن الدرج كُسرتْ بها فخذُه وكان عمره سبع وسبعون سنة.

احتفلت الرعية بتشييعه احتفالاً يليق به ورئس التشييع مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا ولفيف من مطارنة الكرسي وكهنة الأبرشية.

وانتقلت وقتها مطرانية بيروت الى هذا البيت التراثي الجميل

صفاته

كان ربع القامة ابيض اللون وقد خط شعره الشيب مهيب المنظر، وقد اشتهر بقوة حجته كيف لا وهو الخطيب الأول في الكرسي الأنطاكي المقدس في عصره، ولم يجاره مجارٍ فسمي (بلبل الكنيسة الأنطاكية) وكان لطيف المعشر محبوباً من الجميع، دمث الأخلاق، طيب القلب الى غير ذلك من المزايا الفاضلة.

وله في مراجعة الكتب وتصحيح الكتب التي أُلفت وطبعت في مطبعة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في بيروت التي كان يمتلكها الخوري يوحنا الدوماني شقيق البطريرك ملاتيوس، وفي مطبعة القبر المقدس في القدس الباع الأطول.

خاتمة

كان علمنا هذا الحبر الجليل احد تلاميذ القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي، الذين كانواعوناً له في النهضة التي غرس غراسها، وكانوا هم في اول الأمرمن اهم الغراس، وتابعوا في حمل الأمانة بعد استشهاده، فخدموا بيعة انطاكية العظمى بعيداً عن العنعنات الفئوية والاقليمية وفي كل مكان انتدبهم الروح لخدمتها، وعلمنا الذي لم تقبل به فئة في ابرشية بيروت التي احبها وخدمها قبلاً ولاحقاً لغايات في نفوس افرادها، ولم تمكنه من اعتلاء سدتها… قدم لها حتى بيته السكني ليكون داراً لمطرانيته في حياته كما رغب واحب، لكن ايدي سبأ مانعته فجعلها داراً للمطرانية بعد وفاته، وفي هذا كل الحب والوفاء، نعم خدم علمنا المطران جراسيموس الكنيسة الأنطاكية ومؤسساتها التعليمية في كل مكان في مشرقنا الأنطاكي وكان نبراساً تستضيء به الألباب، كما كان معلمه القديس يوسف الدمشقي .

صرف حياته باجتهاد وغيرة وحمية، رغماً عما صادفه من مضايقات وحوادث وكوارث، ولايزل رجع صدى عظاته مدوياً في دمشق وبيروت وحاصبيا وصور وصيدا وفي مدرسة البلمند ومدرسة الآسية معلماً.

ولكن وبكل أسف لا احد يأتي على ذكره كما هو حال العظماءالمتواضعين ولعله اولهم.


أضف تعليقاً