المتروبوليت غفرئيل شاتيلا الدمشقي…

المتروبوليت غفرئيل شاتيلا الدمشقي


أسرة شاتيلا

في الأصل والتسمية

لاشك ان تسمية شاتيلا مستمدة من كون ابناء هذه الاسرة مزارعين اشتهروا بغرس الشتول. على ماتفيد ادبيات اسرة شاتيلا

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

وهي من الأسر المسيحية والاسلامية في بلاد الشام عموماً ودمشق وبيروت وحماه…وتؤكد مصادر الأسرة بفرعها البيروتي الاسلامي التي تؤكد سبب التسمية، ان اصل الفرعين الاسلامي والمسيحي واحد، ومن جذور عربية واحدة لعلها من قبيلة الشواتلة او قبيلة بوشتال العربية التي هي اساساً من قبيلة غانم. (1)

أما الفرع المسيحي اللبناني لآل شاتيلا فهم روم ارثوذكس من راشيا الوادي وبلدة الماري في قضاء مرجعيون، وتؤكد مصادر الأسرة انتقالهم الى دمشق بالاضافة الى ان بعض افراد العائلة لايزال يقطن جنوباً في العديسة والبقاع.

سيرته الذاتية

ولد جرجي (2) في دمشق بتاريخ 5 شباط 1825 من اسرة شاتيلا الدمشقية، حارة الايمان الأرثوذكسي، وكانت اسرة والدته تتوارث الكهنوت، وكان منها مطران زحلة جراسيموس يارد (من راشيا الوادي)، فترعرع في التقوى في التقوى والفضيلة وتعلم القراءة والكتابة باللغتين العربية واليونانية عند الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي في بيته(3)، ولما بلغ العاشرة من عمره وكان قديسنا الشهيد قد أعاد تأسيس مدرسة الآسية مجدداً عام 1836( 4) وبقي فيها سنة واحدة فقط تعلم بعدها مهنة نسيج الحرير الدمشقي ( الكريشة) عند والده.

مطران بيروت غفرئيل شاتيلا الدمشقي
مطران بيروت غفرئيل شاتيلا الدمشقي

وعندما توفي والده كان عمره 14 سنة فقط فتولى ادارة العمل وشؤون الاسرة حتى شب شقيقه فضل الله فسلمه العمل في دمشق وقصد القدس تبركاً بزيارة القبر المقدس، ثم سافر بعدها الى القسطنطينية وازمير لادارة أعماله التجارية.

في القسطنطينية أدخله طيب الذكر السيد ديمتري شحادة راهباً في خدمة البطريرك الأنطاكي ايروثيوس (1850-1885) الذي عيَّنَّه كاتباً عربياً وسكرتيراً شخصياً له وألبسه ثوب الرهبنة في كنيسة أمطوش القبر المقدس في القسطنطينية عام 1850وسماه غفرئيل، ثم رسمه شماساً انجيلياً عام 1851 في كنيسة مريم (الكاتدرائية المريمية) بدمشق.

وبفضله وبهمة الخوري يوسف ( القديس يوسف الدمشقي) تم انشاء الفرع اللاهوتي الشهير في المدرسة البطريركية الأرثوذكسية الدمشقية (الآسية) السنة 1852 الذي كان بمثابة اكاديمية لاهوتية جامعية عليا، إضافة الى المدرسة الموسيقية العليا التي انتظم بها اثنا عشر اكليريكيا كان منهم علمنا الشماس غفرئيل شاتيلا وجميعهم كانوا بالأساس من تلاميذ القديس يوسف الدمشقي وصاروا من كبار أحبار الكرسي الأنطاكي المقدس.

رافق الشماس غفرئيل معلمه البطريرك ايروثيوس عام 1858 الى القسطنطينية حيث كان البطاركة الارثوذكس الأربعة ( القسطنطيني، الاسكندري، الأنطاكي، والأورشليمي) قد وفدوا واجتمعوا في مجمع ارثوذكسي لبحث امور تهم الكنيسة الأرثوذكسية في المشرق آنئذ ومن ضمنها قبول عودة فريق الروم الكاثوليك من دمشق والاسكندرية من الذين رفضوا تطبيق الحساب الغريغوري على تعييد الفصح، وكان القديس يوسف يتعهدهم برعايته، وكان هذا الفريق برئاسة الخوري يوحنا (ايوانيكيوس) حبيب مساميري عن فريق دمشق، والخوري غبرئيل جبارة عن كاثوليك مصر.

وكان علمنا الشماس غفرئيل شاتيلاً وبالتنسيق مع القديس يوسف الدمشقي كان وسيطاً بين المجمع الأرثوذكسي وبين الفريق الكاثوليكي الشامي والمصري، وكتب بخط يده صورة الاتفاقية التي أُقرت في المجمع وفي سجلات البطاركة الأربعةباللغة العربيةوالتي تضكمن قبولاً لعودة هذا الفريق الكنيسة الأم وترحيباً بالأولاد العائدين الى حضن امهم.

القديس يوسف الدمشقي
القديس يوسف الدمشقي

كهنوته

كان البطريرك ايروثيوس يطيل في مكوثه في القسطنطينية ، وعندما ضربت الفتنة الطائفية ووقعت الحادثة المدمرة للوجود المسيحي في مدينة دمشق في 10 تموز 1860 وادت الى استشهاد معظم ارثوذكس دمشق كون محلتهم على خط الهجوم الأول ما أعطى فترة مقبولة لبقية ابناء الكنائس الأخرى(5) ومطارنتها الى اللجوء الى مناطق اكثر أماناً ومنها بلدة صيدنايا ودير السيدة الحصين.

وكان البطريرك ايروثيوس ومعه علمنا في القسطنطينية، ولم يعد الى مقره بدمشق الا بعد اكثر من سنتين بزيارة وذلكبسبب دمار الدار البطريركية ومجمع الكنائس الذي كان فيها (6) لذا تمت رسامة علمنا الشماس غفرئيل قساً في 23 ايار سنة 1861 يوم عيد العنصرة على يد البطريرك ايروثيوس، ورسم ايضاً وفي القداس الالهي ذاته المبتدىء ملاتيوس الدوماني شماساً انجيلياً على يد البطريرك الاورشليمي كيرلس وذلك في كنيسة امطوش القبر المقدس في القسطنطينية.

وفي 25 كانون الأول من السنة نفسها رقاه البطريرك الأنطاكي ايروثيوس في كنيسة القديس سابا في القسطنطينية الى رتبة الارشندريت وعينع رئيساً للأمطوش الأنطاكي في موسكو ومعتمداً انطاكياً في بطريركية موسكووبقي ناك حتى عام 1870 عندما انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس متروبوليتاً على ابرشية بيروت وجبل لبنان.

أعماله في موسكو

وقد قام خلال فترة رئاسته للأمطوش في موسكوبأعمال اصلاحية مهمة في الأمطوش فبنى جانبا اضافيا وجدد كنيسته ومده بأنابيب حديدية للتدفئة. كما وأرسل تباعاً الى الدار البطريركية الأواني والتجهيزات الكنسية والأيقونات المتنوعة بأشكالها واحجامها وكلها من جيبه الخاص.

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

كونها لمريمية الشام وطنه المدمرة والمذبوحة بالغدر الديني البغيض وهي كنيسة آبائه واجداده والتي بها كان قد تمم اسرار العماد وكان يتعبد منذ ابصر النور حتى خروجه من دمشق، وكان منها الأيقونة الموسكوفية الشهيرة للسيدة العذراء اضافة الى ايقونات الأيقونسطاس (الحالية). اضافة الى ايقونات كثيرة ارسلها الى كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في انطاكية ( الحالية) قدمها ايضاً من جيبه الخاص(7)

وكان علمنا محترماً جداً بسبب غيرته واستقامته وعزة نفسه وعلاقته الحسنة بالمجمع المقدس الروسي ومتروبوليت موسكو والبلاط الروسي حتى انه كان يلقى على الدوام عطفاً خاصاً وتقديراً متميزاً من اسرة رومانوف عموماً ومن القيصر الروسي خصوصاً الذي أغدق عليه الانعامات المادية والعينية والأوسمة تقديراً منه على لهذا المجاهد الأنطاكي ولقيامهم بتمثيل كرسينا الأنطاكي خير قيام في روسيا حتى انه حاز المكانة التكريمية ذاتها من عامة الشعب الروسي الحار في ايمانه الأرثوذكسي واحترامه للكرسي الأنطاكي المقدس.

لذلك وفي عهده وبمساعيه كثرت تقدمات الأشقاء الروس لصالح دمشق المنكوبة والتي لم تلملم جراحها بعد مذبحة 1860. وكان يرسل ليد البطريرك ايروثيوس مايستطيع جمعه تباعاً من التبرعات لاعادة بناء الصرح البطريركي ومريمية الشام…

اسقفيته

في 27 ايلول 1869 وبفضل كل هذا التألق في خدمة الكرسي الأنطاكي المقدس حيث كان خير سفير لدى روسيا بلاطاً وكنيسة وشعباً فقد اجمع عليه آباء المجمع الأنطاكي المقدس في دوره المنعقد في دير سيدة البلمند البطريركي مطراناً على ابرشية بيروت ولبنان (جبيل والبترون) والتي قسمت الى ابرشيتي “بيروت وتوابعها” و”جبيل والبترون وتوابعهما ” عام 1902 فتولى المطران جراسيموس مسرة اللاذقي مطرانية بيروت، بولس ابو عضل الدمشقي مطرانية جبيل والبترون وكان اول مطارنتها.

تسلم علمنا المطران غفرئيل مطرانيته عام 1870 بعدما بذل جهداً كبيراً للاعتذار إلا انه رضخ أخيراً لأمر البطريرك ايروثيوس، ورغبة شعب الأبرشية المتروكة منذ خمس سنوات وكان أول أعماله توحيد الرعية المنقسمة وانشاء جمعيات خيرية ومجلس ملّْي للأبرشية، ثم قام بتنظيم أوقات الأبرشية الكبيرة واصلاح الأديرة والكنائس العديدة واحياء موات ايراداتها وقد وفى ديونها وزودها باللوازم الكنسية التي سبق أن اشتراها من موسكو قبل مطرانيته وتابع أعماله الرعائية والتنظيمية ، فأسس مدرسة بيروت الاكليريكية عام 1883 وأنفق على خريجيها طيلة مدة دراستهم. وكان عددهم قد بلغ حينما رسمهم 80 كاهناً.

كاتدرائية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في بيروت
كاتدرائية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في بيروت

عام 1898 أنشأ مجلة “المحبة” واعتمدها لسان حال الأبرشية، وكان قد أنشأ رهبنة سيدة الدخول النسائية في الأشرفية عام 1888 ومدرسة لجمعية ” زهرة الاحسان”، و”دير راهبات سيدة النورية” في الكورة وبلغ عدد الكنائس التي أنشأها وزينها ووسعها 32 كنيسة وبنى عدة مدارس في قرى جبل لبنان…

لعل اهم انجازاته على الاطلاق كانت انشاؤه لمستشفى القديس جاورجيوس ( مستشفى الروم) وتروي الوثائق البطريركية بأنه لقي تعنيفاً وتجريحا لايحتمل من اعضاء المجلس الملي للأبرشية ووجهاء الأبرشية الذين اتهموه بالتبذير وفساد الادارة، لأنه بنى هذه المشاريع، فتحملها بصبر المجاهدين، وقبيل وفاته عام 1901 دعاهم الى اجتماع عام ضم ممثلين عن حتى اصغر قرية في ابرشيته المترامية الأطراف، وابرز لهم الوثائق الخطية المؤيدة لقيامه بمعظم هذه المشاريع، وكان الأشد وقعاً عليهم الوضع المتردي لأديرة الأبرشية ومعظمها في جبل لبنان وخسارتها باستمرار وكيف انه دعمها بماله الخاص الذي كان معه قبل تربعه على سدة الأبرشية، فجعلها تقف على اقدامها واعادها تدر ريعية جزيلة بتوظيف ماقدمه لها في مشاريع تنموية ولم يسترد اي قرش بعد تحقيقها الريعية…(8)

لقد كانت هذه الجلسة صادمة بحق من اتهمه بفساد الادارة والتبذيرواختلاس الأموال، وكانوا وكأن على رؤوسهم الطير،فما كان منهم الا الخجل الشديد عما اتهموه به والافتراء عليه وبكى معظمهم نادمين مستغفرين راجين صفحه وبركته وقائلين قولتهم الشهيرة:” انت ياسيدنا قديس حتى تحملت منا بصمت كل هذا الألم طيلة هذه السنين.”

صفاته

تمتع علمنا بكرم حاتمي، فكان لايدخر جهداً في دعم المحتاج من ابناء كنيسته ومن كل المذاهب، وكان كريم السجايا طيب المعشر، حميد الخصال، شهماً رفيع الأخلاق وكان اباً روحياً تجمعت فيقلبه وذاته وافعاله صفات الأسقف…” حيث يوجد الأسقف توجد الرعية..”

وبالرغم من تجريح ابنائه له، إلا انه سامحهم وباركهم بدموع الفرح بعدما كان قدبكى كثيراً من فريتهم بحقه وظلمهم له.

ولصفاته وغيرته الروحية والوطنية كان قد نال اوسمة رفيعة من سلاطين بني عثمان، ومن القيصر الروسي، ومن ملك اليونان، ووسام الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية.

اتقن بالاضافة الى العربية ونبوغه فيها، الفرنسية والروسية واليونانية والايطالية والتركية.

كان لاهوتيا بارعاً ذائع الصيت، وواعظاً قل نظيره.

كان رحمه الله ربع القامة مهاب الجانب، في عينيه الوداعة، وعلى وجهه علائم الورع والتقوى.

رقاده بالرب

رقد بالرب ليل الأحد في 7كانون الثاني سنة 1901 وسجي جثمانه الطاهر في كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت، فتقاطر ممثلو رعايا ابرشيته من كل الارجاء لالقاء نظرة الوداع الأخيرة على من كان اباً وخادماً لهم في كل شيء معبرين بذلك عن ندمهم على ظلمهم له كثيراً خلال سنوات كثيرة وكان لايقابلهم الابالوداعة والمحبة والتسامح، ولخصاله الرفيعة هذه التي آلفت قلوب ابناء بيروت ولبنان حوله، واجمعوا على حبه، فقد تحولت جنازته الى جنازة وطنية روحية نادرة المثال بمشاركة الرسميين والقناصل ورؤساء الكنائس ورجال الدين المسلمين من مختلف الطوائف والمذاهب، وهم يبكون على فراق هذا السيد السند وكانت اجراس كنائس بيروت الأرثوذكسية وغيرها تشارك في وداعه بشكل مؤثر جداً.

وظلت ذكرى هذه الجنازة وصاحبها مدارحديث كل لبنان الى زمن طويل.

حواشي البحث

1- الأنساب للمقريزي.

2- اسمه العلماني

3- مدرسة الآسية الدمشقية اسسها البطريرك افتيموس كرمة عام 1635، واسستمرت بالرغم من كل المعوقات وظروف عصر الانحطاط العثماني وبقيت مدرسة وطنية بنيت بأيدي ابناء الرعية الارثوذكسية الدمشقية، كان يوسف مهنا الحداد قد اقام كتاباً في بيته سراً لتدريس اولاد الرعية، وعندما اختير كاهناً من قبل رعية دمشق اعاد احداث مدرسة الآسية وضم اليها تلاميذه الذين درسوا في كتابه الذي استبدله بالآسية وكان ذلك عام 1836 ثم حدثها عام 1840 فجعلها على مستوى مدارس الغرب الأوربي.

4- مهنة سدي الحرير او نسج الحرير كانت من المهن التي اختص بها مسيحيو دمشق وكانت حتى تاريخه معظم الحرف محصورة بيد المسيحيين الدمشقيين وكان منها من هو خاص باليهود.

5- مناطق الشاغور والخراب والمريمية… هي خط الدفاع الأول عن الحي المسيحي وكانت هذه المنطقة ارثوذكسية بالمطلق ويجاورها حي اليهود وحي المسلمين السنة في الشاغور والمسلمين الشيعة في ي الأمين وحارة الجورة في باب توما، وكانت لكل طائفة مسيحية حي خاص بها حيث تركز الكاثوليك حول كاتدرائيتهم في حارة الزيتون وحارة حنانيا والمسبك، ومنطقة باب شرقي للسريان الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن الأرثوذكس… هؤلاء تمكنوا من النجاة وان كانت بيوتهم وكنائسهم ومؤسساتهم تدمرت واحترقت كما حصل للمنطقة الأرثوذكسية…

6- كان في الصرح البطريركي اضافة الى كنيسة مريم كنيسة القديس نيقولاوس، وكنيسة القديسين كبريانوس ويوستينا، وامطوش وكنيسة دير القديسة كاترينا في سيناء…

7- كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في مدينة انطاكية احدثت عام 1870 بعدما كانت الرعية تصلي في كنيسة مغارة القديس بطرس في جبل انطاكية وكان في موضع الكاتدرائية محلة الجنينة وفيها كنيسة خشبية للاتين فتمت المبادلة معهم فأخذوا مغارة سان بيير اقام الارثوذكس كاتدرائيته في الجنينة وهي الحالية. وتتبع انطاكية للبطريرك بدمشق بصفتها مقره الأساس لذا اندفع الارشمندريت غفرئيل الى مدها بالأيقونات الروسية الموجود منها حاليا خاصة ايقونات الايقونسطاس…

6- الوثائق البطريركية / وثائق ابرشية بيروت في دائرة الوثائق البطريركية بدمشق.

مصادر البحث

الوثائق البطريركية / دمشق وبيروت ووثائق ديمتري شحادة

مجلة المحبة العدد101 السنة الثالثة بيروت 3ك2 1901



أضف تعليقاً