العلامة المؤرخ الخوري عيسى أسعد …

العلامة المؤرخ الخوري عيسى أسعد

تمهيد

علمنا من الأعلام القلائل الذين فرضوا ذاتهم باقتدار على ساحة العلم والمعرفة، وفي الكنيسة الأنطاكية، وعلى مقدار الوطن السوري، بنى ذاته بذاته معرفياً وعلمياً ولاهوتياً

صار علماً وقامة فهو مؤرخ ثبت دقيق، ساح في الوطن السوري وشاهد بأم العين ودقق الحجر والآبدة وكتب عنها بكل نزاهة وموضوعية,,, كما فعل الخوري المؤرخ والعلامة ايوب نجم سميا وكلاهما تركا ارثا رفيعاً في تأريخهما الذي يؤكد على تجذر المسيحية في المشرق عموماً وسورية الكبرى تحديداً قبل ان يشرذمها سايكس وبيكو وسورية الحالية على وجه الخصوص…فأيوب صار مؤرخاً من مؤرخي الشام، وعيسى أسعد سمي مؤرخاً لحمص…

رجل لا يهاب في الحق لومة لائم، قارع الاستعمار العثماني البغيض، وكاد ان يدفع حياته ثمناً لمواقفه الوطنية، ودفاعه بالصوت المدوي عن المظلومين المذبوحين من شهداء 6 أيار 1916، كما وقف في وجه الاستعمار الفرنسي حاثاً في كتاباته وعظاته وخطبه الوطنية النارية على النضال والتحرر… ككل البطاركة والمطارنة وسائر الاكليروس الأنطاكي… كما ذكرنا عن كل منهم في موقعنا هنا…

الخوري عيسى اسعد
الخوري عيسى اسعد

الأب عيس اسعد علمنا…

يستحق وقفة كما عرفه معاصروه واللاحقون، وتعرفه بها الأجيال الصاعدة لتدرك من هم رجالات كنيستنا الأنطاكية وعظماء الكرسي الأنطاكي، كتب عنه كثيرون، ولكن من الواجب اعادة التذكير به وخاصة في زماننا ونحن نتوق مجدداً الى التجذر المسيحي في المشرق هم اوجدوه وتشكل اديم ارضه من اجسادهم.لذا وقفنا هنا هذه الوقفة…

السيرة الذاتية

ولد الخوري عيسى بن اسعد الشيخ في حمص سنة 1878 ، والدته السيدة مريم شعاع، واسرتا والديه من بلدة المقعبرة في وادي النصارى، وكانا من حكام هذا الوادي وقضاء حصن الأكراد (نسبة الى قلعة الحصن وقد حررها صلاح الدين الأيوبي من الفرنجة واقام فيها عساكره من الأكراد ابناء جنسه)

وكانت الأسرتان من انسباء مشايخ العازار وهي اسرة ارثوذكسية معروفة وتولت المشيخة في قضاء عكار، ومن آل الخازن الارثوذكسية الأصل والمعتنقة المارونية بعد سكناها في كسروان، وكلتا الاسرتين، واسرة علمنا، والكثير من أسر وادي النصارى هي من أصل غساني ارثوذكسي المعتقد، ومن ازرع في حوران. وقد خرجت بعد استتباب الأمن في مساحة بلاد الشام بنتيجة الفتح العثماني عام 1516 والقضاء على المماليك، واتجهت الى وادي النصارى وعكار ودمشق وجبل لبنان… واقامت فيها سلالاتها ومنها اسرة الحداد اسرة الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي.

نشأته وثقافته

كاتدرائية الأربعين شهيداً
كاتدرائية الأربعين شهيداً

تلقى علمنا الأب عيسى دروسه الابتدائية في المدرسة الأرثوذكسية التابعة لمطرانية حمص الأرثوذكسية، ثم تابع دروسه على نفسه طول حياته، وقد تمكن من اللغات اليونانية والسريانية والروسية والعبرانية علاوة على لغته العربية، كان معلماً في مدرسة صدد السريانية، وفي المدرسة الحمصية الأرثوذكسية (الغسانية) التي كان له الفضل في تحديثها في عهد مطرانها القديس اثناسيوس عطا الله، واستمر فيها حتى عام 1931.

رسامته كاهنا

بعدما رسمه شماساً، رسمه مطران حمص اثناسيوس عطا الله كاهناً بتاريخ 17 تموز 1905 في كاتدرائية الأربعين شهيداً، ثم صيَّره متقدماً في الكهنة ونال رتبة ” بروتو باباس” (كاهن متقدم بصليب) وعاون الثلاثة مطارنة المتعاقبين على سدة مطرانية حمص وهم قديسنا المنسي اثناسيوس عطا الله، فأبيفانيوس رائد، والكسندروس جحى.

استرعت مقدرته الرعوية انتباه البطريرك الكسندروس الثالث (1931-1958) فأوفده الى انطاكية نائباً بطريركيا وكانت المنطقة تغلي نتيجة للضغط التركي الدافع لأبنائها وخاصة المسيحيين منهم لمغادرتها تمهيداً لسلخها (كما تم ذلك لاحقا عام 1939 بمساعدة الفرنسيين المنتدبين، وبعد ان تم لهم وبدعم الحلفاء ان سلخوا كيليكيا السنة 1922) وبقي فيها عامي 1932 و1933 مدبراً للكنيسة وللرعية في كل قضاء اللواء، ومؤسساتها ولمدرستي الذكور والاناث وكان صاحب وقفة عز في دفاعه عن الوجود المسيحي في انطاكية وقراها، وعن بقاء اللواء سورياً.

مطرانية حمص للروم الأرثوذكس وكاتدرائية الربعين شهيد
مطرانية حمص للروم الأرثوذكس وكاتدرائية الربعين شهيد

تولى الوعظ في الكنائس عشرات السنين ونال رتبة واعظ الكرسي الأنطاكي. وقد غذى بعظاته الروحية المؤمنين داعياً اياهم الى التآلف بعيداً عن مايعكر صفو الكنيسة، ووحدة ابنائها داعياً اياهم الى الوقوف في وجه الاستلاب المنظم من الرهبنات الغربية، والارساليات البروتستانتية.

نضاله الوطني

في عظاته الحارة والبليغة كان داعية وطنية بامتياز جعل منابر الكنائس لرفع الصوت لخدمة الوطن الأم، ومقاومة الاستعمارين العثماني والفرنسي، ودعا الجميع الى التآلف والوحدة في خدمة الوطن، وكم اعتلى من المنابر خارج الكنيسة، داعياً الجميع الى الالتفاف حول الوطن، بعيداً عن العنعنات الدينية والطائفية والمذهبية، وهو لم يكن واعظ الكرسي الأنطاكي فقط، انما كان خطيباً وطنياً غير هياب وخاصة زمن السفاح التركي جمال باشا، فقد جهر بالصوت مندداً بمحكمة عاليه العرفية واحكامها بالإعدام على الأحرار ومنهم شهداء 6 أيار 1916 وخاصة بعد ان تم الاعدام في دمشق وبيروت وكان منهم العديد من ابناء حمص، ومن مختلف الأديان، ومنهم مشايخ وعلمانيين ومنهم صديقيه عبد الحميد الزهراوي، ورفيق رزق سلوم، فأدى ذلك الى ان اصدر السفاح جمال باشا عام 1916 اوامره للتنكيل به، وكان الفضل في إنقاذه الى السيد حسني الجندي وكان رئيساً لبلدية حمص وقتئذ.

الشهيد رفيق رزق سلوم
الشهيد رفيق رزق سلوم

لذا فإنه وبعد طرد الأتراك من سورية عام 1918 وخروجهم من حمص، ومن كل المدن، تشكلت في كل منها حكومة محلية لضبط الأوضاع وتسيير الأمر، وكانت كلها بامرة الحكومة المؤقتة في دمشق وفيها قوات الشريف حسين وولده الأمير فيصل، تولت حكومة حمصية الأمور في المدينة كانت برئاسة صديقه السيد عمر الأتاسي، تولى فيها منصب امين السر العام.

رشح للنيابة عن حمص في مجلس النواب السوري المشكل اثر طرد العثمانيين.

خدماته الاجتماعية والعلمية

في عام 1927 سافر الى مصر مستطلعاً معاهدها، ومتفقداً جمعياتها الخيرية، فاحتُفل باستقباله في الأوساط الوطنية والروحية والأدبية استقبالاً يليق به، وترأس في حمص عدة جمعيات خيرية، وكان عضوا في لجتة تسمية شوارع حمص.

كان قد جمع مكتبة ضخمة نفيسة فيها الوف المخطوطات والمطبوعات من امهات الكتب، وفي عدة لغات. وكتب في عدة جرائد منها الروحية كمجلتي المحبة والمنار الأرثوذكسيتين البيروتيتين، ومجلات المقتطف والهلال والصخرة الأرثوذكسية المصريات، ورئس تحرير جريدة حمص الأرثوذكسية لأكثر من عشرين سنة، وعني بالمعاهد والمؤسسات العلمية والثقافية والانسانية الحمصية، وقد ذاع صيته في الأوساط العلمية فنال عدة اوسمة من قيصر روسيا نقولا الثاني 1911، والملك اليوناني جورج السادس أضافة الى اوسمة رومانية و…

منحه المجمع العلمي العربي السوري عضويته بوصفه مؤرخاً لمدينة حمص، ومن أكثر الكتاب ادباً واقتداراً علمياً ومعرفياً.

مؤلفاته

الف كتباً عديدة نشر منها عشرين في الموضوعات كافة هي:

تاريخ الكيفية، سلاسل تاريخية، الخلاصة الجلية، إنارة الأذهان في تاريخ الشهيد الحمصي اليان، إتمام الواجبات، وقرظ معلمه المطران عطا الله بكتابه الشهير:” زفرات القلوب لفقد الراعي المحبوب” ، أساس الأسرة، آثار النصرانية في الديار الشامية، “تاريخ حمص” وقد تناوله في كل العصور، اقتن الحق ولا تبعه، نحن وشهود يهوه، لماذا انا ارثوذكسي ، وفي هذين الكتابين ثمة ادلة دامغة عن حقيقة الايمان الأرثوذكسي القويم ضد الهرطقات والشيع وشهود يهوه وكل الاحداثات الغريبة عن التعاليم المسيحية التي وضعتها المجامع منذ مجمع الرسل الى المجامع المقدسة.

بوارق الآمال، تاريخ ارمينيا، تاريخ القديسة تقلا وديرها، وفيه تحدث عن معلولا ايضاً، إرشاد هواة البيان الى مااشكل اعرابه في القرآن، وهو كتاب في النحو والصرف وآداب اللغة العربية، وقد بلغ عدد صفحات بعض مؤلفاته أكثر من خمسمائة صفحة.

صفاته

تمتع علمنا بالهدوء والدعة وحسن المعشر، وفي الوقت عينه بالمهابة والعناد والصبر في سبيل احقاق الحق والدفاع عن الثوابت الروحية والوطنية وكان وجهه يعكس صفة الوداعة وصفة المهابة، وكان مرفعاً عن الألم والتعب جباراً في قهرهما، دؤوباً في متابعة العمل، ولو على مدى اليوم وحتى وهو في اشد لحظات مرضه.

اولاده

انجب علمنا أربعة أنجال صاروا من الشخصيات التجارية والعلمية في الاغتراب وهم:

– سعد الله، وهو اديب وتاجر في التشيلي في اميركا الجنوبية وحقق مكانة مرموقة هناك. وشغل منصب أمانة سر النادي السوري في تشيلي، وكان احد مدراء جمعية الشبيبة الحمصية هناك.

– فضل الله، وكان تاجراً في ميناوس بالبرازيل.

– منير، وهو أديب وكاتب ومساعد امين دائرة الكتب الوطنية في حمص، واستاذ التاريخ في مدرستي الإناث والذكور الحمصيتين الأرثوذكسيتين.

– كمال، وكان تاجراً في بيونس ايرس في الأرجنتين.

مرضه ووفاته

انحرفت صحته قبل وفاته ببضعة اعوام، ومع ذلك استمر مجاهداً في حقل المعرفة الروحية والأدبية واصدر بعض كتبه خلالها.

وفي يوم الاثنين الثامن من شهر تشرين الثاني 1949، وافاه الأجل ، وقد احتفل المطران الكسندروس جحى وسائر الاكليروس بجنازه بحضور كافة الفعاليات الحمصية الشعبية والأدبية والعلمية ورؤساء كل الأديان والطوائف في حمص، وذلك في كاتدرائية الأربعين شهيداً، وقد تحولت جنازته الى سوق عكاظ ادبي وشعري، عدَّدَّ فيه المتكلمون مزاياه في المجالات كافة، ثم دفن في باحة الكنيسة تقديراً من مطرانية ورعية حمص وتخليداً لذكراه، كما اقيمت له حفلات تأبينية في المركز الثقافي الحمصي، وفي مجمع اللغة العربية بدمشق، وفي كل المهاجر والمغتربات حيث تتواجد الجاليات الحمصية. ورثاه الشعراء والأدباء والخطباء واشادوا بمواهبه.

وأطلقت بلدية حمص اسمه على أحد شوارع المدينة تخليداً لذكراه.

وهو بحق نال لقب مؤرخ حمص.


أضف تعليقاً