العبقري الخالد ابو خليل القباني الدمشقي

العبقري الخالد ابو خليل القباني الدمشقي

تمهيد

ابو خليل القباني
ابو خليل القباني

لما احتل التتار مشرقنا العربي ثلاث مرات، في زمن المماليك الذين لم يكونوا اقل تخلفاً بحق العباد فهم مماليك بالنتيجة…وبعد طرد هؤلاء وزوال اولئك وبعد طول سبي ودمار وقتل، آل الأمر بعدهم لبني سلجوق وابناء عمومتهمم عثمان اشد الأقوام تخلفاً وهم الوافدين من تركستان الصحراوية الغلاة والقتلة وقد تغيرت بعض ممارساتهم بعد استحلوا ارض الشام وآسيا الصغرة وشرق اوربة واخضعوا شعوباً متأصلة في معارج الحضارة… لكن كل ذلك لم يعط اي فرح ولا زهو لأهل الشام طيلة قرون سبعة من حكم استبدادي بيدغزاة مروا ورحلوا، وآخرين مروا وبقوا.هذه القرون اطفأت لمعة اي فرح اذ كانت مليئة بالأحزان والكآبة والنكبات والأذيات المفرطةوكانت عصر ظلمات لأبناء الشام ، ولم تنجب اي فنان موسيقي، ثم اتحفها القدر بالمتفنن الشامي العظيم والممثل النابغة الفنان ابي خليل القباني.

في اصله

رقص السماح
رقص السماح

هو احمد ابو خليل بن محمد آغا بن حسين آغا آقبيق ولد في دمشق 1833 وينحد من أصل تركي يتصل بأكرم آقبيق ياور السلطان سليمان القانوني، وأحد أجداده هو شادي بك آقبيق الذي شاد مدرسة الشابكلية للعلوم الدينية مع جامع كبير ووقف لهما أقاف القنوات بأجمعها، ثم لقب بعهده بالقبانيلأنه يملك قبان باب الجابية نسبة الى القبابين التي كانت بذلك التاريخ ملكاً لفريق من العائلات في كل حي من أحياء دمشق.

في نشأته

عاش علمنا بكنف والده وجنى ثمار العلوم من علماء وادباء عصره، وكان التدريس في ذلك العهد، يجري في الجوامع، حيث تقام حلقات الدراسة لشتى العلوم العربية من نحو وصرف وبيان وبديع ومنطق وفقه وفرائض، وكانت حلقة القباني تضم أكثر من الفي طالب، فكان بين اقرانه اولاً وبزَّ عليهم جميعاً بتفوقه ونبوغه، وظهر ميله الفطري نحو الموسيقى والتمثيل وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم أكب على دراسة اللغة العثمانية ( التركية بأحرف عربية)على أحد علماء هذه اللغة في جامع الطاووسية فأتقنها، ثم درس اللغة الفارسية وكان عمره آنئذ ثمانية عشرعاماً، فنبغ فيها، وكان يسهر مع رفاقه من أفراد الأسر الوجيهة ويقوم بتمثيل الروايات في البيوت وكانت اول رواية مثَّلَّها في سهرات البيوت الدورية هي رواية ناكر الجميل، وقد ألفَّها متأثراً من حادثة معينة وقعت بين صديقين كان أحدهما عاقاً أوقع برفيقه الذي أحسن اليه كل أذية وضرر.

انطلاقته الفنية

وفي ثمانينات القرن 19 لما عين مدحت باشا والياً لدمشق، وكان معروفاً بأبي الدستور وهو مصلح ومتنور، قام بجولة يتفقد فيها احياء دمشق، والحالة الاجتماعية والروحية فيها، لفت انتباهه كثرة المقاهي في الشام التي تُمَّثَّلُ فيها حكايات (قره كوز وعيواص) فانتقد وجهاء دمشق وعلمائها على هذا المستوى المنحط ولامهم لاقبالهم على مشاهدة مناظر مخجلة واستماع الفاظ بذيئة، فسألهم

الوالي مدحت باشا
الوالي مدحت باشا

الا يوجد في دمشق من يستطيع إقامة مسرح تمثل فيه الر وايات الأدبية؟ فأجابوه بأن الشاب احمد القباني يقوم بتمثيل بعض الروايات في سهرات خاصة مع فريق من اصحابه في بيوت دمشق، وهو خير من يفي بالغاية المتوخاة، فأمر باحضاره فخشي علمنا عاقبة الأمر وظن أنه قضي عليه لامحالة، وقد ذهب ضحية واش وشى به!!! وكانت الناس تؤخذ بالشك والريبة في عصر السلطان الدموي عبد الحميد الثاني الملقب لذلك بالأحمر لكثرة ماسفك من دماء الأرمن واليونانيين…في آسية الصغرى واسطنبول…

مع مدحت باشا

لما قابل مدحت باشا الشاب احمد القباني ولاحظ دمائة الوالي فارتاح، ولما كلفه بتمثيل رواية امامه ليشاهدها بنفسه ارتد اليه روعه، واطمأن على حياته، فامتثل للأمر وشرح له بأن التمثيل يحتاج الى مسرح وادوار تمثيلية لابد منه، فأمر الوالي ان يعطى علمنا من بلدية دمشق 900 لية ذهبية لهذه الغاية،واستعد القباني ما امكنه، وفي المقابل دعا الوالي مدحت باشا المشايخ لمشاهدة التمثيل بحضوره.

موسى ابو الهيء ويمثل الأدوار النسائية
موسى ابو الهيء ويمثل الأدوار النسائية

ومَّثَّلَّ القباني رواية الشاه محمود واستعان بآنستين جلبهما معه من لبنان هما لبيبة ومريم وبفتيان مرد ( بدون شعر ذقن…/ أجرودي/) هم: موسى ابو الهبي وهو فتى مسيحي من باب توما، وتوفيق شمس وراغب سمسمية من مسلمي دمشق للقيام بأدوار التمثيل النسائية، فكان الوالي معجباً من براعة التمثيل ومسروراً لهذا النجاح الذي كان وليد اقتراحه، وابتسم الدهر للقباني، واغتبط لاقبال الأهلين على مشاهدة تمثيليته وتشجيع الوالي له ولفنه الذي كان له أعظم الأثر في منهاج حياته فعد لبيع حصته من أراضي قرية جديدة عرطوز وحصة من املاكه بدمشق مع القبان الذي كان يملكه، وصرف هذه المبالغ على انشاء مسرحه وبشكل فني، فبلغت تكاليفه كألبسة الممثلين والسيوف والمناظر والستائر الملونة مبلغ الفي ليرة عثمانية، وهو مبلغ ضخم جداً في ذلك العهد، وبدأ التمثيل في عام 1881، وفي البناية التي استأجرها في خان الجمرك المشهور الواقع في منطقة باب البريد آخر سوق الحميدية لجهة الجامع الأموي، فكان 80% من متنفذي دمشق واتباعهم يدخلون المسرح لمشاهدة التمثيل دون ان يدفعوا بدل الدخول، وكان القباني يقابلهم بالبشاشة والترحاب رغبة منه في تنوير الأذهان، وليعلموا أن التمثيل يدعو الى مكارم الأخلاق والمبادىء القويمة، وقد دام التمثيل سنة

درويش بن حسن البغجاتي وكان يمثل الأدوار النسائية
درويش بن حسن البغجاتي
وكان يمثل الأدوار النسائية

واحد عشر شهراً على احسن مايرام بالنسبة لتقدم الفن، وبالمقابل على اسوأ مايكون بالنسبة للمادة، إذ كانت الواردات تسدد النفقات فقط، دون ان يجبي القباني شيئاً من الأرباح لقاء أتعابه.

تم نقل الوالي مدحت باشا الى الطائف في الحجاز، فقام بعض غلاة المتعصبين من مشايخ دمشق الذي كانوا قد سكتوا رهبة من الوالي مدحت باشا واحتجوا شاكين الى خلفه الوالي الجديد، بأن روايات القباني هي بدعة وضلالة، وقد جاء في شكواهم مانصه حرفياً (وننشره هنا لطرافته وللتاريخ):

” إن وجود التمثيل في البلاد السورية مما تعافه النفوس الأبية، ونراه على الناس خطباً جليلاًورزءاً ثقيلاًل لاستلزامه وجود القيان (الخصيان ويقصدون الفتيان المرد)ينشدن البديع من الألحان بأصوات توقظ أعين اللذات في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات فيمثل على مرأى من الناظرين، ومسمع من المتفرجين احوال العشاق، فتطبع في الذهن سطور الصبابة والجنون، وتميل بالنفس الى انواع الغرام والشجون والتشبه بأهل الخلاعة والمجون، فكم بسببه قامت حرب الغيرةبين العواذل والعشاق وكم سلب قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد…”

وخلاصة القول انهم في شكواهم الى الوالي الجديد، مثّلوا بالتمثيل والمسرح وبفنانه ابي خليل القباني أشنع الأوصاف، زاعمين انه رأس كل رذيلة وفعل وبيل.

فصدر امر الوالي بمنعه من التمثيل، وهب المشاغبون فاستباحو حرمة مسرحه وادواته كافة. واضاع القباني ثروته الطائلة لتحقيق حلمه في إقامة مسرح دمشقي ، حتى انه اضطر للاختفاء مدة شهر واحدريثما خمدت ثورة الرعاع، فقرر مغادرة ارض الشام.

في مصر

راغب سمسميةوكان يمثل الأدوار النسائية
راغب سمسميةوكان يمثل الأدوار النسائية

لقد فطر القباني على الإباء والمروءة والشمم، فعزت عليه نفسه الكبيرة ان يذبحه أهل بلده، وان يبقى في هذا البلد الذي لم يُقدر اهله مافعله من الرقي والفنون الجميلة لأجلهم، وأضاع بسببها كل ثروته الطائلة، عدا عن الأذى النفسي الذي لحق به من الافتراءات، وكان مؤمناً ايماناً وطيداً بالله، وبوطنه، وبالقومية العربية التي كانت قد بدأت تنفخ في صدور المتنورين الشوام والمصريين، وكانت هذه الثوابت حافزاً له لمتابعة رسالة الفن والأدب، فظل صامداً ، رغم انكساره النفسي والمادي، لاتثنيه عن عزمه المشاغبات والمعاكسات، وكتب الى صديقه الثري التاجر السوري في الاسكندرية سعد الله حلابويستشيره في القدوم الى مصرمن عدمه، وقد أخبره بما حصل معه وكيف منعه الوالي من التمثيل والنكبة الكبرى التي لحقت به بحريق ونهب مسرحه، فأجابه مرحباً، واكد له نيل مبتغاه في مصرن وارسل اليه باخرته المسماة (قاصد كريم) فأبحر عليها مع خمسين فرداً من أخصائه، مفارقاغً الشام التي يعشقها وفي قلبه نحو متعصبيها غصة اليمة، تجيش في نفسه ذكريات الماضي الأليمة وفي وجهه علائم الأسى واللوعة على الفراق وقد خنقته العبرات.

الخديوي توفيق باشا
الخديوي توفيق باشا

في مصر سبقته اخبار قدومه، فانتظره الناس بفارغ الصبر، ولبثوا ينتظرون مجيئه، لذا كان استقبالهم له عند وصوله الى الاسكندرية لافتاً حافلاً بالترحاب والتكريم، اعاد الروح الى نفسه، وان كانت تغص بمافعله به اهل بلده.

واشارت جريدة الأهرام القاهرية لصاحبيها سليم وبشارة تقلا البيروتيان، بعددها رقم 1947 بتاريخ 23 تموز 1884 الى وصوله والاحتفال الذي جرى له.

وسافر صديقه سعد الله حلابو الى القاهرة، وقابل الخديوي توفيق باشا، وعرض على مسامعه قصة القباني ، فأمره بالعودة فوراً الى الاسكندرية لا حضاره الى القاهرة، ليقابله.

كان الخديوي توفيق قد فاجأه مفاجأة سارة، بإعطائه دار الأوبرا لتمثيل رواياته فيها لمدة سنة تشجيعاً لفنه دون مقابل، ووهبه ارضاً في حي العتبة الخضراء شاد عليها مسرحاً للتمثيل من وارداته، وكانت اول رواية مثلها وحضرها الخديوي هي رواية (الحاكم بأمر الله)، وأنشد فيها موشح الحجاز من وزن الشنبر وهو من نظمه وتلحينه.

برزت شمس الكمال………………… من سنا ذات الخمار

محمود العمري الأمين الخاص للقباني ورئيس التشريفات
محمود العمري الأمين الخاص للقباني ورئيس التشريفات

وروى أحد المقربين عن لسان الخديوي بأن القباني لما دخل المسرح وجلس على عرش الملك باعتباره يمثل دور الحاكم بأمر الله، أثرت في الخديوي عظمة التمثيل، فشردت أفكاره وهبَّ واقفاً هنيهة ووقف الجمهور معه، ثم شعر بنفسه، وجلس.وقال لمن حوله:” خلت اني كنت في قصر أقجه قلعه، وأن السلطان عبد العزيز قد دخل وجلس على عرشه فوقفت إجلالاً له…”

وكان فعل وقول الخديوي هذا أكبر دليل على ماخص الله به القباني من هيبة ووقار وتأثير روحاني على النفوس، وقدرة سَمَتْ بعظمة فنه الى الخلود.

ثم مثَّلَّ رواية (هارون الرشيد وانس الجليس)، وفيها أنشد بصوته العذب الجميل موشح الحسيني من وزن الشنبر وهو من نظمه وتلحينه:

رقصَ البانُ وغنى من على الغصن الهزار………. وجريح القلب ثنّى في تلاحين الحصار

ثم انشد موشح العجم من وزن المصمودي وهو:

شمسَ كأسِ الراحِ تُجلى…………. من يد الريم المهفهفْ

واهتزت مصر طرباً لحفلات رقص السماح التي شاهدتها لأول مرة، وقد بلغت دهشة الحاضرين من روائع فن القباني حداً لايوصف في هذا، ولما كان القباني قد ترك عائلته في الشام والمؤلفة من ولديه خليل وعبد الحميد واربع بنات، وغاب عنهم أكثر من عشر سنوات في مصر، فقد هزه الشوق لرؤيتهم، فحضر الى دمشق وترك مسرحه ومسرحياته في عهدة تلامذته البارعين، ثم دعاه صديقه محمد سليمان الجندي الحمصي لزيارته مع عائلته في حمص، فمكث في ضيافته مدة سنة، ثم ترك ولديه وبناته تحت رعاية هذا الصديق الوفي الذي هيأ عملاً يعتاشون منه، وانشأ لهم معملاً لصنع النشاء فيها، وأقاموا لمدة سنتين، ثم عادوا الى دمشق وكان ذلك عام 1891، وعاد القباني وحيداً الى مصر، وقد أقام فيها سبعة عشر عاماً.

عزت باشا العابد
عزت باشا العابد

شاءت الأقدار ان يعلو بفنه ويبلغ ذروة المجد والعظمة، فيضيق حساده الكثر ذرعاً بتفوقه عليهم، وفي طليعتهم المسرحيون: اسكندر فرح، والشيخ سلامة حجازيوغيرهما من اصحاب مسارح التمثيل في مصر، فدبروا المكائد للتخلص من وجوده في مصر، واستغلوا رعاعاً، فأحرقوا مسرحه، وكان لأحد اعيان مصر دين على القباني يزيد على الألفي جنيه، فاضطر ان يفيه هذا الدين بإعطائه الأرض. وقد أثَّرت هذه الكارثة في اوضاعه المادية وزادتها قتاماً، فغادر مصر الى اسطنبول ونزل ضيفا مكرماً على احمد عزت باشا العابد الدمشقي، وهو كبير كتاب الباب العالي (صاحب بناء العابد الشهير في دمشق ساحة المرجة).

ولهذا فقد كان ابو خليل القباني يجتمع بالسلطان عبد الحميد الثاني بين حين وآخر، وينشد له موشحات تركية وفارسية وعربية من تلحينه، ويبدي السلطان استحسانه واعجابه بعَلَمِنا ومواهبه وفنه وفصاحته وتكلمه اللغة التركية كأبنائها. فأصدرالسلطان براءة سلطانية، بمنح كل بنت من بناته الثلاث راتباً شهرياً قدره 350 قرشاَ ذهبياً مادمن على قيد الحياة دون زواج، وقد وافاهن الأجل ولم يتزوجن، ودامت مدة إقامته في اسطنبول سنة واحدة قضاها مرغماً وعلى كره منه.

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ( الأحمر)
السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ( الأحمر)

هناك اجتمع بفطاحل الأدباء والفنانين الأتراك الذين شهدوا بأدبه وفنه.

وقد عرض عليه السلطان أن يمنحه الأملاك والوظائف لكنه اعتذر بلباقة شاكراً، وانزعج عزت باشا العابد من موقفه، ولامه قائلاً:” السلطان يعرض عليك المنح والعطايا وانت ترفض إذن أنت غبي…”

وكان السلطان عبد الحميد الثاني قد سأله عن سبب وجوده في مصر، فأعلمه بقصته وما حل بمسرحه في دمشق، وكيف منعه واليها عن التمثيل بفرمان سلطاني، وهيجان الرعاع بتجييشهم ضده من المشايخ المتعصبين، وإحراق مسرحه وقصته وماحصل له بالتالي في مصر.

فأمر السلطان عبد الحميد أن يتم التفتيش عن هذا الأمر واعلامه النتيجة، وقد تبين للسلطان ان الأمر كان مُدعى به، ولا وجود لفرمان سلطاني، فقط كان تصرفاً فردياً من والي دمشق التالي للوالي مدحت باشا ليتقرب من مشايخ دمشق، وقد تم له ذلك وعلى حساب هذا المنكود، فمنعه عن التمثيل مدعياً بصدور فرمان سلطاني بالمنع. ثم استأذن السلطان بالسفر،فأذن له وزوده بإرادة ملكية بالسماح له بالسفر الى دمشق، كي لا يتعرض اليه أحد بسوء كما وقع يوم جرى تزوير أمر توقيفه عن التمثيل.

رحلة القباني التاريخية الى معرض شيكاغو في اميركا

وصدف ان زار مسرح القباني عندما كان في القاهرة بعض السياح الأثرياء فأعجبوا بفنه التمثيلي، فدعوه لزيارة المعرض، فسافر سنة 1892 مع 20 ممثلاً الى شيكاغو في الولايات المتحدة، كان بينهم صالح بك الملقب بالدرويش ومصطفى القاري وابو الخير النجارن وامين الأصيل وابراهيم المنجد، وموسى ابو الهيء وحسين الساعاتي، واقام القباني وفرقته ستة أشهر في معرض شيكاغو وكان يمثل روايات قصيرة كيلا يتسرب الملل والضجر الى نفوس الزائرين، وأخذ معهم صورة عن واجهة باب خان اسعد باشا العظم المشهور بروعته الأثرية وعمل منها واجهة من الكرتون المطلي بالألوان الزيتية وعرضها في المعرض فحازت الاعجاب.

رقص السماح
رقص السماح

حفلاته الربيعية

كان ولايزال اهل الشام يرون في فصل الربيع فرصة للترويح عن النفس في الغوطة والطبيعة، وكانوا يقيمون حفلاتهم او مايسمونه (السيران)..

في السنة 1896 اقام الوجيه الدمشقي سليم السيوفي بمناسبة فصل الربيع في ربوع دمر صباحاً، ثم اقام الوجيه الدمشقي اديب العطار في بستان ابن شرف عصراً حفلة ضمت الحفلتان نخبة رفيعة من أثرياء وشخصيات دمشق وعائلاتهم.

فانشدت فرقة القباني الضخمة الموشحات والأناشيد الرائعة التي ألهبت النفوس طرباً، ثم دارت حلقات (رقص السماح) مترافقة بأصوات المنشدين الرخيمة الساحرة، وعزف آلات الطرب ضمن الايقاع والانسجام الفني، فاستلب عقول وقلوب النظارة.

مؤلفاته

كان القباني عالماً متضلعاً، ومؤلفاً بارعاً وشاعراً مبدعاً وناثراً بليغاً ولبيباً فصيح اللسان وقد جادت قريحته بتاليف ثمان وستين رواية عرف منها روايات ناكر الجميل، الشاه محمود، السلطان حسن، أسد الشرى، لوسيا، عنترة، هارون الرشيد واُنس الجليس، متريدات ، عفيفة، ملتقى الحبيبين، واسما وسليم وأكثر هذه الروايات مطبوع يباع في المكتبات المصرية، وفي اقتنائها فائدتان الأولى ليُعرف قدر هذا العالم العبقري في الأدب والفن والموسيقى لمن لايعلم، والثانية لوجود الحانه الموضوعة بمناسبات مناظر ومواقع التمثيل في هذه الروايات، وقد جمعت بين جذالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها.

فنه

راقصة السماح
راقصة السماح

وغذا المكارم والمعارف كانتا……………إرثاً فلا داع الى التعظيم

كان القباني ملحناً وممثلاً عبقرياً، ويعتبر من أبرز مؤسسي المسرح والمسرح الغنائي في الأقطار العربية، وتلقى عليه نخبة من أهل الفن الكبار المصريين امثال الشيخ دروكش الحريري استاذ الشيخ سيد درويش، وكامل الخلعي الموسيقار المشهور، والشيخ سلامة حجازي وغيرهم، وهو الذي نقل الغناء الشامين وأكثره من نظم وتلحين الشيخ أمين الجندي الشاعر الحمصي المشهور ونشره في مصر.

فكالن مسرحه منهلاً لطلاب الفن ينهلون من رحيقه ومورداً عذباً يؤمه الكبراء والأمراء والشعراء والأدباء لمشاهدة درره النفيسة ومواضيعه البليغة، أما مواهبه ومكانته بين عباقرة الفن فانهم لو حشروا لبايعوا القباني بالامارة عليهم ولساروا في ركابه معتزين فخورين بعبقريته الخالدة.

صفاته

لقد كان على جانب عظيم من ثبات الجأش وقوة العارضة في تفهم المعنى وتقرير القاعدة فيقولها بكلام بسيط يقرب من الافهام، وكان يقول ردا على ماطعنه به بعض المتعصبين ( التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر ظاهره ترجمة أحوال وسير وباطنه مواعظ وعبر، فيه من الحكم البالغة والآيات الدمغة مايطلق اللسان ويشجه الجبان ويصفي الأذهان، ويرغب في اكتساب الفضيلة، وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق ومعرفة طرق السياسة وذريعة لجني ثمار الأدب والكياسة.

كان عظيم التواضع وديعاً انيساً كبير النفس يرى الحياة ميدان جهاد وتضحية ومضمار ثبات واقدام يعطف على الفقير رحمة به وايثاراً لطاعة ربه ويساعد الضعفاء من ابناء فنه.

كان ورعاً عظيم الايمان، والدين عنده دعامة الفضائل والمآثروالمبرات، ويهوى الشعر لأنه لغة الخلود والاحساس والعاطفة، و الشعر هو رسول الوحي والالهام، وكان يجل الموسيقى والغناء والتمثيل لأنها سلوى الحياة وعزاء النفوس ودواء الأفئدة الحزينة.

وفاته

في 21 كانون الأول 1903 توفاه الله وطويت امجد وانبل شخصية عبقرية اتحف الدهر بها مشرقنا على أثر اصابته بعدوى الطاعون ودفن بمقبرة عائلته في باب الصغير في السنانية بدمشق.

فرقته

رقص السماح
رقص السماح

ان فرقة القباني كانت تمتاز عن غيرها من الفرق الحديثة، فقد كانت تضم افضل العناصر ثقافة وأقواها لغة وعلماً من شعراء ومؤلفين وملحنين وممثلين ومنشدين وعازفين، وابرز عنصر فيها هي فرقة راقصي السماح، فقد كان الشعب المصري شغوفاً بمشاهدة هذا اللون البديع في اوزانه الراقصة المتشعبة.

بلغ عدد الفنانين في فرقته نيف وخمسين فناناً، والسؤال: هو هل استطاع احد من رؤساء فرق التمثيل في اي بلد شرقي ان يؤلف فرقة تمثيلية تضم هذا العدد الضخم من الفنانين البارزين بمواهبهم الفنية، وفي حال وجدت هل استطاعت ان تعيش الزمن الذي عاشته فرقة القباني، هل نكبت فرقة وصاحبها بمثل مانُكب به وفرقته من أذى وحرق وحرب وتخريب في رسالته الفنية المثالية، هل بلغت شأوها الفنيهذا النابغة تطاول على عبقرية المصريين في عقر دارهم فشهدوا له أنه الرائد الأول لفنون التمثيل والتلحين وظل يعمل مدة 17 سنة منذ عام 1884 الى سنة 1901 حتى احترق مسرحه بدافع الحسد والتشفي.

كان عهد القباني في التمثيل بمرحلتين


الأولى : تأسيسه الفرقة المسرحية والعمل في سمسرح دمشق مدة ( سنة واحد عشر شهراً) حتى نهب مسرحه وحرقه بثورة المشايخ المتعصبين عليه، ومحاربته رسالته وغاياته النبيلة في تنوير الأذهان ونشر الفضائل في المجتمع.

الثانية: سفره الى مصر وتمثيله مدة 17 سنة حتى احتراق مسرحه للمرة الثانية على ايدي الرعاع بدافع الغل والغيرة في التفوق الفني.

ففي المرحلة الأولى ضمت فرقته بعض الأفراد الذي آثروا البقاء بدمشق دون اللحاق به لعوامل قاهرة، وفي المرحلة الثانية انضم الى فرقته بعض العناصر، فمنهم من عمل معه بضع سنين، ومنهم من بقي معه حتى عاد الى دمشق كان من فرقته الأعضاء التالية وهم جزء صغير من الأصل :

– داوود بن قسطنطين الخوري( الحمصي) شاعر ومؤلف وملحن جميل الصوت وله روايات خالدة كثيرة كان موظفاً في دمشق.

– محمد بن أحمد الشاويش ( الحمصي) ذو صوت جميل وراقص سماح وقد بقي بدمشق.

– عطا الأيوبي وكان ممثلاً في فرقة القباني.

– عمر الجراح عازف العود والقانون الشهير ولم يسافر الى مصر

– قسطاكي شحلاوي ممثل بفرقة دمشق الأولى.

– عزت الاستاذ ممثل بفرقة دمشق الأولى.

– نيقولا شاهين الدمشقي ممثل بدمشق ولم يسافر الى مصر.-

– محمود العمري الدمشقي وهو المين الخاص للقبانيورئيس التشريفات وقد سافر معه الى مصر.

– مستو الجراح كان راقص سماح ولم يسافر الى حمص.

– صالح بك بن عثمان بك موسى باشا المكنى بالدرويش وكان ملحناً واعراً وواضع النوتة الموسيقية.

– صالح الصيرفي راقص سماح.

– شكري الجد عازف قانون.

– بديع الجد عازف عود.

– محمود الكحال عازف قانون.

– ديب سعيد خوش مي عازف كمان وممثل هزلي.

– مصطفى بن أمين القاري ممثل وخبير بانتقاء البسة الممثلين.

– الشيخ رشيد ابراهيم عرفه الدمشقي صوت جميل ومنشد بارع.

– توفيق رضا شمس كان يمثل دور الأوانس .

– درويش البغجاتي – دور الأوانس.

– موسى ابو الهيء – دور الأوانس.

– حسن عبدو الحلبي – راقص ساح.

– صالح سعيد غزان – ضارب على النقارات.

– كامل الخلعي الموسيقار المصري المشهور وكان يتلقى موشحات القباني مع فرقة التمثيل.

– وهناك ممثلون وممثلات وغانيات حلبيات تعذر معرفة اسمائهن، وكان القباني حضر من مصر الى حلب وأخذهن مع العازفين بديع الجدا وشكري ومحسن الجدا الى مصر، واشهرهن المغنية الجميلة ملكة سرور الحلبية.

الخاتمة

أقول فقط كلمة واحدة: “ابو خليل القباني ظاهرة لن تتكرر”.


أضف تعليقاً