الظاهر بيبرس يدمر انطاكية

الظاهر بيبرس يدمر انطاكية…

ويكمل مافعله الفرنجة بالكرسي الأنطاكي المقدس

المخطوط 189 من الوثائق البطريركية

يصف الارشيدياكون بولس ابن البطريرك مكاريوس كيف اقتحم المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري ومماليكه مدينة انطاكية ودمر وجود كرسينا الأنطاكي المقدس في عام 1268مسيحية فيقول:

” … وزحف (الظاهر بيبرس) عليها (على مدينة أنطاكية) فملكها يوم السبت سابع رمضان وقال:” وكان انه لما نزل عليها (حاصرها) توهم هو والأمراء والجند انها لن تُؤخذ (تُفتح) إلا بعد سنة كاملة. وأن حصارها يطول عليهم بغير طائلة (بدون جدوى). فأقام الجيش عليها (حاصرها) ثلاثة أيام. وأرادوا أن ينصبوا المجانيق للحصار. ونصب العسكر السلم الخشب (السلالم الخشبية) على الأسوار، وصعدوا فلم يجدوا أحداً يقاتلهم. فملكوا البلد ليلاً من غير علم أهلها بهم. ونهبوا الأموال والقماش والخيول والإبل والأنعام والجوار(الجواري) والعبيد. شيء يجُّلُ عنه الوصف والتعديد (لايمكن وصفه، يهاب المرء من وصف وحشيته). ولم يحصل لهم في بلدٍ غيرها أكثر مما حصل لهم بها (لم يقم الفاتحون بأفعال مثلها في أي بلد آخر). وقتلوا من أهلها أزيد (أكثر) من أربعين ألفاً. وأحرقوا كنائسها المشهورة في العالم (1). وأتلفوها تلفاً (دمروها).وسبوا واسروا (2) أهلها، وأخذوهم لديار مصر فصار لهم أمر ونهي وسعادة فيها ( احتلوا فيها لاحقاً مراكز مرموقة). وقال في تاريخ آخر.

المخطوط البطريركي 189 من خط الارشيدياكون بولس ابن الزعيم
المخطوط البطريركي 189 من خط الارشيدياكون بولس ابن الزعيم


” وماحصل لأنطاكية ولأهلها من الضر والبؤس (الضرر والأذى والاذلال). لاتصفه الألسن ولا تحصيه الطروس (كتب، مراسلات…). لأنه بالغ في خرابها (يقصد أنطاكية)ودثارها ( تدميرها واندثارها). وطرد أهلها منها. وهدم كنائسها ودرس آثارها (جعلها أطلالاً، او قاعاً صفصفاً) وشتت أبناءها المسيحيين في مصر وباقي البلاد (تهجير قسري). وفي ذلك كفاية لما يراد وعليه مانقصد للمفاد (وغاية فيما يُرام ويُراد).

المخطوط البطريركي  189 وهو بخط الارشيدياكون بولس اين الزعيم
المخطوط البطريركي 189 وهو بخط الارشيدياكون بولس اين الزعيم

ويتابع الأرشيدياكون بولس في مخطوطه القول:

” فمن هذه العلة أيقنت أنه لم يبق للمسيحيين قوة أ يعيدوا كرسي البطركية (المقر البطريركي) اليها على الرسم المعتاد. واتضح لي أن سبب ذلك الانتقال قد كان من هذا البلبال ( البلاء، الكارثة). وإذ أُقنعت بذلك بعد الجد والكد تجدد في عزم آخر وضاعفت الجهد، وابتغيت حينئذ أن أعلم: من كان بداية البطاركة في دمشق أولا (اي اولهم). ورجوت أن أجد لهم تاريخاً متتابعاً مفصلاً. يُذكر فيه تعاقب بعضهم بعضاً. ومدة إقامة (ولاية) كل منهم. فلم أصادف (أعثرعلى) ذلك أيضاً بل رأيت تواريخ متفرقة في كتب قديمة مصدقة (موثقة). تتضمن ذكر كافتهم (ذكرهم جميعاً). ومدة رياسة (رئاسة) كل منهم الى وقتنا هذا وجملتهم (عددهم). أعني من سنة ستة آلاف وثمانماية وأربعة وسبعين لآدم. (1366مسيحية) الى سنة سبعة آلاف وماية وخمسين للعالم (1645مسيحية) وهو العام الذي انتصب (نُصب) والدي بطريركاً. فاجتهدت أن أجمع ذلك التفريق. وأجعله تاريخاً متلاحقاً على التحقيق (من بعد التحقق)، كما قدمت هذا الاعتناء في تأليف ذكر بطاركة أنطاكية الأولين. من عهد القديس بطرس هامة الرسل الى زمان ايليا وكرستيانوس من البطاركة اللاتينيين (3) اللذين صارا بطركي أنطاكية (بطريركين لأنطاكية) (4) لما فتحها الافرنج الفرنساوية ( الفرنجة او المدعوون صليبيين وفي هذه التسمية جرح لمشاعر المسيحيين، وكان الصليب عندهم شارة حربية كالنسر الروماني والنسر البيزنطي ذي الرأسين). في سنة الف ومايتين وسبعة واربعين للتجسد الالهي (1247 مسيحية) هؤلاء بعدما فتح المسلمون مدينة أنطاكية ايضاً (5).

المخطوط 189 بخط يد الارشيياكون بولس ابن البطريرك مكاريوس ابن الزعيم
المخطوط 189 بخط يد الارشيياكون بولس ابن البطريرك مكاريوس ابن الزعيم

وكما يُخبَّر في تواريخ الكنيسة التي استخرجناها من اللغة اللاتينية (فترة حكم الفرنج). ماعرف من البطاركة الذين بعدهم صاروا عليها سوى أربعة لا غيروهم ثاودورس الذي يخبرعنه في كتاب ناموس بالرومي (باليونانية) أنه كان شماساً، وحافظ كتب آجيا صوفيا الكنيسة العظمى في القسطنطينية. وبعد مدة انتخبوه وشرطنوه بطريركاً على مدينة الله أنطاكية وسائر المشرق. ويواكيم في سسنة، واثناسيوس في سنة، ومن بعد هؤلاء ما عدنا وقفنا (لم نعد نعثر) لبطاركة أنطاكية على تاريخ. لا في الكتب والتواريخ الفرنجية (اللاتينية). ولا في الرومية ( اليونانية) ولا في العربية. وكان انتماؤهم الى ايام فتوح (فتح) الملك الظاهر كما ذكرنا مدينة أنطاكية. ومن ذلك الحين عُدمت أخبارهم بالكلية. لعد ظهور مؤرخ جديد يتبع تواريخ علماء الملة المسيحية (يؤرخ للبطاركة). وكان ذلك لكثرة الهم والغم والعُسر والضيق الذي أصاب بني المعمودية.( المسيحيين)

غير أني رأيت في آخر كتاب قديم وهو الحاوي الكبير من كتب فالا بخط الراهب بيمين في دمشق أنه كله في ثامن عشر شهر نيسان سنة ستت آلاف وسبعماية وأربع وعشرين لآدم (1216مسيحية) الموافق لسني العرب سلخ ذي الحجة سنة أربع وستماية. (يقصد التقويم الهجري 604 ه) وذلك في أيام البطريرك الكبير أبي سمعان الأنطاكي. هذا ما تيسَّر لي جمعه من كتب تواريخ الكنيسة ومما وجدناه في كتبنا وتواريخ اللاتينيين. وجمعت ذلك جميعه على بعضه وجعلته كتاباً بمفرده ينتفع منه كل مَن يقصدُه. لأنه لا يسعني ههنا حصره لئلا نخرج عن المقصود فيما نحن بصدده.”

البطريرك مكاريوس ابن الزعيم
البطريرك مكاريوس ابن الزعيم

ويتابع الأرشيدياكون بولس القول في أول البطاركة الذين استقروا بدمشق فيقول:

“وأما أول من وقف بطريركاً في مدينة دمشق الشام. فإني رايت في بعض كتب قلاية البطركية (الدار البطريركية) كتاباً قديماً جدا ًتاريخاً (مخطوط تاريخي قديم جداً) بخط المرحوم البطريرك ميخائيل يقول فيه هكذا:” بدءُ ما استقرت البطاركة في دمشق المحروسة أنه لما توفي البطريرك أغناطيوس(6) في قبرص استقر بعد بخوميوس مطران دمشق بطريركاً مدة سنتين وعزلوه”.

فعلى مايلوح أنه لما تيسر للملك الظاهر الفتوح (فتح أنطاكية) فرَّ المرحوم اغناطيوس من أنطاكية بعد فتحها الى قبرص. وفيها توفي كما ذكر قبلاً وصار بعده بخوميوس ميخائيل بطريركاً في سنة 6877 للعالم (1369مسيحية). وأقام سبع سنين ومات في سابع عشر شهر آب 6884 ستة آلاف وثمانماية وأربع وثمانين للعالم (1376مسيحية). واستقر بعده بخوميوس بطريركاً وأقام سنتين وعزلوه ايضاً، ثم حضر البطريرك مرقص من القسطنطينية الى دمشق وأقام سنتين ومات في عاشر شهر نيسان 6886 للعالم (1378مسيحية) وصار بعده بخوميوس بطريركاً وتوفي في تاسع عشر شهر كانون الأول سنة 6895 للعالم (1387مسيحية) وصار بعده البطريرك نيكون وتوفي في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 6903 (1395مسيحية) واستقرآخرهم بطريركاً ميخائيل بن ميخائيل مطران بصره (بصرى حوران وجبل العرب) في سابع يوم من شهر شباط يوم أحد الابن الشاطر سنة 6903 للعالم بعد نياح (رقاد) البطريرك نيكون بستة عشر يوماً وبعد نياح والده ميخائيل

المخطوط 189 البطريركي بخط يد الارشيدياكون بولس ابن الزعيم
المخطوط 189 البطريركي بخط يد الارشيدياكون بولس ابن الزعيم

مطران بصره بستة سسنين تنقص شهراً

وبعد نياح عمه ميخائيل بطريرك أنطاكية بإحدى وعشرين سنة ونصفاً وهو الكاتب لهذه الأخبار بخط يده. وأنه أبصر ما جرى في سنة تمر لنك (تيمور لنك) من نهب بدلاته وعدة الكنيسة وماله وهرب الى قبرص في سنة 802 للهجرة (1402مسيحية). وقد نقلنا هذه التواريخ من نسخة بخط يده كما ذكرنا. ومسطور (مكتوب) بعده بخط غيره عنه أنه توفي في ثامن شهر نيسان سنة 969 ( المقصود ربما 6969 للعالم الموافق 1461 مسيحية). ووجدت في آخر رسائل قديمة في محروسة دمشق محررة وقفية بخط هذا المرحوم البطريرك ميخائيل تاريخها شهر كانون الأول سنة 6905 للعالم (1397مسيحية) وصار بعده بطريركاً بخوميوس الحوراني الذي كان مطران حمص نهار الأحد أول شهر حزيران سنة. وتنيح ( رقد) نهار الأحد تاسع تشرين الأول سنة 6921 للعالم (1413مسيحية). ووجدت في آخر كتاب قديم أيضاً هكذا:” أنه في سنة 6933 للعالم (1425مسيحية) تنيح السيد البطريرك كير (7) يواكيم الأنطاكي.” وفي كتاب آخر غيره” أنه في سنة 6935 (1427مسيحية) كان مدبراً للكرسي الأنطاكي البطريرك كير مرقص وكان على زمانه وقتئذ كير يوسف بطريرك القسطنطينية وكير فيلو ثاوس بطريرك الاسكندرية وكير ثاوفيلوس بطريرك أورشليم. وفي سنة 6943 ( 1435مسيحية) كان مدبراً للكرسي الأنطاكي كير دوروثاوس الذي كان من صيدنايا المعمورة وأسقفاً بهل وفي حياته صار المجمع الثامن عند الافرنج في مدينة فلورنسا الذي كان حاضراً فيه يوحنا ملك القسطنطينية ( لأنها ماكانت بعد قد فُتحت من المسلمين)(8)

ويوسف بطريرك القسطنطينية وكافة رؤساء الكهنة وانطونيوس مطران ايراكلية(9) (هيراقلية) ووكيل بطريرك الإسكندرية كير فلوثاوس وايسيدرس مطران كييف وسائر بلاد الروس ووكيل البطريرك الأنطاكي كير دوروثاوس المذكور ودوروثاوس مطران مونافاسية ووكيل كير يواكيم بطريرك اورشليم. وذلك في سنة 6948 للعالم الموافق سنة 1448 للتجسد الالهي (مسيحية) والموافق للهجرة سنة 843 وتوفي هذا البطريرك المذكور نهار عيد مولد السيدة ثامن ايلول سنة 6960 للعالم ( 1465 مسيحية) الموافق 5 شعبان 855 للهجرة.

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

فانتخبت حينئذٍ الجماعة في مدينة دمشق بعده الأب كير مرقص اسقف صيدنايا بطريركاً نهار الثلاثا يوم عيد الصليب لاستقبال (10) سنة 6960 للعالم وذلك بحضور السادة رؤساء الكهنة وهم يواكيم مطران بصرى وكيرللس مطران بيروتومرقص مطران الحصن (11) ويوحنا مطران أوخاييطا (12) ( افخائيطية) وأفرام مطران حماة وميخائيل اسقف الزبداني ويواكيم اسقف يبرود ومكاريوس اسقف قارا (13) (قارة) وأرسانيوس اسقف عكاروغيرهم وجعلوا اسمه في البطركية ميخائيل (14) وفي سنة 7006 للعالم ( مسيحية 1506) بتاريخ شهر ايلول وكان مدبراً للكرسي الأنطاكي يومئذكير دوروثاوس الشهير بابن الصابوني وفي سنة 7032 للعالم (1532 مسيحية) وكان مدبراً للكرسي الأنطاكي يومئذ كير دوروثاوس وعُزل بمجمع صار في اورشليم لأجل امور جرت منه وجنايات وعملوا عوضه كير يواكيم بطريركاً (عُزل بقرار المجمع الذي عقد في اورشليم عقاباً له على جنايات اقترفها وأقاموا بدلاً عنه كير يواكيم بطريركاً) وكان ذلك على زمان كير ايليا القسطنطيني وكير يواكيم الاسكندراني وكير جرمانوس بطريرك اورشليم وفي سنة 7062 للعالم ( 1562 مسيحية) كان مدبر الكرسي الأنطاكي يومئذ البطريرك البطريرك كير يواكيم وقد ذكروا عنه كما أخبروا في بلاد المسيحيين أنه أقام في البطريركية سبعين سنة…”

ويختم الارشيدياكون بحثه قبل ان ينتقل الى بحث جديد فيقول:

“… إلى هنا انتهت اخبار المرحومين البطاركة الذين صاروا في مدينة دمشق، وبتعب جزيل (مجهود كبير) حصَّلنا من أخبارهم ما تيسر جمعه بمعونة اللهفمن وجد خبر أحد منهم بعدنا وألحقه في مجموعنا هذا فيكونون شفعاه (شفعاء له) دنيا وآخره.

حواشي البحث

1- انظر وصف كنائس انطاكية بكتابنا:” زيارة البطريرك اغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكيا” طباعة دمشق 1994

2- سبى الظاهر بيبرس وقتل مائة الف من أهل أنطاكية حينما فتحها عام 1268م.

3- البطاركة الفرنج (زمن حروب الفرنجة( الصليبية) ولنا رأي ثابت في هذه التسمية فنحن نرفض تسمية الصليبيين لأن فيها جرحاً لنا نحن ابناء الايمان المسيحي حملة الصليب في حياتنا، ونستعمل كلمة فرنج او فرنجة كما كان قد استعملها المؤرخون المسلمون المعاصرون بالاضافة الى ان الصليب كان رمزاً حربياً عند الفرنج كما هو النسر عند الرومان، والنسر ذي الرأسين عند البيزنطيين.

4- معلوم الاضطهاد الذي عانته الكنيسة الأرثوذكسية على يد الفرنج: فقد نكلوا ببطاركتها وخاصة بطاركة انطاكية واستبدالهم بلا تينيين.، وما البعثات التبشيرية بدءاً من القرن 15 الا تكملة لمخطط ليتنة ارثوذكس الشرق.

5- عام 1268م على يد المملوكي ظاهر بيبرس البندقداري في حربه ضد الفرنج.

6- البطريرك اغناطيوس الثاني 1344م وفي مراجع أخرى 1342 م وهو الذي نقل الكرسي الأنطاكي الى دمشق واصبح البطريرك الأنطاكي ايضاً مطران ابرشية دمشق.

7- كير:” كلمة يونانية تسبق اسم الاكليريكي وهي مختصرة عن كلمة كيريوس وترد كدعاء بالحفظ من الله، أو محفوظ من الله.

8- قبل فتحها بيد السلطان العثماني محمد الفاتح ( الثاني) عام 1453م.

9- تتبع للكرسي المسكوني.

10- ربما كان المقصود أول السنة الكنسية التي تبدأ في 1 ايلول من كل عام مع الاشارة الى أنه كان يعتمد التقويم الشرقي حيث أن عيد الصليب كان يقع في 27 ايلول ويدعى عيد الصليب والزبيب عند الفلاحين.

11- أسقفية الحصن في وادي النصارى وهي جزء من مطرانية عكار وتوابعها واليوم مقر الاسقفية في مرمريتا.

12- أبرشية أفخائيطية كانت حتى القرن 16 ثم قسمت بين ابرشيتي حماه وحمص وكان موقعها أقرب الى بلدة محردة.

13- بلدة قارة قرب دير عطية. ويروي التاريخ ان المملوكي بيبرس دمرها بعد عودته من انطاكية وتدميرها والفتك بسيحييها وسبيهم فعل الأمر ذاته ببلدة قارة التي كانت كلها مسيحية ففتك بشعبها المسيحي قتلاً وذبحاً وسبياً وهجر من بقي من المسيحيين الى مناطق اخرى واحل بدلاً عنهم مسلمين وحول الكنيسة الى الجامع الكبير الحالي.

14- يلاحظ أنه كان لا فرق بين رؤاساء الكهنة ( المطارنة) والأساقفة في انتخاب البطريرك حيث يبدو أنه كان يحق لهم التصويت في المجمع المقدس لذا انتخبوا البطريرك.

أضف تعليقاً