الشاشان والشركس…

اولاً الشاشان

الأصول التاريخية

تبقى اصول الشاشان او الشيشان كما هو وارد حتى القرن السادس عشر ، مجهولة الى حد كبير، ويبدو ان هؤلاء كانوا يعيشون في قبائل يحمل كل منها اسم جبل او رافد من روافد الأنهار. وكانت كل عشيرة من عشائر القبيلة تتمتع بقريتها الخاصة، وفيما كانت ملكية الأراضي الزراعية لدى الشاشان فردية، ظلت ملكية الغابات والمراعي جماعية، يتقاسمونها في مابينهم ضمن إطار من التعاون التقليدي.

مقاتلون شركس في القوقاز
مقاتلون شركس في القوقاز

وانتقل قسم من الشاشان في منتصف القرن الثامن عشر، للعيش في السهول المجاورة لمناطق القوزاق، وهم من الفرسان الروس، فكانت للشاشان معهم علاقات طيبة، إذ أفادوا من خبرة هؤلاء الزراعية، ونقلوا اليهم من جهتهم بعض عاداتهم في الملبس والموسيقى والرقص.

امتزجت بالشاشان خلال القرن التاسع عشر وبسبب حرب القوقاز، جماعات قوقازية أخرى من آفار وداغستان، وصارت العشائر لديهم تتال من عدد من النِكفات، والنِكف من مجموعة من العائلات المتقاربة، أما العشائر الكبرى فغدت تتالف من عدد هام من النِكفات يمكن اعتبارها بمثابة نسل، وكانت النِكفاتن في الجبال، تمثل رابطات تختلف في مابينها لغوياً، وتكون كلٍ منها مستقلة. أما القرى التي تقطنها عشائر مختلفة، فكانت تُدار من قبل لجنة من ممثلي هذه العشائر، تضم الشيوخ فيها.

الشاشان
الشاشان

والأخذ بالثأر في المجتمع الشاشاني هام جداً، قد يدوم لأعوام عديدة. وفيما يُسمح ب “شراء الدم” في بعض الرابطات، فإنه ممنوع في رابطات أخرى.

الديانة

تحول الشاشان في القرن السادس عشر الى الاسلام، وكانوا قد عرفوا المسيحية سطحياً في القرن الثامن. ووصل الاسلام الى الشاشان من داغستان، وطالهم في السهول أكثر من الجبال. إلا ان الجبال ما لبثت أن تأسلمت في القرن التاسع عشر بعدما غدا الدين باباً من أبواب مواجهة الطموحات الروسية بتشجيع من الدولة العثمانية التي اشترطت لمساعدتهم في تصديهم للروس، اعتناق الاسلام كما حصل مع الشركس.

ومن المفيد الإشارة الى ان فرقة نشأت من الاسلام الشاشاني دُعيت بالمريدية وهي تشبه الوهابية وخاصة في مواجهة الروس في القرن التاسع عشر، وحتى في حراكهم الأخير في اواخر القرن العشرين بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي والتحرر عن جمهورية روسيا الاتحادية، وفي انتمائهم للتنظيمات السلفية والقاعدة وقتالهم تحت مظلة الاسلام السياسي المتطرف لانشاء الخلافة الاسلامية، كما هو ملاحظ في الحرب الكونية على سورية منذ 1911 وحتى الآن.

شاشان وقوقازيون في سورية
شاشان وقوقازيون في سورية

الصراع مع الروس

ومالبث إمام الشاشان كازي ملاّ، أن أعلن الجهاد المقدس ضد الروس، ثم تولى الإمام شميل، خلفه، مقاومة هؤلاء، فلمع اسمه حتى خارج حدود القوقاز، وتمكن الشيشان من قيادة المجموعات العرقية القوقازية الأخرى في مواجهة الروس حتى الشتينات من القرن 19 وذلك دفاعاً عن حرياتهم وايمانهم، ولكن الغلبة كانت للروس في نهاية المطافن فوزعت أراضي الشاشان على قادة العسكريين والارستقراطيين الروس، وعلى بعض الشاشان المتعاملين معهم.

وعرف الشاشان الحرب الأهلية خلال الثورة الشيوعية في روسيا، إذ انقسموا وان مالوا الى الثوار أكثر بين مؤيد للبلشفية ومعادٍ لها.

ولما تم التوزيع الجماعي القسري للأراضي في الاتحاد السوفييتي خلال الثلاثينات من القرن العشرين، قاوم الشيشان هذا التوزيع، وقاموا بثورة عام 1939 واجهها السوفييت بحملة كبيرة، ما ادى الى تحالف الشاشان مع الألمان النازيين خلال الحرب العالمية الثانية والى الاشتراك معهم في احتلال اجزاء من القوقاز، وقد عزي ذلك الى اصولهم المشتركة مع الألمان في الأصل الآري وشعارهم التاريخي الصليب المعكوف،

الصليب المقوف النازي هو الشعار الهندو اوربي والآري منذ 5000 سنة
الصليب المقوف النازي هو الشعار الهندو اوربي والآري منذ 5000 سنة

وهو الصليب الذي اتخذه النازيون رمزاً لهم، واحتل الألمان غروزني العاصمة، الا ان رد فعل الدولة السوفيتية كان عنيفاً جداً بعد انسحاب الألمان من غروزني والأراضي الشاشانية، فقتل آلاف الشاشان ونُقلت أعداد كبيرة من الشاشان الى آسيا الصغرى، ونصف مليون شاشاني نقلهم ستالين من غروزني الى سيبيريا، ولم يستعد الشاشان اعتبارهم قبل عام 1956 حين رفع المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي مسؤوليتهم الجماعية. كما أعاد مجلس السوفييت الأعلى اليهم أهليتهم في العام التالي، فعاد من نُقل منهم الى وطنه.

ومناطق وجود الشيشان غنية بالنفط في جمهورية تشيشينيا، وقد عرفت نمواً اقتصادياً هاماً لاسيما حول مردك وغروزني العاصمة، ويتواجد الشيشان في جمهورية الشيشان ويؤلف الشيشان نصف عدد سكانها، كما يتواجدون في جمهورية داغستان.

جمهورية الشيشان هي ضمن الاتحاد الروسي اليوم، بعدما انفكت عرى الاتحاد السوفياتي، واستمر الشاشانيون بثوراتهم للانفصال عن هذا الاتحاد ونشبت معارك ضارية ولعبت بها النزعة الوهابية والسلفية، علماً ان الدولة الشاشانية هي بالتالي اسلامية بحتة، وقدم الطرفان ضحايا كثر…

الشركس
الشركس

اللغة

وتطلق على الشيشان ايضاً تسمية نَحتشو ومنها تفرعت لغات النوخ القوقازية التي ينطق بها بالاضافة الى الشاشان الإنغوشيون والبستون. وللشاشان لهجتان اساسيتان: الشاشانية الجبلية في الجبال، والشاشانية السهلية في السهول، والأدب الشيشاني مكتوب باللهجة الثانية.

عدد الشاشان وانتشارهم

يقدر عدد الشاشان في العالم حالياً بحوالي نيف ومليون نسمة غالبيتهم العظمى من القوقاز. أما الشاشان المتواجدون في المشرق العربي، فقد قدموا اليه ابتداء من القرن الثامن عشر إثر الصراعات المختلفة بينهم وبين الروس، وقد وصلوا اليه عبر تركيا، وتوزعوا على العراق وسورية والأردن.

الحرس الشاشاني في البلاط الأردني
الحرس الشاشاني في البلاط الأردن

ويقطن الشاشان في سورية في منطقة رأس العين، وأبرز قراهم السفح ، مساجد، تل سنان، مجبرة، تل الجاموس، أبو حجرة، العريشة، والأميريط، الداودية وكان لهم دوماً ممثل في مجلس النواب السوري. وفي الجولان ببعض القرى وفي القنيطرة قبل تدميرها بفعل العدوان الصهيوني، وفي دمشق في حي ركن الدين ومساكن برزة

اما الشاشان في الاردن فمقربون من الاسرة المالكة، وكان لهم مقعد في مجلس النواب من اصل 60 نائب وقد ضمن لهم قانون الانتخاب الأردني لعام 1986 ومقاعد لهم في المجلس المذكور.

ثانياً الشركس

من المعروف والشائع ان الشركس يعودون الى اصول واحدة مع الشاشان، ولكنه خطأ شائع، فهم يختلفون عرقاً ولغة وان كان الأصل آري من الهندو اوربي، ولكنهم بالتالي مشتركون في بعض مقاطع التاريخ، فقد قاسموهم كما قاسموا شعوب القوقاز الأخرى التاريخ الحديث نفسه، ولاقوا مثلهم المصير ذاته.

الشركس
الشركس

وفيما كان الحكم لدى الشاشان ديموقراطيا الى حد ما، وللمرأة دور فيه، فإن الحكم لدى الشركس كان ارستقراطيا، ودور المرأة فيه هامشي.

الحياة العامة

يعمل الشركس في القوقاز في الزراعة وتربية المواشي، ويشتهرون بخيولهم الأصيلة وبخيالتهم البارعين، وهم يشاركون القوقازيين الآخرين في عاداتهم وتقاليدهم ومنها احتساء الخمور بكميات كبيرة، علماً بأنهم مسلمون.

الدين

اعتنق الشركس المسيحية الأرثوذكسية كالروس وارتبطوا برئاسة الكنيسة الروسية عبر تاريخهم، ولكن كان اعتناق الاسلام كرد فعل ضد اجتياح الروس لمناطقهم وضم اراضيهم بالقوة الى الأمبراطورية الروسية، لذا لجأوا الى الدولة العثمانية لمساندتهم، وكانت في حالة عداء مع الأمبراطورية الروسية، فاشترطت عليهم اعتناق الاسلام، لتقوم بمساعدتهم فاعتنق فريق كبير منهم الاسلام، وقاموا بالتصدي بمفردهم مع الشاشانيين وبقية العناصر القوقازية للروس بقيادة الثائر المشهور تراس بولبا

الهجرة الشركسية عام 1864
الهجرة الشركسية عام 1864

وساهمت مناطقهم الجبلية والشديدة الوعورة بصمودهم وايقاع اكبر الخسائر بالروس، ولكن وكما حصل للشيشان ابناء المنطقة اقتحم الروس في آخر المطاف منطقة القوقاز كلها عام 1864 (وقد وقعت مجازر بحقهم ارتكبها الروس)، وتم ضمها بالقوة للأمبراطورية الروسية، وحصل تهجيرللشركس والشاشان من القوقاز،عندها قامت الدولة العثمانية بتسهيل رحيلهم من مناطقهم الى بلاد الشام التي كانت خاضعة لها، وحلوا في مناطق مشابهة لموطنهم الأصلي كهضبة الجولان وحوران في جنوب سورية، ومرتفعات عجلون في شرق الأردن، وحملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم ومنها الحياة العائلية على مستوى العائلة الواحدة مهما كبرت،والحياة الاجتماعية المتكاملة بين العائلات، والتعامل المحترم بين الجنسين مع الحفاظ على الخصوصية الشركسية والحذر من الاختلاط مع الغير والتمسك بخصوصيتهم وقوميتهم كما الأرمن، وكما كانوا قبل اسلامهم لجهة الاختلاط في الحفلات ولباس الاناث، وكذلك لاتزال بعض السيدات المسنات، تقوم برسم اشارة الصليب على العجين حين العجن…

وتنقسم الكثير من العائلات وخاصة في مناطقهم في القوقازبين المسيحية والاسلام وفي اواخر القرن العشرين زار وفد من العائلات الشركسية القوقازية الجالية الشركسية في دمشق، وكان أن في العائلة الواحدة كما روى لي الاصدقاء من شركس سورية ان كاهنا شركسياً قوقازياً التقى بعائلته الشركسية السورية وكان منهم شيخ دين مسلم.

صفات الشركس

الزي الشركسي في القوقاز
الزي الشركسي في القوقاز

تميز الشركس كبقية سكان القوقاز بالشجاعة والبسالة و البأس في القتال والفروسية وكثيراً ما تم تجنيدهم من قبل ولاة وزعماء و…كمقاتلين بأجر، ومن المعروف عنهم كما عند الجورجيين انهم لايخرجون الا بسلاحهم الكامل من بنادق ومسدسات وسيوف ( ششكا، من الشركسية سشخو) وخناجر( كِندجَل، من الفارسية خَنْدْجَر)، وبوسائل دفاعهم من خوذات ودروع وغيرها. ومابرحت عادات الخروج بالسلاح، وكذلك استخدام القوس والنشاب في الصيد، رائجة عند بعض الشركس حتى مطلع القرن العشرين.

يمتاز الشركس بأزيائهم الجميلة وكذلك الأرمن والجورجيين والشاشان والقوميات الأخرى في القفقاس، وقد أخذ عنهم جيرانهم زي الشركسسكا(التشوخا أساساً) (الأرمن والجورجيين والشاشان والقوميات الأخرى في القفقاس…) وهومؤلف من قميص من الكتان الأبيض مع طوق عالٍ. وسترة طويلة مشدودة بحزام مزنر بالفضة، وجعبة خرطوش مزخرفة في عناية، وبنطال لاصقن وأحذية رخوة، وقلنسوة( باباك) المعروفة بالقلبق التركية وهي من فرو الحملان ( الاستراخان ) الأسود. ويلبس الجبليون في ايام البردن عباءة (بُركا) من جلد الماعز ووبره.

من التقاليد بين الشاشان والشركس وقف القتال بدخول المرأة بين المتقاتلين
من التقاليد بين الشاشان والشركس وقف القتال بدخول المرأة بين المتقاتلين

أما لباس النساء وهو جميل فمؤلف من قميص ومُخَّصَّرْ يحق للزوج فقط عن الفتاة ليلة عرسها، وبنطال طويل من الحريررأو القطن تغطيه أحياناً تنورة. وتستخدم الشركسيات كالجورجيات والابخاز فوق بابوجهن، للخروج، أحذية مطرزة، عالية وذات رأس مقَّرَّن.

كما تهتم الشركسيات كثيراً بتسريحة شعورهن وبزينتها وتشتهرن مع الجورجيات بجمالهن الفاتن. ومازالت كتب التاريخ تذكر لنا جمال الشركسية حُسن جيهان التي غدت زوجة الأمير بشير الثاني الشهابي أمير جبل لبنان.

يمتاز الشركس كشعوب القوقازالأخرى بميلهم الى الموسيقى الجميلة والرقص الشعبي البديع والمتميزن ولهم في هذين المجالين شهرة واسعة، وكما اسلفنا بعدم التشدد والتزمت بين الجنسين في اطار علاقات تحررية محترمة.

اللغة

الرقص الشعبي الشركسي
الرقص الشعبي الشركسي

يتكلم الشركس لغتين: الأديغة أو الشركسية الغربية، والكابَرّد او الشركسية الشرقية، ويعيش قسم منهم خارج حدود القوقاز في تركيا والعراق وسورية في مناطق من حمص ومن الجولان والقنيطرة تحديداً ومناطق في حوران وفي الريحانية والغوطة الشرقية، وفي الأردن، وكان لهم فيه كما الشاشان مقعد في مجلس النواب من أصل 60 مقعد، كما ضمن لهم قانون الانتخاب الأردني لعام 1986 مقاعد لهم في المجلس المذكور. وحاز الشركس، في الانتخابات النيابية التي حصلت في تشرين الثاني 1989 بالأردن على 3 مقاعد من أصل 80 وفي سورية تولى العديد من الشركس مراكز قيادية في الجيش والقوات المسلحة، وفي الحكومة.

أما عدد الشركس فغير واضح ويبلغ في منطقة القفقاس حوالي 150 الفاً ومثل هذا العدد خارجه، منهم حوالي 65 الفاً في سورية.

الزي الشعبي الشركسي
الزي الشعبي الشركسي



أضف تعليقاً