الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية”المدرسة المسكوبية”

الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية

“المدرسة المسكوبية”

توطئة

شهد القرن ال19 وخاصة في ثلثه الأخير سباقاً محموماً بين فرنسا وانكلترا والمانيا واميركا وهي الدول الكبرى آنذاك لبسط نفوذها وآدابها ولغاتها وثقافاتها على بلاد الشام الخاضعة للاحتلال العثماني منذ 1516وقد سبقتها في ذلك ارسالياتها التبشيرية من رهبنات غربية لاتينية كاليسوعية والكرملية…وبروتستانتية من انكلترا والمانيا وايرلندا واميركا، وجميعها تحاول استلاب هذا القطيع الأرثوذكسي الصغير إما بالتبشير المنتظم الذي كان قد بدأ مع الوجود الفرنجي طيلة قرنين من الزمان وانتهى بطرد هذا الوجود، ومن ثم بعودته مجددا مع القرن 15 مع هذه الرهبنات المتنافسة لتحقيق حلم الانتشار الغربي، واقتناص من عاش تحت ضغط كل مامر من المظالم بحجة تبشيره، واعتبار هؤلاء ان ارض الشام والمشرق ارض تبشير ونسوا ماعاناه الشوام المسيحيون ابناء انطاكية وفيها نالوا الفخر بأنهم اول من حمل لقب مسيحيين، وان بطرس الهامة اول بطاركتهم قبل 20 سنة من صيرورته اول اسقف لرومة، وفي ارض الشام تحول بولس الهامة من عدو مضطهد للمسيح الى مشرع لكنيسته…

شعار الجمعية
شعار الجمعية

نسي هؤلاء الغزاة وبكل اسف باسم المسيح، انهم غزوا ابناء المسيح الفلسطيني في فلسطين، وغزوا ام الكنائس…

الكثير يقال بألم وبكل ألم فقط نقول: هو استلاب واقتناص لصالح الكرسي البابوي على حساب الكنائس الأصيلة المتجذرة، والتي دفعت اثماناً باهظة لتبقى جذوة المسيحية مشتعلة في أرضها المشرقية أرض انطاكية التي وصل مبشروها وفي مقدمهم الهامتان بطرس وبولس الى رومة والى كل المسكونة وغيروا وجه العالم بالانجيل الذي حملوه، ووصلت حدود مدينة الله انطاكية العظمى الى اسوار الصين في اقصى الشرق، وجنوب الجزيرة العربية ونجران في الجنوب وحتى بلاد شمالاً وغرباً الصقالبة الروس الشعب الكرجي / جورجيا/، اما اورشليم أم الكنائس فكان رئيسها واسقفها رئيس الايمان بيسوع يعقوب الرسول اخو الرب…

انطاكية ارض سورية والرافدين وآسية الصغرى، ومانشاهده من وجود كثير لطوائف نشأت من امهاتها الكنائس الأصيلة، لها مذابح فرعية مقابل مذابح اصيلة وقد نشأت منذ القرن 16 وماتلاها، إلا كنتيجة لهذا الاقتناص والتبشير الاستلابي، وهي مرتبطة بالكرسي البابوي يرأسها بابا رومة، وهي عبارة عن فروع انسلخت عن امهاتها واعطاها البابا شكل بطريركيات بإقامة بطاركة عليها وان كان في التسلسل البطريركي لا وجود مسكونيا الا لأسقف رومه مع اساقفة القسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم، وفقاً للتسلسل المقرر في المجامع المسكونية( بابا رومة ويساويه ويوازيه البطريرك المسكوني ثم بطاركة الاسكندرية وانطاكية واورشليم) وما بطاركة هذه الكنائس المقامين من بابا رومه الا بمثابة تدبير شرعنة لكنائسهم، وهم تابعون له بصفته اسقف اصيل، يساويه اساقفة اصلاء للكراسي الرسولية.

وكانت هذه الحملات التبشيرية الاقتناصية الاستلابية والاحتوائية، استمراراً للعمل المماثل الأول المطبق بقوة جنود الفرنجة في حملاتهم، كتطبيق عملي في الكرسي الأنطاكي المقدس، والكرسي الأورشليمي، اضافة الى ابناء الكنائس الشرقية من ارمن وسريان وآشوريين، حتى اننا وبضمير نقي نؤكد قناعتنا ومن خلال دراستنا للوثائق البطريركية ولتاريخنا المسيحي وخاصة الانطاكي وفيه حصلت كل المظالم من الأخ الشقيق بالرب يسوع، والغريب الموطن، وكيف تم قبيل طرد الفرنسيين من سورية تغيير نفوس الكثيرين من الأرثوذكسية للكاثوليكية وعلى سجلات الأحوال المدنية التي كانت بأيدي المأمورين الكاثوليك بدون علم اصحابها الذين فوجئوا بمذاهبهم المغايرة مع اصدار تعليمات بمنعهم من العودة الى كنائسهم الأم، كما في قضاء العجم( جديدة وداريا وقطنا…) ومناطق وادي النصارى وصافيتا…نؤكد قناعتنا أن الانتداب الفرنسي على سورية وكيليكيا كان استمراراً لذاك المسعى الاستلابي السابق المحكي عنه، وهوالاستمرار المدعوم بوجود كامل عسكرياً وادارياً وثقافياً وروحياً من الأم الرؤوم فرنسا…

وفعلت الارساليات البروتستانتية الوافدة مع الأطباء المبشرين والقساوسة المستشرقين كاذبي الورع من لوثريين وكالفينيين… وخاصة من بريطانيا المستعمرة كما فرنسا، ومن ثم كرت السبحة حتى وصول (ولا زالت) الفرق المتهودة والمتصهينة…من السبتيين وشهود يهوه، وتناسخ كل تلك الدكاكين المسماة كنائس الى دكاكين اصغر بفكر رُسم ماسونيا وصهيونيا بدقة في المقلب الآخر من العالم، ووضعت له استراتيجية تنفيذ متقنة مع دعم مالي وحشد بشري مؤهل يعيد الى الأذهان الرهبنة اليسوعية ومجمع ترانت انما بلبوس جديد، مع بدائل، اقتنصت بدورها ابناء المناطق الجبلية الفقيرة كبلودان وجبل الشيخ… ومناطق ريفية محرومة…

التعليم وسيلة الاقتناص

جميع هذه الرهبنات اللاتينية والارساليات البروتستانتية، افتتحت لها مدارس لتعميم تبشيرها بين الصغار وذويهم، على اعتبار المفهوم السائد بنظرة الاعجاب الى الأجنبي الوافد بمقولة ان (الفرنجي برنجي) وان مدارسه افضل من المدارس الوطنية التابعة للكنائس الوطنية، ويسهل التبشير والجذب من خلال المدرسة، ومانشأ عنها من مدارس احد، ومن صلوات مبرمجة، وكل تلك المدارس كانت فيها كنائس… وغالباً ماتمت، ولا تزال استضافة اولاد الفقراء فيها مجاناً مع دعم مالي ومعونات اقتصادية واستشفائية…، وهو اسلوب اصطياد استغل ولايزال ومن خلال المعونات الحالية في المأساة الدامية بذبح سورية والعراق…

وقد افتتح اليسوعيون لهم اول مدرسة في دمشق عام 1755،ثم قامت بعد ذلك الارساليات التبشيرية الأخرى تتنافس في تأسيس المدارس في بلاد الشام، ولكن نصيب ولاية سورية منها أقل من نصيب ولاية بيروت، ومتصرفية جبل لبنان، حيث تركز فيهما النشاط التبشيري. وقد بلغ مجموع المؤسسات اتبشيرية في بلاد الشام حتى عام 1912 ( 38) مؤسسة من دول اوربية متعددة، كما استطاع الفرنسيسكان تأسيس اثنتي عشرة ارسالية في شمال ووسط سورية.

وكانت هذه المدارس الأجنبية تتمتع بحرية في التعليم لم تتمتع بها المدارس الوطنية التابعة للبطريركية الأنطاكية كونها محمية من القناصل اي من الدول الراعية،. واستطاعت هذه المدارس استقطاب كل من درس فيها من الطلبة وذويهم ما ساهم في ايجاد الطائفة اللاتينية ( واللاتين ينتسبون الى سهل اللاتيوم بجانب رومة فأين ارض روما اللاتينية، وجغرافية فلسطين وبقية الأرجاء السورية؟؟؟، وأكملت بتعزيز كنائس الروم الكاثوليك وبقية الطوائف التي ارتبطت ببابا رومة. وفي نشوء وتمدد الكنائس البروتستانتية التي اقامت الطائفة الانجيلية الوطنية في دمشق القديمة ساحة الدوامنة، اول كنيسة لها، وكانت باسم الدكتور يوسف عربيلي الأرثوذكسي المدرس في مدرستها في عام 1860 بسبب عدم اعتراف الدولة العثمانية وقتئذ بهذه الطائفة. ( وبعد صدور القرار الناظم سجلت الكنيسة رسمياً باسم هذه الطائفة)

الروس في فلسطين

وتعود بداية محاولات روسيا الى مطلع القرن 19 زمن الأمبراطور الاسكندر الأول وخلفائه، لإقامة أديرة وخانات ومستشفيات للزوار والحجاج الروس الى فلسطين والأرض المقدسة والقدس بوجه الخصوص ولتشمل صيدنايا (بصفة ان دير السيدة فيها هو مكان الحج الثاني بعد القدس وبيت لحم في فلسطين)، ثم الى قنصل روسيا في بيروت الذي كلف مستشاره أن يجول في بلاد الشام ليضع تقريره في الثلاثينيات من القرن 19، وعلى اثر هذا التقرير كلف المجمع المقدس للكنيسة الروسية الارشمندريت برفيروس اسبينسكي بالسفر الى فلسطين لمعاينة الواقع واقتراح مايلزم، وقد رفع اسبينسكي تقريره المسهب عن حالة الكنيسة الأرثوذكسية ورعاياها الفقيرة على وجه الاجمال، والحاجة الملحة الى نهضة روحية واجتماعية وعلمية، وبيَّن الحاجة الى تأسيس ارسالية (رسالة) روسية كبيرة لإغائة بلاد الشام عموماً (مع مصرلوجود بطريركية ارثوذكسية فيها وتعاني الواقع عينه)، وكان اول رئيس لهذه الارسالية الروسية هو الارشمندريت اسبنسكي واضع التقرير، وتعاقَبَ على رئاستها ثلاثة رؤساء.

نظام الامتيازات في الدولة العثمانية

في هذا السباق المحموم الذي ترافق مع حرب القرم 1856 وماتلاها، حصلت كل دولة اجنبية من الدولة العثمانية (الرجل المريض) على حق حماية اتباع مذهبها، ففرنسا والنمسا نالت حق حماية الطوائف الغربية الكاثوليكية، بريطانيا حق حماية البروتستانت والدروز، فيم نالت روسيا حق حماية الأرثوذكس، ولحظت برعايتها الأرمن والآشوريين واليونان المقيمين في آسيا الصغرى، وعلى هذا وفي مضمار هذا السباق دخلت روسيا القيصرية ك”رومة ثالثة” تحمي الأرثوذكس الذين يؤلفون الوجود العددي المسيحي الأكبر في بلاد الشام.

نفوذ روسيا

وجدت بطرسبورج نفسها في الربع الأخير من القرن 19 على هامش الأحداث في المشرق، فقد أضرت حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية 1956، والحرب التالية بينهما 1877- 1878 بالعلاقات بين البلدين الجارين في حين ازدهرت العلاقات بين الدولة العثمانية وكل من بريطانيا وفرنسا وبروسيا (المانيا).

وقد احتلت بريطانيا مصر 1882 بعد ان هيمنت ومعها فرنسا على مصر وخزينتها، وقويت مؤسساتها البروتستانتية التبشيرية في عهد الأسقف غوبات، وازدهره في عصره الارساليات البروتستانتية الألمانية، وقام بين فرنسا والموارنة عبر البطريركية المارونية في لبنان تعاون وثيق، ففتحت الرهبنات االفرنسية اللاتينية المدارس والمستشفيات، وشقت الطرق في مناطق الوجود الماروني، وازدهرت التجارة في الساحل السوري.

وتابعت الرهبنات اللاتينية اولاً مع المونسنيور فاليركا وتبعه المونسنيور براكو 1872 في فتح الرعايا والمدارس اللاتينية في فلسطين وشرقي نهر الأردن ونشروا المذهب اللاتيني مع المدارس بين العشائر الأرثوذكسية فصيروها لاتينية، بينما لم يفلح الروس، واتجهت الكنيسة الارثوذكسية مع هذا الاستلاب الخطير نحو الانحطاط.

فالأرثوذكس محكوم عليهم بالانقسام في دائرة الكرسي الأورشليمي، فهناك نزاع يوناني – عربي، وصار مثله يوناني روسي، والاقتناص من قبل الطوائف الكاثوليكية للشبيبة الأرثوذكسية كبير جداً في فلسطين، ويلاحظ زيادة واضحة بعدد افراد الطائفة اللاتينية والروم الكاثوليك والبروتستانت بكافة طوائفهم على حساب رعايا بطريركية اورشليم الأرثوذكسية. وذلك في منتصف القرن 19، وهذه الظاهرة الخطيرة لم يقابلها اولي الأمر في الكنيسة الأرثوذكسية الا بالشجب والتنديد دون اية محاولة لوقف الخرق والاستلاب، او التصدي لها بفاعلية.

وبالعكس فان الاكليروس اليوناني المهيمن على البطريركية والرهبنة اتهموا الارسالية الروسية بمساندة العرب الفلسطينيين ضد الوجود اليوناني. ووقعت هذه الارسالية الروسية في متاهات مع المجمع المقدس الروسي ووزارة الخارجية الروسية، واللجنة والوكالة الروسيتان والقنصلية الروسية في القدس.

أي ان الوجود الروسي لم يكن منسق الجهود، ولم تكن جهة واحدة مسؤولة عن رعاية هذا الوجود كما اضرت حربي القرم والروية العثمانية 1878 بالوجود الروحي الروسي كما اسلفنا الأمر الذي دفع بأن يضخ الروس دماً جديداً في المؤسسات القائمة في فلسطين توحد جهودها بتشكيل جهة قائدة لهذا العمل كانت هي جمعيتنا المحكي عنها.

تأسيس الجمعية

يعود الفضل في تأسيس هذه الجمعية إلى المؤرخ المستشرق نيكولايفتش خيتروف، زار ختيروف فلسطين مرتين قبل إعلان تأسيس الجمعية عام 1882، وبعده زارها ست مرات وحتى عام 1903 شغل منصب سكرتير الجمعية. ونتيجة زيارته تأكد من ضرورة التواصل مع الشرق الأوسط والحفاظ على مصالح روسيا بالمنطقة. وكان لمقالاته بعنوان” طائفة الأرثوذكس في الأراضي المقدسة” و”المجموعة الفلسطينية الأرثوذكسية” عام 1881 اثر كبير في موافقة الحكومة الروسية على تأسيس الجمعية بتاريخ 21/5/1882 في مدينة سانت بطرسبرغ .

بداية العمل

اشرفت الجمعية على حج الحجاج الروس بكل المراحل، تلافياً للأخطاء المحكي عنها اعلاه، فازدهر في عصرها، بحيث انه صار يمكن للحاج الروسي ان يسافر من بطرسبرج الى القدس ذهاباً واياباً بمبلغ مالي زهيد، وكل ذلك لتحفيز الروس ايمانياً للحج الى الأراضي المقدسة، لذلك شرعت الجمعية في انشاء فنادق وخانات لاستقبال الحجاج الروس، وتوفي فرص عمل للروس للعمل في خدمة الحجيج، وتكثيف الدعاية للحج من خلال الوعظ في الكنائس، ومجلات ومنشورات الجمعية.

وقد حج في عامي 1888-1889 (3000 حاج)، وفي سنة 1900(6000 حاج) اما في سنة 1910 (15000) وفي سنة 1913(12000) حاج وكان اغلب الحجاج من الفلاحين والنساء المسنات، ورافقهم ادلاء من روسيا، ومن فلسطين، وينتمي بعض الحجاج الى الطبقات الاستقراطية، ورجال الكنيسة وكبار الموظفين وافراد العائلة المالكة، وطلبة الأكاديميات الكنسية الروسية.

وأعدت الجمعية ترتيبات خاصة توفر الراحة لهذه الفئات في البواخر والفنادق، وفي طريقها زارت بعض المجموعات جبل آثوس المقدس ودير القديسة كاترينا في سيناء

كما ان الجمعية انشأت فنادق وبيوت اضافيةلا ستقبال الأعداد المتزايدة منهم، فبنت الكثير الكثير لاستقبال عامة الحجاج ومبان أخرى لاستقبال الشخصيات الروسية.

في تدبيرها هذا نظمت الجمعية الامبراطورية شؤون الحج لرعاياها وحرمت رهبنة القبر المقدس اليونانية من استغلال الحجاج، فإن أراد احد الحجاج تقديم تبرع الى الأماكن المقدسة فعليه تقديمها للجمعية الأمبراطورية، وهي تقدمه للمتبرع لهم، وحتى طعام الحجاج كان تحت اشرافها، وبنت مطاعم خاصة لحجاجها، وشيدت الحمامات الخاصة بالحجاج وآبار المياه والمجاري، خصوصاً ان القدس تعاني من نقص في مياه الشرب، فزودت حجاجها من الآبار التي هي قامت بحفرها وكمية المياه الضرورية تساوي ضعف ماتستهلكه القدس طوال العام.

عقارات واوقاف خاصة بها

1- بنايات القدس: كنيسة الثالوث الأقدس، ودار القنصلية، ودار الترجمات ودار السفارة الروحية (الأمطوش الروسي)، ومستشفى، ودارين للحجاج وللحاجات كل على حدة (المعروف عند أهل القدس بالمسكوبية)، كنيسة مريم المجدلية، كنيسة قرب القيامة تضم جزأً من سور القديس القديم، وكنيسة ونزل للحجاج، ودير على جبل الزيتون.

2- بنايات خارج القدس: بناية الناصرة للحجاج، ودار في حيفا، ومدرسة الرامة للصبيان، ومدرسة بيت جالا للبنات وفيها مدرسة داخلية داراً للمعلمات، ودير عين كارم، ونزل ودير في الخليل، ونزل في بيت لحم، وآخر في اريحا ونزل في الرامة.

وفي الحقيقة فان ارثوذكسيي فلسطين انبهروا من هذا العمل المنظم الذي قامت به هذه الجمعية، ولرؤية الحجاج الروس وورعهم وتقاهم ووداعتهم، فدقت رهبنة القبر المقدس والبطريركية اليونانية، والطوائف الأخرى والارساليات والرهبنات التبشيرية ناقوس الخطر وبالطبع الدول التي تقف من ورائهم، وعدوا هذا الزحف الروحي السلمي خطراً على التوازن الطائفي في فلسطين.

التأسيس والعمل

في 11ايار 1880 تأسست في موسكو الجمعية وكان رئيسها ومنظمها وموضح أهدافها هو الغراندوق سرجيوس عم القيصر الروسي نيقولا الثاني وهو الرئيس الأعلى.

دامت رئاسة الغراندوق للجمعية مدة 23 سنة وخلالها جهزها بما يلزمها من عَددٍ

وعُددْ ويسر لها تبرعات دائمة من كبار الأسر الروسية الغنية، ومن صواني اللم في الكنائس، وأهمها صينية عيد الشعانين في كل الكنائس الروسية

وبالرغم من العراقيل التي اشهرتها “رهبنة القبر المقدس اليونانية” وبطريركية اورشليم المغتصبتين للوجود الأرثوذكسي تاريخاً وذاكرة وواقعاً منذ عام 1517 مع آخر بطريرك فلسطيني وطني، وخوفاً من بث روح التحرر من هذه الطغمة الاستعمارية التي تعاني منها رعايانا المقدسية في فلسطين والأردن (حتى الآن الى ان تحصل معجزة سماوية تطيح بهذا الوجود الدخيل وان كنا نؤكد اننا في المسيح واحد، ولكن مع ممارسات شائنة، كممارسات هذه الطغمة التي حرمت العرب من الأسقفية، وحصرتها باليونان الوافدين، ووضعت اليد على الأوقاف وتقوم ببيعها او تأجيرها للغاصب الصهيوني لمدة 99 سنة فاننا كأرثوذكس نرفضها رفضاً قاطعاً ونشد على ايدي شعبنا ابناء بطريركية اورشليم ونسعى معه لتحرير البطريركية من استعمار هذه الرهبنة المسماة ظلماً رهبنة القبر المقدس)، ومضايقة الولاة العثمانيين الذين سمحوا بعودة البطريركية اللاتينية الى القدس وساعدوهم في سلخ الأديرة والمزارات عن الأرثوذكس وتسليمها الى اللاتين بمساعدة القناصل ومنها كنيسة المهد، وعدد كبير من المزارات في شتى فلسطين وتسهيل الانتقال الرعوي بين العشائر الى الكنيسة اللاتينية،اضافة الى تسهيل عمل البعثات البروتستانتية اللوثرية وسواها…

في البداية اعتبرت الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية كمؤسسة تهدف إلى أعمال خيرية، علمية وثقافية أهدافها الأساسية التالية:

1- جمع وتطوير ونشر المعلومات في روسيا عن ألاماكن المقدسة في الشرق.

2-     مساعدة وتشجيع الحجاج الأرثوذكسيين في الوصول إلى هذه ألاماكن.

3-     تقوية ودعم الطائفة الأرثوذكسية بين السكان المحليين.

4-     تنفيذ الدراسات والأبحاث العلمية حول تاريخ وآثار فلسطين.

5-     تأسيس المدارس، بناء المستشفيات وبيوت الحجاج.

6-     تقديم المساعدات المادية إلى السكان المحليين، الكنائس، الأديرة ورجال الدين.

ساهمت الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية مساهمة كبيرة في تطوير الاستشراق. فقد استقطبت العديد من علماء روسيا والباحثين بالشؤون الفلسطينية والشرقية وتجلى ذلك في مطبوعاتها المختلفة والتي كرست تاريخ وثقافة شعوب الشرق الأوسط بشكل عام وفلسطين بشكل خاص. ضمت الجمعية الفلسطينية في عضويتها العديد من العلماء والاكادميين المعروفين وشخصيات بارزة.

تأسيس المدارس

قامت هذه الجمعية بتأسيس 114 مدرسة في سائر بلاد الشام على نفقتها حتى توقف عملها مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914.

وكان من الصعب على اي طفل ارثوذكسي عربي من فلسطين ان يجد مدرسة ابتدائية ارثوذكسية ليتعلم فيها، فكم بالحري مدرسة ثانوية ارثوذكسية، فرأى ارثوذكس فلسطين الخلاص على يد الجمعية الأمبراطورية هذه فأخذت تنهال على الجمعية الطلبات من أجل فتح مدارس جديدة وتجديد مدارسهم الخربة، سيما وانه كانت مدارس رعوية ارثوذكسية في فلسطين اشبه بالكتاتيب في دمشق على سبيل المثال، وهذه المدارس الرعوية هي عبارة عن مجموعة صغيرة من التلاميذ يجتمعون حول كاهن الرعية الذي هو نفسه بحاجة ان يتعلم الكثير ولا يستطيع ان يقدم لطلابه الا الذر اليسير من الثقافة والعلم.

وكانت اول المدارس الروسية الأولى في فلسطين هي مدارس المجيدل1882 ، وتم اختيار هذه القرية لمقاومة النشاط والمد البروتستانتي القوي في المنطقة، وكن معلم المدرسة هو كاهن البلدة وعدد طلابه اربعة طلاب والرامة وكفر ياسين والشجرة تباعاً سنة 1883 و1884.

تركزت اعمال الجمعية بداية على فلسطين، حيث جعلت مقرها في الناصرة، قلب التبشير اللاتيني والبروتستانتي، وفتحت فيها مدرستين ابتدائيتين مع دار للمعلمين وكانت هذه الدار مدرسة داخلية كبرى مجانية، دار مماثلة للمعلمات في بيت جالا احدى ضواحي القدس.

تولى العمل هذا السيد اسكندر كزما الدمشقي خريج مدارس الآسية الدمشقية الذي أكمل دراسته الجامعية في اكاديمية موسكو، وقد تخرج من دار المعلمين هذه عدد كبير من أئمة العلم والأدب في مشرقنا امثال الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة، ويذكر هذا شغفه بالأدب الروسي حيث يقول:” كنت كلما ازددت معرفة باللغة الروسية ازداد اقبالي على المطالعة فيها فقد طالعت وانا في لناصرة بعض روايات الجريمة وطالعت بعض القصص لتشيخوف وتولستوي، وقرأت لدوستويفسكي… وقد ساعدني في ذلك معلم الروسية وهو غير المعلم الروسي … وكان عربياً من حمص ومن الذين درسوا في روسيا واسمه انطون بلان…” والمناضل الفلسطيني المعروف خليل السكاكيني، ورشيد ايوب ونظير زيتون وعبد المسيح حداد ونسيب عريضة وهم من حمص من حمص…

وقد انتقل مقر هذه الجمعية الى بيروت نتيجة الافتراءات الحاقدة على اسكندر كزما من قبل رهبنة القبر المقدس بتهم سياسية مما ادى الى ملاحقة والي القدس العثماني للمذكور كما تشير الوثائق البطريركية التاريخية الموثقة لهذه التداعيات.

وبنتيجة هذا الانتقال فقد تكثف نشاط الجمعية في ارجاء بلاد الشام بعيداً عن فلسطين وولاية بطريركية اورشليم اليونانية، فتسلمت مدرسة الآسية للبنات عام 1885 لتطوير مناهجها، وساهمت بتأسيس الكلية الأرثوذكسية في حمص (الغسانية)، بالاضافة الى افتتاح مدارس في بيروت وحمص وحماة واللاذقية (وكان مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني ( البطريرك) منذ العقد الأخير في القرن 19 يسعى لتمد نشاطها وتفتح مدارس في انطاكية وكيليكيا ولواء الاسكندرون وابرشيات ديار بكر وارضروم، وكان التأخر بسبب الحاجة الماسة في كل مكان، ومايحتاجه العمل من مؤهلين ودعم مالي وفق الوثائق البطريركية). وافتتحت مدارس ايضاً في جبل لبنان وطرابلس، وابرشية صور وصيدا ومرجعيون وحاصبيا، وجبل الشيخ في قطنا وقلعة جندل وعرنة، وقضاء وادي العجم… ومدرسة وميتم للبنات في دير سيدة صيدنايا… وفي كل مكان حتى اصغر البلدات والقرى.

اما في بيروت فقد تناول التأسيس بشكل خاص اقسام سبع مدارس للبنات من قبل السيدة تشيركاسوف التي توفيت في بيروت عام 1918 وكانت تدعى (الماما)

وأمام هذا الازدهار فقد قرر مؤتمر الجمعية المنعقد في موسكو عام 1913 إنشاء جامعة روسية كبرى في بيروت على غرار الجامعتين السوعية والأميركية، لكن نشوب الحرب العالمية الأولى ودخول كل من روسيا وتركيا في الحرب كعدوين متحاربين، أدى الى اغلاق كل المدارس الروسية بقرار من السلطات التركية في دائرة بلاد الشام الخاضعة للوجود التركي،عام 1914، ثم انتهى وجود هذه الجمعية رسمياً بقيام الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 واستيلاء البلاشفة على السلطة وقلب النظام القيصري الروسي، واعدام القيصر نيقولا واسرته. توقف نشاط الجمعية التعليمي والتنويري في فلسطين. وعقد مؤتمر للجمعية في   بطر سبورغ واتخذ قرار بوقف النشاط التعليمي حتى انتهاء الحرب في سورية وفلسطين.

وقد تخلت الجمعية بمؤتمرها، لبطريركية انطاكية وسائر المشرق عن مدارسها ومحتوياتها، ومعظم المدارس لاتزال باقية الى الآن بحوزة البطريركية الا من كان من هذه القرى قد انتهى الوجود المسيحي فيها، فآلت المدارس الى وزارة التربية السورية كمدرسة قلعة جندل المجاورة لكنيسة مار ميخائيل( ومعلوم ان هذه البلدة فرغت من سكانها في بدء الثورة السورية ضد المستعمر الفرنسي وخروج مسيحيي البلدة بسبب ممارسات مواطنيهم الدروز بحقهم، ولجوئهم اما الى قطنا او الهجرة الى الولايات المتحدة الأميركية، فنزعت ملكية المدرسة من الرعية لعدم وجود رعية باقية، بينما بقيت الكنيسة وكنيسة القديس جاورجيوس للسريان الكاثوليك بعهدة وكلاء الكنائس.

تميزت مدارس الجمعية بمايلي

1- كانت سباقة في التعليم بالعربية.

2-مجانية التعليم وادواته ( قرطاسية، كتب، حبر…)مع لباس الطلاب وفي كل المراحل، بعكس بقية المدارس التابعة للرهبنات او… فكانت تتقاضى الأقساط الباهظة.

3- الرعاية الطبية المجاني للطلاب بدون تمييز.

4- متابعة التحصيل العلمي العالي والأكاديمي بمنح دراسية للمتفوقين الخريجين من مدارس الجمعية في الجامعات الروسية.

5- كانت المدارس الروسية مختلكة في معظمها، ومنتشرة في جميع المدن والقرى والأبرشيات الأنطاكية، حتى انك تجد في بعض القرى عدة مدارس، وعلى سبيل المثال نبين بعض مدارس الجمعية في ابرشية دمشق وحدها:

آ- تدبير مدرسة الآسية للبنات عام 1895.

ب- مدرستا القديس حنانيا الرسول في محلة الميدان للذكور والاناث.

ج- مدارس قرى عين الشعراء(عين الشعرة)، عربين، عرنة، بلودان، داريا، دير عطية، جديدة عرطوز، الزبدانين قلعة جندل، قطنا، معرة صيدنايا، صيدنايا، معرونة، معلولا، صحنايا، حينة…

كما ان العديد من لاهوتيي الكرسي الأنطاكي العظام أمثال المطران جراسيموس يارد، والمطران أغابيوس صليبا … كانوا قد أكملوا دراساتهم وتحصيلهم العالي في جامعات روسيا…

وجدير ذكره أن هذه الجمعية تبنت شبه نهضة شاملة في بلاد الشام من النواحي الروحية والاجتماعية من خلال مصحاتها.

الخدمات الطبية التي قدمتها الجمعية

كان الآباء الفرنسيسكان أول من قدم خدمات طبية في القدس، ثم تلتهم بقية الرهبنات التبشيرية والارساليات البروتستانتية، والغاية من اقامة المستشفيات او العيادات الطبية هي اولاً خدمة المرضى، وثانيا تشويقهم لاعتناق مذهب القائمين على هذه المؤسسة الطبية بصفتها الخيرة والتقرب من المواطنين البسطاء، والاختلاط بهم، لذا فان الكنائس والرهبنات كانت تتسابق في بناء المستوصفات والمستشفيات، وخصوصاً ان الحكومة العثمانية لم تول هذه الخدمات الانسانية جل اهتمامها. اما بطريركية القدس فلم تتوجه لمثل هذا النشاط، خاصة أن العيادات والمستشفيات تفتحها وترعاها عادة الجمعيات والخيرية غير الموجودة اصلاً في البطريركية الأرثوذكسية، ولابد من الاعتراف ان محاولات البطريرك الأورشليمي كيرلس الاصلاحية واساسها تقريب ابناء فلسطين للأسقفية، وفتح مستوصفات وقد فتح مستشفى القدس، وصيدليتين في القدس وبيت لحم، لذا رأت الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية، ضرورة اقتحام مجال جديد عليها وهو الطب لتلافي النقص الحاصل في خدمات البطريركية، ولتقديم العناية الطبية لتلاميذ مدارسها ولآلاف الحجاج الذين يزورون فلسطين سنوياً، ولحماية الأرثوذكس الفلسطينيين من الاغراءات التي تقدمها المراكز الطبية غير الأرثوذكسية، وعلى اعتبار ان معظم المبشرين من رهبنات ومرسلين انجيليين كانوا يمتهنون الطب، لذا قامت الجمعية بافتتاح مستوصف في الناصرة 1888، ثم في بيت جالا وبيت لحم والقدس، واهم هذه المراكز كان مستشفى القدس الروسي، وهناك عدم وضوح في تاريخ احداثه فإما كان ذلك عام 1856، او 1859 او 1862، ويقع المستشفى في مجمع المسكوبية الذي أصبح فيما بعد نواة القدس الغربية التي امتدت خارج الأسوار، والستشفى يتسع ل30 مريضاً ويعالج الحجاج الروس ومن يأتي اليه من سكان المنطقة عدا اليهود، وفي عام 1872 بلغت سعته 60 سريراً، وصار اكبر مستشفى في القدس( الألماني 40 سريراً، الفرنسي 32 سريراُ، الانكليزي 27 سريراً واليوناني 24 سريراً.

قد بلغ عدد الذين استشفوا في مصحات الجمعية من ابناء بلاد الشام عام 1907 11250 مريضاً

بناء الكنائس وترميمها

تبنت الجمعية الأمبراطورية بناء الكنائس وترميمها ةتجهيزها بالأثاث المناسب من ميزانياتها الخاصة وتبرعات المؤمنين الروس واغنيائهم، وكانت الجمعية كما اسلفنا الواسطة لايصال تبرعاتهم الى فلسطينن والكنائس على نوعين:

الكنائس الرعوية العربية، والكنائس الروسية التي بنيت لذكرى حدث ما او لتكريم بعض وجهاء الروس، ككنيسة القديسة مريم المجدلية في القدس التي بنيت ذكرى لوالدة الأمبراطور الكسندر الثالث سنة 1888. وقد رحب الفلسطينيون بالمساعدات الروسية لبناء كنائسهم، بينما تعثر التوافق مع البطريركية المقدسية كما بات معروفاً لذا فان اكنائس بات بناؤها محدوداً في بعض الأمكنة.

خلاصة القول

ان هذه الجمعية كانت بعثاً ارثوذكسياً تدين له كنيستنا الأنطاكية بمؤسساتها التعليمية والروحية فحق علينا نحن ابناء الكرسي الأنطاكي المقدس بالخير والامتنان.

حتى ان العلامة محمد كرعلي اورد في تقرير له في اصلاح المعارف العمومية في 11 ربيع الأول سنة 1329 ه/1920 في كتابه القيم خطط الشام” أما علماء الدين عند المسيحيين …. فأخذوا يتعلمون في مدارس لهم نظامية في روسيا أو ايطاليا أو أميركا وغيرها فلا يرقى في الأغلب الى الرئاسة الدينية عندهم الا من توفرت فيه شروط العلم والنباهة، ويكون على الأغلب بانتخاب أقرانه…”

واقع الجمعية الحالي

في عام 1918 تغير اسم الجمعية بعد كمون نشاطها للصفر، إلى الجمعية الفلسطينية الروسية، و بعد تفكك الاتحاد السوفياتي 1990 عادت الجمعية الى الواجهة في روسيا بصفتها العلمية، وفي عام 1992 أعيدت التسمية التاريخية وهي ” الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية ” بناء على قرار رقم N2853-1 الصادر عن مجلس الدوما الأعلى للاتحاد الفيدرالي الروسي بتاريخ 25/5/1992, تم اعتماد الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية كمنظمة روسية دولية هدفها بالدرجة الأولى مساعدة روسيا في تقوية وتطوير علاقاتها بشعوب الشرق الأوسط في كافة المجالات الدبلوماسية، العلمية، الثقافية، الدينية والاجتماعية.

وقال رئيس الجمعية سيرغي ستيباشين خلال لقائه بالبطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، في مقره بالبلمند في لبنان، إن الجمعية ستنشئ فروعا لها في لبنان وسورية.

وقالت بطريركية موسكو إن البطريرك يوحنا العاشر عبر عن تأييده لهذه المبادرة
وكانت الجمعية الروسية الفلسطينية قد أعلنت في وقت سابق نية إنشاء فرع لها في شبه جزيرة القرم الذي عاد مؤخرا إلى أحضان الدولة الروسية
ونشطت الجمعية في الفترة الأخيرة في تقديم المساعدات إلى السوريين.


أضف تعليقاً