البطريرك الأنطاكي غريغوريوس الأول

البطريرك الأنطاكي غريغوريوس الأول

السيرة الذاتية

هو فلسطيني الأصل، كان قبلاً ” ممثلاً لديرالروم في سورية، ورئيساً لدير فاران في فلسطين، ودير القديسة كاترينا في جبل سيناء.

اُنتخب خلفاً لأنسطاسيوس الأول السنة 570 مسيحية.

مغارة القديسين بطرس وبولس في مدينة أنطاكية وهي اقدم آبدة مسيحية في مدينة أنطاكية
مغارة القديسين بطرس وبولس في مدينة أنطاكية وهي اقدم آبدة مسيحية في مدينة أنطاكية

يقول مثلث الرحمات الأسقف استفانوس حداد في تعريبه “كتاب تاريخ أنطاكية” للمؤرخ الكبير خريستموس بابا دوبولس

” يروي لنا يوحنا موسخوس الدمشقي، أو “أفكراتاس” السنة 619 مسيحية الذي عرف غريغوريوس شخصياً خبراً عن الأب سرجيوس الأرمني مفاده ان غريغوريوس الذي كان رئيس دير فاران طلب بإلحاح عام 564 مسيحية، أن يزور الناسك الحبيس المتوحد سرجيوس في محبسه على البحر الميت، فاقتادوه اليه واستقبله المتوحد سرجيوس بإكرام واهتمام كبيرين: غسل رجليه وجلس يحادثه طول النهار.

وكان عند الناسك تلميذ مريد يتدرب على يديه، فتشكى وتبرم لأن معلمه الناسك الشيخ لم يحتفل بأحد من زائريه من المطارنة والكهنة وسواهم احتفاله بغريغوريوس، فأجابه الناسك وقال: ” أنا ياولدي، لست أعرف من هو الأب غريغوريوس، ولكن عرفت أمراً واحداً هو أنني استقبلت في مغارتي بطريركاً، لأني رأيته لابساً أموفوريا على كتفيه وحاملاً الانجيل المقدس بيديه”.

هذا، وبالفعل، انتُخِبَ غريغوريوس، بعد ست سنين بطريركاً على مدينة الله أنطاكية العظمى، وهو رجل متميز بفضائل كبيرة.

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

وقد ذكر عنه يوحنا موسخوس الدمشقي نفسه مايلي: ” قال بعض شيوخ الرهبان عن الأنبا غريغوريوس الذي صار بطريرك مدينة الله أنه فعلاً فاز بهذه الفضائل: فضائل الدموع والتواضع والرحمة والمسامحة، وكان له مع هذا عطف كبير على الخاطئين. ونحن شهود له بذلك عن خبرة وثقة.” ويروي عنه مثل هذا المؤرخ الكنسي الأنطاكي ايفا غريوس الذي عرفه شخصياً، فيقول:” إنه تسَّلَّمَّ، بأمر الأمبراطور يوستنيانوس رئاسة دير سيناء، وفيه اجتاز أخطاراً كبيرة من جراء حصار البدو الأعراب. وإذ قد تمكن من تحقيق السلام في ذلك المكان، دُفِع الى درجة رئاسة الكهنوت، وكان ثابتاً في العزم، متيناً في الرأي والفضيلة في كل شيء، ونشيطاً جداً في كل أعماله، لا يخاف ولا يجزع أمام أقوياء العالم. وكان من الكرم وبذل المال بحيث أنه حين كان يخرج من الدير، كان يتبعه الكثيرون طالبين مساعدته حتى الذين لم يكن يعرفهم، وصارت له سمعة أدهشت الملوك عند الرومان وعند الفرس أيضاً.”

وهكذا يمضي في مديحه، وفي خطاب طويل المؤرخ ايفاغريوس قائلاً: “ليس في كل ماقيل فيه مبالغة كما تشهد الوقائع والحقائق التي يُستخلص منها أن البطريرك غريغوريوس الأول الأنطاكي كان ذا شخصية بارزة ونادرة”.

سيرته بطريركاً

تعرض البطريرك منذ العام الأول من رسامته الى تجارب ومغامرات كثيرة وهائلة، ذلك فيما كان يدور من المعارك والحروب بين الفرس والروم، ولا سيما الحرب الفارسية الرومية التي دامت من 572 الى 591 بسبب حماية البيزنطيين للأرمن من الفرس. انتهت تلك الحرب بسقوط انطاكية عاصمة الشرق بيد الفرس حيث أجبر البطريرك غريغوريوس على الهرب من المدينة ناقلاً معه التحف الكنسية.

أما كسرى، فاقتاد جميع سكان أنطاكية، وقتل البعض واستاق الآخرين أسرى الى بلاد الفرس، ويقال ان عدد هؤلاء الأسرى بلغ مائة واثنين وتسعين ألفاً.

عذارى انطاكية السورية شهيدات

ويجيء دور التربية المسيحية في تلك الظروف

جارية عارية في قصر فارسي
جارية عارية في قصر فارسي

ودور البطريرك غريغوريوس المربي…

– أمر كسرى أن يم انتقاء الفي بنت من أجمل البنات العذارى، ويُزيَّنَّ تزيين العرائس ليُرسلن هدية لخاقان الترك، وتعيين الموظفين الكبار وبعض الجند لقيادة هؤلاء الفتيات الى بلد البربر واللواتي أُخذن في سيرهن المحزن حاسبات خصوصاً حساب هلاكهن الروحي فيما هن مقبلات عليه من مصير أسود. كنّ يذكرن كلام التربية، وكن يعلنّ رغبتهن في الموت، ولما اقتربن من بلد الخاقان صادفن نهراً عظيماً، وافتكرن بأنه من الخير لهن أن يَمُتنَ من أن يبقين عائشاتٍ ويتدنسنَ مع البربر الوثنيين، ويكفرن بإيمانهن المسيحي، وقلن فيما بينهن: ” قبل ان يتدنس الجسد العفيف مع البربر، وتتدنس النفس، وأخيراً يأتينا الموت على كل حال، فلنقرر منذ الآن، وأجسادنا نقية، ونفوسنا حرة من الوثنية، أن نقدمها باسم ربنا يسوع مسلمات ذواتنا الى الموت. هكذا سنتخلص من الأعداء ونعيش للآخرة السعيدة. هذا الموت سيتطلب منا ان نتحمل أوجاع لحظة واحدة وبهذا الألم نحفظ ديانتنا المسيحية”.

مدينة أنطاكية في القرون المسيحية الأولى
مدينة أنطاكية في القرون المسيحية الأولى

وبعد هذا التفكر، واتخاذ القرار، طلبن الإذن لكي يغتسلن في النهر، وأن يكن وحدهن، “إننا نخجل أن نغتسل بحضوركم” فسُمحَ لهن بأن يغتسلن في النهر، وابتعد عنهن الخفراء والحراس، عندئذ ألقين بأنفسهن في النهر وغرقن كلهن. عندها تراكض الفرس ليشاهدوهن أشلاء عائمة فوق الماء. وهكذا ختمت عذارى سورية المسيحيات حياتهن بموت الشهادة بفعل التربية التي تربينها على يد البطريرك غريغوريوس.

أما البطريرك غريغوريوس، فبعد أن قدم – حتى في هذه المرحلة من الحرب – ماقدم من الخدمات العظيمة – عاد الى أنطاكية.

تجارب ومصيره

” طوبى لكم إذا اضطهدوكم وقالوا عنكم كل كلمة كاذبين”

في مزاحمة الأهواء والغايات، تلطخت جوانب أنطاكية المسيحية بلطخات وثنية ورواسب، منها كانت باقية الى ذلك الحين، وصل شيء منها الى البطريرك غريغوريوس رغم كل شيء، وتكاتفت شائعاتٌ واتهاماتٌ وتهجماتٌ انصبتْ عليه حتى كان يُسب في الشوارع والمسارح علناً، وأُبيحت الحرية لكل من يريد أن يورد شكوى عليه. وأصاب الوثنيون الفرصة، وأوجدوا على البطريرك تهماً كثيرة منها انه كان كثيراً ما يُخِلُ بسلامِ المدينة وأمنها، وكان من بين تلك الشكاوي أمرٌ آخر لم يُسمع بمثله هو أنه كان يُضاجع شقيقته المتزوجة.!!!

قد دافع البطريرك عن نفسه التهمة الأولى وأسقطها. وأما التهمة الدنسة الثانية التي صاغها رئيس الطهاة، فإن البطريرك غريغوريوس استأنفها الى محكمة الملك والمجمع المقدس في القسطنطينية. وذهب الى القسطنطينية العاصمة السنة 588 مسيحية مصحوباً بمؤيده المؤرخ الأنطاكي ايفاغريوس المعروف. وكان بطريرك القسطنطينية يوحنا الرابع الصوام (582 – 608 مسيحية) قد دعا المجمع الدائم للانعقاد للنظر فيها، وحضر المجمع عدا الملك ومجلس الشيوخ، بطريركا الاسكندرية ايفلوجيوس (581 – 608 مسيحية) واروشليم يوحنا الرابع ( 575 – 594 مسيحية) فعمد المجمع الى فحص دقيق ومفصل لتهمة بطريرك انطاكية الفظيعة. فدافع البطريرك عن نفسه وأظهر براءته فبرأه المجمع من كل تهمة. أما الواشي فجلد وأرسل الى المنفى.

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

وفي نهاية شهر أيار السنة 589 مسيحية عاد البطريرك غريغوريوس الى انطاكية مكرماً بعد صدور براءته وهي كنور النهارمن هذه الفرية الشنيعة بحقه.

– ثار الجيش الرومي الموجود في أنطاكية مع ضباطه وقادته، واستتبع ذلك حلَّه. وبعد حله استطاع الفرس أن يغزوا مقاطعات الأمبراطورية. وأرسل الملك موريقيوس أحد مقدمي جيشه لكي يقنع الجند الثائرين بإطاعة ضباطهم فلم يفز بشيء.

عندئذ أخذ البطريرك غريغوريوس الأول على عاتقه ان يتدخل بين الجنود والضباط مع أنه كان مريضاً. وكان الكثيرون من الجنود قد أخذوا مساعدات مالية وغيرها من يد البطريرك أثناء تجندهم، وكانوا يكرمونه.

جمع عندئذ المعسكر بواسطة النفير في ليتافرا، وهي ضيعة تبعد مسافة عن أنطاكية، فانتقل اليها على السريرمريضاً.

وهناك تكلم مع العسكر بكلام طويل، وأبان النتائج المهلكة للشعب وعلى الأمبراطورية وعلى انطاكية في حال لم يحصل الانسجام والاتفاق بين الفريقين، واستغل الوقت المناسب الذي كان يوم الاثنين العظيم من الجمعة العظيمة، فاقتنع الجند بنصائح البطريرك ومناشدته وطلبوا المسامحة، وتناولوا الأسرار الطاهرة، وتعشوا مع البطريرك وكان عددهم الفي عسكري.

في بلاط كسرى الفرس

وأُرسل غريغوريوس في بعثة مفاوضات من قبل بيزنطة الى الفرس، فأدهش كسرى في كل شيء متكلماً بالنعمة، وكرجل عاقل حكيم بالقول والفعل وهو في مسلكه وحياته طاهر، عذب الكلام مقدام في العمل، حكيم في الارشاد عالم بأحوال سياسة الدولة الروحية.

واستغل فرصة التقارب بين الفرس والروم وبواسطة القديس الشهيد الموقر عند الفرس سرجيوس صاحب مدينة سرجيوبوليس (الرصافة السورية) على الفرات. واستغل احترام كسرى الثاني المسالم في التقريب العبادي بين الفرس والمسيحيين حتى أشيع أن كسرى صار مسيحياً مع زوجته سيرين.

وقد قام البطريرك غريغوريوس بجولة واسعة طويلة في بوادي الصحراء السورية، وافتقد عرب الحدود، وطاف معاقل وحصوناً كثيرة وأدياراً وقرى وقبائل قَّرَّبهم جميعاً الى الله.وحين علم أن القديس الأنطاكي سمعان العمودي مريض أسرع من جولته الرسولية الى الجبل العجيب في أنطاكية، ولكنه لم يدرك سمعان العمودي حياً.

ومات البطريرك غريغوريوس الأول عام 593 مسيحية مريضاً بداء المفاصل. وله بعض الآثار الأدبية، وصل الينا منها مواعظ من مواعظ كثيرة كان قد ألقاها، وهذه المواعظ الأربع تشهد له بقدرة خطابية كبيرة، ووصلت الينا منه كذلك رسالتان من أسقف رومية غريغوريوس الأول ولم تصلنا الاجابة عليهما.

زيادة في الايضاح، نورد تذييلاً من (تاريخ أنطاكية) يُعرف منه أهمية وقيمة أنطاكية وأدبها مقتبساً مما تلاه من سيرة غريغوريوس الأول كتبها خليفته انسطاسيوس الشيخ الذي كان يرتاح في اورشليم منفياً. دعاه الى العرش الأنطاكي الملك موريقيوس، ووصلت الينا من أولى اخباره هذه العبارة تقول:

“خطاب بطريرك أنطاكية انسطاسيوس، لما عاد الى العرش البطريركي لثلاث وعشرين سنة خلت من نفيه، لفظ هذا الخطاب في الاسبوع العظيم المقدس يوم الأربعاء في الخامس والعشرين من شهر آذار (الأنديقتي) الأول من تاريخ تملك مليكنا الحسن العبادة موريقيوس”أي عام 593 مسيحية. ومن هذا الخطا نعلم أن البطريرك الشيخ رجاه الملك موريقيوس أن يتولى رتبته وأن يعود الى أنطاكية. أجل رجاه الملك بواسطة أحد رجال البلاط اسمه حنانيا الذي يقول عنه انسطاسيوس:” لا بما سكبت من الدموع كفَ عني واقتنعْ، ولا بما بسطتُ اليه من التوسل ارتدْ وتراجعْ.” وهكذا انسلخ البطريرك انسطاسيوس عن أورشليم مسحوباً بالقوة تقريباً وغير راض. وصل الى أنطاكية في 25 آذار 593 مسيحية في يوم الأربعاء.

واستهل انسطاسيوس خطابه الرائع بأبلغ ما تكون الخطابة قائلاً:” السلام وايضاً السلام أولاً وثانياً وثالثاً. السلام لمجد الثالوث الأقدس” السلام كان رمز وشعار العلاقات بينه وبين رعيته روحياً. وهذا السلام هو الذي يتمناه وينشده قبل كل شيء بعد عودته الى أنطاكية.

هذا السلام الذي فصل عنه قسراً. هو السلام يكرره أيضاً وهو ينظر وجوه سامعيه، وبعد غياب ثلاث وعشرين سنة. السلام لك ياشعبي أنا، ثم لم يكن شعبي، والآن أيضاً هو شعبي. وصرح أيضاً أن الشعب كان في قلبه وروحه دائماً، وأنه كان مرتبطاً به نفسياً.

خاتمة

قضى البطريرك انسطاسيوس عمره متميزاً بقداسة السيرة وبالقدرة الخطابية واللاهوتية. وخلف مواعظ ومؤلفات لاهوتية ذات قيمة أدبية كبيرة. كان يعتمد اسلوب الآباء القدماء ومعلمي الكنيسة، وكانت له علاقات حسنة مع اسقف رومية غريغوريوس الأول ( الكبير) وترجم له مؤلفه الشهير ديكوبا من الللاتينية الى اليونانية.

هذا ومن يدري لعل خليفته في المنصب الأنطاكي وفي القديس الشفيع مثلث الرحمات

البطريرك غريغوريوس الرابع 1906-1928
البطريرك غريغوريوس الرابع 1906-1928

بطريركنا العظيم غريغوريوس الرابع، كان ملماً بسيرة سلفه فأخذ اسمه واقتدى بسيرته العظيمة العاطرة محبة وعطفاً وانسانية للجميع وفي حب الوطن والرعية. وإن كنا نرى ان البطريرك غريغوريوس الذي برأينا هو قديس أنطاكي منسي ليس بحاجة الى أن يقتدي بأحد ونقاء سيرته يؤكد…

حتى ان احدى الشخصيات الكبيرة من الكنيسة المارونية الشقيقة وبعدما واكبت حياة المذكور من خلال ماكتب عنه استغرب صاحبها قائلا:

” أعندكم مثل هذا البطريرك ولا تعلنون قداسته؟”

ومطوب الذكر البطريرك غريغوريوس الرابع كان علامة زمانه ويطلع على كل شيء وعلى تراجم اسلافه وسيرهم جميعاً باللغتين اليونانية والعربية، وساهم في كتابة تاريخا لبطاركة الكرسي الأنطاكي المقدس.

وبضمير نقي نؤكد ان سيرتي هذين البطريركين غريغوريوس الأول، وغريغوريوس الرابع متطابقتان متشابهتان الى حد التماثل في الكثير من المفاصل والجزئيات. ولسيد انطاكية العظمى له المجد الحمد والشكر على انه منح تاريخنا الأنطاكي تكاملاً في أعلامه كافة لمنفعة كنيسة معذبة مذبوحة دوماً.


أضف تعليقاً