نعمان قساطلي الدمشقي

نعمان قساطلي الدمشقي

المؤرخ والكاتب والأديب

السيرة الذاتية

ولد نعمان عبده قساطلي في دمشق بمنطقة القيمرية عام1854 في اسرة عريقة في الثقافة وهواية العلم والأدب والمطالعة وسرد الوقائع التاريخية، اضافة الى كونها اسرة ارثوذكسية مكينة في ايمانها وممارسة لطقوسها وحضور الصلوات في المجَّمَّع الروحي الذي يضم الى الكنيسة المريمية، كنيسة القديس نيقولاوس، وكنيسة القديسين كبريانوس ويوستينا، وتلقى العلم في مدرسة الكنيسة اي في مدرسة الآسية التي كان يديرها

كتاب الروضة الغناء  في دمشق الفيحاء
كتاب الروضة الغناء في دمشق الفيحاء

القديس يوسف الدمشقي (الشهيد في الكهنة 1860) وتتلمذ على الاستاذين سليم كساب الدمشقي، وحنا نجم البحمدوني…فمال الى الجغرافيا والتاريخ… اضافة الى انه كان يختلف الى العلامتين الدكتور ميخائيل مشاقة وتلميذه ابراهيم الحوراني.

وكانت شقيقته سلمى اول طبيبة سورية، كانت قد تلقت العلم في مدرسة الآسية للبنات، ثم انتقلت الى بيروت، وتلقت مبادىء الطب فيها، ثم انتقلت الى مصر فنالت شهادة في التوليد وأمراض النساء من القصر العيني ( كلية الطب في القاهرة) السنة 1903

وترجمت كتاب “نصيحة والدة” عن الفرنسية ثم تنقلت بين دمشق والقاهرة الى ان توفيت في الخامس من شهر آب 1917.

أما والده فكان من الحرفيين المهرة في عالم الصياغة، اضافة الى الاتجار بالمصوغات، لذا فإن نعمان اضطر للعمل مع والده صائغاً، لأنه كان تواقاً الى الأدب وحب البحث والفلسفة والجدل.

ولا نعرف السبب الذي دفعه الى العمل بعد ذلك في مهنة تسدية الحرير الا لكونها كانت لاتزال من حصة المسيحيين الدمشقيين مع بقية المهن… وكانت الحرف جميعها بأيدي المسيحيين الدمشقيين وهي حرف عائلية يتوارثها الأبناء والأحفاد عن الأجداد والآباء…

مع انه كما أسلفنا واضافة الى عمله في الصياغة والمجوهرات وسدي الحرير كان يحضر مجالس أُدباء عصره ومنهم الدكتور ميخائيل مشاقة، وتلميذه ابراهيم الحوراني، فاقتبس كثيراً من الأداب…

كاد أن يذهب ضحية تلك المأساة الرهيبة، المجزرة الطائفية التي حصلت ضد المسيحيين عام 1860 لولا اختباؤه في أحد الأفران، فأنقذ بذلك نفسه.

ولقرب عهده بهذه الفتنة، فقد أخذ يتلقى أخبارها من الشيوخ، ثم جمع هذه الأخبار في كتاب اسماه” تاريخ مذابح سنة 1860″

أسفاره

– في فلسطين

حين قدمت اللجنة الانكليزية لتخطيط فلسطين عام 1847، اعتمدت عليه في تحقيق المواقع الجغرافية فيها، فرافقها ودوَّن الكثير من أخبارها الشامية التي بلغت خمسة مجلدات، وظل يعمل مع هذه اللجنة حتى أواخر عام 1877م، وكان في تلك الفترة يراسل مجلة الجنان للعلامة بطرس البستاني، وجريدة ” لسان الحال” للعلامة خليل سركيس، ويتصل بالبيئات المثقفة في دمشق وبيروت حتى اشتهر في أوساط المتنورين بأبحاثه التاريخية القيمة.

– في مصر

سافر الى مصر عام 1882 وعمل في التجارة مدة اثني عشر عاماً، فأحرز بعض النجاح وهناك اقترن بزوجته ندى كليلة ابنة اسرة كليلة الدمشقية التي نزح بعضها الى مصر بعد فتنة 1860 كانت من الاسر الناشطة في دمشق في حقل الكنيسة الأرثوذكسية ومؤسساتها التعليمية ومدارس الآسية تحديداً، وكانت تتابع الاهتمام ذاته بين الشوام اللاجئين الى مصر ، ورزق منها ولداً مات طفلاً، وابنتين هما اسماء التي تزوجت من السيد يوسف تين الدمشقي وفريدة التي تزوجت من اخيه الدكتور الياس تين وهما من اعيان الطائفة الانجيلية الدمشقية.

صفاته الشخصية

كان نعمان قساطلي طويل القامة، أسمر اللون، مستطيل الوجه، طيب القلب، عصبي المزاج، كثير الجلد في المطالعة والكتابة، وقد ظل عاكفاً على البحث، دائباً على التنقيب في بطون الكتب التاريخية والأدبية، رغم حزنه الشديد على ابنته فريدة التي قُصفت وهي في ريعان الشباب، وربما وجد في ذلك السلوى والتعزية.

مآثره الكتابية

قضى علمنا نعمان قساطلي حياته في المطالعة والدرس والتدوين والتجارة ومراسلة الصحف والمجلات في مصر وسورية ولبنان، وطبع العديد من كتبه وخطبه ومقالاته مثل “البراهين الجلية” و”تاريخ الزيادنة” و “ومذابح سورية سنة 1860″ الذي نشر بتصرف في كتاب حسر اللثام عن نكبات الشام” للدكتور ميخائيل مشاقة،

و”جغرافية جبل الدروز وحوران” و”خطاب العلم والدين” و”فلسفة الاقتصاد” و “الطب والتدابير الصحية في سورية” و”صناعات دمشق” و “الفوائد الأدبية” وقد نشر بعض هذه الكتب مستقلاً، او في مجلات الجنان، و”المقتطف والطبيب”، وصحف: الجنة، ولسان الحال، والمحبة.

ومن مؤلفاته ايضاً

“تاريخ سورية المطول” و”مرآة سورية وفلسطين” و”يومية الحرب العامة”، وخطب ورسائل ومقالات ظلت مخطوطة بعد وفاته، وهذه المؤلفات جميعها تدل على إحاطته الواسعة بالتاريخ والعمران والاجتماع.

لكن أهم عمل قام به هو تأليفه كتاب “الروضة الغناء في دمشق الفيحاء”

كتاب الروضة الغناء في دمشق الفيحاء

يعد هذا الكتاب، بحق، أول كتاب في تاريخ دمشق بالمفهوم الحديث للتاريخ، فعندما فكر بوضع تاريخ لدمشق، عكف على مطالعة المراجع التاريخية الهامة، كتاريخ ابن الأثير، وتاريخ ابن خلدون، وتاريخ ابن الفداء، حتى تسنى له ان ينجز هذا العمل العظيم عام 1878 والذي دفعه الى تاليف هذا الكتاب المختصر المفيد انه يوثق لمدينته الحبيبة على نفسه دمشق ولتاريخها و… لذا لخص ما جاء في حقها في كتاب حوى زبدة أقوال الرواة والعدول، دون عدول يجيء به تعصب ديني او ميل غرضي.

أبواب الكتاب

قسم نعمان قساطلي كتاب الروضة الغناء الى ثلاثة أبواب…

تحدث في الباب الأول عن جغرافية بلاد الشام، ثم عن موقع دمشق وعدد سكانها، وتاريخ بنائها الى يوم فتحها المسلمون، مروراً بعهود الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمغول والعثمانيين.

أما الباب الثاني فقد خصصه للحديث عن أوصاف دمشق وجوامعها وكنائسها وأديرتها ودورها وأسواقها وحماماتها ومقاهيها وخاناتها وفنادقها وأقسامها وأبوابها وحصونها ومياهها ومتنزهاتها وتربتها ونباتاتها وأشجارها وهوائها.

كما تحدث عن مدارس المسلمين والمسيحيين واليهود، وعدد اساتذتها وطلابها وطالباتها وعن جمعيات دمشق الأدبية ومكتباتها، وعن صناعاتها وتجارتها وأطوار أهلها وتقاليدهم وعاداتهم في افراحهم وأتراحهم، وختم هذا الباب بالحديث عن محمل الحج الذي كان يسافر الى مكة باحتفال عظيم كل عام، ويُستقبل عند عودته باحتفال أعظم.

ويبدو القساطلي دقيقاً في اعطائنا صورة صادقة وصحيحة عن دمشق حتى عام 1878 عندما يحصي لنا مثلاً عدد الأغنام التي كانت تُذبح يومياً، ويحدد كذلك مقطوعية المدينة من الحنطة والشعير والذرة، وعدد المصابن ومعامل النشاء ومحلات طبع الأقمشة وحياكتها وصباغتها، وعدد المشافي والمسالخ والمطابع الحجرية والعادية، ومتى مُدَّ طريق المركبات بين دمشق وبيروت، ودخل التلغراف، وانتشر الهواء الأصفر(الكوليرا).

أما الباب الثالث فقد أفرده لذكر من مات في دمشق من الصحابة والأولياء المقربين، والعلماء، واشتهر ضريحه، كالشيخ محي الدين بن عربي، والشيخ ارسلان…

ويختم الكتاب بفصل خاص عن القديسين ومشاهير العلماء المسيحيين الذين نشأوا في دمشق، كحنانيا الرسول، ويوحنا الدمشقي وغيرهما…

القساطلي قاصاً وروائياً

وكما كان علمنا مؤرخاً ثبتاً معروفاً بالدقة والإحاطة وسعة الاطلاع، كذلك كان رائداً من رواد القصة في سورية، فقد نشر في مجلة الجنان خلال ثلاث سنوات من عمرها (1880-1883) ثلاث قصص هي:

“الفتاة الأمينة وامها” و “مرشد وفتنة” و” أنيسة وانيس” تعد من بواكير أدب القصة في سورية،

صَّوَّرَّ في القصة الأولى أحوال مجتمعه وضمنها آراءه في مساؤي التخلف والتقاليد البالية والظلم الاجتماعي، وكبت الحرية الشخصية وأثر الوشاية، وانشغال النساء في الثرثرةن وهضم حقوق المرأة، وكل ما من شأنه أن يحول بين قلبين شابين متحابين.

وانتقل في القصة الثانية “مرشد وفتنة” من الجو الحري الى جو البادية، ومن خلال قصة حب تجمع بين قلبي بطليها: مرشد ابن شيخ العرب، وفتنة راعية الغنم البسيطةن يطوف بنا عالم البداوة الرحب، فمن ورود البدو للماء بمواشيهم، الى تقاليد الضيافة، الى أحكامهم في غزواتهم، وطرق علاجهم، ووسائل تحضير الطعام والقهوة، والأخذ بالثار تجتمع لدينا خيوط قصة متشابكة الأحداثن متعددة الشخوص، تنتهي أخيراً بأن يفوز كل محب بحبيبته، وينال كل شرير ماجنت يداه، “سبحان من ينصف عباده، ويأخذ بيد المظلومين من الظالمين”.

ولا تخرج قصته الثالثة “أنيس وأنيسة” في طريقة بنائها الفني عن سابقتها، سوى انها تختلف عنها من حيث الموضوع الحضري الذي تعالجه، ويدور بين بلودان ودمشق وحمص وبعض الأماكن الأخرى، وقد حاول فيها وصف أخلاق أهل المدن، من حيث ميلهم الى الاحتيال والغدر الذي هو محور الأحداث ومحركها، والسبب الأول والأخير في شقاء القلوب الشابة، وينتهي فيها الى القول:”من جعل غرضه نصب عينيه، إذا كان له حق به، فلا يلبث أن يناله، ولو بعد طول العناء، وكثرة العذاب.”

وفاته

توفي علمنا المغفور له نعمان قساطلي في 21 شباط عام 1920، وقد رثاه صديقه الأديب والمؤرخ المغفور له عيسى اسكندر المعلوف بهذه الأبيات:

هذا الفقيد له الصفاتُ حسانُ قد زانها التهذيبُ والاحسانُ

وهو الوديع بطبعه وعلومه والكد في أعماله عنوانُ

وله التآليفُ المفيدةُ إنها بفنونها وفصولها بستانُ

يبكيه آل قساطلي وصِحابُهُ والعلمُ والتاريخ ُ والعرفانُ

أما الملاك فعنه أرخْ راضياً قد حل روضَ سعادةٍ (نعمان)


أضف تعليقاً