طريق الجلجلة


طريق الجلجلة

تمّم السيّد له المجد فصحه في الطريق إلى أورشليم وفي مدينة بيت عنيا، قبل انكشاف مجده  الالهي على الخشبة فوق تلّة الجلجلة في أورشليم لمّا أقام ألعازر من الموت. مسرى الفصح ممدود في أزليّة الآب، في لحظات التجسّد من مريم، أبوه السماويّ أعدّه ليقول الفصح حبًّا مذ كان كلمة في أحضانه.
ما كان هذا معلومًا في الفكر العبرانيّ، ولا مغروسًا في أدمغتهم. في عقلهم الجمعيّ أو الأمميّ، ثمّة مسيٌّ او مسيا مُنتظرْ… او المسيح الممسوح المنتظر الذي بشر به انبياء العهد القديم مخلصاً لشعبه سيأتي، سيتكوّن في أحشاء التاريخ، في أزمنتهم، لأجلهم وحدهم كما أشارت إلى ذلك أدبيّاتهم. وما سلّموا لحظة أنّ مسيح الرب كونيٌّ مغروس في لحم الكون وناهد منه إلى تحرّر الفكر البشريّ بعمقه، ليكون فكرًا جديدًا تترجمه المحبّة وتجسّده في العلاقات بين الأمم والشعوب. هذا اكتشفه يوحنّا الإنجيليّ وحده في فصله الأوّل حين تكلّم على الكلمة وظهر الوجع أكثر إيلامًا حين قال: “إلى خاصته أتى وخاصته لم تقبله”.

وامتداد الوجع يتكثّف أكثر في سؤال يطرحه من ذاقوا يسوع في عشائه، أو ذابوا بفكره، من هي تلك الخاصّة؟ هل تتبلور بهذا الشعب الذي جاء يسوع من جذره؟، أم هي الفكر البشريّ المتأرجح ما بين الإلحاد والمروق والجحود؟ وقد بلغت القمّة في كتاب “ضدّ المسيح”، مع (فريدريك نيتشه)، والمتكامل مع مفهوم الإنسان الخارق، وهو من سخر من المسيح على الصليب بشكٍّ وهزءٍ حين قال:” كيف يكون المسيح ملكًا في موته هذا على الصليب؟”
كلّ هذا انطلق في حقيقته من الرؤية اليهوديّة اللافظة للمسيح الظاهر بفقره وتواضعه. لم يصدقوه في لحظات الشفاء للمرضى وإقامة الموتى، خافوا من خطابه المتجلّي بثورة المحبّة، وهي إيّاه في كل لحظات تجواله من فلسطين إلى تخوم صور وصيدا، وحدهم أخصّاؤه الخلّص حفظوا الوصيّة من يوحنّا الإنجيليّ، والذروة عنده في خطاب العهد في (الفصول 13، 14، 15، 16، 17)، وفيها قال الرب:” أعطيكم وصيّة جديدة أن يُحبّ بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم.” وذهب يوحنّا الحبيب نفسه إلى السُّر العظيم في رسالته الأولى “كلّ محبّ مولود لله وعارف بالله، من لا يحب لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة. ما ظهرت محبة الله بيننا هو أنّ الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به، وما تقوم عليه المحبّة هو أنّه لسنا نحن أحببنا الله بل هو أحبّنا فأرسل ابنه كفّارة لخطايانا… الله محبة فمن أقام في المحبّة أقام في الله وأقام الله فيه” (1يو4: 7-10، 16). والخطاب عينه انكشف عند بولس الذي كان مضطهدًا للمسيحيين حين كان اسمه شاول، وقد هداه السيد نفسه حين ظهر له في “طريق دمشق” الطريق من أورشليم إلى دمشق عند نقطة كوكب، فخطفه نوره من العنف إلى اللطف، وذاق المحبّة عينها في نشيده العظيم، وفيه قال: “المحبة ترفق وتتأنّى لا تحتدّ ولا تظن السوء”، المسيح عند يوحنّا وبولس هو مسيح الرب، ومسيح المحبّة.
ليس سهلاً في فكر الله أن يذبح الكلمة (كلمة الله اي بنت افكاره) بهذه الوحشيّة المطلقة. ولكن صورة إبراهيم وإسحق، تدلّ على الحبّ المتبادل، ذلك أنّ إبراهيم لم يشفق على ابنه الطفل إسحق، حين اخذه ليذبحه حبًّا بالله وتنفيذاً لأمره…!     فظهر ذلك جليًّا فمنعه الله من ذبحه، ليختار البديل وليده حتّى يذبح من أجل الأمم. هذا هو فكر الله المنسكب منذ الأزل في الحيّز البشريّ حتى يصير في عمقه سماويًا، وما كان ممكنًا أن يترجم إلاّ بنصر المسيح نفسه. ظهر مذبوحًا في كتاب العهد القديم عند أشعياء بصورة العبد المتألّم، ولكنّه بدوره سطع ظافرًا بصورة مسيح الله، كلمة الله الواصل ما بين الأرض والسماء بخشبة الصليب.
لم ينحصر الفكر المسيحانيّ بتمزّق جسد المسيح في ذلك الانسان المتألم وقد استند بولس الرسول في رسالته إلى فيليبي على تلك الصورة لمّا قال: “ليكن فيكم الفكر الذي في المسيح يسوع، الذي إذ كان في صورة الله، لم يعتدّ مساواته لله اختلاسًا، بل اخذ صورة عبد صائرًا في شبه البشر، وقد أطاع نفسه حتى الموت موت الصليب”. بل اطلّ إلى بهاء ذقناه في خصوصيّته العميقة منذ أن أقام الميتة، وبلغ الذروة في إقامته ألعازر من القبر… بهذه الذروة دخل المسيح أورشليم ليتمّ آلامه، والمسيحيون يقيمون يوم الأحد ذكرى دخوله اورشليم أي الشعانين، دخل راكبًا على جحش أتّان دالاًّ على اتضاعه… دخل كعبد أورشليم وليس كملك فاتح يعيد الملك، بالذروة المتجليّة في بيت عنيا، أي محقّقًا ظفره في جثّة أنتنت لأربعة أيّام في القبر بلا سؤال ولا جواب. صرخ بالجثّة: “يا لعازر هلمّ خارجًا”، وكلمة لعازر في العبريّة تعني: “الله أزري” هليازر، أي الله عوني وقوتي، وهو المحقّق لتلك القوّة بالأحياء والأموات باستدخال نفسه في كل فرد في هذه الدنيا.
بهذا المعنى يؤكّد المسيح وفي المشهد المتراكم منذ سبت ألعازر حتى الجمعة العظيمة، أن آلامه مسبوقة بقيامة تحقّقت بإقامة صديقه الرباعيّ الأيّام. وبعد ذلك يدخل ختنًا أي عريسًا إلى عرس الدم في خدر ملوكيّ هو الصليب، فيصير عبدًا متألّمًا، “كخروف سيق إلى الذبح لم يفتح فاه بالمكر”، ليقول كلامًا لم يقل في أيّ دين أو حضارة، “الله محبّة”. والمحبّة دفوقة منسابة، والله المحبّة يكتب بمشهد الموت والقيامة، بتكثيف رؤية واضحة أعلنت منذ سبت ألعازر إلى الجمعة العظيمة والفصح، بأن الإنسان لم يجعل للموت بل للحياة. والحياة قلب المحبّة.
في لحظات الشدّة البشريّة ينتصب صليب المسيح، والدنيا كما قال شاعر من هذه البلاد “غابة صلبان”، تنغرس في أودية الظلمات. ولكن، ليس صحيحًا أن الله يتلذّذ بآلام البشر وموتهم، واحد ووحيد تألّم حتى تبطل الآلام فينا، رافقنا في تعاستنا وفقرنا وجوعنا ليصير خبزنا وفرحنا ورجاءنا، أدخلنا معه حاملين سعف النخيل وصارخين “أوصنا” ليحقّق الخلاص في ترابيّتنا، وارتضى لنفسه إكليل الشوك والحربة والمسامير حتى لا يبتلعنا الالم والمرض، وفي كل هذا شاء أن يقول بموته “إن المقدِّس والمقدَّسين كلّهم من واحد”، ولا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً:” سأخبر باسمك إخوتي وفي وسط الجماعة أسبّحك” ويقول أيضًا: “وسأجعل اتكالي عليه، وأيضًا هاءنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله”. “فلمّا كان الأبناء شركاء في اللحم والدّم، شاركهم هو أيضًا فيهما مشاركة تامّة ليكسر بموته شوكة الموت أيّ إبليس، ويحرّر الذين ظلّوا طوال حياتهم في العبوديّة مخافة من الموت…” وهو اتخذ نسل إبراهيم “ليكون مشابهًا لإخوته في كلّ شيء ليكون رئيس كهنة رحيمًا فيما هو لله، فيكفّر خطايا الشعب، ولأنّه قد ابتلي هو نفسه بالآلام، فهو قادر على إغاثة المبتلين” (عب2: 11-18).
هذا هو بهاء الأسبوع العظيم المقدّس الذي يذوقه المسيحيون في الكنيسة الأرثوذكسية ارتقابًا للقيامة.ويذوقونه مع أحد الشعانين للبلوغ نحو القيامة بوحدتهم الكاملة في المسيح يسوع ” ايها المسيح الاله لما اقمت لعازر من بين الأموات قبل آلامك حققت القياة العامة، لذلك ونحن كالأطفال نحمل علامات الغلبة والنصر صارخين اليك ياغالب الموت اوصنا في العالي مبارك الآتي باسم الرب”

( طروبارية اقامة لعازر والشعانين في الكنيسة الأرثوذكسية)

الأهمّ في كل ذلك أنّ صليب المسيح في الرحلة إليه أي في الدخول إلى أورشليم، هو صليب الفرح صليب المحبة، والأسبوع العظيم في عرس الدم ليس أسبوع الفاجعة، المرتسمة بآلام المسيح وموته، بل هو أسبوع النصر المتوّج بفصحنا الخلاصيّ مع فجر اوّل ايام الأسبوع بالقيامة المجيدة


أضف تعليقاً