رزق الله حسون

رزق الله حسون

رائد الصحافة العربية المهاجرة

1825 – 1880

تمهيد

ليست هجرة الصحف والمجلات العربية الى اوروبة الغربية حديثة العهد، بل ترجع

رزق الله حسون
رزق الله حسون

الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبالتحديد الى عام 1872 حبن اسس الشاعر والأديب السوري رزق الله حسون اول جريدة عربية في لندن بعنوان :” آل سام”، وكان يرتب حروفها بيديه، ويطبعها على المكبس في بيته في ضاحية وندستور القريبة من لندن، وكانت غايته من إنشاء هذه الجريدة محاربة الدولة العثمانية الباغية التي شردت وأبعدت حملة الأقلام السورية، وأحرار الفكر في سورية الكبرى…وبثت العيون والجواسيس لتعقبهم، وتقصي أخبارهم ورصد تحركاتهم القومية، وإحصاء انفاسهم التحررية عن الدولة العثمانية، وما نسميهم المتنورين الشوام، وكانوا الطليعة المثقفة التي آلت على نفسها بعث الفكر القومي العربي، وهي من أطلق فكرة القومية العربية للوقوف في وجه الشحن الطائفي الذي كانت تبثه الدولة العثمانية من واقع خلافتها الاسلامية، ولإثبات مسلمة بديهية غيبها العثمانيون وماقبلهم من الشعوبيين ان الحضارة الأموية والعباسية بكل ثقلها الحضاري كانت بمساهمة من العلماء والأطباء … ورواد الفكر المسيحيين في بلاد الشام والرافدين.

حلب العزيزية
حلب العزيزية

وكان المتنورون الشوام في غالبيتهم من المسيحيين الشوام، الذي ضايقهم العثمانيون، فهاجرت نسبة كبيرة منهم الى مصر التي كات تنعم بالحياة الفكرية في ظل اسرة الخديوي محمد علي باشا، وهناك التقوا بالمتنورين المصريين وكانت النسبة الأكبر فيهم من المسلمين… وقد خط الفريقان خارطة طريق مادعي “القومية العربية”.

لقد التقى الشوام والمصريون واسهموا في بعث القومية العربية… ومن المتنورين الشوام من هاجر المنطقة كلها الى اوربة الغربية، وبخاصة الى بريطانيا وفرنسا وايطاليا، والى مالطة وقبرص، وأسسوا الجرائد والمجلات، حيث الأمن وحرية الصحافة حرية الفكروالقلم موفورة والحرية مطلقة، والعدل سائد، والرقابة معدومة… وكان منهم رزق الله حسون علمنا.

حلب باب الفرج
حلب باب الفرج

لقد كان معظم الصحافيين المهاجرين من خيرة رجال الفكر والقلم في الشام ومصر، ممن تمردوا على حكم السلطان عبد الحميد الأحمر… الخليفة السفاح والجائر قاتل كل الأحرار من عرب وأرمن ويونان وبلغار وابناء البلقان، وسريان وآشوريين وكان معروفاً عنه انه رجل ارهابي ومخابراتي بكل اقتدار ويخاف حتى من ظله…

لقد نفر أحرار الشام من هذا الحكم الدموي، وراحوا ينشدون الحرية والعدل والمساواة والحياة الكريمة كالدكتور لويس صابونجي، وخليل غانم، ورزق الله حسون، وعبد الله مراش، وجبرائيل الدلال، ويوسف باخوس، وأديب اسحق، وميخائيل عورا، ومنصور

اديب اسحق
اديب اسحق

جاماتي، والشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وابراهيم المويلحي، ويعقوب صنوع الملقب ب ” أبي نظارة ” وقد لعبت الصحف والمجلات التي أسسوها دوراً هاماً في سياسة البلاد العربية لأنها كانت تتكلم عن الأحوال السياسية فيها بلا تحفظ، وتنتقد مايجري فيها دون خوف أو وجل، وكثيراً ماكانت هذه الصحف تصل الى الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية خفية، فتخاطفها الأيدي، فتتخاطفها الأيدي، ويقبل الأحرار على قراءتها إقبال الظمآن على الماء الزلال.

السيرة الذاتية

ولد رزق الله حسون في مدينة حلب عام 1825، في أسرة أرمنية كاثوليكية.

ولما أنهى دراسته الابتدائية فيها، سافر إلى لبنان، حيث انتسب الى دير بزمار وهو مقر الكلية اللاهوتية للأرمن الكاثوليك في كسروان، فدرس علوم اللاهوت والرياضيات والطبيعيات، اللغات الأرمنية لغة آبائه وأجداده، والفرنسية والانكليزية والتركية…

دير بزمار اللاهوتي  للأرمن الكاثوليك
دير بزمار اللاهوتي للأرمن الكاثوليك

وبعد أن عمل بضع سنوات مترجماً في القنصلية النمساوية بحلب، سافر الى باريس ولندن، وأقام فيهما حيناً من الزمن، يتردد على المتاحف والجامعات ودور الكتب، وحين انتهى من جولته، عرَّج على مصر، ونسخ العديد من المخطوطات، ثم توجه الى الأستانة، حيث أصدر عام 1855 أول جريدة عربية في العالم كله بعنوان:

“مرآة الأحوال” لتغطية أخبار حرب القرم، ولكنها نشرت الكثير عن أحوال البلاد العربية، وتضمنت فصولاً لا تخلو

جريدة مرآة الأحوال
جريدة مرآة الأحوال

من التنديد بأعمال الحكومة العثمانية فصمم الباب العالي على إلقاء القبض عليه ففر الى روسيا، وحُكمَ عليه غيابياً بالاعدام، ولكن هذا الحكم لم يزده إلا عناداً وإصراراً على انتقاد الدولة العثمانية، وتقبح تصرفاتها المشينة بحق العرب.

استقراره في لندن

بعد أن مكث علمنا رزق الله حسون مدة في روسيا سافر الى بريطانيا، واتخذ من لندن مقراً له، حيث استأنف عام 1876 اصدار جريدته “مرآة الأحوال” التي جعلها منبراً حراً للتنديد بسياسة الحكومة العثمانية، كما أصدر عام 1868 نشرة أدبية بعنوان” رجوم وغساق الى فارس الشدياق” صاحب جريدة الجوائب، بسبب ما وقع بينهما من الخصام الشديد، ولم يصدر من هذه النشرة غير عددين يقع كل منهما في اربع عشرة صفحة، ثم أوقف الجريدة والنشرة وأصدر عام 1879 مجلة نصف شهرية بعنوان “حل المسألتين الشرقية والمصرية”، وهي أول مجلة شعرية سياسية ناقدة لا بل مهاجمة للسلطنة العثمانية المتخلفة في التفكير تحت ستار الخلافة الاسلامية.

لندن
لندن

عاشت هذه المجلة حوالي سنة واحدة، وبلغ مجموع صفحات أعدادها أكثر من ثلاثمائة صفحة، وكانت تُطبع على ورق رقيق جداً، ليسهل إرسالها الى المشتركين ضمن مغلفات مختومة كرسائل البريد، ولا تصادر من قبل السلطات العثمانية لأنها كانت تتضمن قصائد مشحونة بالهجاء لهذه السلطات الباغية.

وكان رزق الله حسون يكتبها بخط يده، ويطبعها على الحجر كسائر الصحف التي نشرها في لندن، ولم تتوقف هذه المجلة إلا عند وفاته عام 1880.

استغل رزق الله حسون فرصة إقامته في لندن، فعكف على مخطوطات مكتبتها الوطنية وراح ينسخها بخطه الجميل، حتى نسخ أكثر من عشرين مخطوطة، واهمها: ديوان الأخطل التغلبي، وديوان ذي الرمة، ونقائض جريروالفرزدق، وصبح الأعشى في صناعة الانشاء للقلقشندي، والمتمم لابن درستويه، والأناجيل المقدسة ترجمة أبي الغيث الدبسي الحلبي، وديوان حاتم الطائي الذي قام بطباعته، عدا الكثير من المخطوطات نسخها من مكتبات روسيا وفرنسا وانكلترا، والمانيا، وهولنده…حيث كان يتنقل بين هذه الدول. وقصد حلب قبل وفاته بسبع سنوات متنكراً، فتفقد مكتباتها، وكانت مكتبات حلب ملأى بالمخطوطات النادرة ونوادر المطبوعات، واستنسخ منها بعض الآثار النادرة، ثم عاد الى انكلترا، ليتفرغ فيها الى وضع كتبه وطباعتها.

كتاب اشعر الشعر
كتاب أشعر الشعر

عاش رزق الله حسون في انكلترا – التي اتخذها وطناً ثانياً – عدة سنوات، يكتب ويؤلف ويعلم اللغة العربية للمستشرقين الانكليز، ومن الذين تتلمذوا عليه إدوارد هنري بالمر الذي عُرف في دوائر الاستشراق “بالشيخ عبد الله”، كما ساعد المستشرق “بدغر” على وضع معجمه العربي الإنكليزي، وكتب مقدمة له.

لقد انصرف رزق الله حسون في أواخر حياته بلندن الى الاشتغال بالأدب ونشر المخطوطات العربية، وتحقيق الدواوين، وكتب الأمثال، وإلى نظم الشعر، فأصدر ديوانين أولهما ” النفثات ” ويقع في قسمين عَّرَّبَّ في القسم الأول منه إحدى وألابعين قصة من قصص ” كريلوف ” شاعر الصقالبة التي وضعها على طريقة بيدبا في كليلة ودمنة، والحق بها نخبة من منظوماته من تواريخ وأوصاف ومدائح وشكاوي، بينها قصيدة عَّرَّض فيها بأحمد فارس الشدياق، وقد طبع الديوان في لندن عام 1867 وأهداه الى الأمير عبد القادر الجزائري.

أما الديوان الثاني فهو “أشعر الشعر” الذي نظمه في وندسور عام 1869 ويضم سفر ايوب، ونشيد النبي موسى، وسفر الجامعة، ونشيد لسليمان الحكيم ، ومراثي ارميا، وقد طبع في المطبعة الأميركية في بيروت عام 1870.

يقول رزق الله حسون في مقدمة هذا الديوان: إن أيوب وهوميروس وشكسبير أشعرالبشر، وإنه نظم سفر ايوب أيام اعتقاله في الأستانة، ونظم الفصل الثامن عشر منه على اسلوب الشعر القديم بلا قافية، وكتب بعض الفصول بلغة النثر البليغة.

يبدو من ترجمة حسون لشعر كربلوف أن الأدب الذي اعتمده بعض الأدباء الروس في نقد أساليب الحكم القيصري، وقد صادف هوى في نفسه، فنقل تلك القصص الى العربية ليشير الى فساد الحكم العثماني الذي كان السبب في تشرده وبعده عن وطنه وموته غريباً في وندستور…

ضاحية وستمنسر / لندن
ضاحية وستمنسر / لندن

وفاته

توفي علمنا رزق الله حسون في لندن بضاحيتها وندستور، تلك الضاحية اللندنية الجميلة التي لاتزال تحتضن رفاته منذ اكثر من قرن… ولكن لا أحد يعرف أحد اليوم مكان قبره.

يقول أحد معاصريه:

إنه كان في غربته يردد هذين البيتين اللذين يدلان على حرقته وألمه من النهاية المحزنة التي انتهت بها حياته، بعيدا عن اسرته وأهله ووطنه:

قد قضى الله ان أموت غريباً……………في بلاد أساقُ كُرهاً إليها

وبقلبي مخدراتُ معانٍ ……………نزلت آية الحجابِ عليها

وبعد فقد كان رزق الله حسون سياسياً حراً، يرغب في إصلاح الدولة العثمانية، ويذهب مذهب كبار أحرارها، كمدحت باشا وأعوانه، ولكنه مات قبل أن يحقق هذه الرغبة، وطويت آثاره الأدبية ومعاركه السياسية وريادته الصحفية الى غير رجعة.


أضف تعليقاً