البطريرك افتيموس كرمة الحموي افتيموس الثالث (1572-1635)

البطريرك افتيموس كرمة الحموي

افتيموس الثالث (1572-1635)

اسرته

بنو كرمة اسرة مسيحية هاجرت من حوران الى حماه منذ بضعة قرون كغيرها من الأسر والعشائر المسيحية إذ كانت حوران وتحديداً ازرع المكان الأصيل لتجمع العشائر المسيحية ومنها انطلقت الى كل بلاد الشام…

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

نتيجة الفتح العثماني لبلاد الشام عام 1516 جلا بعض االحمويين وغيرهم الى دمشق وغيرها وكان منهم آل كرمة وذهب بعضم الى جزيرة مالطة التي كانت مقراً لتجارة واسعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وسكانها يعرفون العربية ومنذ ذاك اوقت تفرقت اسرة كرمة…

في حماه اشتهر فرع من هذه الأسرة نشأ منه الخوري حوران كرمة،وكان اسم زوجته سعادات وعرف هذا الكاهن الفاضل بتقواه وغيرته وعلمه، رزقه الله ولدين احدهما علمنا البطريرك افتيموس، والثاني اسمه ثلجة، فترعرعا ببيت ايماني مبني على المبادىء المسيحية، وولعا بنسخ الكتب لأن مواطنيهما الحمويين اشتهروا منذ القديم باتقان الخط والنسخ، وكثر المتفوقون منهم بذلك (1) ولاسيما ثلجة(2) هذا، فاستلفتت هذه الصناعة أنظار علمنا الى المطالعة والمواظبة على الدرس منذ طفوليته، والانقطاع الى تلاوة الكتب المقدسة والكتب الطقسية، وكان ينسخها بيده مع شقيقه لإقامة الفروض الكنسية ولتهذيب الكهنة والرهبان كالتريودي، والميناون، والسواعي، والمزامير، وبستان الرهبان، والحاوي، وبعض التواريخ…

والمشهور ان اسرة كرمة دخلت حلب في عهد أُسقفية علمنا في القرن 17، وكانت تُعَّرَّفْ ب “بيت ثلجة النساخ”، وقد غلب عليها بعد ذلك لقب “الحموي” مجرداً عن “كرمة” تمييزاً لها عن بيت “الصائغ الحموي”،( ويقول المؤرخ عيسى المعلوف انه ربما كان من انسباء هذه العائلة الخوري نصر الله ابن الخوري عازار كرمه المسمى نيكوفورس وهو أحد الرهبان الحلبيين الذين تركوا دير سيدة البلمند بعدما كان قد انتظم في رهبنته 1697 ورُسم كاهناً في البلمند السنة 1710، والتحق مع الرهبان الحلبيين الذين اسسوا دير يوحنا الصابغ قرب الشويروكانوا نواة الكثلكة في الكرسي الأنطاكي، حيث ترأس الخوري المذكور دير مار يوحنا الشير السنة 1720 وصار رئيساً عاماً على رهبنته الى سنة 1727، فصار مدبراً ثانياً وتوفي في دير النبي اشعيا قرب برمانا بجبل لبنان في 1آب السنة 1729 عن 51 سنة …)

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المق

أما فرع اسرة كرمة الذي ذهب الى مالطة، فاشتهر منه سلفاتوري كرمة الذي هجر والداه مالطة، فجاء أحدهم بسلالته الى بلاد مابين النهرين، وصاروا سرياناً ومنهم نشأ غريغوريوس عمانوئيل كرمة مطران الموصل على السريان الذي تسقف السنة 1833…وجاء ثاني اولاد سلفاتوري كرمة الى مصر وانشأ سلالة منها انطون الذي نزح الى عكا، ودخل في خدمة واليها احمد باشا الجزار، وكذلك اخوته دخلوا في خدمة الحكومة المصرية ولا تزال بقية من العائلة في مصر وهي من الأسر الراقية…

السيرة الذاتية

ولد البطريرك افتيموس كرمة من والده الخوري حوران كرمة وامه سعادات في مدينة حماه في حماه السنة 7080 لخلق العالم الموافق ل1572 مسيحية واشتغل مع شقيقه ثلجة بنسخ الكتب، ولم يطل عليه الوقت حتى مني بفقد والده الخوري حوران، إذ قتله اللصوص وهو عائد من مدينة طرابلس الى حماه في مكان يقال له الجرن الأسود، فتربى مع شقيقه يتيماً بكنف والدته مطيعاً لها وباراً بها، واقتبس الخط وبعض مببادىءالقراءة والعلوم في بلدته، ولما ذاق طعم الحزن صغيراً أنف من هذه الدنيا ومباهجها وشعر بمتاعبها، ولما شب عن الطوق حتى نزعت نفسه الى التنسك والانقطاع الى الرهبنة، ولما لم يكن في سورية وقتئذ أدياراً شهيرة فشخص الى القدس، وتبرك بزيارة كنيسة القيامة والقبر المقدس وبقية الأماكن المقدسة، ثم دخل الى دير القديس سابا في وادي الغور مع مواطنه ورفيقه برلام الناسك المشهور بتقواه وكان قد توفي لاحقاً في دير القديس سابا في رومانية.

لما شاهد علمنا مناسك هذا الدير وما تبعث في النفس من الخشوع وَطَّن النفس على الاعتزال فيه، فسار فيه سيرة المتوحدين منقطعاً الى التعبد…. والمطالعة والنسخ، فحصل على قدر من العلم واتقن اليونانية والعربية، مع المام بالسريانة فتقوى بها، وانكب على مراجعة مكتبة الدير التي كانت في عهده من أغنى المكتبات الشرقية فعثر على الكثير من المخطوطات النفيسة باللغات التي اتقنها فتضلع بما تحويه واتقن اللغات الشرقية وتمكن من آدابها.

لفت انتباه رئيس الدير فلابيوس لفضائله وعلمه فألبسه الثوب الرهباني وسماه افتيموس، وبقي هناك نحو سنتين مثابراً على النسك والفضيلة في خلوة الوحدة والسكوت فذاع شهرة بفصاحته وتقواه وعلومه وعظاته، وكان مواطنوه الحمويون قد عرفوا خصاله هذه مازادهم تعلقاً به فطلبوه ليكون عندهم للاستفادة منه ومن علومه…

لبى افتيموس دعوة الحمويين ووعظهم وعلم اولادهم فاكتسب محبتهم و محبة اسقفهم سمعان (3) (سيماون) الذي تعلق بمحبته، ورسمه شماساً ولم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره وكان ذلك 1601 فازداد غيرة واجتهاداً وفضيلة…

وهكذا قام علمنا بخدمة معلمه المطران سيماون ومواطنيه احسن قيام، فازدادوا به تعلقاً وعلقوا عليه آمالاً كثيرة، فكان ينمو في الروح نموه في الجسد فرقاه معلمه سيماون الى درجة الكهنوت المقدسة، فخدم رعيته بكل اخلاص، اذ كان للمرضى معزياً، وللفقراء مؤاسياً، وللغرباء مؤازراً، وذاع صيته، وصار قدوة للكل في اعماله الرعوية، وبالتالي كان مثابراً للمطالعة والنسخ والاستعداد لتعريب بعض الكتب النافعة لرعيته، حريصاً على حفظ الكتب واقتناء نفائسها….

ومما خدم به مدينته حماه، ان كان على رعيته اموال ضريبية كثيرة على( ضريبة الرؤوس) في دفتر الجوالي(4)، فثقل ذلك كاهل المسيحيين وتذمروا وضويقوا فذهب من فوره الى مدينة حلب، وقابل الوزير العثماني الذي كان قدم اليها لقضاء فصل الشتاء ثم يسير لمحاربة الفرس فنال لديه منزلة، وتوفق الى انزال الاسماء النازحة اصحابها من حماة من الدفتر السلطاني ورفع عبء هذه الأموال عن كاهل مواطنيه.

وفي اثناء المدة القصيرة التي وُجد بها في حلب أحبه سكانها كثيراً لأن شهرته كانت قد سبقته اليهم فلما رأوه متجملاً بالدين والعلم والأدب طلبوا ان يقيم بينهم مدة مستأذنين اسقفه بذلك، فأذن له.

في حلب كان يعظ المسيحيين ويرشدهم بأقواله المؤثرة وأعماله الصالحة وهو ينمو بالمقدرة العلمية والمعرفية، بعدما نهل من معين مكتبات حلب الزاخرة بها من مخطوطات لا تقدر بثمن… في الروحانيات والاسلاميات واللغويات وخاصة بالآداب العربية…

فيها رأى معربات الشماس المعرب عبد بن الفضل الأنطاكي وبلاغتها العربية وضَبَّطَها، وشعر بحاجة الكنيسة الى تعريب الكثير من الكتب الروحية، وخاصة المعربة سابقاً ولضرورة ضبط تعريبها وفق الأصول… فاستقدم اخاه ثلجة لينسخ له بيده المخطوطات التي رآها نافعة لأبناء الايمان المسيحي. واستعان ببعض الحلبيين للنسخ وكان يدربهم على اللغتين العربية واليونانية.

تأسيس مكتبة

اسس مكتبة نفيسة في حلب(5) على بقايا المكتبة التي اسسها المطران غريغوريوس الحلبي ابن فضيل (6) ومن جاء بعده.

ونرى بهذا الجهاد الذي قام به علمنا سعياً لفائدة الكنيسة وتعزيز مكانتها علمياً وأدبياً بحماسة منقطعة النظير…

االكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

لم يكن لمدينة حلب اسقف بعد وفاة اسقفها مكاريوس بن خلف الملقب بالصاجاتي في القسطنطينية، وقد خلف غريغوريوس بن فضيل المحكي عنه…

وكانت وفاة مكاريوس في القسطنطينية كما أرخ الاستاذ عيسى المعلوف:” انه كان موفداً من البطريرك الأنطاكي يواكيم بن زيادة الأنطاكي بدعوى لرجل دمشقي من بيت ابي كباب الذي ادى انه اسقف طرابلس وقد ذهب الى جمش كزك(7) اسقفاً كاذباً زعم ان البطريرك ارسله لجمع العشور(النورية) فجمع منهم مالاً كثيراً وشرطن لهم كهنة وشمامسة، فاستقدمه اليه بطريرك القسطنطينية بحضور اسقف حلب الموما اليه، فمرق من دينه، فاغتاظ اسقف حلب مكاريوس، واغتم من جراء ذلك فمرض ومات حزناً.

فلما زار البطريرك الأنطاكي يواكيم بن زيادة حلب السنة 1597، اراد انتخاب اسقف لها بدل مكاريوس المتوفي فاختلف الحلبيون لأن بعضهم اراد الخوري عبد الله الحلبي الملقب بوخوميوس والآخرون رفضوه، فلما لم يستطع التوفيق بين الفريقين تركهم بدون اسقف، وذهب الى وادي النصارى. وفي تطوافه الرعائي هناك تضرع اليه الشيخ منصور ابن اخت سمعان اسقف مرمنيتا(8) (مرمريتا) أن يوكل اليه وكالة أُسقفية حلب ليستعين بها على وفاء دينه الذي كان قد غرمه به والي طرابلس يوسف باشا ابن سيفا.

فوكل اليه البطريرك وكالة اسقفية حلب مع ابقائه اسقفاً قانونياً على منطقته…

أقام في حلب سبع سنوات، وكان الحلبيون ينتهزون الفرص، ليتوفقوا باسقف جدير برئاسة ابرشية حلب…

فأجمعوا الرأي على انتخاب علمنا افتيميوس كرمة، وللحال ذهبوا به الى دمشق بموكب حافل، فرسمه البطريرك اثناسيوس بن الدباس يوم الخميس في 12 شباط سنة 7120 لآدم (1612م) وسماه ملا تيوس باسم قديس ذلك اليوم.

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

عاد المطران ملاتيوس كرمة من دمشق الى حلب بموكب نادر ومشهود، وأخذ يزرع بذور الفضيلة والدين والعلم والأدب والعلم في القلوب، حتى سَطَع نجمه لذلك الكنز الذي يحمله…ما انعكس على ازدياد المسيحيين وقد وفدوا من ضواحيها مع الكثير من النازحين عنها…

مما عني به انه قيَّد في سجل خاص من سجلات المطرانية أسماء الفقراء والعميان والمقعدين والأرامل والأيتام وغيرهم من المنكوبين من ابناء رعيته، ورتب لهم في كل يوم أحد وعيد صدقة يوزّعها عليهم وكيل مفوض من قبله بذلك، وهي عبارة عن نقود، وطعام، ولباس متفقداً مرضاهم، وأقام وكيلاً آخر للغرباء يستأجر لهم المساكن التي تؤويهم، ويقوم بتلبية احتياجاتهم على مدار العام…

وشرعَ في تزويج الفتيات والشبان في السن الشائعة وقتئذ، وأبطل المهر الذي كان يتوجب على الشباب تقديمه بائنة للزواج الى البنات ( وفقاً للعادات الاسلامية وكانت دارجة في كل الأبرشيات)… وألغى عوائد الأعراس كالعراضات، والغناء، والولائم وتناول المسكرات واللهو بهذه المناسبات…

ورتب إقامة الحفلات بالصلوات والمباركة في الكنائس، ومنع الناس من الاجتماع في البيوت، ونصح النساء أن يتركن التبرج، لأنه مخالف للآداب ومضر بالصحة ومبدد للمال، ونصح الرجال بعدم الاسراف على المآدب والاقتصار على الضروري منها. وان يوفروا كل يوم شيئاً منمداخيلهم لوفاء الرسوم والضرائب المفروضة من خراج ومصادرات تفرض عليهم ظلماً، ولقضاء حاجاتهم في حالة المرض المفاجىء، او المصائب ونحو ذلك، فكان يعظ بذلك في الكنائس والمناسبات الروحية والأعياد، ويوزع على رعيته التنبيهات بمناشير مخطوطة للحد من هذه السلوكيات والعادات الخاطئة المتفشية، فنجح بتخفيفها ثم بابطالها…

وشرع في ترميم الكنيسة وتزيينها حتى صارت من أجمل كنائس عصره، و بنى داراً بديعة للبطريركية (9) واقتنى مكتبة نفيسة فيها، وقام بتأهيل الكهنة وتدريبهم على إقامة الطقوس الروحية، وحسن التعامل مع الرعايا ممثلاً لهم ذلك بنفسه وحسن سيرته وتواضعه ممتنعاً عن حضور الولائم وشرب المسكرات… منقطعاً الى الصلوات والدرس والتأليف والوعظ، فأفاد رعيته بذلك وهذبهم على مبادىء الايمان القويم، كثيراً ما كان يقول علناً:” نحن انما نفعنا وفائدتنا من الذين يشتموننا ويسبوننا لكن اولئك الويل لهم.”

اعتنى بتزويج البنات الفقيرات واليتيمات بشبان مناسبين في العمر والمنزلة متعهداً الأرامل بالاسعاف وسترهن بتزويجهن ان امكن ووضع اولادهن الذكور في الحرف والمهن عند ارباب الصنائع المسيحيين لتخريجهم، والاناث عند العائلات المسيحية المنتمية كنسياً لتثقيفهن وتعويدهن العمل البيتي، ثم يعتني بالجميع بعد البلوغ، ويسعى بنجاحهم وتربية اولادهم بعد الزواج الى غير ذلك من الأعمال الاجتماعية الفاضلة والرعوية…

ومن كل ماذكرنا نلاحظ، ان علمنا كان اباً للفقير واليتيم والأرملة والمسكين وارباب العاهات…

حتى ان كثيرين من الذين سمعوا بسيرته الفاضلة ومآثره تركواأوطانهم، وجاؤوا حلب للتمتع بفضائله وببركاته، ويتعظوا بأقواله، فكانت الكنيسة تغص بهم في الآحاد والأعياد، وكانت عظاته تلين الجماد وتستميل القلوب القاسية الى عمل الرحمة، وتحفز الشاردين للعودة الى حضن الكنيسة وممارسة الفضيلة، وكان يحث الجميع على العمل واكتساب عيشهم بعرق جبينهم، ويمتهنوا الحرف والصناعات المفيدة…

ولقد أطال في وصف فضائله وخصاله تلميذه البطريرك مكاريوس بن الزعيم بترجمته المطولة عنه، وكذلك فعل ابنه الارشيدياكون بولس بن الزعيم في كتاب رحلة والده البطريرك مكاريوس ابن الزعيم الى روسية واوربة قائلاً:” إن المسيحيين كثروا على عهده بحلب بعد ان كانت قد خلت منهم (10) فشيد الدار الأسقفية ببناء متين، اما تلميذه الخوري ميخائيل بريك الدمشقي فألمع اليه إلماعاً في “تاريخ بطاركة انطاكية”

كان مثقفاً واسع المعرفة يجيب عن أية اسئلة باقتدار سواء كان شفهياً او خطياً ولم يكن ليضن بالجواب على أحد سواء من رعيته او غيرها…

كان عفيف النفس لايقبل هدية من أحد مهما كان مقرباً منه، الا اذا كان مهدوها يبغون توزيعها على الفقراء والبؤساء او الأوقاف فيقبلها ويسلمها الى القَّيِّمْ المكلف به ذلك…

وكانت اخلاقه نادرة في كمالها ومزاياه المسيحية السامية، فانه نمي اليه مرة في السنة الثالثة من أسقفيته ان البطريرك اثناسيوس ابن الدباس (1610 مسيحية) ذهب الى مدينة القسطنطينية ليشكوه الى البطريرك المسكوني تيموثاوس فلحقه على الأثر وصالحه هناك، وتعرف بالكثير من اعلامها، فأكرموه واحترموه جداً وبقي في ضيافتهم مكرماً ثلاثة اشهر، عاد بعدها الى ابرشيته حلب.

وفي ايام أسقفيته حدث الخلاف الشديد والمشهور في الكرسي الأنطاكي على أثر وفاة اثناسيوس بطريركها، فتمزقت شطرين احدهما دمشق ومايليها كانت تابعة للبطريرك اغناطيوس ابن عطية وكان اسقف صيدا، ونال البطريركية بمعاضدة الأمراء المعنيين في جبل لبنان، والثاني في طرابلس وتوابعها وكانت تابعة للبطريرك كيرلس ابن الدباس شقيق اثناسيوس المتوفي وكان قبلاً مطران حوران ثم أقامه الأمراء آل سيفا حكام طرابلس بطريركاً.(11)

اما مدينة حلب فكانت في معزل عن ولاية هذين البطريركيين المتنازعَّين، فلما قُتل ابن سيفا في طرابلس هرب كيرلس وجاء حلب فأقام فيها 42 يوماً، ولم يشارك اسقفها ملاتيوس (علمنا) في القداس الالهي ولا أقام قداساً، ثم مضى الى القسطنطينية وعاد بعدها الى حلب ليلة تذكار قطع رأس يوحنا المعمدان سنة 7132 للعالم اي 1624مسيحية فطلب من علمنا ان يقيم القداس الالهي معه فأبى فاختلفا واشتد الخلاف بينهما، كما ان علمنا لم يأذن له بالاقامة عنده في الدار البطريركية، لأنها لم تكن قد انجزت بعد، فحل ضيفاً على احد وجهاء الأرمن الحلبيين، ثم وضع يده على الكنيسة واستقدم سمعان مطران حماه وعازر مطران حمص، واغناطيوس مطران باياس، فقدسوا الفصح وعقدوا في اليوم الثاني مجمعاً(12)

وحضر بعد ذلك مصطفى باشا حاكم دمشق معزولاً وضبط حلب، وبواسطة أحد المقربين منه المعادين لملاتيوس، استقدم علمنا وطالبه بمال اثنتي عشرة سنة وهو قيمة اثني عشر الف غرش فتمنع عن دفعها فأشار الباشا بضربه فجلدوه ثمانين جلدة يوم الأربعاء نصف الخمسين، وحملوه في بساط بين ميت وحي الى قلعة حلب فسجنوه فيها اثني عشر يوماً بدون أن يذوق طعاماً أو شراباً لأنه أبى ذلك لشدة تأثره، فدفع الحلبيون نحو الفي غرش وأخرجوه من السجن ففرح الناس به بعد ان كان قد شاع بينهم أنه مات، فتأثروا اشد التأثير من حالته المؤلمة، وبقي في داره الأسقفية مريضاً ردحاً من الزمن والحلبيون يعودونه ويخففوا عنه، ثم اضطر ان يختفي في دار أحد مشايخ حلب مدة طويلة وخفي أمره حتى شاع الخبر انه هرب وسافر…

وكان مالقيه هذا قد آلم رعيته وأثر في نفوسهم فرثوا لمصابه، وتكبدوا خسائر فادحة لاجله بطيبة خاطر، وبقوا هكذا الى ان سافر الى القسطنطينية ثالث الفصح بمعونة بعض اعوانه الميسورين مالياً فتبعه بعد مدة كيرلس، وهناك ترافعا امام البطريرك كيرلس الاسكندري فظهرت براءة علمنا مما ادُّعي به عليه وثبت تحامل كيرلس الدباس عليه…

فجاء علمنا الى قبرص فطرابلس ووصل حلب يوم السبت العظيم سنة 1627م فاحتفل بقداس الفصح، وفرح به الشعب كثيراً فكان فصحهم بعودته مزدوجاً، ثم دعاه كيرلس من القسطنطينية الى حلب فوصلها في الثالث من تشرين الأول من هذه السنة، وفي السابع منه تحاكما امام القاضي والمتسلم واعيان المدينة فبواسطة بعض المفسدين المقَّربين من الحكومة وضعوا علمنا في في سجن القلعة وقبضوا على سبعة وعشرين رجلاً من الحلبيين بين كهنة وعلمانيين من مريديه وسجنوهم في حبس المتسلم لأن حاكم حلب اذ ذاك كان في محافظة مدينة الموصل، وبعد ثلاثة ايام خرجوا كلهم من السجن بعد أن غُّرموا بغرامات كبيرة، وكان كيرلس الدباس قد انحط قدره في عيون الناس لتحامله على الأبرياء، واقلاقه الراحة. فلما رأى الجميع يريدون قتله، وقد هَّمَّ بعضُهم بذلك فعلا،ً هرب ليلاً الى دمشق.

وكانت حالة الدمشقيين سيئة لما تغرموه من أجل كيرلس ابن الدباس هذا، لأنه كان دائماً يرسل اليهم ابن عمه جرجس الدباس بأمر ملكي وبجماعة من الجند ويكلفهم الغرامات الباهظة…

فلما جاء دمشق لم يعاندوه خوفاً من ابن عمه، وبقي هناك وكان الشعب الدمشقي مكرهاًعلى احتماله حتى عيد الفصح، وإذ ذاك أرسل الى الأمير فخر الدين المعني حاكم إمارة جبل لبنان، ملتمساً منه أن يرسل فيجمع كل رؤساء الكهنة الأنطاكيين ليعقدوا مجمعاً في أي محل أراد، فيحضر هو المجمع مع اغناطيوس، فمن اختاره المجمع المقدس من الاثنين يكون بطريركاً، ويأخذ المعزول منهما كرسي اسقفية يعتاش منها الى آخر عمره، وألح بذلك الطلب ولكنه اخيراً ندم على مافعل.

أما الأمير فخر الدين المشهور بحزمه فاستقدم من فوره جميع رؤساء الكهنة وبينهم ملاتيوس مطران حلب المترجم وعقدوا مجمعاً في دير السيدة في رأس بعلبك( 13)

أما كيرلس فندم كما مر ولم يحضر المجمع مع انه هو الذي طلب عقده فأوغر عمله هذا صدر الأمير فخر الدين حنقاً عليه فأرسل من استقدمه قسراً مكبلاً بالحديد بأمر حاكم المملكة ولما دنا من قرية الرأس اعلموا الأمير بمجيئه فلشدة تأثره منه فقال لهم لا تروني وجهه ولكن امضوا به الى بعيد واقتلوه فذهبوا به وقتلوه وطرحوه في عين الراهب او في بئر قلور قرب قرية الهرمل من مقاطعة الراس إذ ذاك حذاء منبع نهر العاصي، وقيل انه سجن فيها ومات على إثر ذلك سنة 1627.

وكان رؤساء هذا المجمع المكاني الذي انعقد في السنة 1628 قد ثبتوا البطريركية لأغناطيوس(ابن عطية)، باسم اغناطيوس الثالث قبل مجيء كيرلس الذي تخلف عن الحضور لأنهم استبطأوه، ثم انفض المجمع وعاد كلٌ من رؤساء الكهنة والكهنة والشمامسة الى مقره وثبت أغناطيوس الثالث بطريركاً انطاكياً ودبر الكرسي سبع سنوات.

وصار مطارنة ابرشيات الكرسي الأنطاكي يعلنون اسمه في القداس الالهي بطريركاً شرعياً. وهدأت القلاقل التي سببها كيرلس وعادت مياه الراحة الى مجاريها وأخذت الكنيسة الأنطاكية تستعيد مجدها.

أما علمنا ملاتيوس فعاد الى حلب ليلة عيد التجلي في 6 آب السنة 1629 وكان قد صبر صبر أيوب على ما لاقى من الاضطهادات وتكبد الخسائر والغرامات فاستقدم اليه والدته من حماه واسكنها بقربه مطيعاً كلامها بِّراً بها متعزياً في وجودها الى أن توفيت بشيبة صالحة.

وكان البطريرك أغناطيوس يقيم في بيروت وما يجاورها لأنه لم يستطع الدخول الى دمشق، فلما حاصرت الجيوش العثمانية الأمير فخر الدين المعني هرب سكان تلك الجهات ولكن مرقص مطران ابرشية صور وصيدا إذ ذاك حمل البطريرك اغناطيوس على الذهاب اليها ليحضر حفلة دفنه، ثم عاد الى بيروت متنكراً بزي جندي فقتله كمين من الدروز عند نهر الدامور غير عارفين من هو، وقيل عند خلده قرب الأوزاعي بظاهر بيروت فنقل جثمانه الى كنيسة الشويفات ودفنت باحتفال السنة 1635 فخلت السدة الأنطاكية من البطريرك…

( انتهى الجزء الأول)

حواشي الجزء الأول

(1) يقول كاتب سيرته العلامةعيسى اسكندر المعلوف، انه وقف في دمشق وحلب على كثير من الكتب التي نسخها الحمويون، منها: سيرة البطريرك الاسكندري يوحنا الرحوم تاليف لنيظيوس اسقف نابلس املاها عليه ايكونوموس الكنيسة عن حياة القديس يوحنا الرحوم وهي بخط جبرائيل بن قسطنطين الحموي في حلب سنة 1654 م برسم الشماس أرميا بن نقولا القاري، ومنها مواعظ دينية نسخها سنة 1701م ميخائيل الصائغ ابن الخوري حنا الحموي برسم القس يوسف بن عبد العزيز الملقب بخارطيش الدمشقي الأصل، ومن اشهرهم بنو لباد الحمويون النساخ المتفوقون. وقد اشتهر من الحمويين في دمشق بالنسخ آل صروف ومن مخطوطاتهم “بهجة المؤمن” لابن الفضل الأنطاكي بخط نقولا بن جرجس صروف السنة 1851مسيحية، و”كتاب البرهان” للبطريرك صفرونيوس الملقب “بفم المسيح” تعريب ابن الفضل المذكور نسخه حنا بن جرجس صروف سنة 1851م. و”كتاب البرهان” للبطريرك صفرونيوس الملقب ب “فم المسيح” تعريب ابن الفضل المذكور نسخه حنا بن جرجس صروف سنة 1834 ومنه نسخة أخرى في صيدنايا بخط ابراهيم بن حنا صروف سنة 1851م ونسخ في هذه السنة مختصر التواريخ الكنسية للخوري مسعد نشو الى غير ذلك.

(2) ثلجة: انظر سيرته وبعض مخطوطاته في آخر هذا البحث.

(3) سيماون هو المطران سمعان الحموي المعروف بابن القلا كما ذكر العلامة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم في تاريخ بطاركة أنطاكية المخطوط بيده رسمه البطريرك يواكيم ابن زيادة مطراناً على ابرشية حماه وخدم كرسيه اكثر من 40 سنة واشتهر بفضائله ومات في حماه.

(4) الجوالي جمع جالية ويريد بهم هنا الذين جلوا اي نزحوا عن حماه وسكنوا الجهات الأخرى فبقيت اسماؤهم مدونة في سجلات الحكومة التي كانت تتقاضى عنهم هذه الضرائب على الرؤوس وهم غائبون او متوفون، فرفع ملاتيوس عنهم هذه الضرائب.

(5) يقول المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف :” ظهر لي عند يارتي لحلب منذ ثلاث سنوات ان كتبتها الأسقفية الأرثوذكسية كانت غنية بالمخطوطات والمطبوعات العربية واليونانية ثم لعبت بها ايدي سبأ وتفرقت في بعض مكاتب( مكتبات) الخاصة راجع وصفي لمكاتب حلب (مكتبات) في السنة الثانية في مجلة النعمة 1911 وقد انتقلت بعض مخطوطات ثلجه اخيه الى ولاية بيروت والقدس وغيرها.

(6) رسم شماساً في عيد مولد السيدة في صيدنايا السنة 1539 وقساً في العنصرة المريمية بدمشق عيد رقاد السيدة السنة 1540 وتوفي بحماه السنة 1582 وله بعض المخطوطات والمعربات…

(7) روى البطريرك مكاريوس بن الزعيم في مخطوطه” أنه لما ذهب ثانية الى الكرج سنة 1666 مر في مدينة فلاطية وعاج بضواحي ارضروم ورأى في جمش كزك بعض الأرثوذكس مع انه كان فيها قبل ذلك ثمانية واربعون كاهناً ومسافة تلك الجهات كانت عشرين يوماً وكان سكانها الأرثوذكس بمقدار سكان انطاكية من حلب وكلس وطرابلس ومايليها فبقي لعهده منهم سبعمائة بيت فقط رسم لهم اسقفاً من بلادهم واعتنى بهم ولاهمال بطاركة انطاكية اياهم واشتغالهم بالمشاحنات عنهم قبلاً صار بعضهم ارمناً والآخرون نساطرة أو يعاقبة وغير ذلك وأكثرهم يعرفون الأرمنية والآخرون اليونانية. وذكر الخوري مخائيل بريك اسم جمش كزك وهكذا كمخ ولعلها تحريف الشطر الأول من الكلمة.

(8) وهكذا كانت تكتب هذه الكلمة في القديم واليوم تكتب مرمريتا بابدال النون راءً وهي من اسقفية الحصن من محافظة حمص.

(9) كانت الدار البطريركية في حلب في محلة(ابي عجور) وسميت البطريركية لكثرة اقامة البطاركة فيها ثم نُقلت الى محلها في حي الصليبية وعلى عتبة احد ابوابها السفلية نقشت هذه العبارة( بنى هذه الغرف الخوري اجناديوس داود الكلزي سنة 1825 بزمن المطران كيرلس) وفوقها في الطبقة العليا قاعة الى الشمال كتب على عتبتها( قد عمر هذا المكان بنفقة السيد فيلاريتوس رئيس اساقفة موسكا عن نفس كير جراسيموس وذلك في رئاسة السيد كيرلس مطران حلب سنة 1852م) وبصدر الديوان الى الجنوب ابيات من نظم شاعر حلب المرحوم فرنسيس مراش وهي:

هذي ديار البطريرك تجددت…………. وغدت لكل تقى وفضلٍ موضعا

بعد احتراق وقته وّلى فان…………… أُرخ قل وقت مضى لن يرجعا سنة 1850م

في عهد راعينا الموقرذي التقى…….. كيرللس تمت بخير قد سعى

فنقول حيث حوت بتاريخ ثنا………… الله اسسها فلن تتزعزعا

وبانيها المطران كيرللس توفي سنة 1861 ونقش على ضريحه تاريخ بقلم المراش سنة 1859م ولا يوجد في ديوانه المطبوع (مرآة الحسناء)

(10) قال الفارس دارفيو في رسالة خطية وفقاً لمجلة المشرق ان عدد الرثوذكس في حلب السنة 1675م كان 6000 والسريان 4000 والأرمن 5000 والموارنه 1500، وفي كتاب” تاريخ الكثلكة ” لميخائيل الصباغ ان الحلبيين كانوا نحو نصف ابرشية انطاكية بزمن البطريرك كيرلس بن الزعيم حفيد البطريرك مكاريوس مما يدل على ان علمنا مطران حلب ملاتيوس كرمة وخلفاءه ولا سيما البطريرك مكاريوس ابن الزعيم وحفيد البطريرك كيرلس أعادوا مجد الكرسي الأنطاكي المقدس بمساعيهم وغيرتهم واجتهادهم ، اما ابرشية حلب فقد اُلحقت بكرسي القسطنطينية كتدبير سنة نشوء الكثلكة عام 1724 بعهد البطريرك سلبسترس القبرصي لكثرة مشاكل شعبها مع البطريرك اليوناني سلبسترس المذكور ولكونها صارت قاعدة الكثلكة مع كل من زحلة وصيدا، وأُعيدت بزمن البطريرك الأنطاكي جراسيموس سنة 1885.

(11) كان اثناسيوس بن الدباس قد كتب على نفسه حجة قبل رسامته بطريركاً ان يدفع جميع خراج الجوالي المتأخر على الدمشقيين فانتخبوه بطريركاً سنة 1610، وكان وقتئذ مطراناً لأبرشية بصرى حوران وجبل العرب، ثم نكث بوعده فحاكموه امام الباشا وقاضي المدينة وسجن في سجن قلعة دمشق، وهموا بعزله، ثم انتدبوا اغناطيوس ابن عطية مطران ابرية صور وصيدا خلفاً له وهذا كان من بلدة كفر بهم في ابرشية حماة كاتباً عند الأمير المعني فخر الدين فذهبوا به الى القسطنطينية فرسمه بطريركها تيموثاوس بطريركاً انطاكياً السنة 1617 والبعض يقول في 1619 وعاد الى دمشق، اما اثناسيوس بن الدباس فقد افتدى نفسه بمال كثير وخرج من سجن القلعة بدمشق ومضى الى طرابلس حيث آل سيفا أصدقائه واعوانه، وتوفي فيها بعد سبع سنوات من بطريركيته ودفن في دير سيدة كفتين، وكان شقيقه كيرلس قد خلفه في مطرانية بصرى حوران، وقد سعى الى البطريركية لنفسه بواسطة الحاج سليمان اليازجي كاخية ىل سيقا حكام طرابلس رغماً عن كل من سمعان مطران حماه وعازر مطران حمص وديونيسيوس مطران الحصن في قرية اميون في الكورة نحو السنة 1618 او 1619 وأقام في طرابلس ونازع اغناطيوس عطية واشتد الخلاف بينهما وتكبدت الرعية غرامات ومصاريف كثيرة جراء هذا الخلاف، فأرسل كيرلس ابن عمه جرجس الى بطريرك القسطنطينية كيرلس وشكا اليه الأمر فكتب كيرلس الى الدمشقيين يلومهم على ذلك فلم تؤثر كتاباته ولا أصلح ذات البين فبقي الاضطراب سائداً حتى ضعضع الرعية وبدد شملها الى ان مات البطريركان واسندت البطريركية الى افتيموس علمنا فسعى في استعادة مجد الرعية ولم شملها واصلح شؤونها ولكن الكرسي البطريركي الأنطاكي كان قد أُثقل بالديون من جراء ذلك فاعجلته المنية بعد رسامته بطريركاً وهو يسعى في وفاء الديون وترقية الكرسي البطريركي…

(12) انقسم الشعب الدمشقي الى قسمين ومعظمهم مع اسقفنا والقلة مع كيرلس وملاتيوس كان لايشارك كيرلس في اقامة القداديس الالهية في الأحاد والأعياد بل كان يقيمها بمفرده ، أما كيرلس فقد أقام مأدبة دعا اليها بطريركي الأرمن والسريان نزيلي حلب وقتئذ، وأعيان ووجهاء المسلمين وأكبر الافرنج فاستقدموا علمنا وحاولوا اقناعه بمشاركة كيرلس في الخدم الالهية فابى لعد رضى مريديه الذين آزروه كثيراً .

(13) كان عدد المطارنة الذين اجتمعوا في هذا المجمع وهم: علمنا ملاتيوس، واغناطيوس مطران كيليكية وسمعان مطران حماة ويواكيم مطران طرابلس ونيقولاوس مطران حوران ومكاريوس مطران صور وصيدا وابيفانيوس بعلبك وهو جد آل المطران الحاليين فيها ويواكيم اسقف الزبداني ويواصف اسقف قارة وكان ذلك سنة 16 27، فوضعوا عشرين قانوناً عرف بمجمع الراس المكاني… ويقول الارشيدياكون بولس ان سجلات هذا المجمع وسواه كانت موجودة في الدار البطريركية ومحفوظة تحت يده ولكنها ليست موجودة…الآن…

أضف تعليقاً