الخوري الشهيد سليمان سويدان

مولده ونشأته

ولد في عام 1887 في بلدة الحصن، مركز متصرفية عجلون ( الأردن حالياً) وكانت وقتئذ تابعة لأبرشية بصرى حوران وجبل العرب من والدين ارثوذكسيين تقيين، والده المرحوم ناصر سويدان محاسب المتصرفية آنذاك وهو ثالث الإخوة الأربعة في العائلة. وكانت العائلة ممارسة لايمانها الأرثوذكسي من صلاة في كنيسة البلدة وعدم الانقطاع عن الصوم باستمرار، فنشأ في هذا الوسط الايماني الحار.

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

دراسته

في سن السابعة من عمره، تشاء القدرة الالهية ان يتوفى والداه فأُرسل مع أخيه الأصغر الى مدرسة الناصرة (دار المعلمين) التي كانت من مدارس البعثة الروسية الأرثوذكسية، تُشرف عليها الجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية وتؤهل تلامذتها ليصبحوا معلمين في مدارس الجمعية التي كانت منتشرة في بلاد الشام في دائرة الكرسيين الأنطاكي والأورشليمي لتحصين ابناء الرعية الأرثوذكسية من اقتناصهم من قبل البعثات التبشيرية الرهبانية الغربية والبروتستانتية.

في أثناء دراسته في مدرسة الناصرة مع أخيه الأصغر، سافر أخواه الكبيران الى أميركا الشمالية طلباً للرزق، ثم ما لبث شقيقه الأصغرأن تبعهما قبل إنقضاء سنة على سفرهما، وهو بعد حدث، فبقي ست سنوات وحيداً دون أن يترك المدرسة خلالها لا صيفاً ولا شتاء فانعكس ذلك على دراسته تفوقاً ملحوظاً بين زملائه.

كان المتخرجون من دار المعلمين التي في الناصرة والمتخرجات من دار المعلمات في بيت جالا في فلسطين، يُوزعون على مدارس الجمعية الروسية للتعليم فيها باستثناء الأول المتفوق فقد كانت الجمعية توفده على نفقتها الى روسيا للدراسة في معهد(سيمنار) من معاهدها العليا في الأمبراطورية الروسية، وكان علمنا الفتى سليمان هو المتفوق بين أقرانه في هذه الدورة، وأرسل الى بولتافا في او كرانيا الى ذات المدرسة التي تخرج منها المفكر والأديب ميخائيل نعيمة.

دراساته العليا في روسيا

في أواخر عام 1900 سافر سليمان بحراً الى روسيا عن طريق بيروت، قاصداً اوديسا على البحر الأسود، وكان عمره حوالي 14 عاماً، واستمرت الرحلة عشرين يوماً، عانى خلالها الخوف والقلق وشظف العيش بالنسبة الى فتى في عمره.

كانت فترة الدراسة في هذا السيمنار ست سنوات، اربع منها لدراسة اللغة الروسية والعلوم الزمنية العامة بما فيها التصوير الأيقونوغرافي والموسيقى الكنسية، وكانت السنتان الأخيرتان مخصصتان لدراسة العقائد والطقوس الكنسية الأرثوذكسية، إذ كان هذا السيمنار(وغيره) مخصصاً لتعليم أبناء الكهنة حتى إذا اختار أحدهم اعتناق الكهنوت كان مؤهلاً ليقوم بهذه الخدمة حسب الأصول الكنسية متمتعاً بالعلوم اللاهوتية العالية.

في وجوده هناك لم يصادف أية عقبة تذكر، أولاً لأنه لم يكن يفكر بالعائلة بسبب وفاة الأهل. ثانياً لأن اخوته في أميركا كانوا على اتصال دائم معه.

تعَّود شظف العيش في السيمنار، وحياة الكفاف وعدم التبذير على غير بخل وتقتير، كما تعود لباس بزة الجوخ السوداء شبه العسكرية ذات صفي الأزرار الصفراء، وعليها النسر الروسي ذو الرأسين. أما فيما يتعلق بواجباته الدراسية فقد كان دوماً في طليعة أقرانه وقد بَّزَّ حتى الروسيين في قواعد اللغة الروسية واسلوب كتابتها فأصبح يتقنها كما يتقن العربية قراءة وكتابة وخطابة. وقد تعلم التحدث باللغة العثمانية ايضاً لتزامله في المدرسة مع طلاب أتراك فتبادلوا التفاهم بللغة التركية التي كانت تكتب بالأحرف العربية، وباللغة العربية، كما تعلم في المدرسة مبادىء اللغة اليونانية.

عاد من روسيا السنة 1906 حائزاً شهادة عليا تشابه دار المعلمين في يومنا متقناً اللغة الروسية، وملماً بلغتين إضافيتين: اليونانية ووالعثمانية وقد تحسنت لغته التركية بعد عودته نظراً لإقامته في دمشق عاصمة الولاية العثمانية.

عودته الى دمشق

في دمشق بموجب شهادته اللاهوتية العالية، المدعومة ايضاً بتوصية خاصة من السيمنار الى القنصلية الروسية فيها، لقي علمُنا عوناً من قنصل روسيا في دمشق المرحوم يوسف بك السبع، فعُّيِّن مدرساً في مدارس الجمعية في قرى ريف دمشق قضاء وادي العجم ( صحنايا – جديدة عرطوز- قطنا – قلعة جندل – حينة – وعرنة) ولم تمض سنتان حتى رُقِّيَّ إلى مفتشر على كل مدارس الجمعية الأمبراطورية الروسية في كل أرجاء ولاية دمشق.

فكان يتجول على ظهر الحصان، ويعتمر الكوفيه والعقال المقصب والعباءة البيضاء خلال تجواله، وكان يتمتع بهواية الصيد، وقد مارسها في فراغات عمله التعليمي والتربوي ثم التفتيشي… في هذه الرقعة الجغرافية الكبيرة

وقد حاز محبة واكتسب احتراماً شديداً في عمله هذا من ادارة الجمعية الأمبراطورية لاخلاصه المتميز من جهة، ومن العاملين تحت اشرافه حيث كان لهم القدوة…

عندما قامت الثورة الشيوعية في روسيا في تشرين الثاني 1917 وسقطت الأمبراطورية الروسية الداعمة للجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الأرثوذكسية الروسية، و ومساعيها الدؤوبة بغيرة ارثوذكسية مشهودة لنشر مدارسها في كل ابرشيات الكرسيين الأنطاكي والمقدسي…انحلت اواستترت هذه الجمعية خاصة بعد خروج الروس البيض خارج الحدود… وآلت مدارسها الكائنة في رقعة الكرسي الأنطاكي الى حوزة بطريركية انطاكية ومطارنة ابرشياتها، لذا تحولت المدرسة في راشيا الى مدرسة للكنيسة وعينوه فيها معلماً يعيش من مساهمة التلاميذ…

كهنوته

البطريرك غريغوريوس حداد
البطريرك غريغوريوس حدا

في عام 1916 تزوج من ابنة مختار راشيا سليم، ورزق منها ثلاثة اولاد (بنت وصبيان) وعمل بأعمال شتى لم تكن تكفيه لتأمين حق اسرته في حياة كريمة وكان من هذه الأعمال التدريس، واستمر بعمله على هذه الأحوال حتى كان عام 1927 حيث استدعاه متروبوليت زحلة نيفن (سابا)، وعرض عليه التعليم في مدرستها ودخول سلك الكهنوت فيها وبنفس الوقت استدعاه مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع الى دمشق، ورسمه كاهناً في حزيران 1927 للكاتدرائية المريمية التي كان يخدمها كاهن وحيد هو المرحوم الخوري جريس منصور واصله من بلدة عربين، وهو عم والد متروبوليت سان باولو وسائر البرازيل دامسكينوس (منصور).

وبذلك تم له ما أراد إذ أدخل أولاده في المدرسة التجهيزية الأرثوذكسية الدمشقية (الآسية)، وأقام مع العائلة في منزل بسيط، وكان ذلك على نفقة البطريركية، لكن هذه الحال تغيرت بوفاة البطريرك غريغوريوس العام 1928، وما تلاها من اشكالية اقضت مضجع الكرسي الأنطاكي برمته عموماً، ودمشق خصوصاً بين السيدين الكسندروس مطران طرابلس وارسانيوس مطران اللاذقية بالتنازع على منصب البطريركية، في ما سمي (الأزمة البطريركية) التي استمرت الى عام 1931 حيث تم الاعتراف ببطريركية السيد الكسندروس اولاً (من قبل لجنة تم تشكيلها من البطريرك المسكوني وتمثلت فيها البطريركيات الأرثوذكسية الثلاث المسكونية والاسكندرية والأورشليمية، وفي حال وفاته يتولى السيد ارسانيوس المنصب وقد اعترفت ايضاً بحقه في لقب بطريرك)…

البطريرك-ألكسندروس-االثالث-
البطريرك-ألكسندروس-االثالث-

كان علمنا خلال هذه الأزمة ونتيجة لفقره كان يقتطع من قوت يومه ليسدد اقساط المدرسة عن اولاده، واجرة المسكن، و ولو ان عمدة المدرسة كانت تخفض بعضاً من قيمة هذه الأقساط…

الخوري سليمان معلماً

في عام 1935 كلفه مثلث الرحمات البطريرك الكسندروس بتدريس مادة التربية المسيحية في الآسية، وللصفوف العليا فقط، لاسيما وانه كان ينتقد اسلوب التدريس لهذه المادة في المدرسة الأرثوذكسية وله تحفظات شديدة…

وفي عام 1939 قامت الحرب العالمية الثانية، وكانت لها آثار سلبية على الحياة في سورية عموماً وعلى معيشة الكهنة خصوصاً، إذ تدنى مدخول البطرشيل فاضطر علمنا إلى إخراج اولاده الثلاثة من المدرسة، وتوجيههم للسعي وراء لقمة العيش، ولما تحقق له ذلك حوّل اهتماماته الى مساعدة المحتاجين، وصار يحيل التقدمات التي كانت ترده إلى أفراد من رعيته من الذين ضاقت حالهم بالرغم من ضيق ذات يده.

وكانت زياراته الرعائية متواصلة لأسر رعيته رغم إتساع مجال ورقعة سكنها ، وكان يتنقل على قدميه، ولا يتطلب وسيلة نقل من أحد ممن يدعونه لخدمة روحية، ولا نبالغ إن قلنا أنه كان يمشي يومياً عشرات الكيلومترات ليتمم هذه الخدمات، وكان يفاخر بذلك، ويؤمن بان الله يمنحه القوة ليخدم الآخرين وقد اختاره الله اصلاً لهذه الخدمة لهذا القطيع، فما تذمر يوماً، ولا تلكأ عن السعي وراء المساعدات وبالأخص في تأمين الدواء للمرضى، لأن الأدوية صارت نادرة وغالية جداً بسبب خطر النقل البحري وتعذره غالباً نتيجة الحصار البحري الذي فرضه المتحاربون ودفع الشرق الأوسط ثمنه في حرب لاناقة لهم فيها ولا جمل، وبالتالي توقف الاستيراد. ويوم وفاته كان يتجه الى المستشفى الطبي الجراحي ليقوم بتأمين دواء لمريضة من رعاياه تقطن في محيط المستشفى.

وفاته او لنقل استشهاده

حصلت واقعة الوفاة، او الاستشهاد، في تمام الساعة 8,30 ليلاً من يوم الأربعاء 3/4/1946عندما كان يقطع شارع بغداد متجهاً الى المستشفى الطبي الجراحي لتأمين الدواء لمريضة من رعاياه كما اسلفنا، فدهسته سيارة مسرعة، وكان الشارع مظلماً جراء إطفاء الأنوار بسبب الحرب، ولكن الكثيرين من معارفه شهدوا بأن دهسه كان مفتعلاً، ومن متعصب ذميم، وقد جرى التعتيم وقتئذ على هذه الجريمة، وسُجلت ضد مجهول.

وفي الساعة الثالثة من بعد ظهر الخميس 4/4/1946 صُليَّ على جثمانه الطاهر في كنيسته ( الكاتدرائية المريمية) حيث رئس صلاة الجنازة مثلث الرحمات البطريرك الكسندروس الثالث وعاونه لفيف الاكليروس البطريركي، بحضور ايماني كثيف، وأبنه البطريرك بكلمة مؤثرة جداً، عدد فيها مناقبه ككاهن لله العلي، وعند الانتهاء من الصلاة توالى الرثاة في رثائه، وكان آخرهم المرحوم الشاعر فخري البارودي الذي وصفه ب “كاهن الله العلي” حيث قال:” انه والجميع يبكونه…”

الخاتمة

عاش علمنا (ومن خلال ماظهر من هذه السيرة المقتضبة التي خطها ولده واهداني اياها السنة 1993 وضممتها الى دائرة الوثائق البطريركية وقتئذ كوثيقة بطريركية واستفدت منها في كتابة هذا المقال) عاش مجاهداً منذ طفوليته وحتى وفاته، وقد خدم كنيسته بكل أمانة، وحمل صليبه وتبع الرب يسوع بأمانة كاهن الله العلي كما وصفوه، ونال الشهادة، وهو يسعى لخدمة مريضة، قضى بالرغم من كل ذلك وجيبه خاوٍ، ويكفي أن تركته كانت عندما قامت لجنة (شكلها غبطة البطريرك وقتئذ على جاري العادة عند وفاة أحد الكهنة لحصر تركته) وكانت مكونة من اربعة اشخاص بجردها فقط 120 قرشاً سورياً.

فحقاً كان الخوري سليمان، الشهيد في الكهنة، حقيقة كما وصفه عارفوه ” كاهن الله العلي”

مصادر البحث

مخطوط سيرته الذاتية بخط ولده…

الوثائق البطريركية/ مجموعة وثائق دمشق.

شهادات شفهية من معاصريه…


أضف تعليقاً