وقضت شهيدة الحب…

وقضت شهيدة الحب…

في مهرجان للشعر قال الشاعر في قصيدته الجديدة:”عشرين ألف امرأة أحببت… عشرين الف مرأة جربت… صفق له ملايين الرجال والنساء…!

في اليوم التالي نشرت كافة الصحف والدوريات قصيدته، وأذاعتها الاذاعات وتناقلتها وكالات الأنباء المحلية والأجنبية، وسُجلت على اشرطة التسجيل…بصوته…

وتنافست دور النشر للحصول على امتياز طبعها بمبالغ مغرية…

الجميع دهشوا وقالوا ما اشد جرأة هذا الشاعر… رائع هو هذا الشاعر… رائعة هي جرأته… كم نحن بحاجة الى أمثاله في هكذا زمن يكثرفيه الخانعون… الخائفون… المرتاعون…

الكل ادعى قرابته، وصداقته…!

المثقفون قالوا هو واحد منا وينطق بضمائرنا، والحكام اشادوا بديمقراطيتهم التي جعلته يفوح بكل هذه الجرأة “هذه ديمقراطيتنا”… حتى النسوراعتبروه واحداً منهم يحلق حراً في عنان السماء…

حتى النسوة المسنات والعجائز برروا فعله الذي اعلنه باستباحة النساء…بقولهن المثل الشعبي:” الرجل اذا زنى كالقصر اذا بنى…”

مجرد امرأة صبية تجرأت وهمست من تحت خباء خيمتها:” أنا لا اريد الزواج من هذا الرجل الذي اختاروه لي… لأن قلبي اختار غيره ومن حقي ان احبه…” وأشارت بإصبعها نحوه…!

للحال تلبدت الأجواء واكفهرت واستنفر كل شيء حولها استنكاراً، حتى عصافير الغابة الوادعة ووحوشها الضارية… وأرعدت السماء ببرقها ورعدها، وانفلتت العاصفة الهوجاء من عقالها وباتت كالاعصار تدمر كل شيء في طريقها…

قرر الحاكم بأمره القضاء على الفسق بقتل المرأة العاشقة، وحمل السياف سيفه ليقطع رأس الفتنة، وقال بعد ان تزود ببركات اسياد الخيمة: ” الا لعنة الله على الغانيات جميعاً “، ودعى الأطفال والرجال لرجم المرأة بعد أن أُطلق عليها لقب الزانية…

وُجهت دعوات مستعجلة لمجالس التعاون السلطوي للتنسيق فيما بينها للقضاء على هذه الظاهرة الخطير، وخنقها في مهدها قبل ان يتطاير شررها…ويعم… وتكون المصيبة الثانية شراً من الأولى…

بعد لحظة خرست كل النساء الا واحدة أعلنت عن نفسها متحدثة باسمهن، وقالت بعد ان قدمت اوراق اعتمادها ممهورة بتوقيع الحاكم بأمره الآمر الناهي:” إن هذه المرأة ليست من نسائنا، وهي لا تمت بصلة الينا ولا الى اعرافنا وأصالتنا، ولا الى تقاليدنا الشريفة … هي دسيسة على أخلاقنا، متآمرة مع الاستعمار، وأعداء الله والوطن لزرع الفتنة وتقسيم قوى الشعب المؤمن، هي مدمرة للأخلاق التي رُبينا عليها…”

واستطردت بقولها: ” يا أخواتي… المرأة في بلادنا لاتعرف الا الحب المنسجم مع أعراف القبيلة، وإن الحب شعور مقدس مصان تحميه القوانين والأنظمة الاجتماعية إذا كان للزوج المبارك والعشيرة والأخ والوالد والولد…”

مطت النسوة شفافهن، وأخذن يثرثرن في دوائر مغلقة حول حق المرأة في الحب عموماً، وفي اختيار الشريك خصوصاً، إلا ان الرجال باتوا ينتظرون بخبث امرأة واحدة تفوح منها رائحة تلك القصيدة…

وقُتلت المرأة رجماً…والجميع منتشون …

مقتبسة بتصرف من “تداعيات امرأة”


أضف تعليقاً