تأمل في دخول السيد الى الهيكل…

تأمل في دخول السيد الى الهيكل…

نشأة عيد الدخول وروحانيته

يُعرف هذا العيد بتسميات متعددة، نحن الأرثوذكس واخوتنا الموارنة والأقباط وكنائس اخرى ندعوه”عيد الدخول” ويعرف باليونانية ما تعريبه”عيد اللقاء” اي “أبانديسيس”، ويسميه اللاتين “عيد التطهر” وآخرون “عيد التقدمة”، وفيما يصفه الشرق عيداً للسيد، يجعله الغرب عيداً لوالدة الإله….

الاحتفال بالعيد كان معروفاً في اورشليم منذ القرن الرابع المسيحي، أما ناشره في كل العالم الرومي فكان الأمبراطور الحسن العبادة يوستنيانوس الأول (الذي بنى دير سيدة صيدنايا ودير القديس حنانيا الرسول في محلة الميدان بدمشق وهي حالياً كنيسة القديس حنانيا الرسول) السنة 542مسيحية…

ايقونة دخول السيد
ايقونة دخول السيد

في ذلك الحين على ماورد في ادبيات التاريخ، تفشى وباء الطاعون في القسطنطينية وجوارها، وأخذ يحصد في كل يوم ما معدله خمسة آلاف ضحية، كما ضرب زلزال مدمر مدينة انطاكية قاعدة كرسينا الأطاكي ذهب ضحيته بين 4000 و5000من ابنائهان كان منهم منهم البطريرك الأنطاكي، وأحدث هذا الزلزال خراباً شديداً في المدينة ، إذ بدا انه لاحول ولا قوة للعباد إلابالله.

نادى الأمبراطور الرومي، والبطريرك القسطنطيني بالصوم والصلاة في كل أرجاء الأمبراطورية، فلما كان الثاني من شباط خرجت مسيرات في المدن والقرى، تسأل عفو الله ورضاه، فانلجم الطاعون واستكانت الأرض، فشاع العيد على الأثر، وجرى تبنيه في كل الأرجاء، وكان ليوستنيانوس قيصر الفضل الأكبر في تعميمه.

يستند العيد الى النص الانجيلي الذي أورده لوفا الانجيلي في الاصحاح الثاني عبر الآيات من 22الى 28.

ثلاثة عناصر تشكل العيد، تُظهر مريم لوضعها مولوداً ذكراً، تقديم المولود الجديد للرب، لقاء سمعان وحنة النبيين.

تفسير الآية:” لأن عيني قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه جميع الشعوب نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك اسرائيل.”

إن كنيستنا الأرثوذكسية تحتفل بعد دخول السيد الى الهيكل مظهرة وناقلة لنا رسائل ومعاني كثيرة عبر هذا العيد المقدس، فإننا نرى اليوم المخلص يسوع بعدما رأيناه متجسداً في مذود بيت لحم، ومعتمداً في نهر الأردن، نراه اليوم في اربعينه، مقبلاً الى الهيكل، متمماً بذلك الناموس من أجل خلاصنا، تنازل الإله من عليائه، لكي يُصعد الانسان الى علياء اللاهوت، لكي يتأله… فنرى والدة الإله مقبلة الى الهيكل وعلى ذراعيها الطفل يسوع ويوسف الصديق معها في اليوم الأربعيني من ولادتها، وفي أيديهم على حسب الناموس إما زوج يمام، أو فرخي حمام، فاليمام رمز للطهارة والعذارى إذ عندما يموت أحدهما ( الذكر أو النثى) لا يأخذ الثاني آخر بدلاً منه بل يذهب الى الجبال بعيداً عن ضجيج العالم. وأما الحمام فيرمز الى الوداعة على حسب قول السيد:” كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام.”

هكذا وعلى حسب الناموس أيضاً يُذبح أحدُ الطيرين ويترك الآخر دالاً ذلك على طبيعتي يسوع الالهية والبشرية، الأولى التي لايسود الموت عليها، والثانية التي ذُبحت على الصليب.

سمعان الشيخ

أما سمعان الشيخ الذي استقبل اليوم السيد على ذراعيه، فكان من السبعين معلماً الذين قاموا بترجمة العهد القديم من العبرانية الى اليونانية، وفيما كان يترجم في أشعياء النبي النبؤة التي تقول:” ها ان العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمانوئيل” حيث استغرب من هذا الكلام قائلاً: “كيف يمكن أن تلد العذراء؟ كيف يمكن أن يولد الإله؟ وفيما كان يقول إن ذلك لا يُصدَقْ ضربته يدٌ غير منظورةكفاً، وسمع صوتاً يقول له:” إنك سوف ترى يسوع وسوف تمسكه بيديك”

وهكذا في اليوم التالي وهو ماشياً على ضفة نهر رمى خاتمه في الماء، وقال:” إن وجدت خاتمي سيكون الكلام حقيقياً، وبعد ثلاثة أيام، وهو يتناول طعامه الذي كان سمكاً وجد خاتمه في بطن السمكة، وفي هذه اللحظة أخبر سمعان الجميع بالذي حدث له، ومن ذلك الوقت أي قبل ثمانين سنة من ميلاد الرب يسوعكان ينتظر في الهيكل هذا اليوم الموعود.

لقد قيل الكثير عن سمعان وحنة النبيّين ولكن الثابت الوحيد بشأنهما هو ماورد في نص لوقا البشير بقوله عن أطلاق السيد له….

سمعان الشيخ هذا كان باراً تقياً وروح الرب عليه، لذا أُوُحي له بأنه لن يرى الموت قبل ان يرى مسيح الرب، وهكذا جاء الروح الالهي الى الهيكل، عندما دخل يوسف ومريم بالصبي اتماماً لمقتضيات الشريعة، أخذ سمعان الصبي على ذراعيه وبارك الله، سؤال واجب :” هل كان له من دالة او صفة معينة حتى أخذ الصبي بين ذراعيه على اساسها؟ لانعرف !!! لأننا لسنا كسمعان المتأله…

ثم فتح فمه قائلا” القول الشهير بالإطلاق:” الآن أطلق عبدك ايها السيد…”

وبعدما صلى كذلك وجه كلامه الى مريم أم الصبي قائلاً:” ها أن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل ولعلاقة تُقاوم وأنتِ أيضاً يجوز في نفسِكِ سيفٌ لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة.”

هكذا نحن نرى سمعان الشيخ حاملاً على ذراعيه الطفل الإله المولود من العذراء، ضابط الكل خالق السموات والأرض وكل مافيهما طفلاً اربعيني الأيام محمولاً على الساعدين ياللروعة…، وها نسمعه بصوته الورع:” الآن تطلق عبدك ايها السيد…”

ها قد جاء اليوم الذي طالما انتظره سمعان الشيخ طويلاً حيث تتحرر روحه الطاهرة من جسده، وينتقل من هذه الحياة الوقتية الفانية الى حيث الراحة الأبدية وحياة الخلود والسعادة لذلك قال:” الآن تُطلق عبدك….”هذه الكلمات كانت اعترافاً ايمانياً منه وشكراً لله، وفي الوقت عينه تنبأ بالخلاص الذي سيكون لجميع الأمم نوراً يسطع عليهم وينير طرقهم الى الملكوت ومجداً لشعب الله اسرائيل اي سيصبح مجداً للذين يؤمنون بيسوع المسيح لأن اسرائيل الجديد على حسب تعبير الآباء القديسين هم نحن المسيحيون.

هكذا كان البار المتأله سمعان…الذي يحلو لقوم ان يطلقوا عليه لقب” رقيب الصبح”، في عرفهم الصبح هو الرب يسوع، وقد فترة قصيرة من معاينة مسيح الرب رقد بالرب، وقد ورد ايضاً ان رفاته كانت تُكرم في القسطنطينية في كنيسة القديس يعقوب في القرن السادس المسيحي…

حنة النبية

أما حنة فقيل انها نبية وهي بنت فنوئيل، من سبط أشير أحد أسباط اسرائيل الأثني عشر، وكانت متقدمة في أيامها، عاشت مع زوجها سبع سنوات، ثم ترملت ولم تتزوج من بعد، وقد بلغت في تلك الأيام التي التقت فيها الطفل الالهي يسوع له المجد الرابعة والثمانين. خلال هذه الفترة الطويلة من عمرها لم تفارق الهيكل، وكانت عابدة بأصوام وصلوات، وطلبات ليلاً ونهاراً بلا فتور او كلل ترجو مجد الرب وجاهاً.

وقفت حنة آنئذٍ تسبح الرب وتحدث جميع المنتظرين فداء في اورشليم. وق واجهت الرب محمولاً على ساعدي سمعان الصديق، وهي انموذج مكرم لكل الأرامل والعذراى… كل ماعدا هذا الذي ورد في انجيل لوقا عن الصديقيّن أبدعه وجدان الأجيال المتعاقبة تعبيراً عن الصورة المكرمة والمتقدسة التي ارتسمت عنهما في الأذهان.

اختم ضارعا لربنا المحمول على يدي سمعان الصديق كطفل…

إن الكلمات الالهية التي فاه بها سمعان الشيخ ترددها كنيستنا يومياً في كل صلواتها، وترددها كل نفس مسيحية مشتاقة الى الغبطة السماوية، والارتحال الى الديار السماوية ديارك يارب، فنقولها بعد كل قداس الهي في صلاة الشكر بعد المناولة، وكذلك في صلاة الغروب، لقد وضعت كنيستنا فوق ابوابها من الداخل ايقونة الدينونة لكي يراها المؤمن وهو خارج ويقول هذه الكلمات:” الآن تطلق عبدك ايها السيد…” كونه أخذ النور الحقيقي من خلال مشاركته في سر الشكر الالهي وبقية الصلوات…

وانا الخاطىء التمس الاطلاق لروحي لكي تتبرر” الآن أطلق، نفسي ياسيدي الطفل الالهي مشتاقة الى الغبطة السماوية، والارتحال الى ديارك الفردوسية يارب ياسيد الأكوان المحمول على يدي سمعان الصديق ان يعم نورك المحيي كل اطفال الايمان… وكل من تشرف بحمل لقب مسيحيين… لتسود بهم كنيستك المقدسة التي اقتنيتها بدمك الكريم على الصليب لأجل خلاصنا، لك المجد ايها الرب المتحنن وحدك


أضف تعليقاً