انطونيوس(بشير)متروبوليت نيويورك وسائر أميركا الشمالية

تمهيد

ان اصدق وصف يمكن ان نصف به علمنا في هذه العجالة، هو احد أعلام الكرسي الأنطاكي في العصر الحديث. وكثيرون هم الأعلام الذين لعبوا أدواراً رائدة بالغة الأهمية في كرسينا، وتركوا بصماتهم بيّنة، في المجالات كافة [روحية ، تنظيمية، ادارية…] ويعد بحق باني الأبرشية الأنطاكية الحبيبة في المقلب الآخر من العالم وقد انشأها وفق الأسس الحديثة بعد جهاد مؤسسها القديس روفائيل هواويني. لقد خط علمنا “خارطة طريق” لبنائها، ووضع استراتيجية التنفيذ، لابل تبنى التنفيذ باقتدار وحكمة وصبر وتعال على الجراح، فجاء هذا التنفيذ كما أراد من ألق ونجاح، بالرغم من العواصف والمحن التي تزامنت ورعايته لها. ويقينا ان الكثيرين كتبوا عن هذا العلم المتميز وأعطوه حقه من التعريف، ولكني أجد لزاماً علي ان أعود لأسلط عليه بعض الضوء الأمر الذي يذكر بما فعله في هذه الأبرشية خلال 30 سنة حافلة بالعطاء رغم الانقسام الحاد فيها بوجود ابرشية أخرى معها ما يعني شرذمة لرعيتها الواحدة.

المتروبوليت انطونيوس بشير
المتروبوليت انطونيوس بشير

السيرة الذاتية

ولد علمنا المتروبوليت انطونيوس بشير في 15آذار1898 في بلدة دوما – قضاء البترون في لبنان الشمالي. في اسرة مكينة بإيمانها الأرثوذكسي، وفي محيط ارثوذكسي صاف وغيور على مسيحيته، وعقيدة آبائه واجداده. لذلك لم يكن غريباً عليه إن شب طفلاً عاشقاً لكنيسته، متجهاً الى خدمتها باعتناقه الكهنوت الشريف.

كان منذ طفوليته تواقاً للحياة الاكليريكية وقد بدأها في دير البلمند البطريركي كمبتدىء، تبناه مطران جبل لبنان العلامة بولس ابو عضل (الدمشقي) ورسمه شماساً انجيلياً زمن البطريرك غريغوريوس عام 1916 متوسماً فيه النبوغ والمهارة، والنجاح الاداري، مع أنه عاش مع رفاق الدرب، محنة الحرب العالمية الأولى ومآسيها المهولة في سورية وسائر بلاد الشام، والمجاعة التي أودت بحياة عشرات الآلاف، الأمر الذي زاد من تحسسه لآلام الناس، فدفعه معلمه المتروبوليت بولس الى دراسة القانون مع العلوم الأخرى في مدرسة بعبدا الحقوقية، ثم تابع دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت. وقد حقق نبوغاً جلياً في دراسته كلها، وفي توظيف ماجناه من من تحصيل علمي لخدمة ابرشية جبل لبنان الحديثة العهد (والتي نشأت في عام 1902بعد وفاة متروبوليت ولبنان المطران غفرئيل شاتيلا (الدمشقي) بتقسيمها الى ابرشيتي بيروت، وجبيل والبترون وتوابعهما).

ثم عيَّنه أميناً لسره. ونظراً لتفوقه العلمي، وتميزه في مادة الأدب العربي انتدبته الجامعة الأميركية في بيروت، وكلية زهرة الاحسان الأرثوذكسية في الأشرفية، لتدريس مادة الأدب العربي، وكان يمارس مهنة الحقوق، حيث تعاطاها بأمانة في خدمة مصالح الناس ومدافعاً عن حقوق المحتاجين….

دير سيدة البلمند
دير سيدة البلمند

سفره الى اميركا

في عام 1922 كلف المجمع الأنطاكي المقدس العلامة جراسيموس مسرة (اللاذقي) متروبوليت بيروت بتمثيله في مؤتمر الكنائس العالمي الذي دعا اليه مؤتمر الكنائس الأميركية للبحث في قضية الوحدة المسيحية، وبالأخص مع الكنائس الأرثوذكسية، واولها الكرسي الأنطاكي المقدس فسافر الى اميركا ورافقه علمنا الشماس بشير، حيث قدما ورقة الكرسي الأنطاكي في هذا المؤتمر ورؤيته. إضافة الى المهمة الأساس، وهي النظر في وضع ابرشية بروكلن وأميركا الشمالية، والخلافات العاصفة التي نشأت بعد وفاة مؤسسها المطران القديس روفائيل هواويني (الدمشقي)وذلك في 27 شباط 1915،

القديس روفائيل هواويني مؤسس ابرشية نيويورك
القديس روفائيل هواويني مؤسس ابرشية نيويورك

حيث كان قد نشأ تياران متصارعان أحدهما يقول ببقاء هذه الأبرشية تابعة لبطريركية موسكو، وقام متروبوليت آلاسكا وسائر اميركا الشمالية أفدوكيم الروسي برسامة الأسقف أفتيموس عفيش أسقفاً تابعاً لأبرشية آلاسكا الروسية عام 1917، فيما طالب الفريق الآخر المتمسك بأنطاكيته بالحاقها بالكرسي الأنطاكي المقدس، وقد تزعم هذا الفريق المطران الزائر جرمانوس شحادة متروبوليت سلفكياس(1). وقد حدثت رسامة عفيش بالرغم من الاتفاق بين بطريركيتي موسكو وأنطاكية بأنها أبرشية أنطاكية، وموافقة موسكو على ذلك.(2)

لفت الشماس بشير أنظار المؤتمرين المشاركين في مؤتمر الوحدة المسيحية، ورعايا أنطاكية المغتربة في هذه الأبرشية. وقام المطران مسرة بالتحقق عياناً في واقع أبرشية أميركا، وخابر البطريرك غريغوريوس في دمشق، فوجهه الى رسامة بشير كاهناً ثم ارشمندريتاً، وتعيينه وكيلا بطريركياً باسم غبطته، ثم رقاه الى رتبة إرشمندريت،

وعينه باسم البطريرك غريغوريوس وكيلاً بطريركاً للرعايا الأنطاكية التي لاكنائس لها في اميركا الشمالية.

وكان من عداد الوفد الأنطاكي الارشمندريت صموئيل داوود الذي تولى رعاية الكنيسة في توليدو أوهايو.

عاد المطران جراسيموس الى كرسيه في بيروت ونقل للمجمع المقدس الواقع الحقيقي، فرغب المجمع بأن يكون فيكتور ابو عسلي رئيساً لأساقفة بروكلن وسائر اميركا الشمالية، لكن انصار متروبوليت سلفكياس جرمانوس شحادة تمسكوا به راعياً لأميركا في بروكلن وبقية المناطق حالوا دون عودة (جرمانوس) الى أبرشيته زحلة، تنفيذاً لقرار المجمع الأنطاكي المقدس، وتمسكوا به راعياً، ورفضوا الخضوع لسلطة فكتور، فيم استمر التيار الروسي بزعامة افتيموس عفيش الذي خالف القوانين المقدسة بزواجه، وهو اسقف، والذي شكل ضربة قاتلة له ولأنصاره، فقام المتروبوليت الروسي بتجريده كهنوتياً وقطعه، وتسقيف الارشمندريت عمانوئيل ابوحطب (الدمشقي) (ايبوذياكون القديس روفائيل) بدلاً عنه.

الارشمندريت انطونيوس بشير
الارشمندريت انطونيوس بشير

وبهذا الشرخ الأليم، يكون الإنقسام قد بلغ ذروته بنشوء ثلاثة تيارات متنافرة، أحدهما روسي النزعة، وإثنان أنطاكيان متناحران كلاهما يكتب للبطريرك والمجمع في الوطن مبيناً سلبيات الآخر، وإنتمائه هو فقط للشرعية الأنطاكية مع الاشارة الى ان القاعدة الشعبية المنتمية للمطران شحادة كانت في توليدو اوهايو وكندا… ويبدو من الوثائق البطريركية والمراسلات الواردة الى البطريركية حتى من السيد فكتور انه لم يستطع رعاية حتى بروكلن وقتها(3)

اما التيار الروسي فكان قد ضعف بتلك الضربة القاسمة بزواج متزعمه عفيش، وانفض الكثير من مريديه واتباعه عنه، وعادوا الى التيارين الأنطاكيين الآخرين، ونشير هنا الى ان زعيمه الجديد الأسقف عمانوئيل ابوحطب كان يبدي في كل مرة خضوعه للبطريرك الكسندروس في دمشق، وكان يتميز بالطيبة والدعة والانفتاح على ابي عسلي وشحادة، ويقدم التسهيلات للكهنة والراهبات الموفدين من أبرشيات الوطن لجباية التبرعات والنذورات، وبالتالي كان ومن خلال مراسلاته للبطريرك انه أنطاكي النزعة والانتماء.

البطريرك الكسندروس طحان 1931-1958
البطريرك الكسندروس طحان 1931-1958

بعد استقرار الأمور للبطريرك الكسندروس عام 1933(فيما تسمى الأزمة الأنطاكية بينه والبطريرك ارسانيوس حداد)(4) فقد لعبت شخصيته اللينة والحازمة بآن دوراً متميزاً في تذليل الصعاب، فدعا كلاً من ابي عسلي وشحادة للمثول امام المجمع المقدس وعرض وجهة نظره، لكن ابا عسلي وأنصاره رفضوا محتجين بشرعية انتخابه: “فيما شحادة مغتصب لأبرشيتهم، وقد ترك أبرشيته الشرعية واستولى بشكل مخالف على هذه الأبرشية…” أما الأخير اي شحادة وبالرغم من معارضة انصاره وتمسكهم به راعياً شرعياً للأبرشية حافظ عليها من الاستلاب والتغرب للجانب الروسي إلا انه وافق على الحضور.

والحق يقال،، ومن بعد دراستنا المراسلات الواردة من ابرشية اميركا ومن تياراتها الثلاثة بصفتنا أميناً للوثائق البطريركية فإن قول الحق يملي علينا بأن نؤيد ماقاله انصار شحادة، فهو ابقى هذه الأبرشية انطاكية بالمطلق وسجل له التاريخ ذلك. وكتيار كانوا اقوى من التيار الآخر بقيادة ابي عسلي. وكما ان المجمع الأنطاكي جرده من رعاية ابرشية سلفكياس عام 1924.

وتشاء العناية الالهية وفاة الثلاثة بدءاً برئيس الأساقفة فيكتور عام 1936، وبعده بأقل من سنة الاثنين الباقيين، وجميعهم توفوا بمرض السرطان كما كتبت مندوبة دير سيدة صيدنايا المقيمة في امطوش الدير في بروكلن الحاجة مريم الصباغ برسالة مؤثرة جداً الى البطريرك الكسندروس نعتهم فيها بحرقة بقولها: ” يالهفي على شبابهم” مبينة حسنات كل من الثلاثة الذين فقدتهم الكنيسة الأنطاكية في المهجر.

بعد وفاة رئيس اساقفة بروكلن فيكتور، قررالمجمع الأنطاكي المقدس تأييد مطلب جماهير الأبرشية بانتخاب بشير متروبوليتاً بعد الاستفتاء الشعبي فقد حقق الشعبية المطلقة ونال محبة كل المغتربين والمنتمين من كنائس اخرى الى كنيسة اميركا الأرثوذكسية بتياراتها الثلاثة، وفيه حاز أغلبية مطلقة. فقد قرر المجمع المقدس اعتباره مرشحاً مجمعياً ايضاً، وكان قد أوفد المجمع الى اميركا متروبوليت صور وصيدا ثيوذوسيوس ابو رجيلي (البيروتي) المعروف بحنكته وحكمته لإجراء الاستفتاء الشعبي قطعاً لدابر اي انشقاق مستقبلي. في حين اختارت رعية توليدوأوهايو الارشمندريت صموئيل داود، وقد حل ثانياً، في استفتاء عموم الرعية انما بفارق كبير جداً لصالح بشير وكانت بنسبة الثلثين لبشير مقابل الثلث لصموئيل.

مطرانيته والانشقاق مجدداً

البطريرك ثيوذوسيوس ابو رجيلي 1958-1969
البطريرك ثيوذوسيوس ابو رجيلي 1958-1969

قام المطران ثيوذوسيوس أبو رجيلي متروبوليت طرابلس الموفد مجمعياً لإتمام انتخاب مطران هذه الأبرشية، برسامة بشير متروبوليتاً على ابرشية اميركا الشمالية، في حين وبشكل مفاجىء تمت رسامة صموئيل داود في الوقت عينه أسقفاً على توليدو وقد رسمه المتروبوليت الروسي (التابع للمجمع الروسي خارج الحدود)، وحمل اسم اسقف توليدو اوهايو!!!.

وبهذه الحادثة المؤلمة التابعة للميول والأهواء والتحزب يكون الانقسام المؤلم قد عاد مجدداً الى هذه الأبرشية الحبيبة، وحاول الفريقان التواصل مع بعضهما، لكن الواقع كان مؤلماً لعلمنا المتروبوليت بشير الذي حقق فوزاً جماهيرياً كاسحاً، ومع ذلك حاول التعالي على الجرح الجديد، وانصرف الى تنظيم ابرشيته، ووضع خطة طموحة لبنائها، وقام بتوفير مايلزم للتنفيذ بصبر وطول اناة. وظهرت الثمار اليانعة سريعاً، وتحققت زيادة مطردة في بناء الكنائس، وفتح كنائس جديدة في الرعايا الناشئة حديثاً، وقد بلغ عددها في منتصف عهده تقريباً 65 كنيسة (مقارنة مع 11 كنيسة فقط في توليدو أوهايو) وتوفير الكهنة، وإيجاد بيوت لها ومنتديات ومدارس للرعايا إضافة الى إسهاماته في مشاريع البطريركية في الوطن وفي البلمند…

أما صموئيل داوود فقد قدم بدوره مساعدات الى الصرح البطريركي وقام بطباعة الكتب الطقسية ووزعها بالمجان على الأبرشيات الأنطاكية كافة…

وقد شابت العلاقات بين الرجلين توترات، وخاصة، عندما تم منح صفة ابرشية لأسقفية توليدو أوهايو ولقب متروبوليت لصموئيل داوود، اي بمعنى انشاء ابرشية موازية لأبرشية أصيلة، الأمر الذي اعتبره بشير انتقاصاً، ولكن حكمة البطريرك الكسندروس ودماثته وذكائه كانت تُرضي الطرفين زد على ذلك إيمان علمنا بانتمائه الأنطاكي.

وفاة المطران صموئيل

توفي المطران داوود، وكادت الأمور ان تستتب بعودة توليدو الى ابرشية نيويورك الأم، لولا أيدي سبأ ومنها أيدي ممن هم اعضاء في المجمع الأنطاكي المقدس التي لعبت فتم التوافق على تسقيف ميخائيل شاهين اسقفاً مساعداً للمتروبوليت بشير، لكن هذه الأيدي ذاتها تدخلت ففرضت في زمن البطريرك ثيودوسيوس استقلال توليدو كأبرشية برئاسة المتروبوليت ميخائيل.

اانتقاله الى الأخدار السماوية

في ليلة الثلاثاء 15 شباط 1966 افتقد الله علمنا بعد سيرة صالحة، استمرت ثلاثة عقود في خدمة هذه الأبرشية العزيزة وسواها، مَثَّلَ البطريرك ثيوذوسيوس المتروبوليت الياس قربان راعي أبرشية طرابلس في إجراء مراسم الجنازة. وقد أُودع عَلَمُنا في المستشفى حتى نهار الجمعة 18 شباط ثم نُقِلْ إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس في بروكلن/نيويورك حيث سُجي فيها للتبرك، وإلقاء نظرة الوداع الأخير، حتى الأربعاء 23 شباط، وكانت الجماهير والوفود تتوافد من كل الأرجاء في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا و…للتبرك وفي مقدمتها الكهنة وعلى رأسهم المطارنة الأرثوذكس في الأصقاع الأميركية كافة، من جميع الكنائس على تعدد قومياتها ولغاتها، وأُقيم مساء الثلاثاء 22شباط حفلٌ تأبيني لععلمنا تناوب فيه خمسة عشر خطيباً تبارو في بسط مناقبه، وآثاره الحميدة.

وفي تمام العاشرة من صباح الأربعاء 23 شباط أُقيمت خدمة الجناز على جثمانه برئاسة المعتمد البطريركي المتروبوليت قربان بحضور واجتماع جميع رؤساء الكهنة الأرثوذكس في الأصقاع الأميركية كافة، وقامت جوقة القديس فلاديمير اللاهوتية الروسية بخدمة الترتيل في القداس السابق تقديسه (البروجيازميني) حيث تلتها خدمة الجناز ثم قرأ الطرس البطريركي باللغتين العربية والانكليزية، فأجاد في التأبين. وكان أن مُثلتْ سائر الطوائف المسيحية الشقيقة برؤساء كهنة وكرادلة وقساوسة.

ثم نُقل الجثمان بموكب مهيب إلى المدفن، يرافقه جمهور غفير، حيث وُري الثرى بكل ما لاق بصاحبه من إجلال وتكريم.

وجرياً على العادات المتبعة في أميركا تناول فيها المشيعون لقمة رحمة لراحة نفسه (وهي عادة تستمد جذورها من الوطن الأم) ثم تقبل المعتمد البطريركي التعازي في صالون الكاتدرائية…

موقف المطران ميخائيل (توليدو)

إلى هذا فقد جاء في منشوره الرعوي لرعية وكنائس توليدو اوهايو من قبل الراعي المتروبوليت ميخائيل في 24 شباط تعداداً لمآثر الفقيد وإفادة صريحة عن سهره على ابرشيته مبيناً مقدار حزنه شخصياً ومقدار الخسارة بفقده، فقد قال:”… لقد فقدت أمنا الكنيسة الأنطاكية بفقد المثلث الرحمات أنطونيوس قائداً من قادتها الحكماء، مجاهداً من مجاهديها الأبرار الميامين وعلماً من أعلامها الخفاقة…”

وطلب من كهنة أبرشيته إقامة “قداس وجناز احتفالي” يوم الأحد الذي يلي إطلاعهم على “رقيمه” لراحة نفس المتروبوليت بشير.

مؤلفاته ونتاجه الفكري

كان علمنا لاهوتياً وأديباً خطيبا وقد ساعدته معرفته الواسعة باللغة الانكليزية على التوسع بعمله الفكري فقد أسس سنة 1926 مجلة “الخالدات” باللغة العربية وكتب الكثير من المقالات الدينية والاجتماعية وألف العديد من الكتب منها:”مراقي النجاح” و “أقرأ وأُفكر” و “ثلاثة مفكرين في الدين”. وجميعها بالعربية.

أما مؤلفاته بالإنكليزية فهي: ” دروس في الكنيسة الأرثوذكسية ” و ” التعليم المسيحي الأرثوذكسي” كما كانت له هواية خاصة بالتعريب عن الانكليزية، فترك بذلك مآثر فاضلة أغنت المكتبة العربية بالكثير من كتب الأدب والدين منها: “لماذا أنا مسيحي؟” للدكتور فرانك كراين، و”اعترافات تولستوي”، و” الحياة البسيطة ” لشارلزواغنر، ” واليوم وغداً” لآرثر برزباين، و” الرجل الذي لايعرفه أحد” لموريس سارتر لينك، كما قام بترجمة بعض آثار جبران خليل جبران مثل: ” النبي”، ” المجنون”، “السابق”، “رمل وزبد”، ” يسوع ابن الانسان” ، “حديقة النبي” ، ” آلهة الأرض”…

نشاطاته وأعماله

كان المتروبوليت انطونيوس بناءً نشيطاً، ومؤسساً لكثير من الرعايا والكنائس، فقد بلغ عدد الكنائس في عهده 63 كنيسة (5) مع أعداد وفيرة من الكهنة الذين رسمهم لخدمة الرعايا وخصص للكهنة بيوتاً ورواتب تكفل عيشهم إضافة الى 16 منتدى ومدرسة (6) كما أعاد إصدار مجلة “الكلمة” التي كان قد أسسها مؤسس الأبرشية القديس روفائيل هواويني، إنما باللغة الانكليزية.

من مآثره

انه جعل الادارة الميركية تعترف بالأرثوذكسية في الولايات المتحدة، فظهرت على أكتاف الجنود الأرثوذكس في القوات المسلحة الأميركية، لأول مرة في تاريخ اميركا شارة الأرثوذكسية، أسوة ببقية الأديان والطوائف الأخرى.

ولمعالجة ماوجد في أميركا من تعصب اثني وعرقي وانقسامات ارثوذكسية سعى لتأسيس “رابطة للمطارنة الأرثوذكس” عام 1942، ثم أصبحت هذه الرابطة تُعرف ب “مؤتمر المطارنة الأرثوذكس في أميركا” فقرب بذلك القلوب المتنافرة، وحطم أكبر عثرة في سبيل التقدم الأرثوذكسي في هذا الوسط الغريب عن الأرثوذكسية وفيه تُشكل القلة بين الديان والطوائف والمذاهب…

أما على صعيد الوطن الأم، وحقوق العرب القومية وقضية فلسطين وشعبها المقتلع منها، فقد سجل له التاريخ مواقف مشرفة دافع فيها عن حقوق الشعب العربي وبالذات الشعب الفلسطيني المقتلع من أرضه إقامة دولة اسرائيل داعياً منذ ذاك التاريخ الادارة الأميركية لتلعب دوراً نزيهاً في إحقاق الحق وليس الانقياد وراء اسرائيل فقط.

كما دافع عن موقف الدول العربية في تقربها من الاتحاد السوفيتي للحصول على الدعم المعنوي والسلاح مبيناً ان ذلك كان نتيجة طبيعية، ورد فعل منطقي على موقف أميركا الداعم مادياً وبالسلاح ومعنوياً لإسرائيل داعياً إلى “مبدأ المعاملة بالمثل” للدول العربية في حين أنه لم يقصر ابداً في تقديم الدعم المادي في سبيل الوطن الأم، وما عاناه جراء الاستعمار الفرنسي، وبالأخص عندما ضرب الفرنسيون دمشق بالمدفعية بعدوان غادر عام 1945، ودمروا الأحياء والبرلمان السوري، وابادو حاميته من الدرك السوري، إضافة الى استشهاد أعداد كبيرة من المدنيين الأبرياء، فقد أرسل معونة مالية من أبرشيته الى يد البطريرك الكسندروس لتوزع بمعرفته على المنكوبين بغض النظر عن الدين والمذهب، وكان التوزيع في معظمه انصب على المسلمين في دمشق نسبة لتضررهم من جهة وللروح الوطنية الصرفة عند الكنيسة الأنطاكية وقادتها.

اسهاماته بحق الصرح البطريركي

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

كانت اكبر من أن تُعدُ وتُحصى، فقد خصص صينية في كل كنيسة من ابرشيته من صواني اللم كمساهمة في نفقات البطريركية، وللأمانة فإن ذلك كان يتم أيضاً في توليدو اوهايون ولكن بكم أصغر بالمقارنة مع تقدمة ابرشية بروكلن التي كان يرعاها، كما أسهم بمقدار مالي وفير في بناء ما عرف: ب ” القصر البطريركي” اي دار البطريركية الحديث وقتها ويشكل القسم الجنوبي، وترميم الكاتدرائية المريمية كما أسلفنا.

ولكن الأهم كانت وقفيته الخالدة لصالح معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند، والمعروفة ب “وقفية المطران بشير”، وذلك مساهمة منه في إيجاد كهنة ورعاة مؤهلين لاهوتيا للكرسي الأنطاكي في الوطن والانتشار الأنطاكي، ووفاء منه لهذا الصرح الذي عرف فيه بدايات حياته الروحية والاكليريكية، وقد خُلِّدَ فِعلُهُ الحميد هذا بوضع نصب نصفي كبير من البرونز في صدر المعهد.

خاتمة

تُعدُ أبرشية اميركا الشمالية من أهم الأبرشيات الأنطاكية في الوطن وخاصة في الانتشار بفضل واضع اللبنات الأولى في اساسها المتين المطران القديس روفائيل هواويني، وعلمنا المتروبوليت انطونيوس بشير الذي تابع في بنائها على الأسس الحديثة، بالرغم من كل الوضع الشائك الذي مر عليها.( وقد اوردناه بعجالة بدون توسع، إذ ليس هو مجال بحثنا).

وكان علمنا قد رَسَمَ ونفَّذَ هذا البناء باقتدار وتميز، وتابع النهج ذاته الخلف الذي كان تلميذاً باراً، فكان خير خلف لخير سلف، والخلف كان مثلث الرحمات المتروبوليت فيليبس صليبا الذي حل في ضيافة المعلم الالهي في الفردوس مع سائر الأبرار والقديسين في العام الماضي 2014.

وكان الأخير من اعلام كرسينا الأنطاكي (7) تميز بلاهوته وحسن إدارته وحزمه في ادارة الأبرشية، والذي استمر في مسيرة بناء الأبرشية بوتيرة متصاعدة من الألق والنجاح، تُشعر كل ارثوذكسي عموماً وكل انطاكي خصوصاً بالفخر. فلقد كان جهاده

ابينا البطريرك يوحنا العاشر ينصب المطران جوزيف الزحلاوي في بروكلن
ابينا البطريرك يوحنا العاشر ينصب المطران جوزيف الزحلاوي في بروكلن

في سبيل اكمال بنائها كسلفه “صراعً في سبيل الأفضل، وكان التاريخ عنده يحيا ويتكلم ويسير ليس محنطاً في متاحف التاريخ” (8)، وكانت انطاكية الحبيبة بلاهوتها وفكرها في دمه وفي عروقه وفي كل نبضة من نبضات قلبه الكبير.

(والأمل معقود اليوم في المتابعة على المتروبوليت الجديد الصديق والقريب السيد جوزيف الزحلاوي (الدمشقي) الذي كان رئيساً للأساقفة واختارته الأبرشية بالاجماع راعياً لها ونصبه غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر في كاتدرائية القديس نيقولاوس في بروكلن اواخر العام 2014. ويتميز بكفاءات عالية في اللاهوت والادارة والترتيل…)

ويحلو لنا ان ندرج بالحرف نص كلمة الرثاء البديعة النابعة من قلب الارشمندريت فيليبس صليبا، وقد ألقاها باسم كهنة الأبرشية في رثاء معلمه المطران بشير الراقد وقت جنازه:” أبي يعمل وأنا أيضاً أعمل.”.(يو 5: 17)

المتروبوليت فيليبس صليبا
المتروبوليت فيليبس صليبا

قال:” لو قدر للمثلث الرحمات المتروبوليت انطونيوس بشير أن يخطب في أبنائه الروحيين خطبة الوداع لكان قد قال لهم ماقاله القديس بولس الرسول إلى أهل كورنثوس:” أيها الاخوة إني أطلب اليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا قولاً واحداً، ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين بفكر واحد ورأي واحد”(1كو 1 : 10)

إن تأبيناً واحداً أو خطاباً واحداً أو محاضرة واحدة، لا يمكن أن تصف عظمة إنسان كبير كالانسان الذي فقدناه، ولكن غداً عندما يُكتب تاريخ الأرثوذكسية في أميركا الشمالية سيظهر فيه اسم المتروبوليت أنطونيوس أشد بهاء من نجوم السماء، لقد كان شعار حياته كلها هذه الكلمات الإلهية الواردة في انجيل يوحنا” إن أبي يعمل وأنا أيضاً أعمل” (يو 5 : 17)، ولعمري إن ماحققه في نصف قرن لايمكن أن يحققه إنسان آخر في قرون عديدة.

إن أنطونيوس بشير حي في كل خطوة تقدمية خطتها هذه الأبرشية، ولا شك بأنه سيحيا في ضمير هذه الكنيسة إلى الأبد.

لقد كان من جملة أحلامه العذاب، أن يوجد لهذه الأبرشية جيشاً من الكهنة المؤمنين للتبشير بالكلمة.

إننا نشكر الله لأن حلمه قد تحقق قبل ان ينتقل من عرض الوجود الى جوهر الخلود. لم يكن سيادته لنا نحن كهنة هذه الأبرشية العامرة مطراناً فقط، بل كان صديقاً وأباً على حد قول الرسول بولس ” لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون لأني انا ولدتكم في المسيح يسوع بالانجيل، فأطلب اليكم ا تكونوا متمثلين بي”(1كو 4 :15- 16)

نعم ياسيدي سنتمثل بك وسنحارب ابداً في سبيل المبادىء التي عشت وكافحت ومُتَّ لأجلها، وليعلم إبليس زعيم الشقاق والخداع باننا أقوياء أكثر من اي وقت مضى، وان كان في كل واحد منا قبساً من الشعلة الخالدة التي حملها انطونيوس بشير طيلة حياته الظافرة.

والآن يامعلمي، يارفيق أبي ماضي، وجبران، يامن اطعمت هذه الأبرشية حبات قلبك، الى روحك الطاهرة أرفع هذه الأبيات.

أملٌ غابَ فالقلوبُ حطامُ………………. ماعلى الذارفين دمعاً ملامُ

ياحبيبُ الضياء بُعدك عنا……………. أطفأ النورَ فالوجودُ ظلامُ

كنتَ فينا البشيرُكنت المربي………….كن فينا الكبير أنت الهمامُ

فاذرف الدمعَ أيها الأرزُ وابكِ ………والبسي الحزن حسرة ياشآم

أنت ذكرى وما أحلاها ذكرى………..أنت حُلمُ الشباب أنت الهيامُ

جئنا نشكو فما يفيدُ التشكي……………جئنا نبيك فالدموع كلامُ

عشتَ للحق والنهي والتفاني……….فعلى روحك الطهور سلامُ”

مصادر البحث

الوثائق البطريركية: أبرشية دمشق، أبرشية أميركا الشمالية، مجلة النعمة.

حواشي البحث

1- سافر الى أميركا ام 1913 قبل بدء الحرب العالمية الأولى بشهر واحد، باذن من المجمع الأنطاكي المقدس لجمع تبرعات من مهاجري ابرشيته سلفكياس وزحلة وتوابعها من اجل اقامة مدرسة زراعية في عميق لكن قيام الحرب العالمية الولى حال دون عودته، والتف حوله المتمسكون بكرسي انطاكية بعد وفاة مطرانها روفائيل هواويني ، وطالبوا بالحاق الأبرشية بأنطاكية.

2- أعيد منصب البطريرك الى بطريركية موسكو فور قيام الثورة الشيوعية في روسيا وذلك بقرار المجمع الروسي لتقوم الكنيسة بترتيب امورها بالعهد الجديد مع الاشارة الى ان منصب البطريرك كان قد اُلغي بقرار من بطرس الأكبر عام 1700.

3- من مراجعة الوثائق البطريركية بدمشق / تُلاحظ رسائله الى البطريرك وتجواله في الأبرشية دون نيويورك حيث كان جرمانوس مقيماً في دار المطرانية ببروكلن/ وبروكلن حي من أحياء نيويورك.

4- كان الوضع في السدة الأنطاكية وفي ابرشيات الوطن بدوره يعاني من الأزمة الأنطاكية ووجود بطريركين في الوقت عينه احدهما أرسانيوس اللاذقي ومقره في اللاذقية ومعه سبعة مطارنة والكسندروس الطرابلسي ومقره في دمشق ومعه ثلاثة مطارنة ومجلس ملي دمشق وأنطاكية والميدان وقد استمرت الأزمة ثلاث سنوات من 1928 -1931 وانتهت ببطريركية السيد الكسندروس.

5- الوثائق البطريركية، فيما اوردت مجلة النعمة وفقاً لاحصاء 1961 انها 48 كنيسن والصواب هو 63 كنيسة وفقاً لرسائله الى البطريركين الكسندروس وارسانيوس وباعتراف داوود ايضاص في رسائله وفيها يقارن بين امكانيات بركلن وامكانيات توليدو…

6- مجلة النعمة البطريركية.

7- انظر سيرته في موقعنا هنا (باب اعلام ارثوذكسيون)

8- من رسالة البركة التي وجهها لنا رحمه الله شكراً على سيرة القديس روفائيل هواويني التي كتبناها في مجلة العربية لسان حال ابرشية بصرى حوران وجبل العرب…

أضف تعليقاً