دير رؤية القديس بولس البطريركي في كوكب

تمهيد

سورية ، إذا اتخذت الرقعة الأرضية ، أو عدد السكان مقياساً للأهمية ، بلد صغير في الكرة الأرضية ، ولكنها تقف في أول البلدان الأخرى وذلك لعراقتها حضارياً وغناها بأوابدها الخالدة . وما تزال حدودها الجغرافية على كثرة ما اختزلته منها الأحداث على مر العصور ، تضم كنوزاً فوق كل ثمن ، منها الديني ومنها الحربي والفني ومنها الطبيعي والفولكلوري .

كنيسة الدير
كنيسة الدير

لذلك كانت هدفاً للسياحة الدولية ومقصداً منذ أقدم الأزمنة لطلاب المعرفة والراغبين في زيارة الأماكن الدينية .

فإن شئت أن تأخذ سورية الطبيعية أو بلاد الشام التي تضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين فعليك ومنذ الوهلة الأولى أن تدرك معنى تسمية بلاد الشام التي أطلقها العرب المسلمون فقد أطلقوها على دمشق، فصارت دمشق الشام، وقد انطلقت هذه التسمية من الخاص إلى العام. فدمشق هي شآم أو شامة . وهي الندبة أو البثرة الجميلة التي تضفي حُسناً على الوجه لذلك يقول العوام ” الشام ، شامة ” وإطلاق هذه التسمية على سورية الطبيعية لأنها ليست أقل حسناً وجمالاً من عاصمتها الخالدة دمشق .

وإن شئت أن تأخذ سورية بحدودها الحالية فما عليك إلا أن تدخلها من جنوبها من طريق فلسطين فتصل إلى مقربة من دمشق إلى كوكب، في كوكب حصلت معجزة رؤيا المضطهد شاول وفي دمشق وفي بيت يهوذا في الشارع المستقيم قبل ألفي سنة تقريباً وعلى يد حنانيا أول أساقفتها تم عماده فتحول من عدو لدود للمسيحية إلى مبشر ومشرع أول لها.

وتذكر انك رافقت بولس الهارب في زنبيل من دمشق بمساعدة البواب جاورجيوس (

الرسول بولس في الطريق الى دمشق
الرسول بولس في الطريق الى دمشق

لأن الحراسة شديدة على أبواب دمشق لئلا يهرب من أيدي اليهود ) وذهبت معه إلى بلاد حوران ليبشر فيها وشاهدت تلك الأوابد / وقد كانت معالم حضارية / قدمت لرومة القمح فصّح فيها القول ” حوران مخزن غلال رومة “. كما قدمت لرومة المسيحية وبيزنطة زيت الزيتون الذي أنار كاتدرائياتها وكنائسها. تذكر بصرى وكاتدرائيتها الفخمة والتي سبقت كاتدرائية آجيا صوفيا في القسطنطينية التي بنيت على مثالها.

وتذكر أن بولس الرسول عاد إلى دمشق، وكنت برفقته. وانطلقتما معاً إلى سورية الداخلية ثم الساحلية إلى العاصمة إنطاكية، وقد انضم إليكم بطرس الرسول وبرنابا وماتاهين وبدأتم بتبشير الجالية اليهودية المهمة فيها. وكان لها الشرف الأول بأنها المدينة الأولى بعد القدس التي أقيم فيها أول كرسي أسقفي بهمة العظيمين بطرس وبولس، وبأن بطرس كان أول أساقفته منذ ( 45 –53م ). وقبل عشر سنوات من إحداثه لكرسي رومية سنة 63م

وصيرورته أول أسقف عليها واستشهاده هناك 66م وتذكر أن في ” إنطاكية ُدعي المسيحيون أولاً ” وهذا الشرف الثاني. أما الثالث فكان أنها عاصمة التبشير إلى القفقاس وآسية والهند وإلى آسية الصغرى ثم أوربة. لذا دعيت بالعاصمة التبشيرية المسيحية في كل العالم .

القديسان بطرس وبولس مؤسسا الكرسي الأنطاكي المقدس
القديسان بطرس وبولس مؤسسا الكرسي الأنطاكي المقدس

تجول في جبال القلمون وجبال لبنان وقمم بلودان وجبل الشيخ، وفي صيدنايا ومعلولا، ودير عطية وفي يبرود والنبك، وحمص ووادي العاصي، ثم وادي العمق وسهول حلب وادلب في جبل سمعان وباريشا وقلب لوزة، وفي دورا اوربس في منطقة الفرات ( وفي ماردين وفي الجزيرة السورية العليا وفي كيليكيا وهذه كلها في سورية ). تجول في هذه المناطق، وعش مع آلاف الرهبان في القرن الرابع الذين استبدلوا الاستشهاد حباً بالمسيح بعد توقف الاضطهادات باستشهاد رهباني، وهو أيضاً تشبهاً بالمسيح وحباً به، إنما بشكل آخر يعتمد على قهر الجسد، ولا تزال إلى الآن بعض هذه القلالي والأديار شاهد حي على هذا النمط المعيشي، ومنها أديار عامرة كصيدنايا ومعلولا ( والشيروبيم بعد أن أعيد بناؤه قبل عقدين ) وقد بني بهمة رئيسة دير صيدنايا المرحومة الحاجة أبي حيدر وببركة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع ولايزال التحديث فيه مستمراً بهمة رئاسة ورهبنة دير القديس جاورجيوس البطريركي في بلدة صيدنايا الذي يضم آثار حوافر فرس القديس جاورجيوس في مزاره بناووس الدير، ودير مار الياس الحي في معرة صيدنايا ، ودير رؤية القديس بولس في كوكب ودير مار توما في صيدنايا ودير القديس جاورجيوس أزرع.

دمشق من اعلى قاسيون في القرن 15
دمشق من اعلى قاسيون في القرن 15

ولست في معرض تعداد ما عندنا من مواطن سياحية وأثرية مسيحية لأن مقالنا مخصص للبحث في إحداها، إذ يحتاج ذلك إلى مجلدات ، ولكن يبقى صحيحاً ما قيل عن سورية أنها متحف مصغر للإنسانية، وتحت كل حجر من أحجارها وعلى كل قمة من قممها، وبجانب كل منهل مائي فيها أثر وعلم وذكرى، لا يقاربه أي مثيل له في أية بقعة من بقاع الأرض لأنها بالقول المختصر ( أرض الحضارات والأديان ) .

دير رؤية القديس بولس الرسول في سهل كوكب

بني هذا الدير في عام 1962 في منطقة تدعى تل كوكب، على بعد 18 كم من دمشق، على الطريق المتجهة إلى القنيطرة، على أنقاض دير يعود إلى القرون المسيحية الأولى.

وفي الحقيقة فإن وصف (تل)، يمكن أن يكون أكثر دقة من (سهل)، لأنه في واقع الأمر هو عبارة عن تل بركاني، تناثرت فيه حجارة بازلتية سوداء، وتحيط به تلال عديدة مماثلة، كانت معاقل رهبانية منذ تاريخ رؤية القديس بولس فيه، أي قبل 1980 سنة تقريباً من الآن وبالتحديد الى قبيل السنة 34مسيحية.وقد لا يلفت هذا الموقع انتباه المسافر بأنه المكان الذي تحوَّل فيه شاول المضطهد إلى أبرز شخصية في العهد الجديد بعد الرب يسوع. فقد أصبح المجاهد الأكبر الذي لم يفتر خلال نيف وعشرين عاماً، عن التجوال في العالم الروماني مبشّراً بالعقيدة الجديدة بين اليهود والوثنين، متحملاً أذى هؤلاء وأولئك، وقد سُجن مراراً ولسنين طويلة، واستهدف لضرب السياط وللرجم بالحجارة، وتعرض للموت وغرقت فيه السفن ثلاث مرات، وعانى شدائد الأسفار، وأهوال السهر والجوع والعطش، وعنت الطبيعة المخيف حتى قضى شهيداً.

كانت عظاته مثالاً رائعاً لفن الخطابة، و في كل الموضوعات، التي تهم هذا الدين

نصب القديس بولس في كوكب في دير الرؤية
نصب القديس بولس في كوكب في دير الرؤية

الجديد، لا بل كانت مصدراً رئيساً للتشريع بشقيه الروحي والاجتماعي، وكان لها الأثرالأبعد في نشر المسيحية، وفي تشديد عزائم التلاميذ.

عندما يعود بولس إلى الماضي من حياته، يراها بقسميها واضحة أمام عينيه، حياته “بدون المسيح”، وحياته “مع المسيح”، ومعه الآن من المنحنى الكبير الذي يقسم هذه الحياة إلى قسمين: إلى ثلاثة شلالات، تنبع من حياتها الواحد تلو الآخر هي: استشهاد استفانوس أول الشهداء، الاضطهاد في اليهودية الذي مارسه على اصحاب هذه الطريقة الجديدة، وسفرته إلى دمشق للقبض أيضاً على أتباع هذه الطريقة الجديدة، وزعيمهم حنانيا، وسوقهم مكبلين إلى أورشليم ليتم الفتك بهم.

وتتدحرج هذه الحياة العاصفة بسرعة، نحو ذات الارتداد العظيم، الذي يحمل النهر، ويقوده إلى مصب جديد، ليوزع قواه الهائلة، لا ليدمر، بل ليزداد ويتضاعف، ويثمرْ، و يحمل الخيراتْ إلى الإنسانية.

لكنه لم يكن كذلك قبل المعجزة التي حصلت معه في كوكب، فقد عُرف في أورشليم مضطهداً للكنيسة. فكيف وصل إلى هذا الارتداد؟ و أية مراحل اجتازها في داخله؟ سيبقى ذلك من الأسرار. لقد التصق بولس بطابع ارتداده الفائق الطبيعة، التصاقاً لا تنفك عراه، وصارالمسيح السماوي بملء قوته في توافق مع حياته.

بدأ هذا الارتداد بعد ثلاث سنين من صعود الرب إلى السماء، حين تكاثر المسيحيون في دمشق إلى درجة أقلقت السنهدريم (مجمع اليهود في أورشليم )وذلك بعد خلو أورشليم من المسيحيين الذين منهم مَنَ ذهب إلى (يوبي) حيث كان بطرس يعلمْ. ومنهم إلى السامرة حيث كان فيليبس، وآخرون تاهوا وتشردوا، ومنهم من وصل إلى دمشق قلب سورية الشرقية، فساهموا بزيادة عدد المسيحيين فيها. وانصب سيل اللاجئين المسيحيين هؤلاء إليها، وكانت بالمقابل فيها أكبر الجوالي اليهودية.

صورة من الجو للدير
صورة من الجو للدير

كان لليهود من أيام الملك آخاب الحق بفتح المحلات التجارية على جانبي الطريق الطويلة. هناك خوف كبير على الألوف من اليهود المؤمنين من هؤلاء اللاجئين المسيحيين، يجب أن تتطهر دمشق من هذه الخلية، ولم يكن أحسن من شاول لتنفيذ مهمة القضاء عليها، فصفاته وأفعاله توحي للسنهدريم بالارتياح، فهو فريسي متعصب، ويحمل الجنسية الرومانية، وأهم من كل شيء، أنه كان يرغب بمتابعة اضطهاد المسيحيين في دمشق، بعد قيامه بذلك في أورشليم، وقام المجمع بتفويضه بشكل كامل بذلك، وزوَّده بكتب إلى رؤساء اليهود في دمشق، وإلى الحاكم فيها الذي ” كان تحت إمرة الملك الحارث يحرس مدينة الدمشقيين “.

هكذا ينطلق بولس ماراً بباب دمشق في أورشليم القريب من ضريح استفانوس الشهيد على رأس فرقة مسلحة وكان يمتطي جواده. السفرة تستغرق مدة أسبوع والمسافة مئتان و خمسون كيلو متراً. و كانت هناك ثلاثة دروب كلها تقود إلى دمشق، ولا شك فيه انه اختار طريق سهل كوكب فهو الأسهل، والأقرب، واختار الطريق المختصرة. و بعد ستة أيام وصل الموكب إلى عتبة تل كوكب البركانية عند مشارف دمشق .

كان شاول كالصياد الذي سيطر عليه هوس لا يُكبح لجامه، ومع ذلك لم يكن هو

ظهور المسيح لشاول الطرسوسى- القديس بولس الرسول
ظهور المسيح لشاول الطرسوسى- القديس بولس الرسول

الصياد الوحيد في رحلته. كان هناك صيادٌ آخرُ/أمهر منه/ صيادُ التلاميذ كان يتبعه خطوة خطوة، وأنى لبولس أن يعرف، وهو يطارد المسيحيين الذين هربوا منه، في كل طريقه، من باب دمشق إلى جنين إلى سهل عسقلان إلى الناحية الخلفية لجبل حرمون المكلل بالثلوج، أعتاب جبل الشيخ المقارب لدمشق، أنى له أن يعرف انه مطارد من “الصياد الإلهي” الذي ناداه:”شاول شاول لماذا تضطهدني؟” حسب أعمال الرسل، وقد ترافق القول مع برق مبهر سطع من السماء، أسقطه من على ظهر جواده إلى الأرض .

فحصل هذا الارتداد العنيف، والانقلاب الكامل فيه، فتحول شاول العدووايما عدو، العدو الألد للمسيحية مناضلاً، وواعظاً وملتهباً في سبيلها حتى لقب بألقاب لا حصر لها: (رسول الأمم، رسول الجهاد الأمين، المجاهد الأكبر، هامة الرسل ، المشرع الأول …) وما ذلك إلا لكثرة مواهبه، فهو كان ممتلئاً بالفلسفة اليونانية ، وعالماً متبحراً بالتوراة والأسفار والعهد القديم، لذلك جمع المعرفة الكاملة في تبشيره، و تبدى ذلك جلياً في رسائله، حتى عدَّه البعض أنه شوشّ بساطة المسيحية بأن فلسفها .

القديس بولس يكتب رسائله الرعائية
القديس بولس يكتب رسائله الرعائية

و لقد لفتت هذه الواقعة الأنظار إلى أهمية موقعها فبادر المؤمنون وقتئذٍ إلى بناء دير رهباني في هذا الموقع، عُرف باسم “دير رؤية القديس بولس ” فقطنه الرهبان والكهوف والمغاور المنتشرة في التلال المحيطة.

لكن مع الأسف، ولظروف طبيعية وبشرية، تعرض هذا الدير كغيره من الأديار والكنائس القديمة إلى العبث به أولاً ثم إلى الزوال، ولم يبق منه حتى أوائل الستينات، وقت إعادة بنائه سوى رسوم مندرسة، عن بعض الأحجار الصقيلة، ورأس عمود كورنثي، وخرزتا بئرين لجمع مياه المطر في أعلى التل، والآخر عند السفح المقابل. وهناك خنادق وأسس مكشوفة لبناء لا شك في ضخامته، و بعض تلك الجدران، لا يزال كلسها عالقاً، وفيها مقاعد صخرية، وهناك بقايا كنيسة تقع بين التلة البركانية وبين الطريق الرومانية المتجهة إلى الجنوب، وهي عبارة عن أحجار نحيتة مختلفة الأحجام لعل أضخمها كان رتاجاً لباب. وقد تجد هناك كسرات آجر كان مستعملاً في البناء .

مخطط دمشق القديمة زمن الرومان
مخطط دمشق القديمة زمن الرومان

الوضع مماثل تماماً لدير الشاروبيم في أعلى قمم صيدنايا، و لكن الفارق يكمن أن أحجار الشاروبيم، بقي كمها الأكبر في سفح الموقع، وإن كان كمها الأصغر استجره سكان قرى رنكوس وعسال الورد لبناء مساكنهم. و بالمقابل فإن أهالي القرى المحيطة “بدير رؤية بولس” في كوكب فعلوا الشيء عينه، وأن كانوا قد استجروا كل الأحجار في بناء مساكنهم.(على قول أهالي صحنايا، وعرطوز، و جديدة عرطوز بالتواتر عن أجدادهم). و هذا ما حصل أيضاً في الآثار المسيحية في ادلب و جسر الشغور و حوران و السويداء… وهكذا لم يبق من أحجار هذا الدير العظيم، إلا النذر اليسير الذي كان ديراً عامراً، ضاجاً بالحياة تقريباً إلى القرنين التاسع، والعاشر للمسيح أي ما بعد الفتح الإسلامي لدمشق بقرنين أو ثلاثـة.

في الستينات، عثرت مجموعة من الفلاحين في أنقاض هذا الدير على مبخرة ذهبية، (كما قال المرحوم الأستاذ د. يوسف سمارة مدير الآثار في دمشق في ستينان القرن20)، وتعود إلى العصور المسيحية الأولى، ويتابع الدكتور سمارة بأن:” وجود هذا الدير كانت قد أثبتته شهادات من القرون الوسطى زمن الفرنج و حروبهم في بلاد الشام مثل كتاب :

“تاريخ القدس” لمؤلفه جاك فيتري ، وكتاب “مذكرات الشيفالية دارفيو ” الذي استَشْهَد به جالابر ،و كتاب “رحلة إلى بلاد المشرق” لتيفينوص 434 الجزء الثاني ، وكتاب “وصف الشرق” لبوكوك ص 119-128 ، و كتاب “رحلة من حلب إلى دمشق” لكرين ص 65-66 وكتاب “خمس سنوات بدمشق” لبورتر ص 43 و كتاب”وصف فلسطين و الجليل” لكيران ص 305-306 في الجزء الثاني.”

كنيسة الدير من الداخل
كنيسة الدير من الداخل

وجالابر الذي يذكر إن أكثر الإدلاء يؤكون أن كوكب هي مكان الرؤيا البولسية و المؤرخ بجاندر الذي استشهد بكتاب “في بلاد التوراة” لمؤلف مجهول.

ويذكر الأب بارنابة ما يستر مان في دليله عن الأرض المقدسة 1907 “إن قرية كوكب الصغيرة تحتوي على بقايا كنيسة في جوار التلة المدعوة مار بولس .

أما ليكليرك فيقول في مقاله “بولس”:”إن خير ما يروى في هذا الصدد ما جاء في كتاب “كانت التوراة على حق” لمؤلفه هيوشونفيلد” والكتاب ذو شهرة عالمية تحرى فيه كاتبه تتبع الحقائق التاريخية ومقارنتها واستخلاص النتائج بحيث لا يدع مجالاً للشك فيما يقدمه .

وقد تحدث عن شاول انه شاب متين البنية قادر على المشي مسافات طويلة ولكنه احتاج إلى أسبوع كامل على الأقل في رحلته حتى وصل إلى مشارف دمشق بسبب فقدانه البصر.

حارة حنانيا في دمشق القديمة وهناك تقع كنيسة حنانيا
حارة حنانيا في دمشق القديمة وهناك تقع كنيسة حنانيا

“في ناحية كوكب، على بعد عشرة أميال من المدينة، مرَّ شاول بتجربة الرؤيا التي كان من شأنها وأثرها ما نعرف من قراءة سفر أعمال الرسل”.

ويورد (شونفييلد): “إنه جاء في مخطوطات البحر الميت التي عُثر عليها هناك عام 1946 كيف هاجر مؤسسو الطائفة التي كتبت تلك المخطوطات إلى أرض دمشق حيث أقروا(العهد الجديد)، وكان يتزعمهم حقوقي يدعونه (كوكب) أو(النجم)، وهم جميعاً اتباع معلم البَّر الأكبر”.

ويقول (شوفيه، وإيزامبرت) في كتابهما “رحلة وصفية وتاريخية وأثرية في الشرق” ص492 عندما يتحدث عن كوكب: “أنه يجب أن نعتبر هذا المكان المحل الذي حدثت فيه رؤيا القديس بولس، واهتدائه إلى المسيحية، كما ذهبت إلى ذلك أقدم التقاليد التي كانت مقبولة في زمن الصليبيين”.

ومثله يقرر (جاكيه) في كتابه عن “أعمال الرسل” :

ويقول (د.يوسف سمارة):” واسم كوكب نفسه أليس فيه كثير من الدلالة على النورالذي غمر بولس في طريقه إلى دمشق”.

احدى طرق الغوطة وفي الغوطة كان اكثر من 15 دير منها دير بولس
احدى طرق الغوطة وفي الغوطة كان اكثر من 15 دير منها دير بولس

أما العّلامة (الأستاذ محمد كرد علي) صاحب كتاب “خطط الشام” فيقول في الجزء السادس عن رواية البكري، أنه قال:”ودير بولس آخر، ودير بطرس، أو نطرس، وهما معروفان بظهر دمشق في نواحي بني حنيفة في ناحية الغوطة، وإياهما عنى جريربقوله:

لمّا تذكرت بالديرين أرقني…………………….صوت الدجاج وقرع النواقيس

فقلت للركب إذ جدَّ المسير بنا…………………يا بعد يبرين من باب الفراديس

ويتحدث (وصفي زكريا) في الجزء الثاني من كتابه “الريف السوري ” ص 405 – 406 عن “خربة كوكب” فيقول:”إن سبب وجود الكنيسة والديرهناك هو ما جاء في الكتب المسيحية، من أن هذا المكان هو الذي اهتدى فيه شاول (مار بولس ) حينما

باب بولس في سور دمشق
باب بولس في سور دمشق

كان قادماً إلى دمشق ليلقي القبض على من تنّصّر فيها، ويسوقهم إلى أورشليم موثقين”، وأن الآية الباحثة عن هذا الاهتداء، وعن ظهور المسيح ومخاطبته شاول قد وقعت هنا:” في ذهابه حدث أن أقترب إلى دمشق فبغتةً أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له:”شاول شاول لماذا تضطهدني؟ وصار لا يبصر أحداً فاقتادوه بيده وأدخلوه إلى دمشق وآمن بالمسيح، وأخذ ينشر الدين الذي كان يريد القضاء عليه…”

الطريق الرئيس في الدير
الطريق الرئيس في الدير

ولا يزال سكان القرى المجاورة لكوكب، يدْعون هذا المرتفع باسم تلة مار بولس، ولها عندهم منذ القرون الأولى حرمة وتقديس، فقد كانوا ينذرون تعميد أطفالهم في الدير. وبعد زواله اصبحوا يقومون بذلك على قمة التلة كونها مقدسة. وبقي الحال حتى بناء الدير مجدداً في عام 1962.

شراء أرض كوكب

أذكر كلاماً سمعته من المرحوم الارشمندريت نقولا رزق كاهن بلدة صحنايا قاله لمثلث الرحمات ابينا غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع عام 1980 أمامنا، وكنا برفقته عندما زار غبطته هذه البلدة بعد تسلمه العرش الانطاكي عام 1979. نقل فيه إلى غبطته تمنيات أهالي رعيته، ورعية جديدة عرطوز من أجل الإهتمام أكثر بدير القديس بولس في كوكب، خاصة وقد كثرت التعديات على بنائه وأرضه. وقد روى لغبطته الكثير من التعديات والمخالفات، ثم استعرض لغبطته قصة شراء البطريركية لهذه الأرض في الثلاثينيات في عهد مثلث الرحمات البطريرك الكسندورس طحان،

البطريرك الكسندروس طحان 1931-1958
البطريرك الكسندروس طحان 1931-1958

حيث قال لغبطته حرفياً:” في الثلاثينيات جاءني صاحب أرض كوكب، وهو من أعيان المسلمين الدمشقيين قائلاً لي:” بأن رهباناً أجانب جاءوه مؤخراً ومعهم خرائط قديمة استدلوا منها على موقع رؤية بولس الرسول في كوكب، وبذلوا له مالاً وفيراً ليبيعهم الأرض من أجل أن يبنوا عليها ديراً …” ويتابع الارشمندريت نقولا القول لغبطته، نقلاً عن صاحب الأرض ما قاله :”… أجبتهم أنني وإن كنت مسلماً، ولكنني عربي أولاً وأخيراً ودمشقي بالأخص، ولا أبيع هذه الأرض إلا لأبناء عمومتي العرب المسيحيين الأرثوذكس وعلى رأسهم البطريرك الكسندورس طحان الدمشقي نصير الثوار ضد الانتداب الفرنسي، وقبله البطريرك غريغوريوس حداد نصير الملك فيصل، والثوار في الغوطة ضد الفرنسيين، ومطعم الجياع رحمه الله، فهم أصحاب هذه الأرض، وهي أرضهم قبل أن يأتي الإسلام إليها ، وأنا وإن كنت مسلماً وأفتخر بذلك، إلا أنني افتخر أيضاً بأبناء عمومتي اتباع بطريركية الروم الأرثوذكس، فتاريخهم يشهد على عروبتهم، ولهم وحدهم حق بناء الأديرة على مزاراتهم المقدسة. وإن لم يدفعوا لي ثمن هذه الأرض، فأنا أهبها لهم فهي حقهم الطبيعي. وكان لهم فيها دير عظيم على ما نعرف وآثاره تشهد بذلك…”

يتابع الارشمندريت رزق فيقول:” سارعت وعرضت الأمر على سيدنا البطريرك

البطريرك غريغوريوس الرابع 1906-1928
البطريرك غريغوريوس الرابع 1906-1928

الكسندروس رحمه الله، الذي أعجبته شهامة السيد المذكور وعروبته ووطنيته وانفتاحه، وطلب الاجتماع به، فدعوته إلى البطريركية، واجتمعا بحضوري، وكان سرور الأخ عظيماً بمقابلة غبطته. فكلفني البطريرك أمامه بشراء الأرض ومتابعة إجراءات تسجيلها وقفاً أرثوذكسياً، وقدم للبائع مبلغاً قليلاً قياساً على ما قدمه الرهبان الأجانب. ومع ذلك وافق البائع واعتبر ذلك مساهمة منه في البناء، لأنه كان قد علم بأن البطريركية كانت تقوم تبع أوقافها لتفي الديون الباهظة التي استدانها مثلث الرحمات البطريرك غريريوس حداد أيام “مجاعة السفر برلك” لإطعام الناس بغض النظر عن أديانهم. وغادر المذكور البطريركية وهو يكيل الدعاء للبطريرك الكسندروس بطول العمر.”

بناء الدير

بقيت هذه الأرض مهملة، لم تستطع البطريركية بناء الدير فيها، لعدم توفر السيولة النقدية من جانب، ولكونها أصبحت منطقة عسكرية بعد قيام دويلة إسرائيل في فلسطين، المتاخمة للجولان وجنوب سورية عام 1948، وقد عسكر فيها الجيش العربي السوري منذ ذاك التاريخ .

وفي عام 1961 تم شراء أجزاء جديدة من هذا الموقع، وبدأ البناء بسعي البطريرك

البطريرك ثيوذوسيوس ابو رجيلي 1958-1969
البطريرك ثيوذوسيوس ابو رجيلي 1958-1969

ثيوذوسيوس أبو رجيلي عند البطريرك الروسي الكسي وذلك في زيارته الأخوية الأولى إلى البطريركية الأرثوذكسية الروسية في موسكو. وقد تبرعت الأخيرة مشكورة بتبرع سخي من أجل تنفيذ ثلاثة مشروعات أرثوذكسية في دمشق وهي:

  1. بناء هذا الدير في موقعه التاريخي وقد قدمت أيضاً مخططات هندسية.
  2. وبناء مستشفى أرثوذكسي في دمشق مع تجهيزاته الفنية والطبية مماثلاً لمستشفى القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في الأشرفية ببيروت.
  3. ومخبر حديث جداً لمدارس الآسية الأرثوذكسية الدمشقية .

وبالفعل تم بناء دير رؤية القديس بولس في كوكب، وتجهيز مخبر مدارس الآسية فيما حوّلت المعونتان المالية والفنية المخصصتان لبناء المستشفى بدمشق إلى مستشفى القديس جاورجيوس ببيروت، كونه قائم ويمارس خدمته الطبية.

هندسة البناء

أما شكل الدير حالياً، فهو عبارة عن بناء دائري شامخ في وسطه كنيسة، وقد أُحيط بأطلال أعمدة وقناطر لتوحي للناظر بقدم هذه الذكرى .

البطريرك اغناطيوس الرابع
البطريرك اغناطيوس الرابع

تابع غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع (1070-2012) السير في طريق أسلافه في الاهتمام بهذا الدير، فشكل لجنة من القرى المجاورة لتهتم به ولتسترجع أراضٍ منه كانت قد أُستملكت لصالح الجيش ومؤسسات عامة، وتم تسييجه ووضع ناطورفيه. وأخيراً كلف قدس الأشمندريت متى رزق أحد كهنة البطريركية الشباب، وهو من بلدة جديدة عرطوز بالإقامة فيه، وتأسيس رهبنة والسعي لتطويره بالتعاون مع اللجنة الخاصة بذلك، وجدير بالذكر أنه يقام في هذا الدير ومنذ تدشينه عام 1962 قداس احتفالي في 29 حزيران من كل عام بمناسبة عيد الكرسي الانطاكي المقدس، عيد شفيع الدير، تحضره ألوف وافدة من المؤمنين من دمشق، ومعظم الأرجاء السورية واللبنانية بالإضافة إلى أبناء الرعايا المجاورة .

وتنفيذاً لإعلان غبطته من إنطاكية مع شقيقه البطريرك المسكوني برثلماوس في 29 حزيران 1999 عن بدء الاحتفالات الألفية لتشمل كل العالم الأرثوذكسي مع خصوصية دمشق كونها عاصمة الكرسي الانطاكي، فإن هذه الاحتفالات كانت قد بدأت في الدير المذكور في أول السنة الكنسية في 1 أيلول 1999 وذلك لأهمية هذا الدير ورمزيته حول اسم احد القديسين المؤسسين للكرسي الأنطاكي المقدس. وقامت

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

“أخوية إحياء و نشر تراث القديس بولس الرسول الروسية” بمساعٍ وتدبير من أحد اعضائها، وهوالسيد سمير غضبان ووالده الدكتور شكيب من جديدة عرطوز، بوضع نصب تذكاري للقديس بولس (الحالي) في ساحة الديرباحتفال كبير برئاسة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع، وبحضور حشد كبير من رجال الدين المسيحي والإسلامي، من مختلف الطوائف والمذاهب، و”أخوية إحياء تراث القديس بولس الروسية” يتقدمها الجنرال فالانتين مستشار الرئيس الروسي بوتين وآلاف من المؤمنين من المنطقة، ومن دمشق جاؤوا خصيصاً.

الخاتمة

ختاماً نقول، أن هذا الموقع، يعطينا دليلاً ضافياً على أهمية سورية مسيحياً بشكل عام، ودمشق المقدسة بشكل خاص، فهذه لم تكن فقط مجرد بوابة عبور للمسيحية الوافدة من فلسطين، بل كانت صاحبة الدور الرئيس في نقلها بالبشارة مع بولس الرسول الذي حولته هي في ماء بردى وفي بيت دمشقي وعلى يد أول أسقف في العالم خارج القدس، وهو حنانيا الرسول، وغيره الى سورية الداخلية والساحلية وانطاكية شمالاً وكيليكية وبلاد سائر المشرق،والى المسكونة عامة… والى العربية جنوباً، والى الشرق في بلاد الرافدين، وإلا لما تلت إنطاكية في الأهمية ولما أصبحت العاصمة الأبدية للكرسي الانطاكي المقدس، وما ذلك إلا لكونها زاهية بلاد الشام، وعاصمتها الخالدة على مر العصور وهذا فخرنا وعزتنا .

المشاركون الروس في احتفال وضع نصب القديس بولس في الدير
المشاركون الروس في احتفال وضع نصب القديس بولس في الدير




أضف تعليقاً