الشاعر اللبناني سعيد عقل

الشاعر اللبناني سعيد عقل

رغم سنوات عمره التي عاشها جاوزت القرن وفارق بها الدنيا في أواخر العام المنصرم 2014 إلا أن روح الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل، ما زالت تنبض بالحياة والحرية، وبوعي مميز ولا يزال شعره يضج بالحياة والسعادة والفرح

سعيد عقل يلقي الشعر
سعيد عقل يلقي الشعر

والحبور…

وخاصة نحو دمشق والشام فهوبالاضافة الى الحياة والفرح يضج بالفخار والشموخ والإباء، وكأني به دمشقي المولد والسيرة…

بعض من سيرته الذاتية

ولد رحمه الله في مدينة زحلة اللبنانية في 4 تموز عام 1912، ولم يخطر بباله يوماً أنه سيكون شاعراً، بل كان يرى نفسه مهندساً أو مخترعاً وهذا ما صرح به لاحقاً، في الكثير من المقابلات الصحفية والاذاعية والتلفزيونية…وقد برر توجهه نحو الشعر، فقال:” أنه يرى ثمة علاقة وثيقة بين الشعروالعلوم، فالعلم هو الرئة النظيفة للقصيدة الشعرية، ويجعلها أكثر قدرة على تفسير المعنى والوجود…

تميز شعره بالجنوح إلى الرومانسية حيناً وإلى الرمزية حيناً آخر، وهما المدرستان اللتان كانتا سائدتين في زمان ألقه الشعري في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين على الخصوص. وضمت أعماله الشعرية بعضاً من أجمل شعر الغزل في الشعر العربي المعاصر، وهذه يمكن التماسها في “ديوان رندلى” الذي يعتبر واحداً من أجمل دواوينه الشعرية، فقال في إحدى قصائده:

“”كنت ببالي فاشتممت الشذا فيه ترى كنت ببال الورود…..

في نجمنا أنت وفي مدعى أشواقنا أم في كذاب الوعود…”

إحساسه الشعري في دمشق

ولأنه شاعر الحس والرقة الذي يعشق كل جميل، وجد في دمشق الفيحاء رمزاً لهذه الصور البديعة، فالشام هي عاصمة الجمال والتاريخ في آنْ، ولم تغب أبداً عن شعره، بل حظيت بجانب وفير من قصائده لأنه رأى فيها مهد الحضارات، ومنبت الإبداع والعزة والفخار… وأبرز هذه القصائد:

بقايا المعبد الوثني جوبيتير
دمشق القديمة بقايا معبد جوبيتير

“سائليني يا شآم- أحب دمشق- يا شام عاد الصيف- شام يا ذا السيف- قرات مجدك- وبالغار كللت”

وكانت أول قصيدة أبدعها عقل- لدمشق هي قصيدة: “سائليني ياشآم” التي نظمها عام 1953 والتي ناهز عدد أبياتها سبعين بيتاً فقال فيها:‏‏

“سائليني حين عطرت السلام……. كيف غار الورد واعتل الخزام

وأنا لو رحت أسترضي الشذا……. لانثنى لبنان عطراً يا شآم”

والشآم في شعرسعيد عقل هي معقل المجد التي ارتقت إلى العلياء، واخترقت الفضاء، فكانت كالشهب التي لا يدانيها شيء في علوها، فقال في قصيدته الملحمية:

“قرأت مجدك”

“قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب…. شآم ما المجد أنت المجد لم يغبِ

إذا على بردى حور تأهل بي……… أحسست أعلامك اختالت على الشهبِ”

اطلالة من قاسيون على دمشق
اطلالة من قاسيون على دمشق

لقد كان لقصائده في دمشق وقع على قارئي الشعر ومحبيه. واتصفت بغنائية وموسيقية عالية، ما جعلها محط أنظار الأخوين رحباني اللذين وجدا فيها ضالتهما ليعبرا بدورهما عما تمثله الفيحاء لهما، فكانت هذه القصائد تحية منهما في ليالي معرض دمشق منذ الستينيات بصوت سفيرتنا إلى النجوم فيروز كما في قصيدة:”خذني لعينيك”

“شآم أهلوك أحبابي وموعدنا……… أواخر صيف آن الكرمُ يُعتصرُ

نُعتق النغمات البيض نرشفها…….. يوم الأماسي فلا خمرٌ ولا سهرُ

شآم يا ابنةَ ماضٍ حاضرٍ أبدا…… . كأنك السيف مجد القول يختصر”

ويكررسعيد عقل وصف دمشق بالشهاب المار في السماء في قصيدة ثانية هي:

“شام يا ذا السيف” والتي غنتها فيروز بصوتها أيضاً فقال:

“شام يا ذا السيف لم يغب………يا كلام المجد في الكتب

قبلك التاريخ في ظلمة ……….بعدك استولى على الشهب””

ساحة الأمويين ونصب السيف الدمشقي... شام ياذا السيف لم يغب
ساحة الأمويين ونصب السيف الدمشقي…
شام ياذا السيف لم يغب

هذه القصيدة الرائعة والمغناة بأكثر من الروعة بصوت فيروز ولحن الأخوين رحباني جعلتنا ونحن في حرب تشرين التحريرية 1973 نعانق السحب فخراً واتحدث هنا عن هذا الواقع وقد كنت مقاتلاً في الجيش السوري الشامخ وننظره بثها من الاذاعة السورية ونحن على بطاح الجولان نقارع العدو الاسرائيلي…فتدفعنا كبقية هذه القصائد نحو النشوة والاقدام غير هيابين…

ألوان شعر سعيد عقل

حار كثيرون في تفسير الفرح، الذي يسري في شعره، والموسيقا التي تميزه فجاوبهم سعيد عقل أنه قبل أن ينظم الشعر يسيطر عليه نغم القصيدة فتوحده الحالة الشعرية مع الكون، وهذا يعني أن مادة الشعر وروحه، هما الموسيقا كقولة في قصيدة: “ألعينيك”

“من ترى أنت إذا بحت بما………خبأت عيناك من سرالقدر

حلم أي الجن يا أغنية…………..عاش من وعد بها سحرالوتر”

والمرأة في حياة سعيد عقل الشاعر، وكما بقية الشعراء، ما زالت هي التي تتمتع بالنبل والأخلاق، وهذه المرأة وهي الكائن الجميل الذي خلقه الله، توحي بالشعر العظيم، وتستحق الشعر، وحسب رأيه فإن الغزل الذي لا ينطلق من القداسة هو كلام خارج الغزل، فالشعر الغزلي له رسالة، وليس مجرد أفكار أو كلمات مستوحاة، فيكفي أن تكون هي بطلة القصيدة، ومجرد كتابته الغزل يعني أنها موجودة أو يفترضها في خياله موجودة ودائمة الوجود، حيث قال في قصيدته: “زهرة الزهور”

“كن أنت للبيض وكن للسمر….

ما همني حبي أنا…

يبقى سعيدة به وإن أشقى…

تحبني أو لا تحب أنت العمر…

أما كفى أني على يديك أشتات إلهية…

بي نية يا حلو أن أغرق في عينيك…”

إهتمامات أخرى لسعيد عقل

يذكر أن شاعرنا الملهم سعيدعقل كان قد مارس الصحافة والتعليم، وكتب في مطلع الثلاثينيات في جرائد البرق، والمعرض، ولسان الحال، والجريدة، وفي مجلة الصياد، وكانت له مؤلفاتٌ كثيرة أبرزها:

مسرحية “بنت يفتاح والمجدلية”، و”قدموس” و”رندلى” وصدر له كتيب نثري بعنوان: “مشكلة النخبة” وكتاب “يارا وأجراس الياسمين” وكتاب “خماسيات”، وفي عام 1981 صدر له ديوان شعر باللغة الفرنسية اسمه: “الذهب قصائد”

وكان يطالب دوماً باللغة اللبنانية وذلك من شدة تعلقه بلبنان وارزه…

رحل عن دنيانا اواخر عام 2014 وله من العمر مائة وسنتان ويعتبر من قامات لبنان الشعر والثقافة والأدب…

أضف تعليقاً