” إكنزوا لكم كنوزاً في السماء…”

” إكنزوا لكم كنوزاً في السماء…”

يحكى أن أحد الرهبان السائحين و بعد مسير طويل في ديار الرب الواسعة (الراهب السائح من الذين يتجولون في كل مكان ينشرون الروحانيات، ويعلمون المؤمنين الايمان الحق بدون الارتباط في اديار او قلالي رهبانية ويكتفون بالنذر اليسير من القوت الضروري وينامون في العراء، ويُدفنون في المكان الذي يموتون فيه كمقام السائح في جبل السائح في بلدة الناصرة من وادي النصارى في سورية ). مكث في المكان الذي وصل اليه في البرية عندما أرخى الليل ستائره…

الارشمندريت الياس مرقص مؤسس دير القديس جاورجيوس الحرف الرهباني
الارشمندريت الياس مرقص مؤسس دير القديس جاورجيوس الحرف الرهباني

كعادته صلى صلوات الساعات والغروب ومنتصف الليل ونام، حضرته رؤيا، رأى فيها راعياً رث الثياب، وجهه مغبر، يمشي حافياً وقد شد وسطه بخيط صوف، وهو يحرك عصاه الطويلة على غنمه.

وسمع وهو في حضرة الرؤيا صوتاً يناديه: “لا تستخف بهذا الرجل، ولا تستصغر من شأنه، فهو من أبناء الإيمان… وعليك ان تتواصل معه.” كما ووجد نفسه في الرؤيا انه يسرع إلى الراعي ويأخذ يده ويقبلها.

نهض السائح فوراً، ولاتزال خيوط الفجر الأولى تجاهد ليبزغ، ولا زال يتذكر ما رآه في رؤيته، بل لم تبرح هذه الرؤيا من امام باصريه، واستعاد صورة الراعي وملامحه، وقال في نفسه: “قد يكون حلمي هذا رؤية حقيقية صادقة أراني إياها الله له المجد، لحكمة يعلنها لي لاحقاً لأتدبر وأفكر…”

وعندئذ فكر وقال لنفسه: “علي أن أتأكد إن كان مثل هذا الراعي موجوداً حقاً”

صلى الصلاة الباكرية والسحر… ورشف رشفة ماء، وتناول كسرة يابسة من الخبز ، ثم انطلق ومعه كعادته القليل من الخبز اليابس وبعض الماء، وتوكأ عصاه وسار في درب غير معروف لديه، ولا يعرف بالتالي الى اين يؤدي…!!!

ايقونة الراعي الصالح
ايقونة الراعي الصالح

انحصر هم السائح في البحث عن ذلك الراعي، وصار يسأل عنه من يصادفه في دربه واصفاً اياهحيث كانت صورته مطبوعة أمامه،وكأنه عاش معه طويلاً…

بعد عدة ايام أقبل على كوخ منعزل واقع في وادٍ قاحل بين تلتين، فاستقبلته امرأة فقيرة كما لاح له من ثيابها الرثة وفرش البيت الفقير، وقد رحبت به بشدة كونه راهب يقدس بيتها، وقدمت له افضل ماعندها من واجبات الضيافة، وفرشت له في مكان الضيوف من البيت، فقام وانتحى ركناً وبدأ بصلاة الساعة الأولى كعادة الرهبان… والسجود ومع كل سجدة ومطانية كان يردد بعمق وإيمان: “ايها الرب يسوع المسيح ارحمني انا عبدك الخاطئ”.

ابتعدت المرأة إلى داخل البيت لبرهة يسيرة،و عادت، وكان الراهب مستمراً في سجداته الأربعين…مقرونة بالطلبات الابتهالية والصلاة، و كانت هي تختلس النظر إليه مدهوشة من صلاته الحارة، وكأنه في حالة انخطاف روحاني، ومطانيات السجود الأربعين… ثم يقف مجدداً بعد كل سجدة ومطانية للرب ويتمتم بصلوات خافتة يطلق بعضها بصوت عالٍ قليلاً عبارة:” يارب ارحم”… استغرق في صلواته كل الوقت …

وعند المساء جاء زوجها العائد من عمله، وكان يعمل راعياً لقطيع اغنام احد الأغنياء، وقد آوى قطيعه في حظيرة البيت، وكانت زوجته قد خفت لاستقباله خارجاً، واعلمته عن الضيف الموجود في الداخل، ويبدو انها حدثته بعجالة عن مدى تعبده وقداسته…

دخل الرجل مرحباًضاحك الفممبدياً شكراً لله على زيارة هذا الشيخ الراهب بيته… وانحنى امامه وحاول تقبيل يده… فسحب السائح يده بوداعة الرهبان، وقبله في رأسه وتفرس في وجهه وكم كانت سعادته فائقة، لقد كان الراعي نفسه الذي رآه في الرؤية، وارتاح وشكر الله ومجده بقوله:” المجد لك يارب المجد لك..”، ” أشكرك ايها الرب الهي” ارتاح الراهب لأنه الله أوصله إلى غايته التي سيره كل هذه الأيام لأجلها، و تمتم في ذاته انه سيرى كيف سيصلي هذا الرجل الموحى به في الرؤية، والذي أمره الصوت الالهي بالتواصل معه… والذي شاهد نفسه يقبل يمينه… وسيراه كيف يتعبد حتى لقد اصطفاه الرب… وقال:” لابد ان تكون صلاة هذا الراعي الفقير والبسيط متصلة، ربما يقضي الليل بطوله وهو يصلي ، وسأتعلم منه عن الطريق الحقيقية في ممارسته صلواته… وماذا يصلي؟؟؟

اعدت الزوجة طعام العشاء البسيط، فقام الراهب بمباركة الطعام وصلى الصلاة الربانية…

راهب متعبد على ضفاف شبه جزيرة آثوس
راهب متعبد على ضفاف شبه جزيرة آثوس

وقد فوجئ بأن الراعي وزوجته اكتفيا برسم اشارة الصليب على وجهيهما ولاحظ انهما لايعرفان الصلاة الربانية وهذا مما زاد في حيرته…

بعد العشاء صلوا صلاة الشكر…

تحدثا قليلاً في العموميات وكل منهما عن نفسه، ثم انتقل الراهب الى سرد بعض سير القديسين والرهبان وجهاداتهم ضد الشيطان… وكان الراعي ينظر بشغف ويستمع الى كلام الراهب عن الايمان…

ثم اراد الراهب كالعادة ان يصلي، فأسرع الرجل وزوجته ووقفا بجانبه بوداعة وطاعة، لكنهما اكتفيا بالانصات دون الصلاة وثبت للراهب جهلهما بها. و فوجئ بالتالي بأنهما رسما الصليب على وجهيهما وجلسا ينتظرانه الانتهاء من صلاته، ليسلما عليه ويطلبا بركته ويستأذناه بالخلود الى النوم…

قال الراعي في نفسه:” طالت صلاة هذا الراهب كثيراً وأنا متعب وعندي عمل في الفجر”.

أماالراهب بدوره فكان مندهشاً، إن كان هذا الراعي وزوجته لايعرفان ابسط الصلوات فكيف وصل الى قدسيات الله التي اوحى له الله بها في الرؤيا؟؟؟ فأية صلاة هذه تلك التي يصليها هذا الراعي… ولابد ان هناك امر خفي…

أمضى السائح ثلاثة أيام ضيفاً على الراعي وزوجته وكان الراعي يخرج الى عمله في الفجر ويعود عند المغيب اما السائح فكان يختلي بنفسه في المحيط مصلياً متضرعاً وكل همه ان يكشف له الله هذا السر الذي انتدبه لأجله.

لكنه لم ير أو يسمع منه غير حمده الدائم لله، وشكره على كل شيء، كعادة الريفيين البسطاء مما زاد في حيرته…

وقبل أن يودعه، استقرت قناعة الراهب بأنه لا يعطي صلاته لله حقها، علماً انه يتلو كل الصلوات وعلى مدار اليوم !!! وقرر مفاتحته بالأمر، فدنا منه وأخبره عن سبب زيارته، وعما شاهده في رؤياه هذه التي دفعته للبحث عنه والتواصل معه… كما في تلك الرسالة الالهية، وسأله عن أفعاله التي هي سبب محبة الله له…

ضحك الرجل بوداعة واستحياء، وأجاب: ” أنا لم أفعل شيئاً، انا اعيش كما لاحظت ابونا، انا اسال الله ان يعطيني الخبز الجوهري في كل يوم كما تصلي وتعلمت منك تلك الصلاة الربانية وأسأله ان يعطيني الصحة، ولا اتشاجر مع أحد وانا كما رأيتني مسالم… لكن بعد أن أخبرتني الآن بسبب بحثك عني، وجب علي الاهتمام أكثر بصلاتي التي جهدنا زوجتي وانا وتعلمناها منك ايها المتقدس.. وسأتعبد الله مثلما تتعبده أنت…”

رد الناسك في حيرة:” اسمع يابني… لقد رأيتك في الرؤيا، وأنت ظهرت لي فيها انك من ابرار الله الذي أمرني بالبحث عنك، واكرر سؤالي لك عمافعلته وتفعله في حياتك، حتى أنك نلت كل هذه الحظوة عند ربنا له المجد.

ايقونة الراعي الصالح
ايقونة الراعي الصالح

سمع الراعي كلام الراهب واطرق يفكر وبدا كأنه تذكر شيئاً، ثم أخذ يتمتم به لنفسه، ثم رفع رأسه باهتمام وقال:

” اسمع يا ابتي الجليل، منذ زمان بعيد، كنت قد وصلت في تجوالي مع القطيع الى مكان قفر لا نبت فيه ولا ماء، وكنت وقطيعي بحالة عطشٍ شديد، حتى أنني أخذت أبحث في المكان، وأسعى راكضاً وراء السراب، وأنا أدعو الله أن أعثر على ماء، وإلا فسنموت عطشاً في هذه البقعة المهجورة …”

وتابع الراعي:”وفي هذه الأثناء سمعت صوت لهاثٍ، فأسرعت إليه، فرأيت كلباً يقف عند فوهة بئر، كان يحوم حوله، لسانه متدلٍ من شدة عطشه، وكان لا يقدر أن يصل إلى الماء في داخل البئر، فرق قلبي له، وأسرعت إلى البئر، وأمسكت بالدلو الذي كان بحوزتي وربطته بالحبل الذي اربط به ثيابي ، وأنزلته إلى قاع البئر، وملأته بالماء، ووضعته امام الكلب، فشرب حتى ارتوى، ثم شربت انا والقطيع، وغادرنا بعد استراحة بسيطة، فما كان من الكلب الا ان لازمني، أسرعت بالقطيع لكنه اسرع معنا، لقد لازمني حتى الآن، وها هو ذا يلتصق بي، ويخرج معي كل يوم، حارساً للقطيع، وخاصة في وجه الحيوانات المفترسة كالذئاب وكم دافع عن القطيع… وهو لا يفارقني إلا حين أذهب للنوم، حيث ينام على باب البيت حارساً لي وللقطيع…

وعجب السائح مما سمع ومجد الله، وقال للراعي: “حقاً إن عمل الخير بصدق وإخلاص لهو افضل انواع العبادات، وكم هي مقبولة عند الله “، وتابع بقوله للراعي:” انك يابني كنزت لك كنزاً في السماء، على قول السيد له المجد: ” اكنزوا لكم كنوزاً في السماء…” وكما يقول ربنا له المجد أيضاً:” ان صلاة البار تقتدر كثيراً أن تستعطف السيد” واثنى على ايمانه وودعه وزوجته شاكراً حسن الضيافة بالرغم من الفقر والعوز، وحاول تقبيل يده كما في الرؤيا، الا ان ذاك الراعي الفقير خجل جداً وانحنى لاثماً يد الراهب…

فقال الراهب:” أنا يابني تعلمت منكم درساً في العبادة الحقة وافضلها عمل الخير واحياء النفس..”

والسبح لله دائماً.


أضف تعليقاً