العصفوران الصغيران

 
التقى عصفوران صغيران على غصن شجرة زيتون معمرة
كان الزمان شتاء… الشجرة ضخمة ولكنها ضعيفة لاتكاد تقوى على مجابهة الريح
هز العصفور الأول ذنبه وقال: “مللت الانتقال من مكان الى آخر… يئست من العثور على مستقر دافىء… ما أن نعتاد على مسكن وديار حتى يدهمنا البرد والزمهرير والشتاء الضارب فنضطر للرحيل مرة جديدة بحثاً عن مقر جديد ومستقر جديد وبيت جديد…
ضحك العصفور الثاني وقال بسخرية:
“ما أكثر ما تشكو منه وتتذمر انت دائم التذمر ومتعب
لكن نحن هكذا معشر الطيور، خُلقنا للارتحال الدائم، كل أوطاننا مؤقتة.”
قال الأول:” أحرام علي ان أحلم بوطن وهوية، ولكم وددت أن يكون لي منزل دائم وعنوان لايتغير…
سكت قليلاً قبل ان يتابع كلامه: “تأمل هذه الشجرة، أعتقد ان عمرها أكثر من مائة عام، جذورها راسخة كأنها جزء من المكان، ربما لو نقلت الى مكان آخر لماتت قهراً على الفور لأنها تعشق أرضها…”
قال الثاني: “عجباً لتفكيرك… أتقارن العصفور بالشجرة؟ أنت تعرف أن لكل مخلوق من مخلوقات الله طبيعة خاصة تميزه عن غيره، هل تريد تغيير قوانين الحياة والكون؟ نحن_معشر الطيور منذ ان خلقنا الله نطير ونتنقل عبر الغابات والبحار والجبال والوديان والأنهار…
عمرنا نحن معشر الطيور ماعرفنا القيود إلا إذا حبسنا الانسان في قفص…
وطننا هو هذا الفضاء الكبير، الكون كله لنا…
الكون بالنسبة لنا خفقة جناح.”
رد الأول:
” أفهم… أفهم…: أو تظنني صغيراُ الى هذا الحد؟؟”
“أنا اريد هوية… عنواناً… وطناً، أظنك لن تفهم ما اريد”
تلفت العصفور الثاني فرأى سحابة سوداء تقترب بسرعة نحوهما، فصاح مذعوراً:” هيا …هيا… لننطلق قبل ان تدركنا العواصف والأمطار…أضعنا من الوقت مافيه الكفاية.”
قال الأول ببرود:” اسمعني، مارأيك لو نستقر في هذه الشجرة…تبدو قوية صلبة لاتتزعزع أمام العواصف؟”
رد الثاني بحزم:” يكفي أحلاماً لامعنى لها…سوف أنطلق وأتركك”
بدأ العصفوران يتشاجران…
شعرت الشجرة بالضيق منهما…
هزت الشجرة أغصانها بقوة فهدرت مثل العاصفة… فخاف العصفوران خوفاً شديداً، بسط كل واحد منهما جناحيه، وانطلقا مثل السهم مذعورين ليلحقا بسربيهما…”



 

أضف تعليقاً