الأرمن

الأرمن

مقدمة

هناك عبر التاريخ ظهرت شعوب كُتِب عليها أن لا تعرف الاستقلال والاستقرار، منها الشعب الارمني الذي يمثل مجموعة عرقية، مسيحية مميزة، أدت التهجيرات والمجازر التي انتابتها بسبب انتمائها العرقي والمسيحي إلى اقتلاعها من أرضها وتشريدها في أنحاء العالم.

نصب الكنيسة الأرمنية
نصب الكنيسة الأرمنية

– ولئن حافظ الأرمن في أرمينيا الحالية (التي أُنشِأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى والتي لا تمثل سوى 10/1 من مساحة أرمينيا التاريخية) على هويتهم، إلا أن هذه الهوية كانت معرضة للدمج أثناء الحقبة السوفيتية في البيئة الأوسع لكيان الاتحاد السوفيتي ولكن الرابط الأكبر كان الكنيسة الأرمنية، حتى نستطيع التأكيد أن هذه الكنيسة هي كنيسة القومية الأرمنية بامتياز، كالقبطية والأشورية.. وحتى يحافظ الأرمن في شتاتهم القسري المؤلم على ارتباطهم فقد أضافوا إلى كنياتهم (يـان) وخاصة منذ أواخر القرن 19 بينما لا يزال يوجد أرمن لا يحملون هذه الكنية لأن استقرارهم في مناطقهم كان أسبق من بدء واستمرار المجازر من الربع الأخير من القرن 19 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، من هؤلاء من يقيم في منطقة جسر الشغور وحلب (سورية).

أرض أرمينيا

– تتمحور أرمينيا الكبرى (التاريخية) حول بحيرة ڤان (تركيا حالياً) ضمن دائرة واسعة تصل مساحتها إلى 300000 كم2 ، وتتوزعها في وقتنا الحاضر نسبياً وبحسب المساحة وعلى التوالي: تركيا – أرمينيا الحالية – أذربيجان – إيران – العراق – وسورية. وهذه ظهرت منذ نيف وثلاثين قرناً.

تقابلها أرمينيا الصغرى التي قامت في مملكة كيليكيا في القرن 11 م.

– ينبع من هضبة أرمينيا نهرا دجلة والفرات ، ويُعتبر وادي أراكس في أرمينيا الحالية، وڤان في تركيا الحالية جنتين حقيقيتين، مما دعا البعض إلى تحديد موقع جنة عدن في أرمينيا. كذلك فإن أرمينيا تعتبر موطن الإنسان الثاني، إذ تُجمع الروايات على اعتبار جبل أرارات (تركيا الحالية) المكان الذي استقرت عليه سفينة نوح.

أما بقية أراضي أرمينيا التاريخية وتشكل 4/3 مساحتها فهي وعرة، وطقسها بارد ومعرضة لهزات أرضية متكررة.

التسمية والأصل

العلم الأرمني وشعار الكنيسة الأرمنية
العلم الأرمني وشعار الكنيسة الأرمنية

– أرجع المؤرخ اليوناني هيرودتس أصل الأرمن إلى الفريجيين. أما الجغرافي اليوناني سترابون والمؤرخ اليوناني تروفوس فيؤكدان أنهما من تساليا، وان اسم الأرمن مشتق من أرمينوس أحد زعماء مدينة أرمينوف في تساليا، وله الفضل في تأسيس مملكة أرمينيا التاريخية،

– أما التقليد الشعبي الأرمني، فيعيد الأصل إلى هيك حفيد نوح، الذي رفض الخضوع لملك بابل (بل الجبار)، فسار بجماعته إلى منطقة أرارات، حيث بنى باسمه عام 2107 ق.م مدينة قضى فيها على الجبار بل الذي لحق به في موقعة فاصلة بالقرب من بحيرة ڤان .

كما يعيد هذا التقليد الشعبي تسمية الأرمن إلى آرام أحد ملوكهم أو إلى أرميناك ابن هيك.

– أما الأب فارتان أشقريان فيذكر لجهة الشكل الأرمني بالاستناد إلى مختصين: ” أن الأرمن شعب هندي أوربي عرقاً ولغة أو من الأصول الآرية، إنما تأثر بالحضارات العريقة التي وجدها في مستقرها الجديد، ثم اندمج ببقية شعوب المنطقة بعد القرن 8 ق.م، فنتج عنها ما يعرف بالشكل الأرمني أو الأسيوي الغربي ونحن نميل إلى أنه من أصل آري مشتركاً مع سكان ما وراء القفقاس من شركس وشيشان وداغستان وكرج

تاريخ الأرمن

1- القديم

صورة تاريخية للأرمن
صورة تاريخية للأرمن

عرف تاريخهم القديم قيام أربع دول كبرى واسرة حاكمة واحدة، وهي:

آ- الدولة الهيكانية وتنسب إلى هَيك المؤسس الأول الذي انتصر على بل الجبار عام 2017 ق.م.

واستمرت بين خضوع ومقاومة لجيرانها الغزاة(آشوريين – آراميين – حوريين – بابليين – فرس) وأخيراً خضعت للاسكندر المقدوني الذي ضمها إلى مملكته الأممية ذات الثقافة اليونانية مع تمتعها بشبه استقلال وبنظام حكم ملكي.

ب-الأسرة الأرضاشيسية

قُسمت أرمينيا التاريخية بعد انتقال عرش الدولة السلوقية إلى أنطيوخوس الثالث (246 – 187 ق.م)إلى أرمينيا الكبرى (شرقي الفرات في أرضروم وموش وڤان ويريفان) وتولاها أرضاشيس، وإلى أرمينيا الصغرى(غربي الفرات في مناطق ملطية وأرزنغان وسيواس) وتولاها زاره.

– وكان أن انكسر السلوقيون أمام الرومان الفاتحين عام 190 ق.م فاستقل الملكان الأرمنيان، ثم وحَّد الملك أرضاشيس المملكتين إثر وفاة زاره. وتوسع في أذربيجان وبلاد الكرج (جورجيا) وتأسست معه الأسرة الأرضاشيسية.

ويعد الملك ديكران أبرز ملوك أرمينيا وأقواهم، تولى العرش عام 95 ق.م وفرض سيطرته على مناطق شاسعة، وأقرَّ حمايته على الألبان والجيورجيين واتخذ لقب ملك الملوك، وتفرغ للقضاء على السلوقيين، واحتل انطاكية والسواحل الفينيقية (سورية) ووصل إلى دمشق فامتدت دولته من بحر قزوين إلى البحر المتوسط ومن جبال القوقاز إلى كيليكية وسورية الكبرى كلها وذلك سنة 70 ق.م.

ونتيجة للحرب الطاحنة التي شنتها عليه روما والفرٽيون ضعفت مملكة أرمينيا وقبل ديكران بالحماية الرومانية عام 66 ق.م.

ج- الدولة الأرشاكية

وتنسب إلى أرشاك الفرٽي أول ملوكها الذي ظهر سنة 250 ق.م وقامت إثر توافق فارسي- روماني. ثم قضى الساسانيون الفرس عليها وذهبت ضحية الصراع الروماني الفارسي.

– خاف الملك الفارسي يزدجرد الثاني 438-457 م أن يلحق الأرمن ببيزنطة عن طريق الدين، فحاول فرض المجوسية عليهم لكنهم تمسكوا بمسيحيتهم، واستعدوا لمواجهة الفرس بقيادة وارطان.

القديس وارطان

لقديس غريغوريوس المنور...( كريكور)
القديس غريغوريوس المنور…( كريكور)

في ليلة المعركة حضر الأرمن القداس الإلهي الذي أُقيم بساحة القتال في سهل أفارير في 3 حزيران 451 م تقدمهم وارطان وتناولوا جميعهم القربان المقدس واعتمد منهم من كان لا يزال في طور الموعوظين، ولئن انتهت المعركة بانتصار ساحق للفرس بسبب تفوقهم العددي الكثيف وسلاحهم المتطور إلا أن خسائرهم كانت فادحة في الأرواح والعتاد بسبب استبسال الأرمن واستشهادهم بالجملة حيث استشهد وارطان و 1036 مقاتلاً وقد حفظوا باستشهادهم مسيحية الأرمن وحريتهم الدينية ، وظل ذكرهم حياً إلى اليوم ، إذ يعيد لهم الأرمن كل سنة قبل الصوم الكبير.

كانت نتيجة هذه المعركة الاستشهادية البطولية أن يزدجرد وبالنظر لكثرة ضحاياه، وخوفاً من زحف قبائل الهون، تراجع عن عزمه بفرض المجوسية على الأرمن، واستبدل المرزبان، وأوصى الجديد بالتساهل وبإعادة الكثير من الحريات السياسية والدينية للأرمن. ولئن انتهت المعركة هذه بانتصار الفرس، إلا أن معارك أخرى عديدة تبعتها بين الروم والفرس، انتهت بتقسيم أرمينيا بينهما للمرة الثانية عام 591 م وكانت حصة بيزنطة هذه المرة أفضل من المرة السابقة.

العرب المسلمون

اصطدم المسلمون بعد زحفهم على بلاد فارس بمقاومة الأرمن العنيفة عامي 640-642م، ثم أعادوا الكرة عام 645م، واحتلوا وسط أرمينيا فيما لجأ المقاومون الأرمن بقيادة رشدوني إلى المرتفعات، واضطروا الخليفة إلى توقيع معاهدة معهم يعترف فيها باستقلالهم، فيما يعترفون هم بسيادة العرب، كما تعفيهم المعاهدة من الجزية ثلاثة أعوام على أن يعينوا بعدها 15000 خيال لمساعدة العرب في حروبهم خارج بلاد الشام، ويتعهد العرب بعدم دخول جيوشهم الأراضي الأرمنية، إلا إذا زحف الروم عليها وقد نُفذت المعاهدة فساعد العرب مثلاً رشدوني على استعادة أراضيه إثر زحف الروم عليها بيد أن مناطق من أرمينيا ما لبثت ان وقعت تحت الحكم المباشر للبيزنطيين والعرب.

د- الدولة البقرادونية

معارك في تاريخ الأرمن
معارك في تاريخ الأرمن

تنسب إلى الأسرة البقرادونية التي وَحَّدت الأرمن وأعلنت الثورة على العباسيين الذين ضيقوا الخناق على الأرمن، واستطاع الخليفة المتوكل قمع الثورة بجيش جرار 200 ألف مقاتل بقيادة القائد التركي بغا الكبير.

– غير ان الخليفة المستعين فضل التساهل مع الأرمن بعدما أحرز البيزنطيون بعض الانتصارات على جنده، فاستعان بأسرة بقرادوني القوية، وعيَّن أشود “أميراً للأمراء” على أرمينيا وجورجيا والقوقاز، وأخاه الأصغر قائداً للجيش الأرمني، وما هي أعوام حتى وسع أشود نفوذه، وانتخبه مجمع الكنيسة الأرمنية ملكاً على أرمينيا، وقد وافق الخليفة العباسي المعتمد على ذلك، وأرسل إلى الملك الجديد تاجاً، وكذلك فعل الإمبراطور الرومي باسيليوس الأول للتذكير بحق بلاده في حماية المملكة الأرمنية.

دام حكم البقرادونيين لأرمينيا حوالي قرنين عرفت خلالها أفضل حقبات تاريخها، ولكن ما سرَّع في تفكك الدولة البقرادونية وسقوطها بيد الأتراك السلاجقة تقسمها إلى أربع دويلات في القرن 11م.

مملكة كيليكياالأرمنية أو الدولة الروبية

بعد سقوط أرمينيا الكبرى بيد السلاجقة وقيام الأرمن بهجرة هي الأولى إلى منطقة سيواس بإذن من الإمبراطور الرومي باسيليوس الثاني الأمر الذي أضعف جداً الأرمن، قام الأمير البقرادوني روبين بهجرة جماعية إلى منطقة كيليكيا وأقام عام 1080 مملكة كيليكية أي أرمينيا الصغرى . أما من بقي من الأرمن في منطقة أرمينيا الكبرى فعرف هجرات كبيرة إلى مولدافيا والمجر وبولونيا وبلاد القرم واندمجوا في مجتمعاتها وشعوبها، أو تبع الدولة البيزنطية وقدَّم لها اداريين وقادة عسكريين.

أما دولة كيليكيا فقد استمرت حتى عام 1375 حين سقوطها بيد المماليك. وتجد دائرة المعارف: “أن أثر مملكة كيليكيا مدة القرون الثلاثة (1080 – 1375) التي عاشها كان بليغاً: بالنسبة للفرنجة الذين استفادوا من معونتها في فتوحاتهم الأولى، وبالنسبة للأرمن أنفسهم الذين عرفوا الغرب الفرنجي بثقافته وحضارته وفروسيته”.

الأرمن بين الفرس والترك والروس

– غدا العثمانيون منذ السلطان سليم الأول (1512 – 1520) خلفاء الروم والعرب في السيطرة على الشرق الأوسط. أما أرمينيا فتنازع الفرس والترك عليها نحو قرن كامل إلى أن سيطر العثمانيون على الجزء الأكبر منها، تاركين للفرس مناطق يريفان ونخغوان وكاراباغ. وقد قاسى الأرمن كثيراً من جرى الصراع الفارسي – العثماني على أراضيهم فها أن الشاه عباس يجلوهم عن بلادهم عام 1603 ويعتمد سياسة الأرض المحروقة في وجه العثمانيين المتقدمين، فيموت من الأرمن عدد كبير في الطريق إلى أصفهان حيث بقيَّ منهم حتى يومنا هذا مواطنون في إيران. كما أن العثمانيين اضطهدوا الأقليات أثناء حكمهم ومنهم الأرمن.

– ظهر النفوذ الروسي في جبال القوقاز مطلع القرن 19، وما هي إلا أعوام حتى تنازلت ايران لروسيا عن يريفان ونخغوان الأرمنيتين بموجب معاهدة تركمنغي 1828 التي أمنت حق أرمن المقاطعات الإيرانية أيضاً بالانتقال إلى الأجزاء الأرمنية المتنازل عنها للروس ولما زحف الروس على الأتراك أثاروا حفيظة الدول الأوروبية التي دعمت العثمانيين في مواجهة الروس، وكان كل تراجع روسي لاحق أمام الدولة العثمانية تتبعه هجرة أرمنية من المناطق المتراجع عنها. إلا أن الأرمن فضلوا وعلى الرغم من محاولات الروس اللاحقة لدمجهم في الحضارة السلافية. تقديم الولاء للروس الذين ألهبوا فيهم روح الحرية على البقاء تحت نير العثمانيين.

عهد المجازر التركية

المجازر التركية بحق الأرمن
المجازر التركية بحق الأرمن

جاء في إحصاء لبطريرك القسطنطينية الأرمني عام 1882 أن عدد الأرمن في تركيا بلغ مليونين وستمائة وستين ألف نسمة، يعيش الميسورون والفاعلون منهم (سياسياً واجتماعياً ومالياً) في اسطنبول ، فيما يتوزع الباقون ومعظمهم من الفلاحين في مقاطعتي أرضروم وكردستان، حيث يتعرضون لمضايقات الأكراد المستمرة. وان روسيا التي توسعت في منتصف القرن 19 في القوقاز وجورجيا وأرمينيا الفارسية وأرمينيا التركية ، وراحت تهدد مسلمي آسيا الصغرى في خيفا وسمرقند وبخارى وطشقند ، غدت تمثل خطراً داهماً على السلطة العثمانية، ولما حرر الروس بلغاريا واقتربوا من اسطنبول (1877- 1878) ، أمل الأرمن بتحررهم من العثمانيين ، وأرسلوا وفداً يمثلهم إلى مؤتمر برلين المنعقد عام 1878.

بيد أن القوى الأوروبية العظمى لم تقبل بالتوسع الروسي على حساب “الرجل المريض” فأجبر دزرائيلي، رئيس الوزراء البريطاني (اليهودي) الروس على الانسحاب وكان أن قدم العثمانيون لبريطانيا جزيرة قبرص ثمنا لذلك، كما وعدوا بعدم الإساءة إلى المسيحيين في الشرق.

في الصحراء السورية جماجم الشهداء الأرمن
في الصحراء السورية جماجم الشهداء الأرمن

– كانت السلطة العثمانية قد بدأت بالتفكك ، فاعترفت بحماية فرنسا على تونس عام 1881 وقبلها على الجزائر عام 1825، ثم خسرت جزيرة كريت عام 1889.

فما لبث الأرمن أن تحركوا، وكان السلطان عبد الحميد الثاني (السلطان الأحمر) (1876-1909) قد حرض الأكراد ضد الفلاحين الأرمن الذين لم يكن يُسمح لهم بحمل السلاح، لكونهم مسيحيين، غير أن تنظيمات سرية نشأت عند الأرمن، تحولت فيما بعد إلى أحزاب فدائية وكانت تتلقى السلاح من أرمن إيران. وقد قضى في ساسون بين أيلول 1894 وكانون الثاني 1895 وتحت نظر المراقبين الغربيين 300 ألف أرمني ذبحاً، كما أُحرق ليلة 28 و 29 كانون الثاني من العام المذكور 3000 أرمني أحياء كانوا قد لجأوا إلى كاتدرائية اورفا (الرها – أدبسا).

مع مجزرة هائلة مماثلة في الليلتين ذاتهما في اسطنبول قضى فيهما آلاف الأرمن. وقد أسماه المراقبون الغربيون السلطان الأحمر على هذه المجازر التي طالت في اسطنبول الأقليات المسيحية الأخرى ومنها اليونان وقد أُحرقت كنائسهم ودورهم ومؤسساتهم وقتل الألوف منهم.

المهجرون الأرمن
المهجرون الأرمن

فاتحدت الأحزاب الأرمنية، وتصدت بمقاومة هائلة، ولم تتحرك الدول الأوروبية إلا عندما تهددت مصالحها الاقتصادية باحتلال رجال من حزب الطاشناق البنك العثماني في اسطنبول، وهددوا بنسفه. فطلبوا من السلطان الأحمر إجراء التحكيم الدولي. لكن هاجت ثورة شعبية تركية مسلحة على الأرمن أسفرت عن قتل 7000 أرمني في اسطنبول، ولكنها أسفرت بالمقابل عن مولد الحركة الفدائية الأرمنية بقيادة أنترانيك ثائرة لما يقل عن 400 ألف ضحية منهم 100 ألف ذُبحوا و 50 ألف ماتوا جوعاً و 100 ألف تشريداً و 50 ألف أسلموا، وطالت غزوات الفدائيين الأرمن القرى الكردية التي أسهمت بذبح الأرمن، كما حاربوا تتار أذربيجان فكانت مجزرة باكو عام 1905 بحق الأرمن المقيمين في أذربيجان.

عام 1908 خُلِع السلطان الأحمرمن قِبل(تركيا الفتاة) وأُعلِن عن تطبيق الدستور فأمل الأرمن خيراً لكن السلطان حرض الأتراك عليهم فقُتِل منهم 30 ألف نسمة في 1909 في أضنة وانطاكية واقليم الأسكندرونة.

خلايا كوماندوس ارمنية سرية منذ بدأت المجزرة ولا تزال وقد قامت بتصفية قادة الاتحاد والترقي ومنهم جمال ونيازي وطلعت وتابعت في تصفية الديبلوماسيين الأتراك في كل العالم انتقاماً لشهداء الأمة الأرمنية
خلايا كوماندوس ارمنية سرية منذ بدأت المجزرة ولا تزال وقد قامت بتصفية قادة الاتحاد والترقي ومنهم جمال ونيازي وطلعت وتابعت في تصفية الديبلوماسيين الأتراك في كل العالم انتقاماً لشهداء الأمة الأرمنية

– طبقت حركة تركيا الفتاة سياسة التتريك على العرب والأرمن وشعوب البلقان ولكن خشيتها كانت بالأكثر من الأرمن، فهم يعيشون في قلب آسيا الصغرى .

مجزرة الأرمن الكبرى عام 1915

دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) إلى جانب دول المحور،

وخدم الأرمن في الجيش التركي بصفتهم مواطنين. لكن بعض مجنديهم وانتقاماً للبطش الذي لحق بعائلاتهم وقراهم بعدما أُغرِق الرجال في البحر الأسود وقيام نساء الأرمن بالمقاومة المسلحة دفاعاً عن قُراهن وأولادهن التحق هؤلاء المجندين بهن وبالجيش الروسي الزاحف. وقام عدد من ضباط الأرمن من مختلف الرتب بتأسيس خلايا سرية اهتمت بنقل السلاح من مخازن الجيش التركي إلى هؤلاء النسوة، وكانت إحدى هذه الخلايا بقيادة المقدم ديكران هوا كميان‚.

ديكران أواكيميان
ديكران أواكيميان

أورد السفير الأميركي في تركيا هنري موغنطاو في مذكراتهƒ: “أنه لم يكن بوسع دول انكلترا وفرنسا أن تفعل شيئاً لإيقاف الاضطهاد، وتخفيف آلام الأرمن لأنها كانت في حالة حرب مع تركيا”، وألقى بالمسؤولية على ألمانيا حليفة تركيا وهي التي أعطتها الضوء الأخضر، وكشف المؤلف عن مواقف حاقدة للسفير الألماني في الأستانة (فانكنهايم) الذي كان قد صرح بلا مبالاة:”أنه من حق الأتراك أن يفعلوا بالأرمن ما يرونه ضروريا لحماية مؤخرتهم وهم في حالة الحرب”.

ومما قاله دون حرج:”سأساعد الصهاينة(4)، ولكني لن أفعل شيئاً من أجل الأرمن أبداً” في رده حين تمت مواجهته بأعمال التهجير والاضطهاد للأرمن وسكوته المُخجل عنها.

لقد قضى أكثر من مليون ونصف أرمني في أكبر مجزرة بشرية في العصر الحديث، وقد سيق من بقي حياً من أطفال ونساء إلى الصحراء العربية في دير الزور والرقة وحلب (سورية)، وقد حمتهم العشائر العربية، وقدمت لهم العون والطعام، وأُقيمت في كل مدن سورية معسكرات تؤويهم، وقد نال الأذى ذاته الأقليات المسيحية الأخرى في كل آسية الصغرى من سريان وعرب وآشوريين وكلدان إضافة إلى حوالي مليون يوناني، وقد فرغت ثلاث أبرشيات انطاكية تقريباً بالكامل هي أبرشيات أرضروم وكيليكيا وديار بكر.

صورو زيتية تمثل هجوم الجيش التركي على البلدات الارمنية بوحشية وابادة شعبها
صورو زيتية تمثل هجوم الجيش التركي على البلدات الارمنية بوحشية وابادة شعبها

لم ينس الأرمن شهداءهم، اذ من الصعب أن تكون عائلة قد نجت من المجازر، لهذا أقام الناجون النصب التذكاري لشهدائهم وباتوا يعيدون لذكراهم سنوياً في 24 نيسان من كل عام. وتعتبر كاتدرائية شهداء الأرمن في دير الزور شاهد حي بما ضمته من جماجم القتلى وهي محجة يزورها الأرمن من كل بقاع الأرض.

– كما لم ينس الأرمن محبة السوريين بكل أديانهم وطوائفهم للأرمن المنكودين وكيف احتضنوهم.- لقد تشكلت فرق انتحارية باسم “كوماندوس العدالة والثأر الأرمنية” طاردت زعماء حزب الاتحاد والترقي ورجالات الحكومة الذين نُقلوا بعد محاكمة – مؤامرة من بريطانيا وعددهم 77 إلى منفاهم في جزيرة مالطة، ثم أخلت سبيلهم، فقامت بتصفيتهم في شوارع أوربة وفي وضح النهار.

جمهورية أرمينيا السوفيتية

رمز ارمينيا قمة جبل أرارات ويقال ان عليها حطت سفينة نوح بعد انحسار الطوفان وهذه القمة تكون مكللة بالثلوج على مدار العام
رمز ارمينيا قمة جبل أرارات ويقال ان عليها حطت سفينة نوح بعد انحسار الطوفان وهذه القمة تكون مكللة بالثلوج على مدار العام

بسط الجيش الروسي سيطرته على أراضي أرمينيا التاريخية في أملاك الدولة العثمانية (1915 – 1917)، ولكن روسيا وبعد قيام الثورة الشيوعية انسحبت من الحرب 1917 وتركت شعوب ما وراء القوقاز ومنها الأرمن والجورجيين والأذريين لمصيرهم، وتحت رحمة الأتراك. فعقدت جورجيا اتفاقية سرية مع الأتراك، وقبلت بالحماية الألمانية. كما لم يقاوم الأذريون اخوتهم في الجنس (الترك) والدين، ونتيجة لذلك اضطر الأرمن إلى المقاومة، وأعلنوا استقلال أرمينيا في 28 أيار 1918 بعد أن استطاع الجيش الأرمني الصغير صد الأتراك الزاحفين نحو يريفان وقامت الجمهورية الوطنية الأرمنية ودام استقلالها ثلاثة أعوام.- ونتيجة لتطورات 1920 الدراماتيكية من خلال انسحاب القوات الانكليزية من ما وراء القوقاز، وحلّت قوات روسيا البيضاء، واندحار القوات الفرنسية في كيليكيا، ودمار الجيش اليوناني في أزمير، وسطوع نجم مصطفى كمال(أتاتورك) قائداً لتركيا وهو مدعوم من الحكومة الشيوعية في موسكو. أعلن الحزب الشيوعي الأرمني من باكو في 29 تشرين الثاني 1920 عن قيام جمهورية أرمينية السوفيتية.

ولم تشر اتفاقية لوزان 1923 التي أُستبدلت باتفاقية سيفر لا من قريب ولا من بعيد إلى استقلال أرمينيا حتى أن اللورد كرزون أحد أعضاء الوفد البريطاني قال:

” لقد وَزَن النفط أكثر من الدم الأرمني”.

يعيش في أرمينيا حالياً حوالي 4 ملايين أرمني مع نصف مليون في جورجيا و300 ألف في روسيا ومثلهم في أذربيجان (مضطهدون) مع قلة في إيران . وفي سورية 150 ألف ، ولبنان 250 ألف ، ويصل عددهم في الشتات العالمي خمسة ملايين. وفي تركيا لهم وجود مقبول في اسطنبول مع تيه من أقليات مرتاعة في آسية الصغرى كالأقليات اليونانية.

استقلت جمهورية أرمينيا عن الاتحاد السوفيتي، بعد انهيار الأخير عام 1991 وقد خاضت مع أذربيجان التي كانت شريكتها في الاتحاد السوفيتي، نزاعاً مسلحاً لاستعادة جيب ناغورني كارباخ الأرمني من أذربيجان الذي كان ستالين قد أتبعه بالأخيرة في خمسينيات القرن 20.

الكنيسة الأرمنية

بطريركية الأرمن الأرثوذكس القدس
بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس

يفيد التقليد الرسولي أن التبشير بالرب يسوع المسيح في أرمينيا، كان قد تم على أثنين من تلاميذه، وهما تداوس وبرثلماوس، وقد استشهدا بين سنة 60 – 68 م لذا كرمتهما الكنيسة الأرمنية باسم: ” المنوران الأولان”.

– قبلت الأميرة سندوخت أخت الملك الحاكم مع شقيقتها فوكوهي الاستشهاد لتمسكهما بالمسيحية. ثم ارتفع عدد المسيحيين الشهداء يشكل كبير في كل المناطق الأرمنية بعد تطبيق الاضطهادات الدامية عليهم، ومع ذلك استمرت المسيحية في نموها، حتى أنه في القرن الثالث استعرت حملة ضدها بأشد قساوة، نتيجة رفض كريكور تقديم عبادة للإلهة أناهيد.

القديس كريكور او غريغوريوس المنور

كريكور هذا كان هو الوحيد الناجي من أسرته التي قُتِلت، وكان طفلاً فرت به مربيته إلى كبادوكية حيث نشأ على المسيحية، وبعد زواجه عاد إلى أرمينيا برفقة قائد الجيش درطاد (الذي أصبح فيما بعد الملك) وبأمر من درطاد هذا تم تعذيبه لما رفض تقديم الاحترام للآلهة، ووضعوا رأسه في كيس مملوء بالرماد ثم مزقوا لحمه بآلات حادة، ووُضِع في حفرة عميقة مظلمة مليئة بالأقذار والثعابين مدة 13 عاماً.

– أصيب الملك درطاد بمرض نفسي جعله يتطبع بأخلاق الحيوانات، وساءت حالته ، فقام كريكور بشفائه. على اثر ذلك اعتنق المسيحية وأعلنها دين الدولة الرسمي عام 301 في مملكته.

وبهذا تُعتبر أرمينيا أول دولة تعتنق المسيحية، بعد ذلك انتخب كريكور كاثوليكوساً (الجامع) للكنيسة الأرمنية فذهب إلى قيسارية، وارتسم أسقفاً من بعد أسقفها ليونيوس.

بعد عودته أسقفاً، منح درطاد وكل الأمراء، وأركان الدولة، سر العماد المقدس ثم باشر ببناء الكنائس والأديرة، وتنظيم الكنيسة الأرمنية، ويُعد كريكور المنور الثاني بعد الرسولين تداوس وبرثلماوس، وهو المعروف باسم القديس غريغوريوس المنور شفيع الكنيسة الأرمنية الرسولية الأرثوذكسية لأنها بُشِرت على يدي الرسولين المذكورين.

تعترف الكنيسة الأرمنية بالمجامع المسكونية الثلاثة الأولى وهي:

مجمع نيقية 325 م، مجمع القسطنطينية 381 م ومجمع أفسس وهو الثالث في 431 م.

كونها على يقين بأن هذه المجامع الثلاثة قد حددت طبيعة الثالوث الأقدس (الآب والابن والروح القدس).

وقد أصدرت الكنيسة الأحكام النهائية التي تتلخص بكلمة مشهورة لكيرلس الأسكندري الذي قال: “طبيعة واحدة للكلمة المتجسد”. أي أن يسوع المسيح هو إله كامل، وإنسان كامل، وقد اتحد لاهوته بناسوته اتحاداً مجرداً من الاختلاط فكوّنا طبيعة واحدة في المسيح يسوع وهذا المفهوم هو بعيد جداً عن تعليم أوطيخة الذي حُرِم من قِبل الكنيسة الأرمنية”.

تتوزع الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية بين:

– كاثوليكوسية اتشميازين في يريفان عاصمة ارمينيا

– كاثوليكوسية بيت كيليكيا في أنطلياس بلبنان.

– بطريركية أورشليم.

– بطريركية القسطنطينية.

تشتمل كاثوليكوسية بيت كيليكيا في أنطلياس على:

1- أبرشية لبنان.

2- أبرشية حلب وتشتمل على محافظات (حلب – الرقة – دير الزور – الحسكة – اللاذقية – ادلب).

3- أبرشية قبرص.

4- ثلاث أبرشيات في إيران هي: طهران تبريز، وأصفهان.

5 – أبرشية اليونان.

6- أبرشيتان في الولايات المتحدة وكندا.

7- أبرشية الكويت وتضم الانتشار في الجزيرة العربية.

وترتبط أبرشية دمشق وحدها (منذ الحقبة السوفيتية) بكاثوليكوسية أتشميازين في أرمينيا.وتشتمل في رعايتها على محافظات: دمشق- درعا- والسويداء والقنيطرة وحمص وحماه.

تضم هذه الأبرشيات حوالي مليون أرمني.

تتصف الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية بالديمقراطية، حيث يشارك العلمانيون فيها في الأمور الكنسية والاجتماعية، ويشاركون في انتخاب البطريرك والأساقفة وفي قناعتهم بأن كل أرمني يشعر ومن خلال انتمائه الكنسي، وكأنه في وسط وطنه ويحمل على عاتقه جميع التضحيات ليحافظ على هويته، وهذا ما مكن الأرمن من الحفاظ على كنيستهم وقوميتهم ولغتهم بالرغم من المحن التي تزامنت وتاريخهم.

وكبقية الكنائس الشرقية وبفضل تبشير الرهبنات البابوية اعتنقت مجموعة من الأرمن الأرثوذكس الكثلكة، وأقيمت أول بطريركية لهم في اسطنبول عام 1740 باعتراف الدولة العثمانية، وربطت بها كل الطوائف الشرقية الناشئة المنحازة لبابا رومه ومنهم تحديداً الروم الكاثوليك. ولهم بطريركية ثانية في بزمار بلبنان وأقامت لها أبرشيات في العالم، كما يوجد عدد من الأرمن الكاثوليك في جمهورية أرمينيا. كذلك نشأت طائفة الأرمن الإنجيليين بفضل المرسلين البروتستانت، وأول ما ظهرت في الأستانة عام 1846، وقد اعترفت الدولة العثمانية بهم طائفة إنجيلية خاصة بالأرمن عام 1850.

الخاتمة

من خلال هذا البحث الخاص بالشعب الأرمني وكنيسته نلاحظ التناغم المتكامل، فكنيستهم كنيسة قومية أسهمت في بقائهم بالرغم من هول المحن وهي كنيسة الشهداء بامتياز هؤلاء الذين سفكوا دماءهم على مذبح الإيمان منذ القديس وارطان وصولاً إلى آخر شهيد.

ونحن سلطنا الضوء عليهم وهدفنا من ذلك التعريف بهم أشقاء في المسيح، لذلك نحن نصلي لهم، فكنيستنا الأرثوذكسية التي عانت عبر تاريخها الكثير من المحن والألم، تعرف مقدار التضحية في سبيل إيمانها المسيحي القويم، وهي تصلي من أجل الجميع.

مصادر البحث

د. رستم، أسد تاريخ كنيسة انطاكية.

نعمان- ناجي – المجموعات العرقية في العالم العربي.

الوثائق البطريركية الأرثوذكسية في دار البطريركية بدمشق.

كشيشيان، د. ألكسندر (قتل أمة) 1990 توزيع دار طلاس.

كشيشيان، د.ألكسندر (المجازر الأرمنية والمشانق العربية) توزيع دار طلاس.

أبو زيد، ناصيف (العصر الدموي) مطبعة المفيد دمشق – 1919.

– مذكرات شفهية عن المرحوم ديكران هوا كميان. (غير منشورة)

الحواشي:

 تتحدث وثيقتان بطريركيتان محفوظتان في دائرة الوثائق البطريركية أرسلهما المعتمد
البطريركي الأرثوذكسي من انطاكية إلى البطريرك غريغوريوس عن مجزرة رهيبة دامت لعدة أيام في مدينة انطاكية بحق الأرمن قضى فيها نيف وعشرة آلاف أرمني على يد الأتراك والأكراد وقد حُرِق أساقفتهم وكهنتهم أحياء بعد سلخ وجوههم داخل كنيسة الأرمن.

‚ جدي لأمي وقد قاد خلية قيادية مؤلفة من 20 عسكرياً أرمنياً شكلوا خلايا في الجيش التركي حُكِم عليهم جميعاً بالإعدام بعد اعتقالهم وقد فرَّ جدي في ليلة إعدامه حينما اقتحم الجيش الروسي المعتقل وحرر المساجين .

ƒ ” قتل أمة ” تعريب د. ألكسندر كشيشيان 1990 – توزيع دار طلاس.

(4) من المعروف الكره التاريخي الذي يكنه الألمان لليهود نتيجة لمعاناتهم من خطف أولادهم على يد اليهود واستنزافهم، وما المحرقة النازية لليهود في ألمانيا إلا بمثابة رد فعل على تلك المعاناة (وان بولغ في هذه المحرقة) لغايات سياسية خدمة لمشروع قيام دولة إسرائيل في فلسطين العربية، ومع ذلك وبالعودة إلى تصريح السفير الألماني نجد تفضيلاً منه لليهود على الأرمن، واستعداده للدفاع عنهم رغم الكره الشديد لهم.


أضف تعليقاً