ثاوذورس أبو قرّه أسقف حرّان

في هويّته

وُلد هذا العَلَم في مدينة الرها بمنطقة ما بين النهرين عام 740 أو 750م . أما اسمـــــــه “ثاوذورس” فمعناه بالعربية “هبة الّله” أو “عطاالله”، و لقبه “أبوقرّه” جاء من الأوســـــــاط العربيّة الإسلامية، كما أشارت بعض المخطوطات اليونانية حيث قالت: (المؤلّف هــــــو ثاوذورس المعروف عند العرب بـ “أبي قرّه”). وكان بعض المستشرقين قد اعتقدوا أن هذا اللقب يشير إلى مركز أسقفيّته أي أنه كان أسقفاً لمدينة اسمها “قرّه”، لكنّ الثابت في دراسات المستشرقين هو أنّ عَلَمنا إنما تكّنَ بهذا اللقب تدليلاً على اندماجه بمحيـط حرّان و على شعبيّته بين العرب و المسلمين . و تشير المخطوطات دائماً إلى كونه “أســــــقف حرّان” وتصفه بـ “المعلّم العامل والفيلسوف الكامل، والأب الفاضل كير ثاوذورس أسقف حرّان” و ليس هنالك ما يثبت اعتباره في مصاف قدّيسيّ إنطاكيّة.

خريطة الجزيرة السورية العليا / حران والرها
خريطة الجزيرة السورية العليا / حران والرها

في نشأته

نشأ عَلَمنا في مدينة الرها في بيئة أرثوذكسية خلقيدونية، كان لها شأنها الكبير خلافاً للإعتقاد السائد آنذاك بأنها كانت مختصّة بـ “اليعاقبة” بدليل أن الأمبراطور البيزنطي “هرقل” عندما زارها عام 630 م سلّم كاتدرائيتها للأرثوذكسيّين، وبقيت في حوزتهم مدّة طويلة بعد الفتح العربيّ، إذ أن العرب اعترفوا لكلّ ملّة بما وُجد في حوزتها من الكنائس، ومن جملتها كاتدرائية الرها، وكاتدرائية حرّان.

وكون أبي قرّه من الرها، يفسّر لنا اهتمامه الكبير باللاخلقيدونيين اليعاقبة، وتأليفه لثلاثين ميمر(مقال) بالسريانية، لإيضاح العقيدة الخلقيدونية لهم، علماً بأننا لا نعثر للأرثوذكس غربي الفرات اي باتجاه ساحل سورية، على أي أثر لاستعمال السريانية خارج نطاق الليتورجيا الكنسية .

رهبنته في دير القديس سابا وثقافته

كان دير القدّيس سابا في فلسطين و لا يزال من أهم الأديرة الرهبانية في المشرق عموماً، وفي سورية خصوصاً، حيث ترهّب فيه معظم آباء و قدّيسيّ الكنيسة أمثال “القديس يوحنا الدمشقي” فهو أهم مراكز الحياة النسكيّة و الفكرية في بطريركيّتيّ إنطاكية و أورشليم.

تَرَهّبَ عَلَمُنا في فترة ذهبية من حياة هذا الديرالرهباني في أواسط القرن الثامن المسيحي بعد وفاة القديس الدمشقي يوحنا. و لما كان ذكر هذا الأخير، لا يزال حيّاً في أوساط الرهبان، اقتفى الشاب ثاوذورس خطاه، و تبنّى مشاغله، وعزم على نشر مبادئه نفوس وسلوك مسيحيي المشرق

دير مارسابا الرهباني بفلسطين
دير مارسابا الرهباني بفلسطين

لم يبيّن لنا التاريخ السّن التي كرّس بها ثاوذورس حياته للرهبنة، و لم يعرّفنا على مدى الثقافة الدنيويّة التي اضطلع بها، لكنّه من المؤكّد أنه اطلع اطلاعاً كاملاً على اللغة العربيّة، وعلى أصول الإسلام… ماراً في طريقه إلى دير القديس سابا بالمدائن عاصمة الساسانيّين الفرس، وبغداد، وكان على احتكاكٍ بشتّى التيّارات الفكرية والدينية في هاتين المدينتين .

يشهد البطريرك السرياني ميخائيل جروة أن عَلَمنا كان يتقن الفلسفة والمنطق، تدلّ على ذلك كتاباته، وقد ترجم بعض كتب أرسطو في المنطق إلى العربية، وكان إضافة إلى ذلك مُلِمّاً بالطب، وبذلك يكون قد حاز على أعلى درجات الثقافة العلميّة والفكريّة في زمانه، أضف إلى ذلك أنه كان يجيد العربيّة واليونانيّة والسريانية، و أنه في دير القديس سابا، تعمّق في دراسة الكتاب المقدّس، وفكرالآباء وتراثهم و في مقدمهم القديس العظيم يوحنا الدمشقي .

أسقفيّته على حرّان

القديس يوحنا الدمشقي
القديس يوحنا الدمشقي

 

حرّان تجاورموطنه الأساسي الرها، وفيها يقول الكتاب المقدّس أنّ ابراهيم الخليل قد توقّف أثناء نزوحه من أور الكلدانيين في العراق إلى بلاد كنعان “فلسطين”.

أما في زمن العباسيّين كانت هذه المدينة مركزاً فكّرياً و ثقافيّاً متميّزاً تلتقي فيه الثقافات اليونانية و الفارسية، ويتبارى فيه المترجمون و المعرّبون في نقل العلوم و الثقافة وأخصّها اليونانية إلى العربية. أما سبب ازدهار اليونانية فإنه كان لأن حرّان كان موطناً للأسرى الروم، يضاف إليهم عَبَدة الأجرام السماوية، هذه الفئة التي تمكّنت أن تبقى في الخفاء لأن أصحابها ادّعوا بأنهم من “الصائبة” (المعمدانيين) الذين اعترف الإسلام بكونهم من أهل الكتاب .

كانت كنيسة حرّان مقسومة إلى قسمين أو مذهبين، مذهب أنصار الطبيعة الواحدة (اللاخلقيدونيين كالسريان اليعاقبة) ومذهب الملكيين الخلقيدونيين (الأرثوذكس) . وكان لكلّ من هذين المذهبين مدرسته المتميّزة ، فقام الحوار على أشدّه بين أنصارالمذهبين، وكان لأبي قرّه دوره الفعّال الهام في المحاولات الجادة التي قام بها لرأد الصدع بين الفئتين. و في عهده برزت مشكلة بغاية الخطورة هي مشكلة تكريم الأيقونات إبّان الحرب الشرسة التي شنّها الأمبراطور لاون الأرمني البيزنطي وبقية الأباطرة البيزنطيّين ضدّ هذا التكريم ، ممّا اضطر العديدين من أنصار تكريم الأيقونات للتخلّي عن هذه العقيدة الأرثوذكسية “مستقيمة الرأي” .

هنا شعر عَلَمنا بواجب الدفاع عن شرعيّة التكريم، فدبّج مقالة ثبّت فيها هذه الشرعيّة الأرثوذكسية.

لم يبقَ أبو قرّه أسقفاً على حرّان إلا فترة قصيرة لأن البطريرك “ثاوذريطوس الإنطاكي” عزله عنها بسبب كثرة الشكايات التي قامت ضده/ وفق ما جاء في رواية البطريرك السرياني ميخائيل/ وقد يكون السبب في عزله استهجان البطريرك ثاوذريطوس لأسلوبه في مخالطة الأمراء المسلمين بشيئ من المغالاة و لتجواله خارج حدود أبرشيته.

ومن الجدير بالذكر أن المأمون اجتمع به في حرّان عام 824 م أثناء إقامته الثانية في دير القديس سابا.

مجلس الخليفة الملأمون
مجلس الخليفة الملأمون

أمضى أسقفنا سنوات في دير القديس سابا كانت فاصلاً بين تخلّيه عن مركزه في أسقفيّة حرّان و استئنافه نشاطه ، فوضع خلال هذه الفترة الكثير من مؤلفاته و مخطوطاته ، لكن الكثير منها أُحرق -ويا للأسف- نتيجة اعتداء البدوعلى الدير عام 796م ومقتل العديد من رهبانه و هدم جزء منه (تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية لهؤلاء الرهبان الشهداء في العشرين من آذار من كل عام) .

انكّبَ أبو قرّه -أثناء إقامته في الدير- على وضع مؤلّفاته ، وليس معروفاً إذا كان قد اشترك في الخلاف الذي نشأ بين رهبان الدير و الرهبان الإفرنج عام 807م (وكان مقرّ هؤلاء في جبل الزيتون) إذ أن اثنين منهما كانا قد رافقا بعثة الخليفة العباسيّ هارون الرشيد إلى شارلمان امبراطور الإفرنج ، و لدى عودتهما أضافا عبارة “والإبن” إلى دستور الإيمان القسطنطيني “المنبثق من الآب” طبقاً لما سمعاه في معبد البلاط الإمبراطوري ، الأمر الذي أثار حفيظة رهبان دير القديس سابا و جعل البطريرك الأورشليمي يوجّه إلى البابا لاون الثالث رسالة يشكو فيها هذا التعديل .

السفير البيزنطي البطريرك يوحنا الرابع القسطنطيني «النحوي» يقف بين إمبراطور الروم «ثيوفيلوس» (يمين) والخليفة العباسي المأمون (يسار) في سنة 829.
السفير البيزنطي البطريرك يوحنا الرابع القسطنطيني «النحوي» يقف بين إمبراطور الروم «ثيوفيلوس» (يمين) والخليفة العباسي المأمون (يسار) في سنة 829.

و مما لا مجال للشك فيه أنّ أبا قرّه كان اللاهوتي الذي اعتمده البطريرك الأورشليمي لكتابة وثائقه الهامة تلاه في ذلك بطريرك أورشليم الثاني توما و كلاهما من رهبان دير القديس سابا .

تجنّد أسقفنا منذ عام 813 م للدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية “الخلقيدونية” القائلة بالتجسد الإلهي و راح يجول البلاد مبشّراً بها حتّى بلغ الإسكندرية فلاقى الكثير من الإعجاب من جانب البسطاء من الناس لفصاحة لسانه و قوّة منطقه و حجّته في الحوار مع علماء المسلمين ، لكنّه لم يتمكّن أن يستميل الكثيرين من الأقباط (اللاخلقيدونيين). وتوّجه بعد ذلك إلى أرمينيا التي كانت خاضعةً للخلفاء العباسيين آنذاك مع تمتّعها بنوعٍ من الحكم الذاتي، يتجاذبها من الناحية الروحية تياران : تيّار سوري لا خلقيدوني في الجنوب وتيار بيزنطي في الغرب . ولم تشترك أرمينيا في مجمع خلقيدونية عام 451 م لإنشغالها آنذاك بالحرب مع الساسانيين (الفرس) بل رفضت ذلك المجمع وأدانته وأدانت مقرراته في مطلع القرن السادس الميلادي. واستمرت محاولات أباطرة القسطنطينية وبطاركتها لاجتذاب أرمينيا لعقيدتهم الرسميّة، وكان من أبرز البطاركة “جرمانوس” في مطلع القرن الثامن و “فوتيوس” في أواخر القرن التاسع .

ورغماً عن مخالفة الأرمن بعض الشيئ للسريان والأقباط حول المفهوم اللاهوتي لسرّ التجسّد الإلهي، كان الجميع متفقين على معارضة المجمع الخلقيدوني و مقرّراته، كان الأرمن يتّبعون آراء يوليانس التي تعارض آراء بطريرك السريان اليعاقبة ساديوس، وكان يوليانس ينتقض في الوقت ذاته من حقيقة فاعلية ناسوت المسيح، ولم تكن بين الطرفين أية شركة كنسيّة بالمفهوم الدقيق، وإن كانت قد أُبرمت بينهما عام 726م مثل هذه الشركة إلى حين، بينما كان البطريرك السرياني ميخائيل يتحدّث عام 797م عن إعادة الشركة مع الأرمن .

و بوصول أبي قرّه إلى بلاط أمير أرمينيا (آشود مساكر) حوالي عام 815 م وجد الجوّ ملائماً لجهوده التبشيرية، وخاصة إثر الرسالة التي بعث بها قبل سنتين بطريرك أورشليم توما وكانت من تأليف و كتابة أبي قرّه نفسه، فبذل جهوداً مضنية رغماً عن النجاح السريع الذي حققّه لدى الأمير آشود، لكنّه فشل في محاولته تعديل موقف الكنيسة الأرمنية من المجمع الخلقيدوني بسبب الشركة القائمة بين الأرمن والسريان بعد جدالٍ مضنٍ أجراه مع الشماس السرياني نينوس .

موقف أبي قرّه من الإسلام

اغتنم أبو قرّه جوّالإنفتاح الفكري في أوساط العباسيين، خصوصاً في عهد الرشيد

هارون الرشيد
هارون الرشيد

و المأمون، ليتّجه بنشاطه نحو أرقى الأوساط الإسلامية المثقفة معتمداً على ضلوعه بالعلوم الإسلامية من جهة، وعلى تمكّنه من عقيدته المسيحية ومن قوّة المنطق، والمعرفة التامّة بالعربية من الجهة الثانية. ولم يتصدَّ أبو قرّه للإسلام كعقيدة بل كانت مقالاته تقتصرعلى توضيح الإيمان المسيحي بطريقة دفاعية وجّهها للمنفتحين من المسلمين المثقفين، وعلى الردّ على الاعتراضات التي يثيرها أمامه بعض المسلمين على أيّ أساسٍ من أسس العقيدة المسيحيّة، وكان كثيراً ما يتطرق إلى النقاط التي تشكّل قوائم مشتركة بين الديانتين. فراح الحوار الديني يُثار في مدارس البصرة وبغداد، وكانت المواضيع المطروحة للحوار هي مواضيع: (حرية الإنسان، كلام الله، وصف الله، تشبيه الله أو تنزيهه عن ذلك، نزعة الإنسان العقلانية، وما شابه) وكان طرح مثل هذه المواضيع يجعل أبا قرّه شبيهاً إلى حدّ كبير بالمعتزلة الذين كانوا- في عهد المأمون- يحظون بعطف البلاط العباسي.

مكتبة الحكمة شعار الحوار الاسلامي - المسيحي زمن المأمون
مكتبة الحكمة شعار الحوار الاسلامي – المسيحي زمن المأمون

ومن الثابت أن الحوارالذي جرى بين أبي قرّه وأئمةّ المسلمين بحضورالمأمون كان أمراً واقعاً تاريخياً، وبالرغم من أن المكان الذي جرى فيه هذا الحوار كان حرّان

-بحسب المؤرّخ الرهاوي المجهول- كان ذلك الحوار دليلاً على أن تأثير أبي قرّه و طيب سمعته بلغا العاصمة بغداد و دخلا البلاط ذاته و كان لهما فيه شأن كبير، فتداولت جميع أوساط بغداد ترجمته لمنطق أرسطو. وما دام أبو قرّه قد أمّ بغداد في عهد المأمون – على ما يبدو- فقد يكون قد التقى فيها بـ “أبي هذيل اللفلوف” (752-840 م) من مشاهيرعصره و بـ”النظّام” الذي توفي عام 835 أو 845م وهو في مقتبل العمر، وكان بارعاً في علم الكلام والجدل، واتُّهم بانحيازه إلى جانب المسيحيين، فيما يتعلق بقضية التثليث. هذان الوجهان هما من ألمع وجوه المعتزلة، ومن المرجّح أنّهما قرآ أبا قرّه وإن لم يكونا قد دخلا في حوار معه.

وفاته

يُرجّح أن يكون أبو قرّه قد عاد في آخر أيامه إلى حرّان واستقر فيها، وربّما كان ذلك عام 824م، عندما مرّالخليفة المأمون بحرّان، واجتمع فيها بأبي قرّه حيث تمّت بينهما مناظرة دينية. ومما لا شك فيه أن البطريرك الانطاكي أيوب أعاده- بعد وفاة سلفه البطريرك ثاوذريطوس الذي عزله- إلى أسقفيته حرّان حيث توفي ودفن ليبقى في التقليد الموروث “أسقف حرّان”.

أتلف الخليفة العباسي المتوكّل كامل تراث المعتزلة الذين ارتبطت بهم ذكرى ثاوذوروس، فأُتلفت في الوقت ذاته كتبه العربية عدا نسخة دير القديس سابا، وأما كتاباته اليونانية فلم تطلها يدّ المتوكّل لأنها لم تكن تشكّل في نظره أي خطرٍ على الإسلام.

ولأبي قرّه- إلى جانب جميع مؤلفاته- مقالة في تكريم الأيقونات، وميمرعن وجود الخالق والدين القويم .

مخطوط تاريخي
مخطوط تاريخي



أضف تعليقاً